ننتقل الآن إلى محور جديد من محاور أصول الفقه. تعرفنا أولاً على بعض المقدمات، ثم ثنينا بالمحور الأول وهو الحكم، والآن نتناول محوراً جديداً وهو محور الدليل، ونتناول بعض الأدلة، وهي الأدلة المتفق عليها: القرآن، والسنة، والإجماع، وسيأتي بعد ذلك القياس في درس مستقل، ثم بقية الأدلة التي يختص بها المذهب المالكي. وبينهما نتناول الدلالة؛ لأنها ألصق بالقرآن والسنة؛ لأنها تتناول الأدلة النقلية.
إذاً، نحن في المحور الثاني من محاور أصول الفقه نريد أن نتعرف على القرآن والسنة في بعض مباحثهما؛ لأن مباحث القرآن في كتب الأصول كثيرة، وكذلك مباحث السنة في كتب الأصول أيضاً كثيرة. ومن مباحثهما ما يأتي به الأصوليون من تعريف الكتاب وتعريف السنة، وكذلك ما يتعلق ببعض مباحث القرآن كالبالسملة وقراءتها، أو وجود الألفاظ الأعجمية في القرآن، وكذلك السنة مرتبتها من القرآن ومنزلتها وحجيتها. هذه مباحث كثيرة يذكرها الأصوليون لن نتناولها في هذا المقرر، وإنما نتناول بعض المباحث والنسخ؛ لأنه أيضاً متعلق بهما، متعلق بالقرآن والسنة، لا يتعلق بغيرهما من الأدلة الشرعية الأخرى.
إذاً، حتى تترتب كما يقال المعلومات والموضوعات، هذا هو محورنا الثاني ونتناول فيه هذه الموضوعات بعون الله تعالى وتوفيقه.
من مباحث الكتاب أو القرآن، أو من مباحث الأصل الأول من الأدلة، الكتاب أو القرآن، مبحث ورود القرآن. القرآن كما عرفه الأصوليون، كما عرفه العلامة العلوي في مراقي السعود بقوله: لفظ منزل على محمد لأجل الإعجاز وللتعبد.
أولاً: أنا أكثرت من الاستشهاد بمراقي السعود لسببين: الأول كما بينت جزءاً من هذا التعليل أو من هذا الغرض، وهو الربط بكتب الأصول المتقدمة، كما كنت أحرص كثيراً في مقررات الفقه على الربط ببعض الكتب المتقدمة، وأيضاً حتى يتبين أن ما في هذا المقرر وإن لم يكن منسوباً إلى كتاب معين أنه موافق لما في كتب الأصول المعتمدة لعلمائنا رحمهم الله تعالى. فهو ليس تخصيصاً بمراقي السعود، وإنما لأن مراقي السعود أيضاً هو مجال النظر والبحث لدى محبكم أكثر من غيرها من المنظومات الأخرى؛ فكل الكتب الأصولية غالباً مباحثها متقاربة، تختلف في بعض الألقاب، في بعض الألفاظ، وكذلك في الترتيب والتقديم والتأخير.
مرة أخرى قال رحمه الله: لفظ منزل على محمد لأجل الإعجاز وللتعبد. يعني هذا هو تعريف للقرآن كما عرفه هو، وكما عرفه بعض الأصوليين، وهنالك صفات أخرى للقرآن أو للكتاب؛ فهم أيضاً يسمون هذا المبحث أو الأصل، الأصل الأول الكتاب أو الأصل الأول القرآن، وهو اللفظ ليخرج غير اللفظ، والمنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج المنزل على غيره من الأنبياء، ولأجل الإعجاز وللتعبد، واللفظ المنزل أيضاً ليخرج السنة كذلك؛ لأنها ليست لفظاً منزلاً هو يعني بلفظها، وإنما هي من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، لأجل الإعجاز وللتعبد، أي أن الله سبحانه وتعالى أعجز بأقصر سورة وأية من هذا القرآن، وكذلك لأجل التعبد؛ أي أن ألباطه متعبد بتلاوتها، وهذا يخرج الحديث القدسي؛ لأنه وإن كان لفظه ليس من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يحكي عن المولى تبارك وتعالى، لكنه ليس للتعبد، وليس كذلك فيه إعجاز.
من أهم المباحث في هذا الموضوع، في موضوع الكتاب، هو مبحث ورود القرآن. والقرآن أما أن يأتينا عن طريق التواتر وإلا فلا يعتبر قرآناً عندنا في المذهب، هذا باختصار هذا الموضوع.
فهو إما أن يأتي بطريق التواتر فهو حجة قطعية، وإما أن يأتي بطريق الآحاد وهي القراءة الشاذة، فهذا ليس قرآناً ولا يحتج به بطريقة تواتر؛ لأن التواتر شرط لازم في إثبات ماذا؟ في إثبات قرآنية القرآن، في إثبات قرآنية ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه قرآن. إن لم يكن متواتراً فليس بقرآناً.
فإذا كان متواتراً فهو حجة قطعية، وهذا دون خلاف، ليس فقط في المذهب المالكي وإنما دون خلاف عند جميع الأمة، بأن ما كان متواتراً فهو قرآن. الآن نتحدث عن الرتبة الأولى، كونه قرآناً، بعد ذلك كون الآية نصاً أو ظاهراً من المحكم من المتشابه، هذا موضوع آخر.
