يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحييكم أيها الإخوة، أيها الأخوات طلاب أكاديمية زاد في المستوى الرابع، الحلقة الثانية والدرس الثاني بإذن الله، مع تفسير سورة التين. ابتدأ الله عز وجل هذه السورة بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ السَّافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
أقسم الله عز وجل أيها الإخوة بالتين والزيتون، وهما شجرتان عظيمتا المنافع كما تعلمون؛ التين والزيتون عظيمة النفع في ثمرهما وفيما يخرج منهما. ثم أقسم بطور سينين، ثم أقسم بهذا البلد مكة، البلد الحرام. وفي هذا فائدة ونكتة جميلة جدًا، وهي أن الله أقسم بأماكن نبوات ثلاثة، وهم: عيسى عليه السلام في الشام موطن التين والزيتون، وموسى عليه السلام في طور سينين، ومحمد ﷺ في هذا البلد الأمين.
إذن هذه ثلاث مواطن أقسم الله بها، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، ولا يجوز للعبد أن يقسم إلا بالله، ولا يقسم الله بشيء إلا فيه تعظيم؛ لذلك إذا أقسم الله بأي شيء فذلك دلالة على عظمته. فبلاد الشام معظمة عند الله جل جلاله، وهي الأرض المباركة كما ذكرها الله عز وجل، وكذلك طور سينين وادي مقدس كما ذكرها الله في أكثر من سورة. وهذا البلد الأمين مكة بلد حرام وبلد مقدس، وهو أعظمها على الإطلاق إذ بُعث فيها أعظم الرسل والأنبياء ﷺ.
فبعد أن أقسم الله بهذه المواضع المفضلة التي اختارها لأنبيائه وأشرفها، جاء جواب القسم أو المقسم عليه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، أي في أحسن هيئة وخلقة وفطرة وقصد، فهو تام الخلق متناسب الأعضاء، وهو أيضًا سليم الفطرة والتوجه. لكن الله قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ السَّافِلِينَ﴾، أي هذا الإنسان الذي كان قبل قليل في أحسن تقويم، بإمكان هذا الإنسان أن يكون في أسفل السافلين وذلك بعمله الطالح وعمله الذي ليس بصالح.
بإمكانه هو أن يورد نفسه؛ "قد هيئوك لأمر لو فطنت له، فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمر". بإمكان الإنسان أن يعيش في أعلى الجبال وبإمكانه أن يعيش في بطون الأودية، كما تختار لنفسك تكون الدار، فاختر أي الدار تختار. ثم قال الله عز وجل إن الإنسان بإمكانه أن يكون في أسفل سافلين، إلا وهذا استثناء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فأولئك هم أهل الاستقامة في الدين والخلق في الظاهر والباطن، وعدهم الله جل جلاله بأن لهم أجرًا غير ممنون، أي غير منقطع؛ لأنهم مستمسكون بإيمانهم وبأعمالهم الصالحة، فلهم ثواب وأجر غير منقطع.
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، كثير من الناس يشكل عليه معنى هذه الآية لطريقة قراءتها، حتى إن بعضهم يخطئ في طريقة قراءتها. المعنى سهل أيها الإخوة، أيها الأخوات: ما الذي يدفعك يا أيها الإنسان بعد كل هذا أن تكذب بالدين؟ أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الدين، يوم الجزاء، يوم الحساب على الأعمال؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، وهذا استفهام تقريري يقرر الإنسان بعمله، أي إذا كان أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى، فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدًى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟ فحاشا لله أن يكون ذلك.
هذا مرور سريع على معاني هذه الآيات، ونعيد الكرة للتركيز والفوائد على بعض هذه الآيات. فإن الله أقسم بالتين والزيتون، ولا نقول اكتشف بعض العلماء أن فيها أدوية وعلاجات، بل نقول أخبرنا الله عز وجل وأخبرنا رسول الله ﷺ أن خير ما يتداوى به الناس من الأوجاع والأمراض والأوبئة -بعضها مكتشف وبعضها غير مكتشف- هو التين والزيتون، الذي يخرج من هاتين الشجرتين؛ لذلك هما من خير الأدوية. وأخبر النبي ﷺ أن نشرب وأن ندهن من هذه الشجرة، وموطن ذلك في كتاب الطب النبوي كما تعلمون.
