يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعهم طوروا أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، كتاب الله رحلة قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى لنا، زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب أكاديمية زاد المستوى الرابع، أهل مائدة القرآن، أحييكم بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه هي آخر حلقة، وهذا آخر درس في هذا الفصل المبارك الذي عشنا وإياكم أربع وعشرين حلقة من أجمل الحلقات ومن أجمل الساعات، عسى الله أن يكتبها عنده، ويورثنا بها وإياكم الفردوس الأعلى من الجنة. أردت في آخر حلقة أن نمر وإياكم على أعظم سورة، وأن ننتقي منها ما يقر الله عز وجل به القلوب ويشفي به الصدور، ويكون علمًا وعملًا لنا بإذن الله، وهي سورة الفاتحة.
هذه السورة بلا شك هي أعظم سورة في القرآن، كما في حديث سعيد بن أبي المعلى حينما قال له النبي ﷺ في المسجد: «ألا أنبئك بأعظم سورة في القرآن؟»، ثم حين أراد أن يخرج النبي ﷺ من المسجد قال: يا رسول الله، قلت لي إنك ستنبئني بأعظم سورة في القرآن؟ قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». فهذه السورة بلا شك هي أعظم سورة في القرآن، كما أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن، ولا تصح الصلاة أبدًا بدون الفاتحة؛ فمن لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له.
ذكر العلماء لهذه السورة أكثر من ثلاثة عشر اسمًا، للفاتحة أسماء كثيرة ولكل اسم تعليل ولكل تعليل دليل. من أشهر أسمائها "الفاتحة"، وسميت بالفاتحة لسببين: أنها تفتتح بها الصلاة، والسبب الثاني يفتتح بها القرآن، فهي أول سورة في القرآن، وهي أول ما تفتتح به الصلاة، وهي سورة الفاتحة كما سماها النبي ﷺ. ومن أسمائها في رواية "أم الكتاب"، وسميت أم الكتاب لأن معظم مضامين سور القرآن تخرج من هذه السورة، فكما يعود الأبناء إلى أمهم، تعود سور القرآن إلى هذه السورة.
وأيضًا من أسمائها "أساس القرآن"، فكما أن للبنيان أساسًا فإن للفاتحة للقرآن أساسًا، وهو الفاتحة، أي بنيت سور القرآن على هذه السورة العظيمة. ومن أسمائها أيضًا "السبع المثاني"، وسميت سبعًا لأن آياتها سبع، وسميت مثاني لأن المثاني هي التي تكرر؛ لذلك ورد في الحديث عن النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى»، أي تكرر تكرر، فسميت المثاني الفاتحة لأنها تكرر.
ومن أسمائها أيضًا "الصلاة"، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاقْسُمْ بِهِ أَنَّ صَلَاتَكَ عَلَىٰ أَهْلِكَ﴾ [الطور: 49]، والمراد بالصلاة الفاتحة. فإذا قال العبد: «الحمد لله رب العالمين»، قال الله: "حمدني عبدي"، وإذا قال: «الرحمن الرحيم»، قال: "أثنى علي عبدي"، وإذا قال: «مالك يوم الدين»، قال: "مجدني عبدي"، وإذا قال: «إياك نعبد وإياك نستعين»، قال: "هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"، لذلك سميت الصلاة لهذا الحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين».
ومن أسمائها "الشافية" لأنها يستشفى بها بأمر الله، ومن أسمائها "المعافية" لأنه يتعافى بها بأمر الله، ومن أسمائها "الرقية" لحديث الصحابة الذين خرجوا في سفر فجاءوا لحي من أحياء العرب، فخرجت لهم جارية فقالت: إن سيد الحي سليم. وسليم هنا معناه ملدوغ، وسليم من المشتركات اللفظية أن يُراد به معنيان متضادان؛ سليم غير سليم، وسليم سليم. قالت: إن سيد الحي سليم أي ملدوغ، فهل معكم من راقٍ؟ قالوا: فخرج له أحد، وما نعلم أنه صاحب رقية، فقرأ عليه الفاتحة سبع مرات فشفي سيد الحي بسبب سورة الفاتحة، فهي الشفاء.
