دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، حياكم الله طلاب وطالبي طالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، مرحباً وأهلاً وسهلاً بكم على مائدة من موائد القرآن كما تعودنا، وتفضل الله علينا. موعدنا أيها الإخوة والأخوات في هذا اليوم مع سورة عظيمة، وهي سورة الهمزة.

هذه السورة سورة مكية بالإجماع، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 1-9].

هكذا هو أسلوب السور المكية؛ قصر الآيات، وقوة المقطع، والزجر والطرق. هكذا تكون بهذه القوة، الله عز وجل ابتدأ هذه السورة بالويل والوعيد؛ فإذا ابتدأ بويل أو عذاب أو نار دل على أنه من الكبائر. الله عز وجل يقول هنا: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، والويل هو وعيد ووبال وشدة وعذاب، وقيل هو واد في جهنم كما سيأتي تفصيله بإذن الله.

الله ابتدأ هذه السورة بهذا التهديد لمن؟ هذا التهديد لكل همزة لمزة، وكل كما هو معلوم من صيغ العموم. والهماز الذي يعيب الناس وينتقصهم بالفعل، كأن يلوي وجهه أو بالإشارة، واللماز الذي يعيبهم بقوله؛ إذاً الأولى الكلمة الأولى: الهماز متعلقة بالفعل، واللماز متعلقة بالقول. وقد تسمعون عكسها وغيرها، وهنا أقوال كثيرة، لكن كل هذه الأقوال تفيد مجموع هذه المعاني، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79]، يلمزك أي بقوله، فهذا دليل على أن الهمز بالأفعال واللمز بالأقوال، وقيل لابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: مَن هؤلاء؟ هم الذين بدأهم الله بالويل، قال: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون.

أكبر العيب الذي جمع مالاً وعدده؛ هذا الهماز اللماز من صفاته أنه جمع مالاً وعدده، فلا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخير وصلة الرحم، كقوله تعالى: ﴿قَالَ جَمَعْتُ مَالًا لَّвُعُ لُّبَدًا﴾ [البلد: 11]، وهذا أيضاً من تفسير القرآن بالقرآن. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾، ما هو التعديد؟ التعديد هو الإحصاء، فهو لشغفه بالمال كل مرة يذهب إلى الصندوق يعده ليلاً ونهاراً، وهو يعرف أنه لم يأخذ منه شيئاً ولم يضف إليه شيئاً، لكن لشدة شغفه بالمال يتردد عليه ويعدده، ولذلك جاءت بصيغة المبالغة "عدّد" يعني أكثر تعداداً.

﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يعني يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل في إنفاقه مخلده في الدنيا فلا يموت، لكن الحقيقة خلاف ذلك؛ لذلك جاء الله بكلمة الزجر والنفي: ﴿كَلَّا﴾، كلا حرف ردع وزجر وفيه معنى النفي، أي ليس كما ظن أن ماله مخلد.

﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾، أي ليقذفن يوم القيامة في الحطمة، والحطمة اسم من أسماء النار، كما قيل لها جهنم وسقر ولظى، وقيل لها أيضاً الحطمة؛ وقد سميت بذلك لأنها تحطم وتهشم كل ما ألقي فيها، أعاذنا الله وإياكم منها. والنبذ هو الإلقاء والطرح، وأكثر ما يستعمل في إلقاء ما يكره، نقول: نبذ وطرح، خصوصاً الشيء الذي يكره ولا يحب، أعاذنا الله وإياكم. قال صاحب الكشاف، والزمخشري قال في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: 136]، شبههم استحقاراً لهم بحصيات أخذهن أخذ بكفه فطرحهن، وهذا المقصود من هذا التشبيه: الطرح والنبذ والكره.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾، هذه الصيغة كما مر بنا صيغة استفهامية كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، صيغة استفهامية تفيد التعظيم والتهويل، فهكذا قال الله أي وأي شيء أشعرك يا محمد ما الحطمة؟ الجواب: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾، هذا هو الجواب، أي هي نار الله الموقدة على الهماز واللماز وجماع المال ومناع الخير. وإضافة النار إلى اسم الجلالة "نار الله" يعني هكذا للترويع، بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة الفظيعة.

﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾، أي التي ينفذ ويصل مها ووهجها إلى القلوب لشدته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾، أي مطبقة مغلقة عليهم، من قولهم أوصدت الباب إذا أغلقته، فهكذا النار أعاذنا الله وإياكم منها. ثم قال تعالى في وصفها: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾، أي عليها أعمدة ممدودة على جميع النواحي والزوايا حتى لا يتمكن أحد من فتحها أو الخروج منها، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الأعراف: 136].

اللهم أجرنا من النار. قال ابن عاشور، وهو الطاهر بن عاشور وكتابه المعروف الذي أوصيتكم به في حلقات سابقة "التحرير والتنوير": قال ابن عاشور ومعنى إيصادها أي جهنم -والعياذ بالله- عليهم ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه، كحال المساجين الذي أغلق عليهم باب السجن، تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتادة، اللهم أجرنا منها يا رب.

أما فوائد الآيات، فهناك فوائد كثيرة؛ منها أن الله عز وجل سبحانه وتعالى ذكر هذه الأوصاف أيها الإخوة وأيتها الأخوات في هذه السورة لا لمجرد أن نتلوها بألسنتنا أو نعرف معناها بأفهامنا، لكن المراد أن نحذر من هذه الأوصاف الذميمة: عيب الناس بالقول، وعيب الناس بالفعل، والحرص على المال حتى كأن الإنسان إنما خلق للمال ليخلد له أو يخلد المال له. ونعلم أن من كانت هذه حاله فإن جزاءه هذه النار التي هي كما وصفها الله "الحطمة" تطلع على الأفئدة، موصدة في عمد ممددة. وكما هو معلوم أيها الإخوة أن "همزة" و"لمزة" على وزن "فعلة"، وهي صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المذموم منه وأنه صار عادة لصاحبه، كقوله "ضحكة" يعني لكثير الضحك، و"لعنة" لكثير اللعن.

ونستأنف شيئاً من التفصيل بإذن الله. القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكاماً ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدأون طلب العلم بحفظ القرآن؛ قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً. وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه؛ قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالاعرابي. وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع. قال تعالى، لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة.

في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات، فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات؛ قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10].

حياكم الله من جديد. مر بنا في المقطع السابق تفسير هذه السورة بالإجمال، والذي عليه القول الراجح دون خلاف ودون نزاع، ولكن أريد فقط أن أضيف لكم بعض الأقوال وبعض الفوائد في هذه السورة، وهي من أجمل الفوائد وأمتعها.

كما ذكر مر بنا كلمة وعيد وتهديد، ومر أنه واد في جهنم. وذكر القرطبي أن من معانيه الخزي والعذاب والهلكة لكل «همزة لمزة». قال ابن عباس: «هما المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب»، فعلى هذا هما بمعنى. وقال النبي ﷺ: «شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة». حديث عظيم، والله يا إخواني ويا أخواتي، شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب.

وعن ابن عباس: «أن الهمزة الذي يغتاب، واللمزة العياب». وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء: «الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللمزة الذي يغتابه من خلفه إذا غاب»، ومنه قول حسان: همزتك فاختظعت بذل نفس ... بقافية تأجج كالشواظ

واختار هذا القول النحاس. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: 79]. وكما مر بنا أن هناك قولاً ضده، وهو قول مقاتل: «أن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه»، وقيل الطعان في الناس، وغير هذا من الأقوال.

ومن الأقوال أيضاً: أن الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه. وقيل هو القتات، الطعان للمرء إذا غاب، كما قال الشاعر: إذا لقيتك عن سخط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزا

السخط البعد، والهمزة اسم وضع للمبالغة في هذا المعنى، كما يقال سخرة وضحكة على وزن فعلة كما مر قبل قليل. وقيل إن الآية نزلت في أناس بأعيانهم، وقيل إنها عامة، والراجح أنها عامة.

