دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، مرحباً بكم طلاب وطالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، إلى مائدة جديدة من موائد القرآن الكريم وإلى تفسيره العظيم. وكنا قد وصلنا وإياكم إلى سورة الفيل. سورة الفيل سورة مكية، وهي سورة ذات قصة، قال الله عز وجل في مطلعها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1-5].

ورد من أسمائها بالإضافة إلى سورة الفيل "سورة ألم تر"، وكذلك عنونها البخاري رحمه الله، وسميت في جميع المصاحف وكتب التفسير باسم سورة الفيل. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «إن الله عز وجل حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي إلا وأنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه، حرام». أي أن مكة أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة واحدة أيام فتح مكة، وإلا هي حرام قبله صلى الله عليه وسلم وحرام بعده إلى هذا اليوم.

قال الله عز وجل في مطلع هذه السورة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. طبعاً حادثة الفيل هي السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال "ألم تر"؟ بالطبع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ، ولكن الرؤية هنا هي الرؤية القلبية وليست الرؤية البصرية. قال بعض أهل اللغة: إذا جاءت "لم" بعد همزة الاستفهام، فالمقصود في الغالب الرؤية القلبية وليست الرؤية البصرية. لذلك قال العلماء في بيانها: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟" أي: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك؟ فترى بها كيف فعل ربك بأصحاب الفيل الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة، من الحبشة ورئيسهم أبرهة الحبشي الأشرم.

وكان هذا من النعم التي امتن الله بها على قريش، أنه صرف عنهم أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود. وكانوا -أي أصحاب الفيل- قوماً نصارى، فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم وردهم بشر خيبة. وقال عبد المطلب أبياته المشهورة التي سنمر عليها مرة أخرى: اللهم إن العبد يمنع رحله .. فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم .. غدوا محالك

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ أي مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي في خسارة وتضييع وإبطال، بأن دمرهم أشنع تدمير. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ أي أرسل عليهم ربك طيراً فرقاً كثيرة مجتمعة يتبع بعضها بعضاً من نواحٍ شتى، و"أبابيل" جمع لا واحد له على أرجح الأقوال. ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي ترمي هذه الطير الأبابيل أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، وسجيل هو الطين المشوي لأنه يكون أصلب.

قال المفسرون: كان مع كل طير ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها. وهذا الحجر ليس كبيراً بل هو صغير، يضرب الواحد من هؤلاء في رأسه فيخرج من دبره وقد مزقه أشلاء. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، العصف هو ورق الزرع البالي المأكول، فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراسته فيبس وتفرقت أجزاؤه، هكذا كان قوم أبرهة. قال ابن عاشور: «والعصف ورق الزرع وهو جمع عاصفة، والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته داسته بأرجلها وأكلت أطرافه وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعاً»، وهذا تمثيل لحال أصحاب الفيل بعد تلك النظرة والقوة كيف صاروا متساقطين على الأرض هالكين، نسأل الله السلامة.

أما بعض فوائد هذه الآيات: أولاً التذكير بأن الكعبة حرم الله، وأن الله حماها ممن أرادوا بها سوءاً وأظهر غضبه عليهم فعذبهم، وإنما حل بهم تذكرة لقريش بأن فاعل ذلك هو رب ذلك البيت، وأن لا حظ فيه للأصنام التي نصبوها حوله. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال المفسرون: عقوبتان يعجلهما الله في الدنيا: الإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين يذوق صاحبه. لذلك قال الله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، مجرد التفكير بالإلحاد في هذا الحرم في كل زمان ومكان، مجرد التفكير في الأذية والإلحاد فيه والتخريب والإرهاب، فإن هذا كفيل بأن يهلكه الله بمجرد التفكير.

ومن هذه الفوائد تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يدفع عنه كيد المشركين، فإن الذي دفع كيد من يكيد لبيته لا شك بأن يدفع كيد من يكيد لرسوله صلى الله عليه وسلم. ومن الفوائد التذكير بأن الله غالب على أمره، وألا تغر المشركين قوتهم ووفرة عددهم، ولا يوهن النبي صلى الله عليه وسلم تآلب قبائلهم عليه، فقد أهلك الله من هم أشد قوة وأكثر من قريش وهم قوم أبرهة الأشرم.

لذلك يا أيها الإخوة، هذه السورة سورة عظيمة وآية بينة كما قال بعض المفسرين، وهي إرهاص، والإرهاص هو الدلائل قبل وجود الشيء. كانت إرهاصاً بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من إرهاصات مولده هذه القصة التي حدثت قبل مولده على أصح الأقوال بأيام. ومن الإرهاصات تحطم شرفات قصر كسرى، فعلم الناس أن هناك شيئاً قادماً، وأن هناك عظيماً سيولد. وكان هذا حال الناس إذا حدثت أحداث في الأرض أو في الزمان والمكان في تلك الأيام، فينبئ هذا عن أن عظيماً سيولد، وكان كذلك العظيم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد بعد هذه الحادثة بأيام. وإلا هو لم يرَ بعينه صلى الله عليه وسلم، ولكن أناساً أدركوا حادثة الفيل وأدركوا مولده صلى الله عليه وسلم.

