دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه، محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، حياكم الله طلاب أكاديمية زاد في المستوى الرابع.

أحييكم بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نحن اليوم في الحلقة الثالثة والعشرين على مائدة التفسير ومائدة القرآن المبارك، وصلنا وإياكم إلى آخر سورة في هذه الموائد الجميلة الطيبة التي عشنا معكم وإياكم أجمل الأيام مع كلام الله وكلام رسوله ﷺ.

اليوم موعدنا مع آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس، وهي سورة مدنية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. لو لاحظتم الفاصلة في السورة، وهي التي تنتهي بالألف والسين، تسمى الفاصلة ولا تسمى القافية، فراراً بالقرآن عن أن يوصف بالشعر.

هذه السورة العظيمة ذكرنا لكم في تفسير سورة الفلق أن بينها وبين الفلق مناسبة عظيمة جدا؛ أولاً أنهما المعوذتان اللتان كان يستعيذ بهما رسول الله ﷺ، سورة الفلق وسورة الناس، وهما مع سورة الصمد «قل هو الله أحد»؛ كان النبي ﷺ يرفع يديه ثم ينفث فيهما ثم يقرأهما عليه الصلاة والسلام ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ﷺ.

وبين سورة الفلق والناس مناسبة عظيمة ذكرناها لكم في اللقاء الماضي، ولا مانع من إعادتها لتبيان ذلك؛ في سورة الفلق قال الله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، المستعاذ به واحد أو صفاته واحدة وهو رب الفلق سبحانه وتعالى، والمستعاذ منه ثلاثة أشياء: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾.

في سورة الناس العكس؛ المستعاذ به ثلاث صفات، والمستعاذ منه شيء واحد، فنقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ ثلاث أشياء، ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فالمستعاذ به شيء واحد وهو الوسواس، والمستعاذ والملتجأ إليه هو ذو ثلاث صفات سبحانه وتعالى، بعكس سورة الفلق.

فهذه من المناسبات التي بين سورة الناس وسورة الفلق، والمناسبات اتحاد الموضوع وهو اللجوء إلى الله عز وجل والاعتصام به وبصفاته سبحانه وتعالى من شر الأشرار، فأصبح الأشرار في هاتين السورتين أربعة أشرار: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وهنا أيضاً من شر الوسواس الخناس، وسنأتي إلى تفسيره بإذن الله.

أما معاني السورة إجمالاً، فالله عز وجل يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وذكرنا لكم أن الهدف من إيراد «قل» أن النبي ﷺ لم يكتم شيئاً من الوحي، حتى والله يقول له: «قل»، «قل»، حتى لا يكتم حرفاً واحداً من حروف الوحي؛ لأنه مستأمن عليه ﷺ كما استأمن الله عليه جبريل، نزل به الروح ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ على قلبك، والنبي ﷺ أدى الوحي كما سمعه بالحرف الواحد من جبريل عليه الصلاة والسلام.

والمهم أن النبي ﷺ لم يكتم شيئاً من الوحي، حتى الحرف الواحد لم يكتمه، كما روي عن الحسن عن الحسين بن علي رضي الله عنه: «لو كان النبي ﷺ كاتب من شيء من الوحي لكتم الآيات التي في سورة الأحزاب التي نزلت في زواجه من زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها: ﴿وَتَرْضَوْا مَا آتَاكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذْ تُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ وَأَنْتُمْ تَظُنُّونَ بِأَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِكُمْ لَحَقَّكُمُ الْقَتْلُ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ۚ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾».

قال: لو كان النبي ﷺ كاتب شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية، ولكن حتى الذي يتكلم عن أعراض النبي ﷺ النفسية والروحية والداخلية التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، ويخبر الله عز وجل بها، ينقلها النبي ﷺ كما ذكرها الله عز وجل، بدون شيء. وأشياء كثيرة أيضاً كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، في الآية أيضاً في عتابه ﷺ، مع ذلك لم يخفِها ﷺ. وكذلك جميع آيات العتاب كقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾، أيضاً هذه آية في عتابه ﷺ، ولكنه لم يخفِ شيئاً أبداً، لأنه مستأمن على هذا الوحي عليه الصلاة والسلام.