الآن نريد المرحلة الأولى: هل هذا الذي ورد قرآن أو ليس بقرآناً؟ فإن شرط إثبات القرآنية أن يكون بطريق التواتر، وهو ما يرويه جماعة عن جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، من التعريفات المعروفة. فإذا لم يكن قرآناً فليس بحجة، فإذا بطريق التواتر سيكون حجة قطعية.
ما كان بطريق الآحاد، وهو ما لم يكن متواتراً، سواء كان قراءة شاذة أو كان مروياً على أنه من القرآن ولم يكن من القرآن، فهذا عندنا في المذهب يترتب عليه أمران: أولاً أنه ليس قرآناً. ما معنى ليس قرآناً؟ يعني لا يتلى، لا نعتبره قرآناً في التلاوة ولا يحتج به في الأحكام. وهما جزئان اثنان، مسألتان تترتبان على كون القرآن أو كون هذا الذي ورد بطريق الآحاد: أولاً ليس قرآناً فلا يتلى، يعني لا يتلى تعبداً بتلاوته؛ لذلك قال لأجل الإعجاز وللتعبد، وكذلك لا يحتج به، كما قال العلامة رحمه الله تعالى العلامة العلوي: وليس منه ما بلا آحاد روي فللقراءة به نفي قوي.
فللقراءة به نفي قوي عند كثير من العلماء، منهم الشافعية كالاحتجاج، هذا عندنا فقط في المذهب، فالاحتجاج به لا يكون ولا يتم؛ لماذا؟ لأنه ليس قرآناً. من ذلك القراءة الشاذة التي تروى عن سيدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأبي بن كعب: فصيام ثلاثة أيام متتابعات، فإن فاؤوا فيهن في الإيلاء، وهذا مبحث القراءة الشاذة والذي يحتج به بعض العلماء، منهم السادة الحنفية وكذلك غيرهم.
دعوني أضرب مثالاً يكون أقرب مما ذكره العلامة الإمام الشريف التلمساني رحمه الله تعالى في كتابه مفتاح الوصول في هذا المبحث تحديداً، حينما ذكر الخلاف في كون الرضعات المحرمات خمس رضعات أو أقل أو أكثر، فإنه ينسب إلى غيرنا، إلى غير المالكية، كالسادة الشافعية والحنفية، كذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان مما يتلى من القرآن، أو كان مما نزل من القرآن، عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخنا بخمس معلومات. لاحظوا الآن: فنسخنا بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يتلى من القرآن.
أين هذه التي تتلى من القرآن التي أخبرت عنها أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها؟ ليست موجودة. فغير المالكية يقولون: هذا الحديث صحيح، هو مروي في صحيح مسلم إن لم تخني الذاكرة، هذا حديث صحيح، فهو أحد احتمالين: إما أن يكون قرآناً وإما أن يكون خبر آحاد. ليس متواتراً، فهو ليس قرآناً، فماذا سيكون إذن؟ سينتقل إلى خبر الآحاد، يعني سيكون مثله مثل الأحاديث التي تأتي في صحيح البخاري ومسلم، وققبل ذلك في موطأ الإمام مالك، إذا كان حديثاً صحيحاً وخبراُ صحيحاً استوفى شروط الصحة فهو مقبول يعلم به.
المالكية يقولون: هذا روي على أنه من القرآن، فهو جاءنا على أنه من القرآن، وطالما أنه ليس متواتراً فليس بقرآناً، وليس بسنة كذلك؛ لأنه لا واسطة بينهما، بمعنى إما أن يكون جاء بشروط القرآن، وإما أن لا يكون قرآناً ولا سنة، فإنه لم يرد على أنه حديث حتى نتعامل معه أنه حديث. على كل حال الخلاف والنقاش بين العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الجزئية وفي هذا الحديث كبير، لكن أنا فقط اردت أن أبین حكم المذهب ورأي الأصوليين عندنا في المذهب رحمهم الله تعالى أن ما كان ليس متواتراً وروي على أنه من القرآن فليس من القرآن من بيان من جانب التلاوة، وكذلك من جانب الاحتجاج والحكم.
أما الأصل الثاني وهو السنة النبوية، فكما ذكرت قبل قليل أن لها مباحث كثيرة جداً، ومن بين تلك المباحث ما يتعلق بتعريفها وحجيتها وأنواعها. ومن أنواعها أنها تنقسم إلى قول وإلى فعل وإلى إقرار أو تقرير.
القول هو الحديث الذي يذكر العلماء أنه كل ما سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم أو نقل عنه من الأقوال المقتضية الأمر والنهي، الأذن، وكذلك الأخبار، وكل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو من السنة؛ لذلك ما أثر عنه إما من قول وإما من فعل.
الفعل: كل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من أعمال، ويدخل في ذلك حتى الكف؛ لأن الكف فعل عند كثير من الأصوليين، فأيضاً أفعاله صلى الله عليه وسلم تعتبر من السنة.
وكذلك الإقرار: وهو إقراره على شيء فعل بحضرته أو علم عنه صلى الله عليه وسلم. هذه كلها تعتبر من السنة عند الأصوليين، الثلاثة هذه تعتبر من السنة؛ لأن المحدثين يدخلون فيها ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية.