ونستأنف بإذن الله بعد هذا الفاصل: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم؛ فإذا علم الله منه حسن النية فقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلقات العلم مع الصغار. قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط؛ سئل مسن: أيحسن بمثلك أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.

وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. حياكم الله من جديد، الآن نفصل بعض الشيء ونذكر لكم بعض الفوائد المتناثرة والجميلة حول هذه السورة.

ذكرنا لكم أن هذه السورة مكية، وهذا قول بالإجماع. أما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وقيل: ﴿أَلَمْ تُخْبِرْ﴾، وقيل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾، كما فصلنا قبل قليل. قال ابن عباس: «ألم تسمع»، واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للنبي ﷺ ولكنه عام؛ أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي قد رأيتم ذلك وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟

وهذا لكفار قريش ابتداء، وفي قصة أصحاب الفيل؛ وذلك أن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة لم يرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانيًا، ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: «إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبنَ مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب».

فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النصارى فخرج حتى أتى الكنيسة فقعد فيها، أي أحدث فيها، ثم خرج فلحق بأرضه وأخبر بذلك أبرهة. فقال: «من صنع هذا؟»، فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة. لما سمع قولك غضب، فجاء فقعد فيها؛ أي إنها ليست لذلك بأهل.

فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. وبعث رجلًا كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقاتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضبًا وحنقًا. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معهم بالفيل.

وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفزعوا به، ورأوا جهاده حقًا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخرايبه.

فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرًا. فلما أراد قتله قال له ذو نفر: «أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من قتلي»، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلًا حليمًا.

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم وشرعان وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيلًا أسيرًا، فأتى به، فلما هم بقتله قال له نفيل: «أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم وشرعان وناهس بالسمع والطاعة»، فخلى سبيله وخرج به معه يدلّه.

حتى إذا مر بالطائف خرج له مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقالوا له: «أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد -يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه». فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبرهال حتى أنزله بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك، ترجمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس في ذلك الزمان وبعده إلى زمان قريب، يقول الشاعر: «وإني في كل عام كرجم الناس ... قبر أبي رغال»

فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلًا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير. فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.

وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقالوا له: «سل عن سيد هذا البلد وشريفه». ثم قال له إن الملك يقول: «إني لم آتِ لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإنه لم يرد حربي فأتني به».

فلما دخل مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمر به أبرهة. فقال له عبد المطلب: «والله ما نريد حربه وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإنه يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يحل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه».

فقال له حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر وكان صديقًا له، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: «يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟». فقال له ذو نفر: «وما غنى رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدًا وعشيًا؟ وما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيس سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه وأوصيه بك خيرًا، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك».

فقال: «حسبي عسى ذو نفر»، إلى أنيس، فقال له: «إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت». فقال: «افعل».

فكلم أنيس أبرهة، فقال له: «أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فآذن له عليك فيكلمك في حاجتك». قال: فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم. فلما رآه أبرهة أجله، وما عظمه أن يجلسه تحته، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه.

ثم قال لترجمانه: «قل له حاجتك». فقال له ذلك الترجمان، فقال: «حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي». فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: «قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك؟ وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه؟ لا تكلمني فيه».

قال له عبد المطلب: «أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه». قال: «ما كان ليمتنع مني». قال: «أنت وذاك»، فرد عليه إبله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعث الجبال والشعار.

تخوفًا عليه، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه لا أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو أخذ بحلقة باب الكعبة: «اللهم إن العبد يمنع رحله، فامنع حلالك، لا يغلبن صليبهم حالهم، عدوا محالك»، يقول: أي شيء ما بدا لك لم تكن تفعله بنا. وقيل إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال: «يا رب لا أرجو لهم سواك، يا رب فامنع منهم حماك، إن عدو البيت من عاداك، إنهم لن يقهروا قواك».

قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح تهيأ لدخول مكة.

نستكمل القصة بإذن الله بعد الفاصل. بشرى؛ تنازل أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان، وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة. فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات، فيجب الإقلاع عنها فورًا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم.

والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية؛ فيمكن إغلاق المحل يومًا في الأسبوع مثلا وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابًا وإيابًا في القراءة والسماع، وكذلك في وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي.

وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. قال ﷺ: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».

نستأنف القصة، قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محمودًا. وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن.

فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نوفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال له: «أبرك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام»، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل. وخرج نوفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، ضربوه في رأسه بالطرابزين فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى. فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.

وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا قريبين يبتدرون الطريق التي جاءوا منها، ويسألون عن نوفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن.