ثم أعطوا شاة فذهبوا بها إلى رسول الله ﷺ يستفتونه: أن يأكلوا؟ قال: «نعم»، واضربوا لي بسهم، وذلك حتى يحلل لهم عمليًا جواز الأجرة على الرقية أو جواز الأجرة على قراءة القرآن، وهكذا النبي يحلل لهم عمليًا. كما في حديث أبي عبيدة حين خرجت لهم دابة العنبر، قالوا: أقمنا عليها شهرًا حتى سمنا، فأخذنا منها وشائج، لكن الصحابة اختلفوا هل يجوز أن يأكلوا ميتة البحر؟ فحينما سألوا النبي ﷺ قال لهم: «هل معكم منها من شيء فتطعمونه؟»، فأعطوا فطعمها، فأثبت لهم عمليًا جواز أكل ميتة البحر؛ لذلك قال ﷺ عن البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
لذلك الفاتحة يا إخواني ويا أخواتي سبع مرات على الوجع الذي تشعر به، والله إنها شفاء كامل. والله إني كنت أتحدث مع كثير من بعض طلاب العلم في درسهم من الدروس، فتحدثت عن هذا الحديث، وأن قراءتها سبع مرات شفاء، فجاءني أحدهم بعد فترة طويلة فقال لي: والله إنه قد كان بي مرض لا يُدرى ما هو، فكلما عملت تحاليل واستشفاء، يقول الأطباء: لا ندري ما الذي فيك ولا نعلم حقيقة مرضك. قال: فحين سمعت في ذلك الدرس الفاتحة بهذه الطريقة سبع مرات، وضعت يدي على وجعي وقرأتها من كل قلبي، وأنا لا أتصور إلا الفاتحة، لم أتصور علاجًا ولا طبيبًا ولا صيدلية ولا شيء، إنما تصور هذه الفاتحة بكل آياتها، قال: والله ما رفعت يدي عن وجعي إلا وقد شفاني الله، لهذا اليوم فهي مجربة، ولا نحتاج أن نشك ما دام أن هذا خبر الله وخبر النبي ﷺ.
ومن أسماء سورة الفاتحة "الواقية" لأنها تقي من الشرور، وأيضًا "السبع المثاني" كما ذكرت لكم، و"القرآن العظيم". والمراد بالقرآن العظيم هنا ليس القرآن الكتاب، إنما القرآن المراد به هنا المقروء؛ أعظم مقروء ممكن تقرأه هو سورة الفاتحة، لذلك حين يقال القرآن العظيم ويُراد بالفاتحة، يُراد به أعظم مقروء. لكن قد يُراد بالقرآن العظيم الكتاب، كتاب الله هذا القرآن الذي بين أيدينا، ولكن في هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 2-5]، السبع المثاني والقرآن العظيم، المراد بالسبع المثاني الفاتحة والمراد بالقرآن العظيم الفاتحة. إذًا هذه أشهر أسماء ومسميات سورة الفاتحة مع التعليل والدليل.
وبإذن الله نتكلم بعد الفاصل في مضمونات وبعض معاني وفوائد سورة الفاتحة. فإلى هذا، ومن صمت نجا. «كف عليك هذا، فليقل خيرًا أو ليصمت»، توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وإمساكه عن الشر والأذى؛ فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده، لذا فإن من كمل عقله...
هو أمسك لسانه إلا من خير، فاللسان كالنفس إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل. فمن إشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسينشغل بالغيبة والنميمة والكذب، وقول الزور، ونشر الباطل، والقول على الله بغير علم، ولكل انشغالين جزاء.
قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يرصد ويُكتب ويُجمع ويُحفظ لينشر يوم الدين، فأما خيرًا يُجازى عليه أجرًا وثوابًا، وأما شرًا يُجازى عليه إثمًا وعذابًا. قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذرًا من زلات لسانه؛ فإنه مما يورث الندامة يوم القيامة. فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
حياكم الله من جديد، سأتكلم عن معاني عامة ومعاني جمالية في تفسير سورة الفاتحة. يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رسم المصحف أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، على خلاف بين العلماء في ذلك، أي ابتدأ بسم الله؛ ابتدأ قراءتي للفاتحة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وسنأتي للرحمن الرحيم بعد قليل.