فإذاً، السنة عند الأصوليين تشمل هذه الجوانب الثلاثة: القول، الفعل، الإقرار، مع الفرق طبعاُ بينها من حيث الحجية والرتبة، لكن اهتمام علم الأصول بهذه الأمور الثلاثة: ما كان يقتضي تكليفاً، بما كان له علاقة بأفعال المكلفين. ألم نقل قبل قليل في التعرف على الخطاب التكليفي أو الخطاب الشرعي عموماً بأنه خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه به مكلف؟ إذاً في السنة النبوية، السنة تشمل أموراً كثيرة في حياته صلى الله عليه وسلم في أفعاله وحركاته وسكناته وأخباره وأقواله، فالذي يهتم به علم الأصول هو ما يتعلق بماذا؟ ما كان مقتضياً للتكليف، يعني فيه أمر أو نهي من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما كان له علاقة بأفعال المكلفين، وكل هذا سنتعرف عليه بعد قليل إن شاء الله تعالى تفصيلاً.
من المباحث المتعلقة بالسنة، كما تعرفنا أن السنة تشمل القول والفعل والإقرار منه صلى الله عليه وسلم، فمن المباحث المتعلقة بالسنة مبحث تصنيف الفعل النبوي؛ أي أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم له عدة حالات، النبي صلى الله عليه وسلم بشر ونبي وقائد همام وحاكم، تكون منه أفعال صلى الله عليه وسلم، صنف العلماء تلك الأفعال التي صدرت منه صلى الله عليه وسلم بحسب تلك حالات.
فمن تلك الأفعال، ومن أجل الكتب التي اعتنت بذلك، كتب الإمام القرافي رحمه الله تعالى: الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والامام. فهنالك أفعال مختصة به صلى الله عليه وسلم؛ أي أنها من حيث الفعل والتكليف خاصة به صلى الله عليه وسلم، أي أنه هو المكلف بها، كالتهجد الذي أوجبه الله تعالى عليه، قيام الليل، وكذلك وصال الصوم: «إني لست كهيئتكم، أني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وكذلك جواز نكاح أكثر من أربع من النساء، وكذلك النكاح بغير الصداق، أي بغير المهر. فهذه الأفعال التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم لا تكليف فيها، فليس فيها اتباع من أمته له صلى الله عليه وسلم في تلك الأفعال، فالفعل المختص به ليس فيه اتباع من أمته له.
وهنالك الفعل الجبلي، أي نسبة للجَبِلة أو العادة، كالأكل والشرب والقيام والقعود والنوم واليقظة والجلوس. هذا كله الحكم كما ذكر العلماء فيه الجواز؛ أي أنه مباح في حق أمته لا تكليف فيه. نحن نتحدث عن المصطلحات الآن الأصولية، لابد أن ندقق في المصطلحات، حينما نقول لا تكليف فيه، يعني لا تكليف بالايجاب ولا بالندب، فهذا مما يذكره العلماء في مثل هذه التصنيفات لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أن يكون الفعل بيانياَ، مثل ماذا بياني؟ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين ما جاء مجملاً في القرآن الكريم، الله سبحانه وتعالى أوجب الصلاة، وأوجب الحج، وأوجب الصيام، وأوجب الزكاة، وأوجب أفعالاً كثيرة. هذه الأفعال جاءت في القرآن مجملة، حتى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، ما هو الموضع الذي تقطع منه اليد التي جاءت مجملة في القرآن؟ هل هي من الكوع؟ هل هي من المرفق؟ هل هي من جانب الإبط؟ لأن كل ذلك يصدق عليه يد.
فإذا كان فعله بيانياَ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الفعل مبيناً لشيء مجمل في القرآن، فحكمه حكم مبين. إن كان فعله للصلاة كما قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم»، بين هذه الأفعال، فحكمه حكم مبين. الصلاة ما حكمها؟ حكمها واجب. الصيام ما حكمه؟ واجب. الحج، قطع السارق، قطع يد السارق، هذا واجب على الإمام وعلى المسلمين، فحكمه أي حكم هذا الفعل حكم الفعل المبين الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنالك الفعل العبادي، وهذا ينقسم إلى واجب وقيل مندوب، هذا هو محل في مبحث السنة أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هل هي من حيث الدلالة هل تدل على الوجوب أو تدل على الندب؟ الأصل فيها أنها تدل على الوجوب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع، فإذا فعل فعلاُ فالاصل فيه الوجوب، وقيل الندب، وقيل كذلك غير ذلك.
وأما أن يكون الفعل منه صلى الله عليه وسلم إقراراً وهذا يدل على الجواز، الإقرار يقصد به سكوته صلى الله عليه وسلم عن الفعل الذي جرى بحضرته، يعني رآه عليه.
الصلاة والسلام، أو سمعه أو وقع في عصره وهو يعلم به عليه الصلاة والسلام ولم ينكره ولم يبين أنه حرام أو يبين أنه مكروه، فهذا يدل على أن هذا الفعل جائز، وفيه نفي للحرج وفيه نفي للإثم عن فاعله وعن غيره كذلك من أفراد الأمة بهذا الإقرار منه صلى الله عليه وسلم.