لكن من باب الفائدة أن بعض من نزلت فيهم بأعيانهم، فقد قيل إنها نزلت في الأخنس بن شريط، فيما روى الضحاك عن ابن عباس، وكان يلمز الناس ويعيبهم مقبلين ومدبرين. وقال ابن جريج: «في الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبي ﷺ من ورائه ويقدح فيه من وجهه». وقيل نزلت في أبي بن خلف، وقيل في جميل بن عامر الثقفي، وقيل إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص، وهذا قول الأكثرين من المفسرين؛ أي من اتصف بهذه الصفات سواء كان في زمان النبي ﷺ أو في زماننا فهو داخل في مفهوم «الهمزة اللمزة»، أجارنا الله وإياكم.

قال مجاهد: «ليست خاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته». وقال الفراء: «يجوز أن يذكر الشيء العام ويقصد به الخاص قصد الواحد، إذا قال لا أزورك أبداً، تقول من لم يزرني فلست بزائرة»، يعني ذلك القول.

أما قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]، أي أعده لنوائب الدهر، وقيل أحصى عدده، وهذا قول السدي. وقال الضحاك: أي أعد ما له لمن لم يرثه من أولاده، وقيل أي فاخر بعدده وكسرته. والمقصود على كل حال بعد هذه الأقوال مقصود واحد، وهو الذم على إمساك المال في سبيل الطاعة. الذم على إمساك المال في سبيل الطاعة كما قال مناع للخير، وقال: «وجمع فأوعى»، فهو مفهوم عام في مثل هذه الأمور يؤخذ منه جمع تفصيلاته إلى هذا العموم.

أما قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 3]، يحسب أي يظن أن ماله يبقيه حياً لا يموت، قاله السدي. وقال عكرمة: يحسب أنه يزيد في عمره، وقيل أحيّاه فيما مضى، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، يقال هلك والله فلان ودخل النار أي يدخل. «كلا» رد لما توهمه الكافر، أي لا يخلد ولا يبقى له المال، لا يبقى عمره ولا يبقى ماله.

وقال عمر بن عبد الله: «إذا سمعت الله عز وجل يقول كلا، فإنه يقول كذبت». ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ [الهمزة: 4] أي ليطرحن وليلقين «الحطمة»، وهي نار الله، سميت بذلك -نسأل الله السلامة- لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه. قال الراجس: «أنا حطمنا بالقضيب مصعباً يوم كسرنا أنفه ليغضب».

وقيل إن الحطمة -أجارنا الله وإياكم- هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم كما حكاه الماوردي عن الكلبي وحكاه القشيري. وبالمناسبة، تفسير الماوردي تفسير جميل مطبوع، وهو يقتصر على تعداد الأقوال، واسمه النكت والعيون، مطبوع اليوم موجود في المكتبات. وحكى القشيري عنها أنها الحطمة الدرجة الثانية من درك النار؛ فيقال للجنة درجات وللنار درجات، ودرجات الجنة أي أبوابها ثمانية وأبواب النار سبعة، وكانت أكثر الجنة من النار لأن رحمة الله تسبق غضبه، أسأل الله أن يرحمنا وإياكم.

وقال الضحاك: الدرك الرابع، والأصح أن الحطمة اسم من أسماء جهنم عموماً، كلظى وصقر كما مر معنا قبل قليل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: 5] على التعظيم لشأنها والتفخيم لأمرها.

أما قوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: 6]، أي التي أوقد عليها ألف عام وألف عام فهي غير خامدة، أعدها الله للعصاة. اللهم أجرنا من النار التي ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 7]، أي تطلع على الأفئدة كما قال محمد بن كعب: «تأكل النار جميع ما في أجسادهم حتى إذا بلغت إلى الفؤاد خلقوا خلقاً جديداً فرجعت تأكلهم»، فذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي أنه في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، فهم إذاً أحياء في معنى الأموات.