ثم أقسم الله عز وجل بهذا الوادي المقدس سيناء، كما قال الله عز وجل في سورة طه وفي سورة النازعات عظم هذا الوادي: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. وهذا البلد الأمين، أول بيت وضع للناس: ﴿لَأَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾. قال علي رضي الله عنه: البيوت كثيرة التي وضعت، لكن هذا أول بيت وضع لعبادة الله وتعظيم الله جل جلاله. لذلك سئل النبي ﷺ كم بين البيت الحرام والمسجد الأقصى، أي بين بنائهما؟ قال: «أربعون عامًا».
وكما تعلمون فضل الصلاة في هذه المواطن التي تُشد لها الرحال؛ الصلاة في البلد الحرام كمئة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي كألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة. فهذه المواطن المقدسة المعظمة لله جل وعلا، لذلك أقسم الله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وهي كقوله تعالى في سورة الانفطار: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَّلَكَ﴾، وفي قراءة "فعدلك"، في أي صورة ما شاء ركبك.
قال الفضيل رضي الله عنه: "لو سألني ربي: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: يا ربي غرتني بك ستورك المرخاة"، أي سترك الذي أرخيته عليّ. فأسأل الله أن يرخي علينا وعليكم ستره. نستكمل بإذن الله المقطع الثاني بعد هذا الفاصل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بالعلم كالآزهار في البستان؛ هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، ألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد.
قال الذهبي: "علامة المخلص أنه إذا عُوتِب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي". ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: "ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف". فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو في الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل؛ قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾.
حياكم الله مجددًا، وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ثم رددناه أسفل...
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]. يا أيها الإخوة، بين الله عز وجل لنا طريق الخير وطريق الشر، وهديناه النجدين، طريق الخير وطريق الشر، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. العبد له مشيئة خاصة داخلة في مشيئة الله العامة، وقد أبان الله لنا طريق الهداية والجنة، وطريق الغواية والنار.
الله عز وجل جعل أصل الفطرة وأصل الخلقة استقامة الإنسان وقوام خلقه، لذلك جعله رافعًا رأسه إلى السماء، ويمشي على قدمه، وجمله وحسنه؛ لم يجعلنا نمشي على أربع، ولم يجعل رؤوسنا في التراب. هذه من أجمل المعاني التي ذكرها الله عز وجل وامتن بها على خلقه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
ثم جعل أيضًا التقويم المعنوي، وهو التقويم في حياته وفي برنامجه اليومي، وفي صلاته، وفي أدائه، وفي نسكه، وفي كل شيء. فإن شاء الإنسان أن يبقى في أحسن تقويم فله ذلك، وإن شاء أن يبتعد عن الاستقامة ويذهب للاعوجاج فله ذلك. جعلنا الله وإياكم من أهل القوامة، لذلك قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]. نعوذ بالله، والحديث هنا خصوصًا عن أهل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم؛ وذلك لأنه أنعم عليهم بالنعم العظيمة لكنهم انشغلوا عنها باللهو واللعب، وقد رضوا لأنفسهم أسفل الأخلاق، فردهم الله في أسفل سافلين، نعوذ بالله من ذلك.
فالإنسان يختار يا أيها الإخوة طريق الهداية أو طريق الغواية، لكن الله استثنى أولياءه وأحبابه الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وتعلمون يا أيها الإخوة أنه كثير جدًا كثيرًا يجمع الله بين الإيمان والعمل الصالح، مع أن الإيمان بذاته عمل، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، أي عملكم، وهو استقبال القبلة لبيت المقدس قبل أن تُنسخ القبلة إلى المسجد الحرام.
لذلك يأتي دائمًا الإيمان والعمل الصالح، وهما من المصطلحات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. فإذا ذُكر الإيمان والعمل الصالح نفهم أن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خير، ونفهم أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. كما يقول الحافظ الحكمي: «إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات». والإيمان هو مربط الفرس، وهو الفصل بين الصحابي والمنافق.
الحديث عن الإيمان، خصوصًا الإيمان بالغيب؛ لأن الصحابي أو المؤمن يصدق بكل ما جاء به الله وجاء به رسوله ﷺ، رآه بعينه أم لم يره؟ أدركه أم لم يدركه؟ لذلك نؤمن جميعًا بالقبر والحياة فيه، والنعيم والجحيم. نؤمن جميعنا بالله ونحن لم نره، بل آمنا برسول الله ﷺ ونحن لم نره، وآمنا بالجنة والنار، والصراط، والحوض، والكوثر، والميزان، وأهوال القيامة ونحن لم نراها، فالحمد لله على ذلك.
هذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق، هو الإيمان والعمل الصالح؛ فمن كان كذلك صاحب إيمان وعمل صالح فليبشر بالعطاء من الله، أجر لا ينتهي، وأجر مستمر، وأجر لا ينقطع: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6].
بعد أن قرر الله وأقسم ببلاد الشام، والتين والزيتون التي تكون في بلاد الشام، وبعد أن أقسم بطور سيناء، وبعد أن أقسم بهذا البلد الحرام الذي فيه آيات بينات، مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. هذا البلد الحرام الذي فيه الآيات البينات؛ الكعبة آية، وزمزم آية، والحطيم آية، والحجر آية، والصفا آية، والمروة آية، والمسعى آية، والطواف آية، والأمن آية. كل هذه الآيات التي في هذا البلد الحرام التي أقسم الله بها.
وبعد أن جعلنا في أحسن تقويم إلا من أراد أن يكون في أسفل السافلين، وبعد أن استثنى أهل الإيمان وأهل العمل الصالح، هذا الإله الذي فعل ذلك، كيف بعد كل هذا يكذب المكذبون بالدين؟ يوم الجزاء ويوم الحساب الذي قرره الله عز وجل في القرآن بأصناف كثيرة: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 7-8]. بلى ربنا بلى، ربنا أحكم الحاكمين.
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُّمَدَّى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ [القيامة: 37-40]. لذلك هذه الآيات قرر الله عز وجل في نهايتها الإيمان بيوم الدين، وما يكون به، وإن المؤمن يؤمن بيوم القيامة فله الأجر غير المنقطع، وإن الكافر لا يؤمن بهذا اليوم، ولا يؤمن أن الله يبعثه بعد أن يميت؛ إذا كان ترابًا.
﴿إِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَن لَّن يُبْعَثُوا * وَلَوْ كَانُوا خَيْرَ أَصْحَابِ الْقُبُورِ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الواقعة: 3-6]. ثم إنكم أيها الضالون، ونعوذ بالله من الضلالة ومن التكذيب بالدين.
ولكن يا أيها الإخوة، جدير بنا دومًا أن نستحضر يوم الدين، وأن نستحضر أمور الغيب؛ فما يزيد الإيمان إلا ذكر أمور الغيب، مثل الحديث عن الله والملائكة والجنة والنار والرسل والأنبياء وقصص القرآن، كل هذه يا أيها الإخوة تزيد الإيمان وتشرح الصدر، وتنور القلب وتنور القبر وتزيد المدارك. بعض الناس اليوم يفزع إلى الروايات وإلى القصص التي لا قيمة لها عن قصص القرآن وعن آيات القرآن؛ كيف تزيد في قلبه الإيمان؟ وكيف تبعثه على العمل الصالح؟
لذلك لم يكن النبي ﷺ يترك أبدًا ورده من القرآن. حتى مع اشتغاله بالوفود في السنة التاسعة لما أقبلوا على رسول الله ﷺ من المدينة، وكان يسامرهم كل يوم بعد العشاء يبين لهم أمور الدين وأمور الإسلام وأحكامه وأحوال الدعوة، فكان ﷺ يسامرهم، ففي يوم من الأيام تأخر عنهم ﷺ، فقالوا له: ما الذي أخّرك يا رسول الله عما كنت تأتينا؟ قال: «نسيت وردي من القرآن فأردت ألا آتيكم بعد أن أتمه». لم يكن يتركه ﷺ.
كثير من علمائنا اليوم يرون التغني بالقرآن، والتلذذ بالقرآن، واتساع المدارك في قصص القرآن، والحياة الحقيقية في حياة الأنبياء في القرآن، سواء في السور القصيرة أو العظيمة. القرآن وصفه الله بأنه كتاب كريم، كلما أعطيته أعطاك، وسماه ووصفه بأنه كتاب عزيز؛ إذا استغنيت عنه استغنى عنك، وأنت الخسران في النهاية.
