يا راغبات في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد والسيرة العطرة. يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا، زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما من أحد هو أعظم اهتمامًا بالدعوة إلى الله عز وجل من النبي ﷺ، ولا يوجد أحد مشغول مثل شغله عليه الصلاة والسلام، أو عنده من المهام المتعددة كما تعددت عند نبينا ﷺ. وقد كان النبي ﷺ المعلم، وكان الأب الحنون، والزوج المحب، والصاحب الوفي، وكان هو القاضي، والحاكم، وقائد الجيوش عليه الصلاة والسلام.
ومع ذلك كله، ومع تلك المهام المتعددة، لم تكن لتؤثر على طيب نفسه عليه الصلاة والسلام. الواحد منا كلما كثرت مهامه ومشاغله، بل قل إن شئت همومه وديونه والمشاكل المحيطة ببيئته ومجتمعه وما حوله، كلما ازداد تجهمًا وعبوسًا وبعدًا عن الناس، إلا النبي ﷺ مع كل تلك المهام العظيمة الجسيمة الموكلة به؛ فقد كان طيب النفس، كان عليه الصلاة والسلام ضحاكًا بسامًا، يربي ويهذب بالابتسامة والممازحة.
فلضحكاته منافع، وابتساماته وممازحاته مقاصد وفوائد، ولو ترك عليه الصلاة والسلام طريق الابتسام إلى العبوس لأخذ الناس أنفسهم بذلك على ما فيه من مخالفة الفطرة ومشقة وعناء. جاء في وصف النبي ﷺ أنه الضحاك القتال، وجاء في وصفه أيضًا أنه الضحوك. قال ابن فارس: سمي بالضحاك أو بالضحوك لأنه كان طيب النفس عليه الصلاة والسلام، فإِكاه على كثرة ما ينتابه ويفد عليه من جفاة العرب وأهل البوادي، لا يراه أحد ذا ضجر ولا قلق، ولكن لطيفًا في النطق، رقيقًا في المسألة ﷺ.
تخيل كل هذه المهام الجسام العظام، ومع ذلك يزدان وجهه ﷺ -وهو أصلاً كالقمر- بابتسامة محببة تكسب القلوب، وتجذب حب أعدائه قبل أصحابه وأصدقائه. ابن القيم أشار إلى هذه الصفة بصفته أنه ضحوك قتال عليه الصلاة والسلام، وهي صفته في الكتب المتقدمة؛ أشار إلى ذلك فقال: «وأما صفته عليه الصلاة والسلام في بعض الكتب المتقدمة أنه ضحوك قتال»، فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه إذا كان حدًا لله وحقًا له ما يمنعه ذلك.
يعني الرسول عليه الصلاة والسلام ضحوك مبتسم، لكن إن وجد حد من حدود الله عز وجل لم يمنعه هذا الابتسام وطيب النفس من أن يقيم حد الله. يأتيه أسامة بن زيد رضي الله عنه وعن أبيه يستشفع في أمر المخزومية التي كانت تجحد المتاع وتسرق، فأمر بقطع يدها، وقال عليه الصلاة والسلام: «أتَشفع في حد من حدود الله؟». نعم، الرسول يضحك ويبتسم ويحب أسامة ويجلسه على فخذه وهو صغير، ويفعل معه ما يفعله مع أحفادي، لكن إذا جاء الأمر إلى حد من حدود الله عز وجل فلا، هنا لا مساومة ولا هوادة، تنفيذ حكم الله وشرع الله عز وجل. يقول ابن القيم: «ولا يمنعه ذلك»، أي إقامة الحد عن تبسمه في موضعه.