الله عز وجل قال في مطلع هذه السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وهو رب الناس وغيرهم سبحانه وتعالى؛ هو رب الناس ورب الملائكة ورب الجن ورب السماوات ورب الأرض ورب الشمس ورب القمر ورب كل شيء، لكن لماذا خص الناس هنا؟ بمناسبة السورة، فالمناسبة حاصلة في الحديث عن الناس وعن الناس وما يوسوس في صدور هؤلاء الناس؛ لذلك قال الله: «رب الناس»، كما في سورة الفاتحة قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، مع أنه مالك كل الأيام سبحانه وتعالى، ولكن اقتضت المناسبة الحديث عن يوم الدين وهو أعظم الأيام على الإطلاق.

ثم قال الله عز وجل بعد ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، الملك هو المالك الحاكم المتصرف، ولله المثل الأعلى فهو ملك الملوك جل جلاله. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي مألوه ومعبود، تأله له الناس وتعبده الذي له العبادة حباً وتعظيماً دون كل شيء سواه. هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل: الربوبية، والملك، والألوهية، واجتمعت هنا أنواع التوحيد الثلاثة؛ فالربوبية حين قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، هنا توحيد الربوبية. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ الملك من أسمائه وصفاته، هنا توحيد الأسماء والصفات. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ هنا توحيد الألوهية، فجمعت هذه السورة بين أنواع التوحيد الثلاثة: الألوهية أو الإلهية أو العبادة كما يسميه بعضهم، والأسماء والصفات التي زلقت فيه كثير من الفرق الباطنية والضالة، وكذلك إله الناس وهو توحيد الألوهية.

والاستعاذة بالرب الملك تستلزم أن تستحضر من صفات الله سبحانه ما به يدفع الشر عامة وشر الوسواس الخناس خاصة؛ أي نستعيذ بالله بصفاته من كل شر ذي شر. ولكن هنا الاستعاذة من الوسواس، سواء كان مصدره شياطين الإنس أم شياطين الجن كما سيأتي بعد قليل؛ لذلك قال الله عز وجل: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾، هنا بيان لهذا الشر الذي يستعاذ منه، والوسوسة هي الصوت الخفي.

والوسواس اسم من أسماء الشيطان، والوسواس الفعل كالطهور؛ فالطهور اسم الماء، والطهور هو فعل الوضوء. فهكذا هنا كالغرور؛ فالغرور هو الشيطان، والغرور هو خداعه.

نستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل. يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحًا ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره وما يشترط فيه: القبض والتماثل معًا أو التقابض فقط، حتى لا يقع في الربا.

ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء، وبيع ما لا يملك، والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض: ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل؟ حتى لا يقع في الربا أو الظلم.

ويتعلم القبض وصوره؛ فقبض كل شيء إن بحس به، فإن كان موزونًا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابًا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير؛ قال النبي ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».

ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن تاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 284]. بالعلم كالازهار في البستان.

حياكم الله من جديد. قال تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4]. وكما ذكرنا لكم، إن الوسوسة هي الصوت الخفي، والوسواس اسم من أسماء الشيطان سُمي به لكثرة ملابسته إياه لكثرة ما يقترف الوسوسة، وهو أيضًا ما توسوس به شهوات النفس وتسوله. أما الخناس فهو الذي يخنس وينهزم ويولي ويدبر عند ذكر الله عز وجل، فالوسواس هو نفسه الخناس. وسنأتي أيضًا للتفريق وكيف اجتمع هذا الوصفان بعد قليل.