قال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الحمد هنا للاستغراق، الألف واللام هنا للاستغراق، أي الحمد كله مستغرقًا. الحمد لله سبحانه وتعالى رب العالمين. والعالمون كل ما سوى الله فهو عالم؛ البشر عالم، والجن عالم، والأشجار عالم، والشياطين عالم، والنمل عالم، والطير عالم، والعدمات عالم، كل شيء سوى الله عالم. فالله رب ومالك والمتصرف في كل هذه العوالم سبحانه وتعالى.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، اسمان مشتقان من الرحمة، اسمان من أسماء الله مشتقان من الرحمة. لكن ما دام أنهما اسمان لمعنى واحد، فلماذا جيء بهما؟ جيء بهما لبلاغة عظيمة؛ «الرحمن» على وزن فعلان، أي الرحمة المستغرقة كل شيء، و«الرحيم» على وزن فعيل، وهي الرحمة الخاصة بأوليائه. إذا فالرحمة الأولى "الرحمن" هي الرحمة الواسعة حتى للكفار وللبهائم وللعجماوات، حتى كل شيء الله وزع الرحمة بين هذه الأمور، ثم قال "الرحيم" وهذه خاصة للمؤمنين، جعلنا الله وإياكم منهم.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، المالك هو الحاكم المتصرف، ويوم الدين هو يوم القيامة، يوم الجزاء. وذكرنا لكم في الدروس الماضية أن كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى، فكثرة أسماء الله تدل على عظمته جل جلاله، وكثرة أسماء القرآن تدل على عظمته، وكثرة أسماء يوم القيامة تدل على عظمة ذلك اليوم، فمن أسمائه الحاقة والواقع والصاخة وهكذا. فهنا سماه الله يوم الدين، يوم الجزاء، يوم الحساب، لأنه أعظم الأيام ذِكرًا في هذه السورة، لأنه أعظم يوم ممكن أن يذكر في هذه السورة أو ممكن أن يمر على الإنسان، لذلك ذكر الله عز وجل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. طبعًا بإمكان الله عز وجل أن يقول "نعبدك ونستعينك"، ولكن لماذا "إياك"؟ "إياك" هذه تفيد الحصر؛ إياك نعبد أي نعبدك يا رب ولا نعبد أحدًا، وإياك نستعين أي نستعين بك يا رب ولا نستعين بأحد غيرك. لذلك كان كتاب مدارج السالكين في منازل "إياك نعبد وإياك نستعين"، في هذه الآية فقط، كان ذلك الكتاب كل الكتاب في هذه الآية.
لو استحضرت يا إخواني ويا أخواتي بالله عليكم ونحن نقرأ هذه السورة، سواء في الصلاة أو في التلاوة، حين تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والله يقول لك: "حمدني عبدي". ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والله يقول لك: "أثنى علي عبدي". ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والله يقول لك: "مجدني عبدي". فتقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فيقول الله: "هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". فتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، آمين.
والحمد أيها الإخوة في هذه السورة، الحمد هو المدح، لكن الحمد هو الثناء على الله بالجميل الاختياري على جهة التعظيم. المدح يكون للبشر، والحمد يكون لله، وقد يكونان مترادفين، فقد تقول أحمدك على هذا الفعل لكن ليس على جهة التعظيم، إنما يكون على جهة التعظيم في شأن الله عز وجل.
ثم قال الله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي نعبدك ولا نعبد أحدًا غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بأحد غيرك. "إياك نعبد وإياك نستعين" هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وهذا أيضًا يدل على أن الإسلام دين الجماعية، فقال الله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، قال: ﴿اهْدِنَا﴾ ولم يقل "اهدني".
الصراط المستقيم هو الطريق القويم. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، من هم الذين أنعم الله عليهم؟ فسرها الله عز وجل بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]. هذه الأصناف الأربعة هم معنى أنعمت عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي اليهود ومن نهج نحوهم، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهم النصارى ومن نهج نحوهم. لذلك قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: من قال إن المغضوب عليهم هم اليهود فقط والضالون هم النصارى فقد أخطأ؛ وإلا لماذا خاطبنا الله بالفاتحة وقد مضى القوم ولم يعنَ بها سوانا؟ إذًا المغضوب عليهم هم اليهود الذين يعلمون العلم ويجحدونه، والضالون هم النصارى الجهلة. لذلك نستعيذ بالله من طريق هؤلاء ومن طريق هؤلاء، ونسأل الله عز وجل الطريق القويم، طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، ومعنى آمين: اللهم استجب.
إذن هذا هو المعنى العام في هذه السورة. طبعًا تكلم العلماء عن مضامين أو موضوعات سورة الفاتحة، يعني ما هي الموضوعات المستنبطة من سورة الفاتحة؟ ودارت سور القرآن ومضامين القرآن على هذه المعاني العظيمة. المضامين كثيرة، منها في أول آية مثلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الحمد مضمون من مضامين سورة الفاتحة. وفرق العلماء بين الحمد والشكر، فقالوا: الحمد قد يكون اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان كقولك الحمد لله، ولكن الشكر يتجاوز هذا إلى العمل.