لذلك يا أيها الإخوة، علينا أن نستمتع بمثل هذه السور وبغيرها من سور القرآن، فإنها صور عظيمة تنبئ عن حكمة الله وعن إرادة الله، وتؤكد أن الله عز وجل هو أحكم الحاكمين. لذلك يا أيها الإخوة، علينا أن نعظم ما عظم الله في كتابه، وأن نستذكر أن الله خلقنا في أحسن تقويم وفي أحسن صورة، وأنه لم يردنا إلى السافلين إلا من أراد ذلك واختاره، وأن الله جعلنا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وأن الله جل جلاله بشرنا بأن لنا أجورًا غير منقطعة وغير متناهية، أجورًا عظيمة، وأن نؤمن بيوم الدين، يوم القيامة، ونقرره، ونتأكد منه.
إن الله هو أحكم الحاكمين. فمع هذا الفاصل بين الله ونواصله بعده.
العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث. ومنه نفل كالتفقه في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.
ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور».
ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ونهتم بالفهم والتدبر، ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في المقطع الأخير من تفسير هذه السورة. يجدر بنا الحقيقة نستمع إلى قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.
أذكر لكم قصة عجيبة غريبة ذكرها ابن كثير في تفسيره في المجلد الرابع، عن البلد الأمين والبلد المعظم والبلد الحرام. هذه القصة فيها دروس وفيها عبر. ذكر أن «تبع» -وهو لقب لكل من ملك اليمن واسمه تبان أسعد تحديدًا- أنه حدثت له هذه القصة قبل ميلاد النبي ﷺ بقرابة السبعمائة عام، قالوا إنها في نهاية نبوة موسى أو بعد نبوة موسى، على خلاف بين أهل السيرة في ذلك.
أراد تبع، هذا تبان أسعد، الذهاب إلى بلاد الشام، فذهب من اليمن منطلقًا إلى الشام مرورا بيثرب، وكان أهل يثرب ثلاث قبائل من اليهود وهم الذين تعرفونهم: بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع. وأراد أن يسيطر على بعض العرب لأن اليهود سكنوها، حتى يكون آخر أنبياء الزمان منهم؛ لأنه مكتوب عندهم في كتبهم أنه يخرج من أرض بين لابتين، وهي أرض المدينة، على ساكنيها أفضل الصلاة والسلام.
ذهب تبع من اليمن بجيشه العرمرم الكبير حتى بلغ، ثم ترك ابنه يتجر في يثرب وذهب هو إلى الشام. فلما رجع وجد أهل يثرب قد اختصموا مع ابنه وقتلوه، وهم اليهود الذين آمنوا بموسى -يعني كانوا على التوراة الحقيقية قبل التحريف-. فلما رجع وجد أن أهل يثرب قد قتلوا ابنه، فعزم على مقاتلتهم، فجعل يقاتلهم ثلاثة أيام بلياليهن، فكان النهار قتالا بين الطرفين، وكان الليل كرمًا.
فتعجب: ما هؤلاء الناس الذين يقاتلونني في النهار ويكرمونني في الليل؟ فخرج له ثلاثة من أحبار اليهود فقالوا له: يا تبع ما تريد أن تفعل؟ قال: والله لأرحل عن هذه المدينة حتى أخربها على أهلها. قالوا: ويحك! يهلك الله قبل أن تفعل. قال: بأي شيء؟ قالوا: إنها مهاجر نبي في آخر الزمان يدعى أحمد ﷺ.