وقيل معنى «تطلع على الأفئدة» أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه. ويقال اطلع فلان على كذا أي أعلمه. وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المدثر: 43]، وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغِيظًا وَزَفِيرًا﴾ [فصلت: 46]، ووصفها بهذا فلا يبعد أن توصف بالعلم.

أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]، أي مطبقة كما قاله الحسن والضحاك، وقيل مغلقة وهي بلغة قريش، يقولون أصَدْتُ الباب إذا أغلقته، وهو قول مجاهد، ومنه قول عبيد الله بن قيس: «إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقاً موصداً عليه الحجاب».

أما قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 9]، أي موصدة بعمد ممددة وهو قول ابن مسعود، وقال قتادة: «عمد يعذبون بها»، وهو اختيار الإمام الطبري بن جرير في كتابه تفسير ابن جرير، وهو عمدة المفسرين وأبو المفسرين رحمه الله، توفي سنة ثلاثمئة وعشرة، جامع البيان. قال: اختار هذا القول أنها عمد يعذبون فيها.

ونستكمل بإذن الله هذه المعاني بعد هذا الفاصل. بشرى تنازل أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟

فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت، أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الشمس: 3]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه».

وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه. وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يستلف الفتيت ويقول: «بين سلف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية». وقال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه».

ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

حياكم الله من جديد، كنا قد توقفنا عند معنى ﴿عَمَدٍ مَمْدُودَةٍ﴾، وذكرنا لكم اختيار الإمام الطبري، وهو قول قتادة: «عُمَدٌ يُعَذَّبُونَ فِيهَا». وقال ابن عباس: «إن العمد الممدودة أغلال في أعناقهم»، وقيل: «قيود في أرجلهم»، قاله أبو صالح. وقال القشيري والمعظم: «على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار وتشد تلك الأطباق بالأوتاد حتى يرجع عليهم غمه وحرّه»، نسأل الله السلامة فلا يدخل عليهم روح.

وقيل: «أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد»، أي في سلاسل وأغلال مطولة وهي أحكم وأرسخ من القصيرة. وقيل: «هم في عمد ممددة أي في عذابها وآلامها يضربون بها». وقيل: «المعنى في دهر ممدود أي لا انقطاع له»، وكل هذه المعاني تدل على وجودهم واستمرارهم في النار في حبس وسجن، وفي عذاب نفسي وألم جسدي، أجارنا الله وإياكم من النار وأوصافها وأهوالها.

وأحب أيها الإخوة أن أنبه إلى هذه الأخلاق الذميمة التي نهتنا السورة عنها، حتى تكون واقعاً وحقيقة في الابتعاد عنها في حياتنا، خصوصاً الهمز واللمز والغمز والنميمة، وهي أمور منتشرة للأسف في هذا الزمان كثيرة جداً. أما الغيبة، فتعلمون تعريف النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «هي ذكرك أخاك بما يكره». قال رجل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».

لذلك الله عز وجل ذكرها بأبشع صورة في سورة الحجرات، التي سماها أبو ذر رضي الله عنه سورة الآداب؛ لأنها احتوت على أنواع الآداب الثلاثة: الأدب مع الله، والأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم، والأدب مع الجماعة المؤمنة. فكان من الآداب التي ذكرت مع الجماعة المؤمنة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. تخيل شناعة وبشاعة هذا المنظر! كيف لك أن تأكل لحم إنسان وهو ميت؟ جيفة منتنة قذرة، هكذا الغيبة.

لذلك روي عن ابن المبارك حين أراد أن يقرر أن الحسنات تنتقل لمن اغتبته، أي تهدي حسناتك إلى من اغتبته، فكان يقول: «لو كنت مغتاباً أحداً لأغتبت أمي وأبي، فإنهما أحق الناس بحسناتي». لذلك ورد في أمر الغيبة أمر شنيع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربى الربا أن يستطيل الرجل في عرض أخيه المسلم». لذلك أصبحت، وللأسف في كثير من المجالس، الغيبة هي الاستمرار في أعراض الناس. وكلما ازدادت قيمة المرء المغتاب كان الإثم أكبر وأكثر؛ فغيبة العلماء ليست كغيبة العامة، وغيبة ولاة الأمر ليست كغيبة العامة. إذاً كلما ارتفع قدر في أعين الناس أو في حال الأمة وشأنها، كلما حُرمت الغيبة.

لذلك الشيطان في كثير من المجالس يحلي الغيبة للناس، وهي إهدار للحسنات. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: والذي لا درهم عنده ولا دينار. بل قال: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة وله حسنات، فيكون قد سب هذا، وشتم هذا، وضرب هذا، فيؤخذ من حسناته فيعطى ذاك، حتى إذا فنيت أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، فطرح على وجهه في النار»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

لذلك يا أيها الإخوة، الغيبة والنميمة والهمز واللمز والغمز هي من الأمراض المجتمعية التي ينبغي علينا أن نحذر منها وألا نقع فيها. ثم إنه من دفع الغيبة عن عرض أخيه دفع الله عن وجهه نار جهنم يوم القيامة. ألا نسمح أيها الإخوة بوجود الغيبة ولا بوجود النميمة في مجالسنا؟

أما النقطة الثانية فهي المتعلقة بالهمزة واللمزة. كان من وصفه صلى الله عليه وسلم أنه كان كثير التبسم، يقول أنس رضي الله عنه: «ما رأيت متبسماً أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولم يكن يقهر بوجهه ولا ينهر. كما روي في حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: «كنت حديث عهد بإسلام، فشهدت الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فعطس رجل فشتمته، فجعل الصحابة يضربون على أفخاذهم، أي ينكرون كلامي في الصلاة، فالتفت إليهم فقلت: وا ثُكليَّ! وا ثُكلاه!». فأصبح الكلام زائداً من معاوية بن الحكم وهو حديث عهد، قد تكون هذه أول صلاة له، فحين انتهت الصلاة رموه الصحابة بأبصارهم، وقد تأذى من هذا، ثم نظر هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «والله ما نهرني وما قهرني».

والفرق بين النهر والقهر أن النهر باللسان والكلام، والقهر بتغيير ملامح الوجه وتعبيسه، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ناهراً ولا قاهراً عليه الصلاة والسلام. قال: «والله ما نهرني ولا قهرني، إنما قال: يا معاوية، هذه الصلاة لا يكون فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد والتمجيد». هكذا تعامل النبي صلى الله عليه وسلم.

ومع الأعرابي أيضاً الذي بال في المسجد، قال: «لا تزرموه، فاذهبوا إلى بوله، وأريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء». تأنف هو من غضب الصحابة، وهم غضبوا لأنه بال في المسجد، ولكن رأى رفق النبي عليه الصلاة والسلام وحلمه به، كما قال شوقي: وتَدُبُّ حِلْمَكَ لِلسَّفِيهِ مُدَارِي ... حَتَّى يَضِيقَ بِعَرْضِكَ السُّفَهَاءُ

وهو لم يحتمل هذا الأدب الرفيع من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم اغفر لي ولمحمد، اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعاً».

إذاً يا أيها الإخوة، علينا أن نحذر من هذه التي ذكرها الله عز وجل في هذه السورة، نبتعد أن نكون همازين أو لمزين أو جُمّاعين للمال مناعين له.

نعلم أن المال لن يبقى، وأننا نحن لن نبقى، وأن الكافر المنوع والجموع مصيره إلى الحطمة، إلى نار جهنم التي أضافها الله له إضافة تخويف وترهيب.

فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 6-7]، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]، أي عذاب وسجن. أجارنا الله وإياكم من كل هذا.

وأسأل الله عز وجل في نهاية هذا المجلس أن جعله حجة لنا وإياكم لا علينا، وأن يجعل اجتماعنا مرحوماً وتفرقنا من بعده معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.