أما الخبر، أو تقسيم الخبر باعتبار وصوله إلينا وباعتبار طريق وصوله إلينا: الخبر عند الأصوليين يقابل الإنشاء؛ الخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. وهنالك خبر مقطوع بصدقه كخبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهنالك خبر مقطوع بكذبه كخبر مسيلمة الكذاب، وهنالك الخبر المحتمل للصدق والكذب. الخبر من الأخبار، أي أن ما جاءنا عن طريق الخبر؛ إما أن يأتينا عن طريق التواتر وإما أن يأتينا عن طريق الآحاد.
التواتر: ما يرويه جماعة عن جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب. التواتر يعني من التتابع، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: 44] أي متتابعة. هذا الخبر الذي جاءنا عن طريق التواتر حتى يتحقق فيه ما يترتب على التواتر من حجية قطعية في الدلالة في الإثبات، عفواً يعني في وصوله إلينا في بلوغه إلينا، كما رأينا قبل قليل في إثبات قرآنية القرآن أن من شروطها أن تكون بالتواتر، فإذا كانت بالتواتر هنا قطعنا بأن هذا اللفظ من القرآن، ترتب عليه أنه حجة من حيث الثبوت حجة قطعية.
حتى يكون الخبر بلغ رتبة التواتر ويترتب على هذا التواتر وحجية التواتر؛ لابد أولاً أن يكون مستنداً إلى أمر محسوس، ولابد فيه من استواء الطرفين، ولابد كذلك أن يكون العدد الذي ينقله يستحيل تواطؤه على كذب. أولاً، استناده إلى أمر محسوس، يعني معتمد على الحواس. هذا هو الذي يكون في سنة النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا؛ فهذا من شروط التواتر أنه يستند إلى أمر محسوس، فالتواتر لا ينفع في العقليات، لو تواتر الناس على قاعدة عقلية كقواعد الرياضيات أو قواعد المنطق لا ينفع هذا التواتر في إثبات تلك القاعدة، لأن القواعد العقلية لا ينفع فيها التواتر، إذاً لابد من الاستناد إلى محسوس، يعني إلى أحد الحواس الخمس.
وكذلك لابد فيه من استواء الطرفين والواسطة في نقله، يعني أطراف النقل هنالك عدة طبقات ستروي لنا هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد أن يكون هذا التواتر في جميع الأطراف ليس في طرف واحد. يعني في هنالك أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم رواها واحد، ثم بعد ذلك رواها عن هذا الواحد واحد، ثم تواترت بعد ذلك، هذا لا يجعلها في رتبة المتواتر، لأن من شروط التواتر أن يكون في جميع الأطراف، أي في جميع أطراف الإسناد.
وأيضاً من شروط التواتر أن هذا العدد يستحيل تواطؤهم على الكذب؛ التواطؤ هو التمالؤ، بمعنى أن هذا العدد يجعلنا نحيل أن العادة، يعني العادة تحيل أن هؤلاء يجتمعون ويتفقون على الكذب في هذه الحكاية. حتى تتضح الصورة من الامتدادات التي كانت يعني سائغة قديماً، كالخبر عن مكة كما يقول العلماء، أو الأخبار عن الصين. الآن نحن نعرف أن هنالك أهرام مثلاً في مصر، الآن مع وسائل التواصل الحديثة أصبحنا نرى الأهرام في الجوالات أو في وسائل الإعلام المختلفة، لكن قبل مئة سنة لم يكن لا مطبوعات ولا شيء، إنما يتناقل الناس هذه الأخبار، هذا خبر أو خبر وجود الأهرام خبر نقل إلينا بالتواتر أن هنالك أهرامات في مصر، هل هذا الخبر صحيح أو غير صحيح؟ الخبر الآن بلغ رتبة التواتر، الناس يتحدثون؛ هنالك سور الصين العظيم، هنالك نهر يسمى نهر النيل، الذي ينقل هذا الخبر ينقل شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً في أزمنة مختلفة، كما ينقل إلينا أن هنالك حاكماً أو خليفة اسمه هارون الرشيد، هذا كله نقل بالتواتر. العدد الذي ينقل هذه الأخبار يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب، بمعنى أنهم هل يعقل أنهم يجتمعون تكون مصلحة لإثبات ذلك؟ لا، هذا هو الذي يقصد أو يقصده العلماء بأن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، بمعنى أن هنالك عادة قد لا تحيل تواطؤهم على الكذب، كما هو الآن الحاصل والدارج في وسائل الإعلام الحديثة الغربية، وسائل الإعلام الغربية قد تكون كلها تتواطؤ على الكذب ولا تحيل العادة تواطؤهم مع الكذب في التمالؤ على خبر معين، بسبب كما يقال سيطرة اللوبي الصهيوني أو غير ذلك على تلك الوسائل. نحن لا يهمنا هذا، لكن إنما أردت فقط أن أبين أن قد تكون العادة لا تحيل تواطؤ هذا العدد على الكذب.
إذاً، هذه هي شروط التواتر: أولاً كما يقال أن ينقله جماعة عن جماعة، فهذا المقصود باستواء الطرفين، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب هذا هو الشرط أيضاً الثاني أو الثالث هنا في التعداد، وأسندوه إلى شيء محسوس.