فأمر الله عز وجل المستعيذ أن يتعوذ: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 1-4]، وهو الشيطان الموكل بالإنسان؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألو جهدًا في إفساده، نعوذ بالله، كان ذلك من الإنس أو كان ذلك من الجن.

وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجن»، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم»، أي هذا الشيطان القرين أسلم واعتنق الإسلام فلا يأمرني إلا بخير. وقال بعضهم: "فأسلم" بتسكين الميم، أي فأسلم من وسوسته ومن شره. وفي ضبط صحيح مسلم: "فأسلم" هكذا، أي أسلم هذا القرين الذي مع النبي ﷺ لقوة إيمان النبي ﷺ ولكثرة دعوته إلى الله عز وجل، فأسلم هذا القرين فأصبح لا يأمر إلا بخير، يأمر النبي ﷺ بكل خير.

ثم ذكر الله ما من شأن هذا الوسواس الخناس أن يفعل، أي ماذا يفعل هذا الوسواس الخناس؟ فقال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5]، فيحسن لهم الشر ويريهم إياه في صورة حسنة وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه ويريهم إياه في صورة غير صورته؛ أن يلبسوا عليهم كما يقال في تلبيس إبليس.

من الجنة هنا أنواع الشياطين التي تحدث الله عنها وعن شرها في هذه الصورة، وعن مصدر تأثيرها وعن مكانه، ثم ذكر هنا صنفها: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]. هذه الآية بيانية، أي تبين الذي يوسوس في صدور الناس؛ كما يكون من الجن يكون أيضًا من الإنس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

لكن هنا فائدة بلاغية ونكتة بلاغية: لماذا الله في هذه السورة قدم شياطين الجن على الإنس فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؟ وفي آية الأنعام قدم شياطين الإنس على الجن. قالوا في هذه الصورة -أي في سورة الناس- قدم الجن على الإنس للكثرة، فهم أكثر من الإنس. وفي سورة الأنعام قدم شياطين الإنس على الجن للخطر، وهم يتكلمون بنفس اللسان ويلبسون نفس اللباس. إذًا سر التقديم في سورة الناس الكثرة، وسر التقديم في سورة الأنعام الخطر، أجارنا الله وإياكم من كثرتهم وقلتهم ومن خطرهم ومن كيدهم.

أما الفوائد المتعلقة أيضًا بهذه السورة فمنها عموم ربوبية الله عز وجل لكل الخلق، وعموم ألوهيته وملكه لهم، لكن تخصيص ذكر الناس هنا ليجعلهم يحسون بقربه في موقف العيال والاحتماء. وهذا والله مجرب؛ حين تقرأ هذه السورة وتشعر بأنسيتك وإنسانيتك، وأن الله هو ربك، هو رب الناس، رب الإنسان، ربك وقريب منك، تشعر فعلاً بالاحتماء بعظيم جل جلاله. وسبحانه وتعالى، فالأنس بالله والقرب من الله من أعظم دواعي الاطمئنان والالتجاء بالله.

لذلك سأل الصحابة رسول الله ﷺ: «يا رسول الله، أربنا بعيد فنناديه أم قريب فنناجيه؟»، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. إذا دعان فهو قريب.

لذلك قال بعض علماء البلاغة: لماذا أجاب موسى بأكثر مما سأله الله عز وجل عندما قال له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 17]؟ قال: ﴿قَالَتْ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: 17]، هنا انتهى الجواب، ولكن موسى قال: ﴿عَلَيْهَا أَتَوَكَّأُ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 18]، أي زيادة، "ولي فيها مآرب أخرى" كأنه يريد: يا رب إذا أردت أن أبين لك أيضًا هذه المآرب بينتها لك. قالوا: لماذا أجاب موسى بأكثر مما سئل عنه وأطال في الجواب واقترح الإطالة؟ قالوا: كل ذلك للأنس بالله والأنس مع الله.