وهذا الأمر يحتاجه كثير من الدعاة، مسألة التوازن. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، إذاً هذا الأمر من أساسيات الدين. أما أن تجد من ينتسب إلى العلم الشريف، أو إلى القضاء، أو إلى تدريس الناس، أو إلى مواجهة الجمهور، تجده عابسًا على الدوام، تمازحه فلا يبتسم، يسلم عليك فيرد عليك باقتضاب كأنك تشحذ منه، لا شك أن هذا ليس من أخلاق الإسلام، وأن الذي يفعل ذلك فيه خلل ونقص؛ لأن سيد الرجال عليه الصلاة والسلام ما كانت تلك أخلاقه، فأنت من أين أتيت بهذه الأخلاق؟ وكيف تزعم أنك تمثل هذا الدين؟
النبي عليه الصلاة والسلام يرشدنا إلى التبسم، وتبسمه وضحكه عليه الصلاة والسلام إما أن يكون ملاطفة ومؤانسة لأزواجه أو لأصحابه، أو يكون مشاركة لهم في أفراحهم وحكاياتهم، أو تصديقًا لخبر ما؛ قد يكون ضحك إقرارًا بصحة هذا الخبر، يقال عنده رواية أو مسألة فيضحك إقرارًا لصحتها، لا لأن الموقف مضحك، بل لأن الرواية صحيحة. أو يكون فرحًا وسرورًا في بعض المواقف، ربما كان تعجبًا لسماع ما يضحك، أو رؤية ما يسر، أو لغير ذلك من الأسباب.
ولكن كيف كان عليه الصلاة والسلام يضحك؟ بعض الأحيان تجد من الناس من يبالغ في الضحك حتى إن الدموع تسيل من عينيه من كثرة وقوة الضحك، وربما استلقى على ظهره ورفث بقدميه من شدة هذا الضحك، فهل هذا النوع من الضحك مناسب؟ وبالمقابل، من الناس من لا يضحك البتة، قد تجد في سير بعض أهل العلم أنه لم يُرَ مبتسمًا قط، هذا ليس من الدين، لا بد من نوع من التوازن. فكيف كان ضحكه عليه الصلاة والسلام؟ هذا ما سوف نتعرف إليه بعد الفاصل، فارتقبونا.
إمام عادل وخليفة زاهد من أشهر الخلفاء الأمويين، وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى»، فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم وحفظ القرآن وهو صغير.
في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة دينًا، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة ليصير واليًا على الحجاز كلها، وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة. كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، كان لا يقطع أمرًا دونهم أو من حضر منهم. لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيراً له. وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتابًا يستخلف فيه عمر من بعده.
صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة فقال: «أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم»، فأجابه الناس قائلين: «قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك ولي أمرنا باليمين والبركة». اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام.
فعزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشر العلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. في الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة توفي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى، وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
عن عبدالله بن الحارث رضي الله عنه يقول: «ما كان ضحك النبي ﷺ إلا تبسما». وعن أمنا عائشة تصف ضحك الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي أقرب الناس إليه وهي زوجته وحبيبته، وكانت تبسط معه أكثر من التبسط مع غيرها، تقول: «ما رأيت النبي ﷺ مستجمعاً قد تضاحكا حتى أرى لهواته». واللهاة هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة، إنما كان يتبسم، إذ الضحك الذي يفتح فيه المرء فمه على مصراعيه من شدة الضحك حتى ترى لهواته هذا لم يكن من طبعه عليه الصلاة والسلام، ولم يفعله قط.
قد يستعجب الواحد منا عند سماع هذه الروايات فيقول: أين الضحك؟ لا فرق، وشتان بين التبسم الذي كان غالب أحواله عليه الصلاة والسلام، حيث كان يتبسم والبسمة صدقة، وهي تشيع جواً من السكون والاطمئنان والمحبة، بخلاف الضحك والقهقهة وخروج الإنسان عن الطبع. النبي عليه الصلاة والسلام ما كان ينبو ويصدر منه مثل هذه الأوضاع المشينة، حاشاه ﷺ أن يضحك بصوت مرتفع. بعض الأحيان تدخل مكاناً، تدخل غرفة وتسمع الموجودين يضحكون بطريقة مشينة، ضحك شيء غير طبيعي على نكات، أو محاكاة لأقوام يتحدثون، أو تقليداً لهم، لا شك أن هذا مخالف لهدي النبي ﷺ.
النبي ﷺ غالب أحواله أنه كان يتبسم، لكن ربما إذا كان الوضع يستحق ربما يضحك حتى تبدو أضراسه عليه الصلاة والسلام، لكن لا يفتح فمه بهذه الطريقة المبالغ فيها. الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول: «والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه ﷺ كان في معظم أحيانه وأحواله لا يزيد على التبسم، وإذا زاد على ذلك وضحك فهذا الضحك هو الذي تظهر منه تلك النواجذ».
المكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب بالوقار. هذا الوقار الذي ذبح الناس كما يقولون، نعم الوقار، لكن لا تخرج عن طبيعتك وسجيتك وفطرتك التي خلقك الله تعالى عليها مخالفا لسنة النبي ﷺ بحثاً عما يعرف باسم الوقار. بعض الأحيان الإنسان يجد نفسه موضوعاً في قالب ليس بقالبه، طبعه أنه يحب الضحك والمزاح، يحب ما نسميه بالعامية "الفرفشة"، لكن البيئة حوله يقولون: ما يصلح هذا لطالب العلم، ما يصلح هذا للعالم، لا بد أن يكون هناك وقار، لا بد أن تفعل كذا وكذا، فيلبس ثوباً غير ثوبه، ويؤدي ذلك به إلى انفصام الشخصية.
نحن نزن الأمور في ميزان الشرع، نحن نطالب الناس باتباع السنة فلا إفراط ولا تفريط، هديه ﷺ هو أكمل الهدي. لا تجعل حياتك ويومك وليلك كله ضحك ومزاح وكذب من أجل نيل الابتسامة، هذا أمر مخالف، لا تجعل فيه إفراطاً في الضحك وفي ملء الأوقات بما يميت القلب، فالرسول ﷺ حذر من ذلك إذ يقول: «إياكم وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب».
لكن بالمقابل لا تتماوت في هذا الدين، لا تتماوت فيه فدائماً تكثر من العبوس والتجهم، وإذا ذكر أحدهم قصة ما من أمور الجاهلية أو من أمور الكفار، إياك أن تبدأ برفع صوتك بالاستغفار والإنكار، فقد كان هذا يجري على عهده عليه الصلاة والسلام كما سيأتي معنا ذلك.
كيف كان عليه الصلاة والسلام يضحك؟ تحدثنا عن ذلك، الآن نريد أن نعرف بعض المواقف التي كان يضحك منها النبي ﷺ أو يتبسم، كي نقارن ردود أفعالنا مقارنة به عليه الصلاة والسلام، لنعلم هل نحن على الحق أم نحن على غير ذلك.
أمنا عائشة تقول: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سحوتها -وهو مثل المكان المخصص لحفظ الأشياء كالمخزن مثلاً- وفي سحوتها ستر، فَهبّت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة للعب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: "بناتي"، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟» قالت: "فرس"، قال: «وما هذا الذي عليه؟» قالت: "جناحان"، قال: «فرس له جناحان؟» قالت: "أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟" فضحك النبي ﷺ حتى رأيت نواجذه.
هذه من المواقف التي ضحك فيها عليه الصلاة والسلام ضحكاً ظاهراً، وهذه الرواية تدلك على تعامله عليه الصلاة والسلام وتلطفه مع زوجته. خيبر كانت السنة السابعة، يعني أن عائشة رضي الله عنها كانت ابنة ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً، لكنها ما زالت فيها بعض الأمور التي تحن فيها إلى الطفولة. أولاً، لم ينكر عليها النبي ﷺ احتفاظها ببناتها اللعب لأن اللعب أصلاً لم تكن على هيئة اللعب التي عندنا اليوم، ثانياً لأن الرسول ﷺ رخص في هذه لعب الأطفال وللإناث خاصة لأنهن ينشأن على الأمومة، فكانت هذه اللعب مما يساعد في ذلك.
ثانياً، النبي ﷺ لم ينكر، لم يقل سبحان الله! بيت النبوة فيه كذا وفيه كذا وأنت أم المؤمنين لا بد أن تفعلي كذا أو كذا. كما نفعل نحن، معاملاتنا مع أبنائنا وبناتنا ومن هم أقرب الناس إلينا تقوم على الانتقاد، تقوم على التعليم المستمر دون النظر إلى الحكمة، دون النظر إلى وضع الشيء في مكانه واستغلال الوقت الأنسب له، وهذا مما يقدح في دعوتنا ولا يترك لها أثراً في الغالب.
النبي ﷺ ضحك، سليمان له حصان بجناحين، ما أنكر عليه ﷺ، وما اتخذ من المسألة من حبة قبة كما يقال، إنما طيّب نفسه ﷺ وتقديره لصغر هذه الفتاة جعله يضحك ويأخذ الأمر بكل أريحية وبساطة. وهذا مثال يدلك على ربما الخلل والخطأ الذي نحن عليه في تعاملنا مع الصغار في دعوتهم.