سيكون الشكر اعتقادًا بالقلب، وقولًا باللسان، وعملًا بالجوارح، كما قال الله عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]. والمطلوب أن يكون الشكر عملاً.
وعن أبيها، عن عائشة رضي الله عنها، كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه وتتشقق، فتقول له عائشة: «يا رسول الله، ألم يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فيقول: «بلى يا ابنة الصديق، ولكني أحب أن أكون عبداً شكوراً». إذاً الشكر هنا فهمه النبي ﷺ وأرادنا أن نفهمه أنه يتجاوز الألفاظ والعواطف القلبية إلى العمل.
فمثلاً، كيف نشكر الله على نعمة السمع؟ نسمع بها الخير ونعرض بها عن الشر. كيف نشكر الله على نعمة البصر؟ ننظر في الحلال ونجتنب الحرام. كيف نشكر الله على نعمة اليد واللسان والقدمين؟ نفعل ما يرضي الله ونترك ما يغضب الله سبحانه وتعالى. إذاً هذا هو الشكر، وهذا هو المضمون.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم؛ فيها أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. أما الربوبية: «رب العالمين». وأما الألوهية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 2-5]. فـ «إياك نعبد وإياك نستعين» هذه الألوهية. أما الأسماء والصفات: «الرحمن الرحيم». فالآية جمعت أنواع التوحيد الثلاثة.
وهذا مضمون الرحمة، كيف رحمة الله عز وجل؟ قال الله عز وجل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. وكان يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «اللهم إني شيء فارحمني يا من وسعت رحمتك كل شيء»، وأنا أقول: «اللهم إني شيء فارحمنا يا من وسعت رحمتك كل شيء».
«مالك يوم الدين»، الحديث عن يوم الدين: يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم الصراط، يوم البعث، يوم النشور، يوم الأهوال. هذا اليوم الذي هو أطول يوم يمر على البشرية؛ من كان من أهل الخير فاز بالخير، فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. هذا اليوم الذي تتطاير فيه الكتب، فمن أخذها بيمينه فاز ونجا، ومن أخذها بشماله وقع وهوى، هذا اليوم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. اللهم بيض وجوهنا.
إذاً يا إخواني الكرام، الحديث عن يوم القيامة، لذلك ورد حديث كثير في القرآن عن يوم القيامة وأسمائه وأهواله وما يكون فيه، فهو منثور كثير في القرآن. ومضمون الرحمة منثور في القرآن، ومضمون الحمد منثور في القرآن، ومضمون الألوهية والربوبية والأسماء والصفات كل هذا موجود في القرآن.
«إياك نعبد»، مضمون العبادة، والعبادة في أشهر تعريفاتها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة. وأيضاً مضمون الاستعانة: «إياك نعبد وإياك نستعين»، والفرق بين الإعانة والاستعانة أن الاستعانة فيها طلب؛ السين والتاء الطلبية، يا رب نستعين بك ونستهدي بك، نطلب الهداية، نلتجئ إليك ونعتصم بك. ولا يمكن أن يعينك الله، ولا يمكن أن تتم الاستعانة، ولا يمكن أن تتم العبادة من غير استعانة، فتستعين بالله. لذلك في حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ونستعين بإذن الله بعد هذا.
أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج؛ ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية، ثم كتاب التوحيد، ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم. وليسل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له مع العلماء في كل حين، وليهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية.
ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة؛ فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة والاستمرار. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي؛ فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، يسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
حياكم الله من جديد. وأيضاً من مضامين هذه السورة: «إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم». مضمون الهداية، والهداية هي اسم جامع، وهي نور يقذفه الله في قلب العبد فيفرق به بين الحق والباطل. وبما أنها نور، فمعناه أن النور يزيد وينقص حسب شحنات الإيمان؛ إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات كما يقول الحافظ الحكمي. إذاً المطلوب منا زيادة هذا النور في قلوبنا، نور الهداية.
وذكرنا لكم في أول درس أو ثاني درس أن الهداية لا يعطيها الله إلا من صدق. «اهدنا الصراط المستقيم» تحتاج طلباً صادقاً. وذكرنا لكم قصتين؛ قصة سحرة فرعون الذين آمنوا بسجدة واحدة بعد أن رأوا إعجاز موسى عليه السلام، سجدوا سجدة واحدة، لم يسمعوا التوراة ولم يصلوا ولم يصوموا ولم يزكوا، موسى فقط، سجدة واحدة قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: 122]. وقال فرعون: ﴿آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 123]. وهم في هذه السجدة -كما قال ابن عباس- أراهم الله منازلهم في الجنة. لذلك حين رفعوا أبصارهم قالوا لفرعون: ﴿اقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]. لا ضير، إلا إلى ربنا منقلبون. جعل فرعون يتوعدهم فقتلهم، قال ابن عباس: «يا لله! أصبحوا سحرة كفاراً وأمسوا شهداء في جنات النعيم»، وذلك بسجدة واحدة وبصدق واحد.
والرجل الذي قتل مئة نفس، كان قاتلاً لكنه كان يبحث عن الهداية، أراد الله أن يموت بين أرض الخير وأرض الشر، اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، أرسل الله على مدرجتهما رجل في صورة ملك يحكم بينهما فقال: «قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما أقرب؟» فأخذته ملائكة الرحمة، فقال الله لأرض الخير: «تقاربي»، ولأرض السوء: «تباعدي»، فوجدوه أقرب لأرض الخير بشبر واحد، فأخذته ملائكة الرحمة فرحمه الله. لم يعمل شيئاً من الحسنات ولا من الخيرات، لكنه صادق في طلب الهداية، فأخذته ملائكة الرحمة فكان من الفائزين المفلحين.
ما للعباد عليه حق واسع، كلا ولا سعي لديه ضائع؛ إن عذب فبعدله، أو نعم فبفضله، وهو الكريم الواسع سبحانه وتعالى. فهذا مضمون مهم، مضمون الهداية؛ «اهدنا الصراط المستقيم» وهو صراط...
الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. مهم جدا أن نتعلم آثار هؤلاء، وهي منثورة كثيرا في القرآن. الهداية أصلا القرآن كله كتاب هداية، ليس فيزياء ولا كيمياء ولا أحياء ولا اقتصاد ولا فلك. في إشارات نعم، لكن الهدف منه هو الهداية؛ إعجاز الهداية. الهدف من الكتاب المقدس هو الهداية، هيا للبشرية، هذا بلاغ للناس ولينذروا به: ﴿لِّتُنذِرَ قَرْيَةً مَّدْيَنَ مِن قَبْلِهَا﴾، فهذا هو المقصود من هذا الكتاب ابتداء أنه كتاب هداية.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، يا رب لا نريد صراط المغضوب عليهم اليهود ومن نحا نحوهم، ولا نريد صراط الضالين النصارى. ومن نحن ثم نقول اللهم استجب، يا رب استجب هذا الدعاء وارزقنا الهداية؛ لأنه لا يوجد دعاء في الفاتحة إلا الهداية، ولا تصح الصلاة من غير الفاتحة، ولا تصح الفاتحة من غير ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولا تصح الآية من غير سؤال الله الهداية.
و أخيرا يا أيها الأحبة، يا أيها الإخوة، يا أيها الأخوات، في ختام هذا الفصل المبارك أوصيكم بوصايا مهمة قبل أن نختم هذه الحلقة. أكرمنا الله على مدار أربعة وعشرين حلقة وأربعة وعشرين درسا أن نعيش في فياء الوحي، وأن نعيش مع القرآن، وأن نعرف معانيه وقصصه في هذه السور القصيرة التي أخذناها. وذكرنا لكم أن هذه السور صحيح أنها قصيرة المبنى لكنها عظيمة المعنى.
فهذا العلم الذي سمعنا إما أن يكون حجة لنا أو علينا؛ فإن جاهدنا أنفسنا في العمل به والدعوة إليه كان حجة لنا لا علينا، وإن تركناه وتخاذلنا عن هذه العلوم والمعارف التي تعلمناها من أسيادنا وعلمائنا فإن قد خسرنا والله في دنيانا وأخرتنا، وأصبح العلم حجة علينا لا لنا. لذلك كان علم الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث أبي عبد الرحمن السلمي، قال عن نافع قال: كنا نتعلم عشر آيات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نتجاوزهن حتى نعرف ما فيهن من العلم والعمل.
وكانت طريقة الصحابة: علم، وعمل، ودعوة إلى الله، وصبر على آثار الدعوة إلى الله. لذلك المطلوب منا بعد هذا الفصل المبارك أن نعلم كما تعلمنا، وأن نعمل، بقي أن نعمل بعلمنا في كل سورة وفي كل آية، وأن ندعو إلى الله بهذا العلم، وأن نصبر بعد ذلك على ما يكون في سبيل الدعوة من أذى، وهي سنة الله في أوليائه. لذلك قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: الحمد لله أن الله قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: أنتم؛ لأنه لو قال: أنتم لكنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه قال: كنتم، أنتم ومن جاء بعدكم ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله. لذلك رسالتنا أيها الإخوة هي رسالة القرآن: الهداية، الدعوة إلى الهداية، الدعوة إلى الإيمان، الدعوة إلى القرآن، الدعوة إلى مضامين هذه السور.
لذلك قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33]. كان الشيخ ابن باز رحمه الله إذا سمع هذه الآية يقول هكذا: لا أحسن، لا أحسن، والله لا أحسن. صدق والله، والله لا أحسن من قول الداعي إلى الله؛ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي لا أحسن ممن دعا إلى الله وعمل صالحا. وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].
يقول الشيخ ابن باز: دلت هذه الآية على أن اتباع النبيين الحقيقيين هم الدعاة إلى الله. يعني إخواني المصلون أليسوا اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ بلى، الحجاج، المزكون، كل هؤلاء اتباع، لكن أفضل الاتباع هم الدعاة. لماذا؟ لأن كل هذه الشعائر وكل هذه العبادات ما يمكن أن تقوم لولا أمر الدعوة إلى الله.
لذلك كيف يمكن لأبي بكر أن يكون صديقا لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه؟ كيف ممكن أن يكون عمر صديقا فاروقا لولا الدعوة إلى الله؟ كيف أن يكون معاذ بن جبل جبل الفقه والحلال والحرام لولا أنه دعي إلى الإسلام وإلى الله؟ كيف يكون أبو هريرة شيخ الحديث لولا أنه دعي إلى الله؟ كيف أن يكون خالد بن الوليد سيف الله المسلول لولا أنه دعي إلى الله؟ كيف أن يكون حمزة رضي الله عنه أسد الله وأسد رسوله لولا الدعوة إلى الله؟ إذا الدعوة إلى الله أم الحسنات وتركها أم السيئات.
كان القرآن دعوة؛ فأول ما نزل من النبوة: ﴿اقْرَأْ﴾، وأول ما نزل من الرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 1-4]. فالدعوة إلى الله مضمون القرآن الرئيس، هو أصله الأصيل: الدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى الإيمان، الدعوة إلى الله، هي أصل هذا القرآن والهدف منه: ﴿لِّتُنذِرَ قَرْيَةً مَّدْيَنَ مِن قَبْلِهَا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
لذلك يا إخواني الكرام، الدعوة إلى الله من أهم المضامين، والذي يجمع العلم ولا يبلغه فقد كان هذا حجة عليه؛ لذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، أي شيء ينزل بلغه فورا، إن لم تفعل فما بلغت رسالته. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ كل آية تنزل عليه، حتى جزء الآية، حتى الحرف من الآية.
فنزلت آية الحجاب في الليل، تقول عائشة: آية الحجاب نزلت في الليل، فما وافى نساء الأنصار صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهن متلفعات بمروطهن لا يرين من الغلس. وآيات الخمر نزلت كما يقول أنس: كنت أدير الخمر في دار أم سليم على جمع من أصحاب رسول الله ﷺ، منهم سماك بن خرشة ومنهم أبو... كنت أدير الخمر فسمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الخمر حرمت، الخمر حرمت»، فأحرقنا القلال والقدور. فما خرجنا من دار أم سليم حتى اغتسلنا ومسسنا من طيبه، ثم ذهبنا لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم نستمع ماذا أنزل الله في الخمر.
فكان الصحابة جيلا علميا، عمليا، دعويا، صابرا. هكذا جيل علمي، عملي، داعي إلى الله، صابر؛ يطبقون هذه الأصول الأربعة، وهي المسائل الأربعة التي ذكرها أعلامنا: العلم، والعمل به، والدعوة إلى الله، والصبر على الأذى فيه. أسأل الله عز وجل في نهاية هذا الفصل الدراسي أن يجعل كل ما قلنا وإياكم حجة لنا لا علينا، وأن يجعلنا وإياكم رسل دعوة، ورسل سلام، ورسل خيرية للبشرية، وأن يجعلنا من الدعاة إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
اللهم اجعل كل اجتماعاتنا مرحومة، وتفرقنا من بعدها معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. واستودعكم الله، وأسألكم أن تدعوا لي ولإخواني المسلمين في كل مكان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً.
د. سلطان العتيبي