وما دام جينا هذه السورة في خطأ في التفسير يقوله كثير من الناس في قوله عز وجل: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾، بعضهم يظن "أهش بها على غنمي" يعني أضرب بها غنمي، لو كان كذا لكانت الآية "أهش بها غنمي"، ولكن "أهش بها على غنمي" أي أختلط بعصاي ورق الشجر، اخترقه من الشجر وأخبطه فيسقط أمام غنمي فتأكله غنمي، هذا معناه "هشوا بها على غنمي" وليست كما يتبادر لأذهان الناس "أهش بها غنمي".

وأيضًا من فوائد هذه الآية أن الوساوس تكون من الجن وتكون من بني آدم؛ أما وسوسة الجن فظاهرة لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، لذلك قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، لأن الصوم يضيق مجاري الدم التي يكون فيها الإنسان تقل وسوسته وسارته للشهوات. وأما وسوسة بني آدم فما أكثر الذين يأتون إلى الإنسان يوحون إليه بالشر.

ويزينونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلام بعقله وينصرف إليه، وهذا أيضًا يبين خطر شياطين الإنس على الإنسان كما هو وخطر شياطين الجن، لكنهم قد يكونون أكثر خطرًا لتلبسهم بلباسه وتقولهم بأقواله وفعلهم لأفعاله.

وأيضًا من فوائد هذه السورة، أن هذه السورة والتي قبلها الفلق، والتي قبلها الصمد، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه ومسح بذلك وجهه، والناس يقعون اليوم في خطأ يقرؤونها ثم ينفثون، والصواب كما في الحديث النفث قبل القراءة ثم يمسح بذلك وجهه وما استطاع من بدنه، وربما قرأها خلف الصلوات الخمس، أي إنها مما يقرأ أيضًا من بعد أذكار الصلوات الخمس، فينبغي للإنسان أن يتحرى السنة في تلاوتها في مواضعها كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعوذ متعوذ بمثلهما»، أي بمثل الفلق والناس. والله يا إخواني إنها وقاية من السحر والعين وشياطين الإنس وشياطين الجن، وإنها أيضًا علاج وشفاء. وكان النبي يستعيذ باستعاذات كثيرة، لكن لما أنزلت عليه هاتان السورتان، الفلق والناس، أخذ بهما وترك ما سواهما كما ذكرناه لكم في الحلقة الماضية.

لذلك المطلوب منا أيها الإخوة أن نحافظ على هاتين السورتين، خصوصًا فإن فيها القرب من الله والالتجاء لله والاعتصام بالله والانس بالله والتحدث إلى الله بكلامه جل جلاله. فما أعظم هذه السورة وما أعظم فوائدها، وباذن الله بعد الفاصل نتكلم أيضًا عن مزيد من الفوائد بإذن الله.

خلق الله الإنسان وجبله على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين، فهو لا يستطيع العيش وحيدًا مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية، لذا كانت الصحبة أمرًا ضروريًا للغاية، وقد جاء القرآن والسنة ببيان أهمية الصحبة ومدى خطورتها على الإنسان.

في الحديث: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، فالصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك؛ فإما أن يؤثر فيه خيرًا فيذكره بالله، ويأمره بالصالحات، ويحثه على الطاعات، فيكون من أسباب نجاته يوم القيامة، وإما أن يؤثر فيه شرًا فيأمره بالخبائث، ويحثه على المفاسد، ويصده عن ذكر الله تعالى، فيكون سببًا في ضياعه وهلاكه يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29].

ومن أوضح الأمثلة المبينة لأثر الصحبة ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا لتأثير الجليس على جليسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة». فالعاقل يتخير الصالحين والأخيار لمجالستهم والقرب منهم، ويبتعد كل البعد عن صحبة الذين يوردونه المهالك ويورثونه الندامة في الدنيا والآخرة.