فقال نوفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: «أين المفر، والإله الطالب، والأشرم المغلوب، ليس الغالب». وقال أيضًا: «حمدت الله طه إذ أبصرت طيرًا وخفت حجارة تلقى علينا، فكل القوم يسأل عن نوفيل كأن عليًا للحبشان دينًا».

فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل سهل. وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمس قيحًا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر. الله أكبر! هذا الذي خرج في عظمة وتبختر رجع إليهم وهو كفرخ الطائر، حتى انفتق قلبه عن صدره ومات وخر صريعًا، وكانت من أعظم الآيات البينات.

وفي الصحيح ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ولدت عام الفيل»، هذا العام الذي أهلك الله فيه أبرهة وقومه. وروي عنه أنه قال: «يوم الفيل»، قال حكاه الماوردي في التفسير له. وقال في كتاب إعلام النبوة: ولد النبي ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يومًا، هذا في أحد الأقوال في ولادته ﷺ.

قال الإمام القرطبي: قال علماؤنا كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي ﷺ، وإن كانت قبله وقبل التحدي؛ لأنها كانت توكيدًا لأمره وتمهيدًا لشأنه ﷺ. ولما تلا عليهم رسول الله ﷺ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة، لهذا قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس.

أما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي في إبطال وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشًا بالقتل والسبي، والبيت بالتخريب والهدم. فحكي عن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له ينظر ما لقوا من تلك الطير، فإذا القوم مشدحين جميعًا، فرجع يركض فرسه كاشفًا عن فخذه. فلما رأى ذلك أبوه قال: «إن ابني هذا أفرس العرب، وما كشف عن فخذه إلا بشير أو نذير».

فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعًا. فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم، وكانت أموال بني عبد المطلب منها تكاملت رئاسة عبد المطلب؛ لأنه احتمل ما شاء من صفراء وبيضاء. ثم خرج أهل مكة بعده ونهبوا. وقيل إن عبد المطلب حفر حفرتين فملأهما من الذهب والجواهر، ثم قال لأبي مسعود الثقفي، وكان خليلاً لعبد المطلب: «اختر أيهما شئت». ثم أصاب الناس من أموالهم حتى ضاقوا ذرعًا، فقال عبد المطلب عند ذلك: «أنت منعت الجيش والأفيال، وقد رعوا بمكة الأجبال، وقد خشينا منهم القتال وكل أمر لهم معضال، شكرًا وحمداً لك ذا الجلال».

قال ابن إسحاق: ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشًا وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوهم. هكذا عظم العرب قريشًا بعد هذه الحادثة العظيمة.

﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، قال سعيد بن جبير: كانت طيرًا من السماء لم يُرَ قبلها ولا بعدها. وقال محمد بن كعب: هي طير سود بحرية في مناقيرها وأظفارها الحجارة. وقيل، قال عكرمة: أبابيل أي مجتمعة. وقيل متتابعة بعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل مختلفة متفرقة تجيء من كل ناحية؛ منها هنا وها هنا، قاله ابن مسعود وابن زيد والاخفش. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة.

وحقيقة المعنى أنها جماعات عظام، وأما قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾، قالوا: حجارة من طين طبخت بنار جهنم، كما قال تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الأبرهة/الفيل: 4]، وقيل: من الجحيم.

قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد وغيره. والعصف جمع واحدته عصفة وعصافة. وأدخل الكاف في "كعصف" للتشبيه، نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

وقيل بعضهم في هذا، "كمثله" إنها زيادة أو صلة، ومعنى "مأكول" مأكول حبه كما يقال: فلان حسن، أي حسن الوجه. وقال ابن عباس: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، إن المراد به قشر البر، يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح. ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة.

وقال ابن مسعود: لما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة، فكان لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا القليل، نسأل الله السلامة. ويروى أنه لم تصبهم كلهم، لكنها أصابت من شاء الله منهم، وتقدم أن أميرهم رجع وشرذمة لطيفة معه، فلما أخبروا أهل اليمن بما رأوا من قدرة الله هلكوا، والله أعلم.

قال ابن إسحاق: لما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم عدوهم، فكان ذلك نعمة من نعم الله. وهذه القصة هي في صورة قليلة المبنى عظيمة المعنى، لكنها قصة عظيمة فيها من آيات الله وقدرته المطلقة وقوته وعظمته ما يزيد الإيمان، ويزرع في القلب خوف الله والاستجابة له وعبادته.

ولو أن قريشا لما رأوا قدرة الله آمنوا به لكانوا من المفلحين، لكنه من شاء الله منهم هدى، ومن شاء أغواه شيطانه، ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [القصص: 56].

أسأل الله عز وجل أن يجعل ما سمعنا وما قلته لكم حجة لنا جميعا لا علينا، أسأله أن يجعل اجتماعنا هذا مرحوما، وتفرقنا من بعده معصوما، وألا يجعل فينا ولا منا شقيا ولا محروما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.