هنالك خطوط حمراء لا يمكن أن نقربها؛ يأتي الرسول ﷺ فيرى ستاراً فيه تصاوير، لا يدخل البيت. تقول أمنا عائشة: استغفر الله وأتوب إليه، ماذا صنعت يا رسول الله؟ قال: «أما علمت أن أصحاب هذه التصاوير يعذبون يوم القيامة؟» فخلع الستار وقطعته وجعلته حشوة للمساند، انتهى الموضوع. خطوط حمراء ما يلعب فيها عليه الصلاة والسلام ولا يتهاون، أما ما يمكن التجاوز عنه فالرسول ﷺ يضحك حتى تبدو نواجذه عليه الصلاة والسلام.
وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل: جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال؛ هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدهم حياءً، كان مع الناس، وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً.
كان يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير. كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى وصفوه من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوتا: "إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد". ويقول الإنجليزي جورج برناش: "إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد". بل قال تولستوي الأديب العالمي: "إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة".
ولنصرته نعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولندافع عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي ﷺ من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته. فقد عاش حياته يبلغ خير لأمته، ولم يكتفِ بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كما هو معروف لجميع المسلمين كان متعدداً، كان عنده من النساء وتوفي عن تسع، عليه الصلاة والسلام. هذا التعدد الأصل أنه يأتي بالهم والغم للمعدد لكثرة المشاكل، للغيرة، للنفقة. ونعلم أن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام كن يطالبنه بالنفقة في وقت من الأوقات، حتى جاء أمر الله عز وجل بتخييرهن بين البقاء على ما هم عليه أو أن يسرحهن.
عليه الصلاة والسلام، هذا التعدد لم يكن مصدر هم وغم للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لماذا؟ لأنه كان يزن الأمور على حقيقتها وبالميزان الشرعي، فحتى عند مواطن الغيرة كان عليه الصلاة والسلام يقدر ذلك الأمر. وربما ضحك منه؛ أمنا عائشة تكسر إناءً فيه طعام بعثت به أمنا صفية، فيقوم عليه الصلاة والسلام يقول: «غارت أمكم، غارت أمكم»، يعني لا تزعلوا، ويجمع الطعام ويقول لها: «إناء بإناء وطعام بطعام»، يعاقبها بأن تدفع المثل من مواعين ومن أوانيها الخاصة، وانتهى الموضوع؛ لا تهديد بالطلاق، لا رفع يمين، إنه إن عدت إلى ذلك فأنت طالق طالق طالق، لا يرسلها إلى بيت أهلها، الأمر أهون من ذلك.
بل حتى لو حصل بين الزوجات شيء من المزاح أو شيء من الخصام كان يضحك عليه الصلاة والسلام. أمنا زينب تأتي وتنال من عائشة والرسول يسمع عليه الصلاة والسلام، وعائشة لا تتكلم، حتى إذا لمست وأحست أن الرسول يريدها أن تدافع عن نفسها، عليه الصلاة والسلام أعطتها جميع ما في جعبتها، فتبسم عليه الصلاة والسلام يضحك، قال: «هذه ابنة أبي بكر».
أمنا عائشة تقول: أتيت الرسول عليه الصلاة والسلام بخزيرة طبختها له، والخزيرة تختلف عن الحريرة، هي فيها قطع من اللحم وفيها الدقيق، مثل الشوربة، فقلت لعائشة -قالت لأمنا سوداء والرسول بيني وبينها عليه الصلاة والسلام- قلت لها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك. أبت، والرسول جالس، وبين حفصة وبين سوداء وعائشة قرابة نحو ثمانية وأربعين سنة، جودة كبيرة في السن تهددها بهذا الكلام: تأكلين ولا ألطخن وجهك بهذه الخزيرة؟ تقول: فوضعت يدي في الخزيرة فطليت بها وجهها والرسول جالس عليه الصلاة والسلام، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام.
أين العقال؟ أين المشعاب؟ أين الخيزران؟ أبداً، الأمر واسع جداً. ليس ذلك فحسب، يقول: فوضع فخذه لها، الرسول كان بينه وبينها وبين سوداء، فوضع فخذه لها وقال لسوداء: «الطخي وجهها»، يعني انتقمي لنفسك، خذي القود منها. تقول: فلطخت وجهي، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً. وفي رواية أنه سمع صوت أبي بكر أو عمر بالخارج، فقال: «اذهبا فاغسلا وجهيكما الآن، أصلحا شؤونكما الآن، في صحابة قادمون». انظر إلى هذا الأدب النبوي في بيت النبوة عليه الصلاة والسلام، وقارن حالنا مع حاله عليه الصلاة والسلام.
مسألة الضحك مع الأزواج هذا أمر شرعي، كثيراً ما تشتكي النساء يقولون: الزوج لا يضحك، لا يداعب، لا يلعب، لا نسمع منه كما يقال لا نجد منه الريق الطيب، إنما هي شكوى وتذمر وانتقاد ونهر وعقاب. هذا ليس زواجاً صحياً، وغالباً ما يدوم، وإن دام فإنهم ينتظرون متى يموت هذا الطاغية حتى يرثوه ويرتاحوا منه.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لجابر بن عبد الله عندما تزوج، سأله: «أثيب؟»، فقال له: ثيب. جابر نعلم أنه عندما مات أبوه ترك وراءه بنات، فجابر تزوج ثيباً كي تصلح شؤونهن وتهتم بهن، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، أو تضاحكها وتضاحكك؟» متفق على صحته. إذن هذا هو القصد من الزواج، أنه الإنسان يجد في توأم روحه كما يسمونه، من يلعب معها، من تداعبه، من تضاحكه، أما أن يدخلها إلى سجن ويغلق هذا الباب بالمفتاح ويسومها سوء العذاب، ليس هذا من شرعنا. الملاعبة والمضاحكة تملأ بيت الزوجية، تملأ القلوب فرحاً ومسرة، وتملؤه بالأنس والمحبة، فتقوى الرابطة الزوجية وتتعمق الألفة والمودة.
النبي عليه الصلاة والسلام لم يقتصر في ضحكه ومزاحه وتبسمه مع أمهات المؤمنين، بل تعدى ذلك إلى أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. فعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه: هل كنت تجالس النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «نعم، كثيراً ما جالست الرسول عليه الصلاة والسلام، أكثر من مائة مرة، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام».
وهذا أدب نبوي تركه كثير من المسلمين الآن؛ تصلي الفجر بعد خمس دقائق ما تجد أحداً في المسجد، هذا وقت رزق، وقت خير، وقت ذكر، وقت علم. قال عليه الصلاة والسلام -والحديث صححه جماعة-: «من صلى الفجر في جماعة، مكث ثم مكث في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، فصلى ركعتين، كتب له أجر عمرة وحجة تامة، تامة، تامة». هذا في اليوم، ولو تفعل ذلك على مدار السنة انظر كم عمرة وحجة يكتب الله لك أجرها، بالإضافة إلى قراءتك للقرآن وذكرك لله عز وجل. فإذا كان الرسول يجلس عليه الصلاة والسلام في مصلاه حتى تطلع الشمس، يقول جابر: «وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم عليه الصلاة والسلام».
والله كنا نعبد الصنم الفلاني، فإذا رأينا صنعنا صنمًا آخر من تمر وجعلناه هكذا عبدناه فترة، فإذا جُعنا أكلناه. الرسول عليه الصلاة والسلام ما يقول لهم: «أعوذ بالله هذا شرك، اتقوا الله ما يجوز»؛ لا أبدًا، هذه من أمور الجاهلية.
هم قلوبهم مليئة بالإيمان، أعمالهم مليئة بالإخلاص والموافقة للسنة، فما الحرج في أن يتحدثوا عن أمور الجاهلية؟ يحمدون الله على نعمة الهداية والإسلام، كانوا يضحكون وكان يتبسم عليه الصلاة والسلام.
هنالك أمثلة أخرى لعلنا -إن شاء الله- نقدر نتدارسها في الدرس القادم. إلى ذلك الحين استودعكم الله عز وجل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والسيرة العلياء عاطرة الشذا يفوح لأهل كل زمان.
الشيخ عاصم الحكيم