حياكم الله من جديد، من الفوائد التي ذكرناها لكم في هذه السورة وفي السورة التي قبلها اللجوء إلى الله جل جلاله والاحتماء بحمايته واللجوء إلى ملجأه سبحانه وتعالى؛ لو اجتمعت السماوات والأرض وكل من فيها على الإطلاق على هذا العبد والكيد له، ثم التجأ واعتصم بالله لجعل الله له من بينهن فرجًا ومخرجًا، سبحانه وتعالى. ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج.

وأيضًا من الفوائد في هذه السورة علاج الوسوسة، والوسوسة مرض خطير يكون في بعض الناس سواء كانت الوسوسة النفسية أو الوسوسة في الوضوء، فلها علاج روحاني من القرآن الكريم وهو الإكثار من هذه السورة، وأيضًا من علاجاتها الإعراض عن هذه الوسوسة، وله علاج عند الطبيب النفسي إذا كانت وسوسة نفسية، لكن من أطيب الأشفية والأدوية والعلاجات للوسوسة الإكثار من هذه السورة في كل وقت يحتاج إليه الموسوس، ثم إذا قرأها بيقين وتدبر عليه بعد ذلك أن يعرض.

فلو كانت الوسوسة في الوضوء مثلا، انتهى من وضوئه الأول فقال له الشيطان: أنت لم تتطهر حقًا، الواجب أن يعرض ويحدث نفسه، بل كأنه يحدث هذا الشيطان، بل يقول أنا على وضوء، أو يقول لن أتوضأ بعد هذا الوضوء، عليه أن يجبر نفسه ويعرض إعراضًا تامًا؛ لأنه لو ترك المجال لأعاد الوضوء ثم عاد ثم عاد. إذًا الحل الإكثار من هذه السورة في كل وقت، في المشي وفي القعود وفي أي مكان، ثم بعد ذلك الإعراض تمامًا عن هذه الوسوسة وعن ما فيها، فهذه من فوائد هذه السورة أنها جعلت علاجًا لمرض الوسوسة.

أيضًا من فوائد هذه السورة أن كل من زين الباطل وجعل الحق باطلاً وجعل الخير شرًا وجعل المعروف منكرًا، فإنه شيطان، كان ذلك من الجن ووسوسته أو كان من الإنسان ووسوسته، وأحيانًا يكون الشيطان من أقرب خاصة الإنسان إذا كان من شياطين الإنس، وأما الشيطان الجان فهو متلبس بالإنسان، عليه أن يستحضر عداوته وعليه أن يستكفي بالله من شره.

وأيضًا من الفوائد في هذه السورة الجمع بين قوله تعالى: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، وهاتان الصفتان ذكرهم الله عز وجل في هذه السورة للشيطان، فسماه وسواسًا وسماه خناسًا. والوسواس هو الذي يقبل بالوسوسة، والخناس هو الذي يفر ويهرب، فكيف تجتمع هذه؟ وسواس إذا غفلت عن ذكر الله، وخناس إذا ذكرت الله، فهو يوسوس لكنه يخنس، فكلما ذكرت الله عز وجل خنس وهرب وولى وأدبر.

لذلك لا يستطيع الشيطان أبدًا أن يحتمل الأذان، لأن الأذان كما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الأذان دعوة تامة»، الشيطان لا يحتمل الأذان أبدًا، بل يولي وله ضراط كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يعود ويوسوس في الصلاة، لكن الأذان لا يستطيع لأنه دعوة، لذلك أبعد ما يكون الشيطان عن الدعاة إلى الله العاملين بعلمه.

أيضًا من فوائد هذه السورة أن الشيطان كما ذكرت لكم ليس منحصرًا في الجن، ومن حصر الشياطين في الجن فقد حجر واسعًا، فالإنسان كما ذكرنا قد يكون شيطانًا، وبنص القرآن هنا في هذه السورة وفي سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. فهو بالإثبات وبالنص القرآني أن الشيطان إنسي كان أو جني، أجنا الله وإياكم من هذا.