قالوا: قصوا علي من خبره، فجعلوا يقرأون عليه بعض صفاته في التوراة قبل التحريف: النبي الأمين، الهين، السهل، موطأ الأكناف، سهل العريكة. فجعلوا يقرأون عليه من صفات هذا النبي الذي بقي إلى مولده قرابة السبعمائة سنة، فبش وجه هذا الملك العظيم وبش، وأنشد فيه ثلاثة أبيات فقال: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه ... وفريت عن صدره كل غم
الله أكبر! فجعل أهل المدينة يتوارثون هذه الأبيات جيلا عن جيل، وطبقا عن طبق، أطبقا عن طبق، حتى ولد النبي ﷺ وهاجر إلى يثرب. فلما نزل في دار أبي أيوب الأنصاري، قال له أبو أيوب: يا رسول الله، لقد قيل فيك اليماني قبل مئات السنين: شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم، فلو مد عمري إلى عمره كنت وزيرا له وابن عم، وجاهدت بالسيف أعداءه، وفريت عن صدره كل غم.
لذلك قال النبي ﷺ: «لا تسبوا تبع فإنه قد مات على الإسلام». عجيب! مات على الإسلام قبل ميلاد نبي الإسلام، وهذه من أعظم بركات النبي ﷺ قبل ميلاده. لذلك تقول عائشة رضي الله عنها: «ما أعجب القرآن! يذم الملوك ولا يذم تبع». لأجل هذا التبعي الذي اسمه تبان أسعد.
ولابد أن أذكر معكم تكملة القصة حتى نصل إلى ﴿وَالْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، هذا البلد الحرام. فلما أراد أن ينطلق تبع من يثرب، ذهب مع هؤلاء الثلاثة الأحبار دعاة إلى الله إلى اليمن. فلما نزل قريبا من مكة، جاءه بعض أهل جرهم يريدون أن يفتنوا به وبين خزاعة أهل مكة، لأن خزاعة أخرجت جرهم من مكة. فقالوا له: يا تبع، لك في الذهب والجواهر؟ قال: نعم. قالوا له: إنها تحت ذلك البيت، وأشاروا إلى الكعبة، يريدونه أن يهدم، فتقوم الحرب بين أهل اليمن وبين خزاعة، فتتخلص جرهم من عدوين من أعدائهما في آن واحد.
فأراد من الصبح أن يذهب إلى الكعبة ليهدمها، فشعر الثلاثة الأحبار المسلمون بهذه المؤامرة، فقالوا: ما تريد أن تفعل يا تبع؟ قال: أريد الذهب والجواهر تحت ذلك البيت، وأشار إلى الكعبة. فقالوا له: ويحك! يهلك الله قبل أن تفعل. قال: بأي شيء؟ قالوا: إنها مهاجر نبي، وإنها بيت الله الحرام، أنا لا نعلم بيتا يعظم في الأرض غير هذا البيت لله.
فنام ورأى في المنام أنه يطوف بالبيت سبعا ثم يكسوه. فلما أتى من الصبح، طاف وجيشه بالبيت سبعا ثم كساه، فكان أول من كسا الكعبة على الإطلاق. قد يقول قائل: سمعنا أن عبد الله بن الزبير هو أول من كسا الكعبة. نعم، عبد الله بن الزبير هو أول من كسا الكعبة بالديباج والحرير، أما أول من كساها على الإطلاق فهو تبان أسعد تبع ملك اليمن.
فأصبح الملوك والرؤساء يرسلون لها الأكسية، فكانت توضع كساء فوق كساء حتى زمان عبد المطلب، فأزاحها وجعلها كساء واحد فقط، فأصبحت يستبدل هذا الكساء كل عام حتى هذا العام. فهذه من القصص العظيمة في تعظيم البيت الحرام وفي البلد الحرام الذي جعله الله آمنا مطمئنا إلى يوم القيامة، وأكرمنا الله به، أكرمنا في هذه البلاد بأعظم بلدين: بلد مكة وبلد المدينة.
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. أسأل الله عز وجل.
أن يجعل اجتماعنا هذا وإياكم مرحوماً، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل تفرقنا من بعده معصوماً، وأن يعيشنا مع لذة القرآن وحياة القرآن وطعم القرآن، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
بسم الله خير الأسماء، «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله على أنفسنا وعلى أبنائنا وعلى بلادنا وعلى أولادنا وعلى علمائنا، وعلى كل شيء أعطاه ربنا.
الله أكبر، الله أكبر مما نخاف ونحذر، عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك، نعوذ بك من كل جبار عنيد وكل شيطان مريد. وصلى الله وسلم على محمد، وإلى اللقاء بإذن الله في درس آخر جديد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سلطان العتيبي