أما إن وصلنا الخبر عن طريق الآحاد، فهذا إما أن يكون هذا الخبر إما أن يكون مقبولاً وإما أن يكون مردوداً. المردود ما اختل فيه شرط من شروط القبول، والمقبول له شروط.
أول هذه الشروط: كون الراوي مسلما، وهذا محل إجماع واتفاق بين الرواة أن الكافر لا تقبل روايته. ومن شروط كذلك قبول الرواية: أن يكون مكلفاً أي عاقلاً بالغاً، العقل واضح والبلوغ، إنما يذكر الفقهاء يذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا شرط شرط في الأداء لا شرط في التحمل؛ يعني قد يكون كما كان في حال بعض الصحابة أنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وهم لم يكونوا بالغين، لكنهم حينما أدوه أدوه وهم بالغون، فالعبرة بالآداء لا بالتحمل، لأن الأداء هي الحالة التي تشترط فيها أو يشترط فيها التكليف.
وكذلك أن يكون ضابطاً، بالظبط بمعنى ضبط الرواية؛ إما أن يكون ضبط صدر أو ضبط سطر، بمعنى أنه لا يخل بالرواية سواء كان ذلك عن طريق الكتابة أو كان عن طريق الحفظ، وهذا مما يفخر به المسلمون في عملية الرواية التي نقلها علماؤنا رحمهم الله تعالى، ومن شدة ضبطهم ومن دقة تحريهم للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، نجد حتى التصنيف عندهم في تصنيف الرواة في كونه ثقة ثقة، وفي كونه ثقة، أو كونه يهم، أو كونه اختلط في آخر عمره، أو أنه يروى عنه وهو ثقة فيما رواه عن الشاميين لا فيما رواه عن الحجازيين وهكذا، فهذا مما يكون من شروط القبول.
وكذلك من شروط القبول: أن يكون عدلاً، والعدالة صفة تمنع صاحبها من فعل، يعني من إتيان الصغائر، هو العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر، وكذلك تمنعه مروءته من فعل ما لا يليق به. والعدالة كالبلوغ كما ذكر العلماء، أي أنها شرط في الأداء لا في التحمل. متى اختل شرط من هذه الشروط فقد نزل هذا الخبر من درجة القبول إلى درجة المردود، وهذا الذي جعل العلماء يصنفون الأحاديث: الأحاديث الصحيحة، والأحاديث الحسنة، والأحاديث الضعيفة؛ فالحسن ما اختل فيه شيء بسيط من العدالة أو الضبط، لكن متى كان هنالك خلل أكبر في تلك الرواية فإنها نزلت به إلى درجة المردود، فإما أن يكون ضعيفاً وهذا يجعل الحديث مردوداً.
إذاً هذه هي أقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا: إما أن يكون عن طريق التواتر، ومتى ثبت الخبر تواتراً فهو حجة قطعية، وثبوت الدلالة شأن آخر كما ذكرت قبل قليل، وإما أن يأتينا عن طريق الآحاد، فإذا كان عن طريق الآحاد وكان مقبولاً دخل في درجة القبول. هذا هو التقسيم المتعلق بهذين بالخبر من هذين الجانبين، والمتواتر في السنة قليل جداً، المتواتر سواء كان لفظاً أو كان تواتراً معنوياً فهو قليل، أما القرآن فهو كله متواتر كما تعرفنا قبل قليل، فلذلك القرآن كله من أوله إلى آخره من حيث الثبوت حجة قطعية.
النسخ: أحد مباحث علم أصول الفقه، وهو متعلق بالكتاب والسنة، وهو كذلك كما يذكر الأصوليون نوع من أنواع البيان، فالبيان إما أن يكون متعلقاً بالألفاظ، وإما أن يكون كذلك متعلقاً بمثل هذا الموضوع. فالنسخ تبديل لحكم بإحلال حكم آخر وبإنشاء حكم آخر محله، فهو رفع لحكم سابق وإنشاء لحكم لا، نسخ الحكم السابق فهو نوع من أنواع البيان.
النسخ في اللغة له عدة معاني؛ من بين تلك المعاني أنه يعني الرفع والإزالة، كما يقول اللغويون: نسخت الشمس الظل أي رفعته. وله معنى آخر وهو النقل، فهذا كما نقول نحن الآن: أذهب إلى محل النسخ سانسخ هذا الكتاب، فأننا نقلت حروف ذلك الكتاب وتلك الصفحة من صورة إلى صورة أخرى، ونفرق ها هنا بين الأصل والنسخة، نقول هذه نسخة وليست أصلاً.
الذي يهمنا في هذا الصدد من المعنيين اللغويين هو المعنى الأول الذي فيه الرفع والإزالة، لان النسخ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِيهَا﴾ [البقرة: 106] أي بمعنى الرفع والإزالة للحكم أو للتلاوة السابقة. هذا هو المعنى اللغوي وهو أقرب المعاني لتعريفه الاصطلاحي، وهو: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ. فهو رفع لحكم شرعي أي ثبت بدليل سابق ثبت ذلك الحكم، كيف يرفع هذا الحكم؟ سيرفع بدليل شرعي آخر، يعني إما من الكتاب من السنة بدليل شرعي متراخ عنه أي متأخر عنه.
رفع لحكم شرعي هذا يعني أن الحكم الشرعي السابق سيرفع كله، وهذا يفرق بين أو يجعلنا نفرق بين النسخ وبين التخصيص. سيأتينا فيما بعد أن الفرق بين أن من مباحث الأصول التخصيص، فالتخصيص هو تخصيص لأفراد العام، لكن يبقى جزء من أجزاء ذلك العام لابد أن لا يخصص، لأن الخاص لا يخصص العام كله. فها هنا أيضاً فرق، يعني كما يقال نفتح ذهننا لتلك أو لهذا الفرق بين المسألتين، فالنسخ رفع لحكم شرعي بالكامل، أي لكامل ذلك الحكم بدليل شرعي عنه.
أنواعه وشروطه: أولاً هذه الانواع إما أن تكون نسخاً للكتاب بالكتاب، ونسخ الكتاب بالكتاب يعني أن آية نسخت آية أخرى، فهي إما أن تكون نسخاً للتلاوة، وإما أن تكون نسخاً للحكم، وإما أن تكون نسخاً للتلاوة والحكم.
فنسخ للتلاوة أي مع بقاء الحكم، كما يروى في الحكم الشرعي المعروف وهو رجم الزاني كما نسخت تلاوته التي كانت في سورة الأحزاب: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فهذا نسخ للتلاوة لكن الحكم باقٍ، كما ذكر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وأما أن يكون نسخاً للحكم مع بقاء التلاوة، وهي آيات في القرآن كثيرة، كما في نسخ آية المصابرة وغيرها من الآيات. وأما أن يكون نسخاً للتلاوة والحكم معاً، يعني الآية نسخت تلاوة وكذلك حكمها نسخ.
وأما أن يكون نسخاً للكتاب بالسنة المتواترة، وهذا مبحث متفق عليه، لأن الكتاب ثبت بالتواتر والسنة طالما أنها متواترة فهي تنسخ الكتاب. وهذه المباحث التي ستأتي في التقسيمات يذكرها الأصوليون من حيث المبحث من حيث البحث العلمي ابتداءً داخل أصول الفقه، فقد يقررون المسألة ولكن لم يقع لها مثال، أي أن كما يقول العقل لا يمنعها أو القاعدة لا تمنعها، لكن قد لا يكون لها مثال الذي لا، لا أقصد هذه المسألة تحديدا ولكن في التقسيمات التي يذكرونها.
وأما أن يكون النسخ نسخاً للسنة بالكتاب، أي نسخاً للسنة أي ما ثبت بالسنة من الأحكام بالكتاب أي أن الكتاب هو الناسخ، مثل ما يمثله الأصوليون من نسخ التوجه لبيت المقدس بما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، لأنهم كانوا يصلون قبل ذلك بالاتجاه لبيت المقدس بما ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أن يكون نسخاً للسنة بالسنة، وهذه إما أن تكون نسخاً لمتواتر بمتواتر، وإما أن تكون نسخاً لآحاد بمتواتر، والآحاد إذا نسخ بمتواتر لا خلاف فيه، وإما أن يكون نسخاً للآحاد بالآحاد كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، فنهاهم صلى الله عليه وسلم فهذا نهي كان بالسنة بأخبار الآحاد، نسخه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأمره بالزيارة: «ألا فزوروها».
من شروط النسخ، أي من شروط اعتبار النسخ في الخطاب الشرعي المتراخي: أولاً، تعذر الجمع بين الدليلين. ومن شروطه كذلك: كون المنسوخ إنشاء لا خبراً، لأن الأخبار لا تنسخ، أخبار السابقين من قصص السابقين القصص التي جاءت في القرآن أو ما كان من قبيل الخبر هذا لا ينسخ، لأن الأخبار يترتب على ذلك كما يقول العلماء أمر محظور، لأن القصة أخبار عن واقع كيف تنسخ؟ فلابد أن يكون المنسوخ إنشاءً، أي أمراً أو نهياً، فيه أمر أو نهي.
وكذلك كون الناسخ متأخراً وهذا لابد منه، فكون الناسخ متأخراً هذا شرط، لكن كيف يعرف هذا الناسخ بأنه متأخر؟ أما بالإجماع، إجماع العلماء بأن هذا الدليل متراخ عن الدليل الأول، أي أنهم اجمعوا لديهم مستند وإن لم يصلنا، لكن هنالك إجماع سابق ربما ينقله السلف عمن سبقهم من السلف، فهذا إجماع قد يكون إجماعاً من الصحابة قد يكون إجماعاً من التابعين. وأما أن يصرح الشارع كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
نهيتكم عن زيارة القبور كنت نهيتكم عن الادخار لأجل الداء. فهذا تصريح من الشارع بأنه نهى عن حكم سابق أو نهى عن شيء في حكم سابق أو في دليل سابق، ثم بعد ذلك نسخ بدليل آخر. ومما يعرف به فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما كذلك أن يكون معرفة أو تكون معرفة الناسخ بقول الراوي؛ بقول الراوي هذا متأخر مثلاً أو هذا متقدم، أو حتى أن يذكر التاريخ في الدليل؛ أن مثلاً يذكر غزوة من الغزوات، أو يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في سنة معينة، فإن هذا أيضاً مما يعرف به الناسخ.
ننتقل بعد ذلك للحديث عن دليل شرعي آخر من الأدلة الشرعية المعتبرة والمتفق عليها والمجمع على الاعتداد بها، إن كان الاجماع قطعياً، وهو دليل الإجماع الذي استدل على حجيته الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بقول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 115]. الإجماع في اللغة يعني أو يأتي بمعنى العزم أو الإرادة على الشيء، الإرادة مع التصميم على الشيء، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وكما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل»، أي لمن لم يؤكد أو يصمم عزمه على الصيام من الليل.
فهو من الأدلة الشرعية المتفق عليها الإجماع، حتى يتحقق له أركان، فمن أركان الإجماع التي ينبني عليها الإجماع: المجمعون، وكذلك الواقعة المجمع عليها، وكذلك الحكم المجمع عليه، وكذلك المستند الذي استند عليه الإجماع. أما المجمعون فمن شرطهم الاجتهاد أولاً؛ نحن نتحدث عن إجماع في حكم شرعي، فأنا أتحدث عن علماء الشريعة، ونخرج غيرهم من علماء اللغة ومن علماء الطبيعة ومن علماء الطب، فلا مدخل لهم في هذا الفن أبداً، إلا إذا كان من باب تحقيق المناط، كما يقول العلماء، من باب الاستفادة من خبرتهم، لكن إجماعهم أو عددهم أو أفرادهم غير داخلين في الإجماع.
نحن نتحدث عن علماء الشريعة، ونتحدث تحديدا عن العلماء المتخصصين في الفقه، فلا مدخل كذلك لعلماء التفسير ولا لعلماء الحديث ولا غير ذلك من علماء الشريعة كعلماء العقيدة، نتحدث عن العلماء في علم الفقه تحديدا، والمجتهدين من العلماء في الفقه، أي من الفقهاء، فنحن نتحدث عن الاجتهاد، أي الاجتهاد في علم الفقه فقط، فيخرج غير الفقهاء، ويخرج كذلك الفقهاء غير المجتهدين. ما هو الاجتهاد؟ سيأتينا لاحقا، نحن نعرف أن من مباحث ومحاور هذا الفن الحديث عن الاجتهاد والتقليد وسيأتي لاحقا. إذا، من بلغ رتبة الاجتهاد هم من يحق لهم الدخول في الإجماع، ويحسبون من ضمن عدد الإجماع والمعتد به.
وهذه الشروط المعاصرة؛ أي أن يكونوا في عصر واحد، فالإجماع لابد أن يكون في عصر واحد، كعصر الصحابة أو التابعين كعصر الصحابة، ولو دخل التابعون مع الصحابة إذا بلغ أحد التابعين رتبة الاجتهاد فإنه معهم، المقصود أن يكونوا في زمن واحد، أي في عصر واحد اجمعوا فيه على مسألة من المسائل. وكذلك من الشروط اتفاق الجميع، وهذا سيأتي بعد قليل، أن من أنواع الإجماع الإجماع الصريح والإجماع السكوتي، فإذا كان إجماعاً صريحاً لا بد أن يتفق الجميع، جميع العلماء المعاصرين المجتهدين، على هذا القول أو على هذه المسألة أو على هذا الحكم، إذا افترقوا على قولين المهم أن يتفقوا أو أن يتفق جزء منهم على القول الأول وجزء منهم على القول الثاني، فسيكون الإجماع على مسألتين أو على حكمين في مسألتين، المهم أن يتفق الجميع، جميع العلماء، في حكم من الأحكام، وأن يكونوا في زمن أو في عصر واحد، وأن يكونوا قد بلغوا رتبة الاجتهاد.
أما الشرط أو الركن الثاني، وهو الواقعة المجمع عليها، فمن شرطها ألا يكون فيها إجماع سابق، وألا يكون فيها خلاف مستقر؛ ليس فيها إجماع سابق، لأنه لو كان هنالك إجماع سابق على حكم معين، ثم جاء إجماع تال بعد ذلك، إما أن يكون الإجماع الأول استند إلى دليل، فإما أن يكون الإجماع الأول باطلاً، وإما أن يكون الإجماع الثاني هو الباطل؛ لأنه لن يكون الإجماع الذي هو حجة لن يكون باطلاً -عفوًا- لن يكون الإجماع الثاني صحيحاً والإجماع الأول صحيحاً، فإما أن يكون أحدهما باطلاً، وهذا يعني أن الإجماع الاول إذا لم ينعقد أصلاً، وإما أن يكون الثاني هو الباطل؛ لأن الإجماع الأول حينما تحققت أركانه وشروطه أصبح حجة معتبرة معتداً بها، فلا بد أن يكون الإجماع في مسألة ليس فيه إجماع سابق، حتى لا يخرق ذلك الإجماع الأول.
وألا يكون فيها خلاف مستقر، بمعنى أن الإجماع قد يكون في حكم أو في مسألة من المسائل على قولين، فلا يكون هنالك إحداث لقول ثالث، أو لا نكون -بمعنى أدق- لا يأتي علماء مثلاً المعاصرون الآن في زمن من الأزمنة كزماننا هذا، يأتون إلى قول من الاقوال التي أجمع العلماء على أنها في قولين، أجمع الصحابة أو أنه نقل الاجماع عن التابعين على أن المسألة أو أن الحكم في هذه المسألة على قولين، فلا يجمع المعاصرون على قول من الأقوال أو أحد القولين، الإجماع يبقى في هذين القولين، ولا يكون الإجماع الجديد في مسألة قد استقر فيها خلاف سابق بين الفقهاء في العصور المتقدمة.
أما الحكم فشرطه أن يكون شرعياً، فلا عبرة بالإجماع في غير الشرعيات، في المسائل الدنيوية والعلوم الأخرى، هذه لا مدخل لها في الإجماع، فلابد أن يكون الإجماع في حكم شرعي، وتعرفنا على الحكم الشرعي واصطلاحه.
ومن أركان الإجماع كذلك أن نعرف أن أنواع الإجماع أن الإجماع ينقسم إلى إجماع صريح وإلى إجماع سكوتي. الإجماع الصريح هو الإجماع الحقيقي الذي يتفق فيه كل المجتهدين على حكم في مسألة من المسائل، فهذا هو الإجماع، سواء كان يعني هذا الإجماع بقولهم أو بفعلهم أو بتركهم، فهذا هو الإجماع، قد يكون الإجماع في مسائل الربا في تركهم لمحرم من المحرمات، هذا إجماع صريح، أي أن العلماء صرحوا برأيهم أو فعلوا جميعاً هذا الفعل، فهذا يعتبر إجماعاً صريحاً وهو الإجماع الحقيقي وهو الحجة القطعية.
وأما أن يكون إجماعاً سكوتياً، الإجماع السكوتي هو أن يقول فرد أو عدد من المجتهدين، أي من أفراد الإجماع الذين تحققت فيهم شروط الاجتهاد والمعاصرة يعني في عصر واحد، أن يفعلوا فعلاً أو أن يقولوا قولا، يكون الآخرون أو يسكت الآخرون في هذه المسألة، يعني لا ينقل عنهم أنهم منكرون، أو أنهم -كما يقال- متحفظون على فعل غيرهم من العلماء بفعلهم أو بقولهم، فهذا يعتبر بمثابة الإجماع السكوتي. هذا الإجماع السكوتي كما قال الإمام القرافي في مذهبنا نحن المالكي: لم يقف على قول في بيان فيه بيان لحجية هذا الإجماع ومرتبته، فمنهم من نقل أنه ليس بحجة، ومنهم من نقل أنه حجة، لكنه في كل الأحوال مدار الاقوال كلها على أنه في رتبة أقل من الإجماع الصريح، فهو حجة -إذا كان حجة- فهو حجة غير قطعية.
إذن، هذه أنواع الإجماع، أما أن يكون إجماعاً صريحاً وأما أن يكون إجماعاً سكوتياً. أما مستنده، فإما أن يستند الإجماع إلى نص وإما أن يستند إلى قياس؛ بمعنى أن المجمعين من العلماء استندوا في اجتهادهم هذا إلى نص، إما من القرآن أو من السنة، ولو كان من السنة حتى لو كان ضعيفاً، لأنه ضعيف عندنا نحن أو في وصوله الينا نحن، وهذي من المسائل التي أكلت -أو أشكلت- على كثير من الباحثين أنهم حينما يبحثون عن مستند الإجماع يجدون مستند الاجماع حديثاً ضعيفاً؛ حديثاً ضعيفاً بالنسبة الينا في زماننا أو عند المتأخرين حينما أرادوا تمييز الحديث بين الصحيح والضعيف، لكنه عند المجمعين في أول بدايات التشريع، من الصحابة أو من التابعين، فانه كان عندهم صحيحاً، فالمستند وإن كان ضعيفاً بالنسبة الينا لكن الإجماع هو الذي يعتبر حجة، فالمستند بالنسبة الى المجتهدين هو الذي سيكون في رتبته أو بالنظر إلى رتبته، فالمستند اما أن يكون نصاً واما أن يكون قياساً، كما يمثل الأصوليون قياس الصحابة أو إجماعهم على إمامة سيدنا أبي بكر الإمامة الكبرى على خلافته رضي الله تعالى عنه، إجماع قياساً على ماذا؟ قياساً على إمامته في الصلاة التي قدمه فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا إجماع منهم مستند إلى ماذا؟ مستند إلى قياس منهم رضي الله تعالى عنهم.
هذه أبرز مسائل الإجماع، وإلا فهنالك مسائل أخرى في قضية الإجماع المستند إلى ظن، في قضية كذلك اشتراط انقراض العصر بعد الإجماع من المجتهدين المعاصرين المتفقين: هل يشترط انقراض العصر وما هو حكم إحداث قول ثالث؟ وكيف كذلك ينقل إلينا الإجماع؟ هل لابد أن ينقل إلينا نقلاً قطعياً بالتواتر أم يكفي فيه خبر الآحاد؟ هذه مسائل كثيرة مبسوطة في كتب الأصول، أردت فقط أن أبين أن هذا الأصل أو أن هذا المبحث من مباحث أصول الفقه له مسائل وفروع أخرى لم تذكر، وأننا نتناول فقط في هذا الحيز هذه المسائل تحديدا.
الشيخ نايف آل الشيخ مبارك