ومن هذا أيضًا في هذه السورة إشارة إلى الرفقة، فإن الشيطان الجاني هو رفيق للإنسان، فهو يوسوس له ويزين له الباطل، فكذلك الرفيق؛ في الشعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فإن القرين بالمقارن يقتدي. وقال النبي ﷺ وهو أصدق من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم».

من يخالل لذلك شبه صديق الخير وصديق الشر بحامل المسك ونافخ الكير، فصعب على الإنسان أن يعيش في بيئتين وبين رفقتين، أو يحاول أن يكون بين أهل الهداية وأهل الغواية. يستحيل هذا، لا بد للإنسان أن يغير بيئة الغواية ويتجه إلى بيئة الهداية؛ فهي البيئة التي تدله على الفردوس والطريق إلى الجنة، والطريق إلى الله جل جلاله. أما أن يبقى الإنسان مع بيئة الغواية وبيئة الشياطين ويريد أن يكون في البيئة الملائكية، فهذا يصعب عليه جدا، لا بد أن تنتقي صحبتك.

يقول عمر رضي الله عنه: «والله إني لأنتقي الأصحاب كما تنتقون قطايب الثمر». وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «طيبوا مجالسكم بذكر عمر». عمر بن الخطاب ذكره يطيب المجالس رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.

وأيضا من فوائد هذه الصورة، وهي فائدة مهمة جدا يا إخواني وأخواتي، وهي استحضار عداوة الشيطان؛ لأن الله أرادنا أن نعيش هذه العداوة مع الشيطان، فقال توجيها لنا للشيطان: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حَزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [إبراهيم: 22].

ومما يؤسف له أن كثير من الناس يصوّر على أنه شخصية ظريفة أو شخصية مضحكة أو شخصية كرتونية أو شخصية لذيذة، وهذا من الجهل بالدين، حتى في بعض المقاطع الدعوية أو غيرهم يطلقون على الشيطان بعض الأسماء المضحكة. الله يريدنا أن نتخذ عدوا ولنستحضر عداوته في حياتنا؛ لأن هدف كل شيطان معنا هو أن يكب أحدنا على وجهه في نار جهنم. فكيف تستظرف هذه الشخصية وتجعلها شخصية ظريفة مضحكة؟ أبدا. الشيطان عدو كما قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، والشيطان متكبر، والشيطان هدفه الغواية، والشيطان تهددنا وتوعدنا أن يجعلنا من أكثر أهل النار، أجارنا الله وإياكم، وطلب من الله الخلد في الحياة الدنيا حتى يهوي بنا إلى نار جهنم، أجارنا الله وإياكم.

لذلك يا أيها الإخوة، يا أيها الأخوات، علينا الحذر منه وهو يتبرأ منا يوم القيامة، وقال قرينه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: 27]. يوم القيامة كمثل الشيطان إذ قال الإنسان: اكفر، فلما كفر قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الممتحنة: 4]. لذلك هو أكبر عدو للإنسان، هو القرين الذي معك الذي يهدف من صحبته والعيش معك أن يكبك على وجهك في نار جهنم، أجارنا الله وإياكم من الشياطين ومن مكرهم.

إذن نستحضر هذه الصورة بعد أن سمعنا هذا التفسير الطيب المبارك. من كل قلوبنا فنقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6].

أسأل الله عز وجل أن يجعل ما قلت حجة لنا وإياكم لا علينا، وأن يعيذنا وإياكم من شياطين الإنس والجن. بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، بسم الله الكافي، بسم الله الشافي، بسم الله المعافي، الله أكبر الله أكبر الله أكبر.

عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك، نعوذ بك من كل جبار عنيد، ومن كل شيطان مريد، ومن شر قضاء السوء، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، يا عظيم السلطان، يا قوي الأركان، يا شديد النيران، حسبنا الله وكفى، سمع الله لمن دعا. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.

وإلى اللقاء بإذن الله في آخر حلقة وآخر درس على هذه الموائد من تفسير القرآن الكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا راغبات في كل علم نافع، متطلعة لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان.