دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. والسيرة عطرة الشذى، يفوح لأهل كل زمان؛ بشرى لنا زدنا كاذبين، بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تحدثنا في الدرس الماضي عن ضحك النبي ﷺ، ونكمل في هذا الدرس نماذج من ضحكه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، ومع بعض المواقف في السيرة النبوية المطهرة.

جابر رضي الله عنه يقول: جاء النبي ﷺ رجل فقال: «رأيت في المنام كأن رأسي قطع». هذا منام الرجل يتحدث عن أمر مريع، يقول جابر: فضحك النبي ﷺ وقال: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس». رواه الإمام مسلم. إذن ما يجوز للمسلم أن يتحدث بالرؤيا السيئة التي يراها؛ لأن هذا من تلاعب الشيطان به.

وفي بعض الروايات أنه غضب من ذلك عليه الصلاة والسلام عندما حدثه رجل أنه يرى أنه رأسه مقطوعة وأنه يحمل رأسه بين يديه ويمشي. فإذاً الضحك هنا ليس ضحك إقرار، إنما ضحك تعجب من تحديث الناس به، وتهويناً للأمر على من رآه؛ لأن الرجل لا شك أنه فزع وخائف من تلك الرؤية وما فيها. وكثيراً ما يأتي الناس ويتحدثون عن مثل هذه الرؤيا السيئة التي أصلاً لا يجوز لهم أن يتحدثوا بها.

فلا حرج على من سئل عنها أن يهون عليهم الخطب. يا شيخ، رأيت أني أرمى في نار جهنم، وأن أشلائي تتقطع، وأن الأعداء يرمونني من كل صوب وحدب! ماذا تقول يا شيخ في هذه الرؤية؟ نقول: لا تأكلوا كثيراً قبل النوم، لتكون خفيفاً عشان ما ترى مثل هذه الرؤى السيئة، ولا تنم بين قبور كي لا ترى منامات مفزعة.

كما يقال في الأمثال، الرسول ﷺ كذلك يضحك عند التعجب؛ أصحابه يأتون يشتكون إليه القحط، فيواعدهم في المصلى، فيخرج ويصلي صلاة الاستسقاء التي نعرفها ويدعو الله عز وجل، يعطيه ظهره ويستقبل القبلة، يحول رداءه كذا كذا، وإذا بالسماء تمتلئ بالغيوم، تمطر وتسيل السؤول.

فلما رأى سرعة أصحابه إلى الكن، يعني يحتمون من المطر، يفرون سريعاً هرباً من الماء والمطر، وقد كانوا قبل دقائق يشتكون من القحط ومن قلة الأمطار، يناشدون الرسول ﷺ أن يستسقي الله عز وجل لهم، لما رأى ذلك ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وإني عبد الله ورسوله ﷺ». إذاً ضحكه من التعجب؛ قبل قليل كنتم تطلبون المطر، فلما جاء المطر إذا بكم تفرون سريعاً منه. ونعلم أن السنة أن يخرج الإنسان وأن يكشف ما استطاع من جسده، وأن يتعرض لهذا المطر عند نزوله؛ لأنه بركة من الله عز وجل.

كذلك الرسول ﷺ يضحك على آخر أهل النار خروجاً منها وهو آخر أهل الجنة دخولاً إليها؛ يضحك من عجيب صنعه. في رواية الإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار الذنوب فيقال: عملت يوم كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة».

ويقول: ربي عملت أشياء لا أراها ها هنا! يقول راوي الحديث: فلقد رأيت النبي ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه. رواه الإمام مسلم. ضحك الرسول ﷺ تعجباً من جشع ابن آدم عندما يلمس من رحمة الله وكرمه وعطائه. الرجل مشفق الآن يعرضون عليه صغار الأمور: فعلت كذا، فعلت يوم كذا، وهو قد فعل من الكبائر والطوام الشيء العظيم، فهو يقول: نعم فعلت، فعلت، فعلت.

فلما يسمع البشارة بأن له بكل سيئة حسنة، الآن طمع! وهذا الرجل هو ذاته الذي يناشد الله عز وجل أن يخرجه من النار. فلما خرج -وهو آخر أهل النار خروجاً منها من المسلمين الموحدين، وإلا فالمشركون فيها قابعون والمنافقون والكفار- لما خرج ينظر وراءه ويحمد الله الذي نجاه منها، يسمع حال أهل الجنة فيطلب من ربه أن يقربه من أسوارها، والله يأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يسأله شيئاً بعد ذلك ويعطيه.

فلما يقترب من أسوارها ويسمع أغانيها وما فيها من سرور وفرح وضحك، يطلب ربه عز وجل أن يدخله الجنة، والله تعالى يقول له: ﴿مَا أَغْدَرَكَ﴾؟ ألم تكن أعطيت المواعيد والمواثيق والعهود؟ ألا تسألني شيئاً بعدها؟ قل: يا ربي لا أكون أشقى خلقك. فيقول له الرب عز وجل: «أيسرك أن يكون لك مثل ملك مَلِك؟» الرجل يقول: نعم. وفي رواية: «وتستهزئ بي؟» فيقول الله عز وجل -وهو أكرم الأكرمين-: «فإن لك ذلك ومثله معه، ومثله معه» إلى عشرة أضعاف.

يضحك الله عز وجل ويضحك رسولنا عليه الصلاة والسلام بضحك ربنا عز وجل. هذا الضحك يدلك على رحمة، يدلك على مغفرة من الله عز وجل، ولن نعدم خيراً من رب يضحك، وأنعم بها وأكرم من ديانة رسولها عليه الصلاة والسلام يضحك ويشيع جواً من التفاؤل بين المنتسبين إلى هذا الدين.

جرير بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه يقول: «ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي». هذا حال النبي ﷺ مع من أسلم حديثاً من أصحابه، فكيف بمن أسلم قديماً؟ هذا حاله رضي الله عنه وأرضاه مع النبي ﷺ؛ أنه كان دائم التبسم في وجهه.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا. مواقف وأحداث نعيشها كل يوم فنحتار كيف نتصرف؟ وماذا نفعل؟ مع الأهل والأقارب، مع الأولاد والأحفاد، مع الجيران، مع الأصحاب، مع الفقراء، وكذلك الأيتام وغيرهم من أصناف الناس. وتطل علينا السيرة الشريفة لتدلنا على السبيل القويم والتعامل الحكيم وفق منهج النبوة وعلى خطى رسول الله ﷺ.

كتاب «كيف عاملهم ﷺ»، الشيخ محمد صالح المنجد، قراءة عملية للجوانب الاجتماعية من السيرة الشريفة، من مجموعة زاد للنشر. مزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية. السلام عليكم ورحمة الله، معاملة النبي عليه الصلاة والسلام.

لمختلف شرائح المجتمع معاملة راقية، وما بعث عليه الصلاة والسلام إلا رحمة للعالمين. كيف هي أحوالنا مع من يخدمون؟ من يعملون لنا؟ هل هي معاملة العبودية والاستذلال، أم معاملة الاحترام والتقدير والرحمة والعطف؟

«فإن كلفتموهم ما لا يطيقون فأعينوهم». هذا كلامه عليه الصلاة والسلام عند الوصية بالعبيد الذين يباعون ويشترون، فكيف بمن يعمل تحت أيدينا من الأحرار؟ أليسوا أولى بالإعانة وبالرحمة وهم أحرار؟

أنس رضي الله عنه وأرضاه خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين، أتاه وهو طفل، أمه أم سليم أتت به ليخدم النبي عليه الصلاة والسلام وهو طفل وخدمه عشر سنين، ما قال له عليه الصلاة والسلام أفقط، وما نهره، وما قال له لشيء فعله: «لما فعلت كذا وكذا»، ولا لشيء لم يفعله: «لو أنك فعلت كذا وكذا».

نحن نتعامل مع السائقين، مع الخدم في البيوت، مع المكفولين، مع من ولانا الله السلطة عليهم، معاملة شنيعة من محاسبة وتذمر وانتقاد ولوم وتوبيخ، وربما مد اليد في بعض الأحيان، ولا شك أن هذا كله من الأمور المحرمة التي سيحاسب عليها العبد يوم القيامة.

استمع لما يقصه علينا سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خلقاً. أرسلني يوماً لحاجة، وقلت في نفسي: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول لنفسه، لا يقول ذلك صراحة للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعض الأحيان يشعر الإنسان بالملل والطفش بكثرة الأمور، وهو صبي صغير طفل يقول والله لا أذهب وهو يريد أن يذهب لكن النفس البشرية.

فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، وإذا بالصبيان يلعبون، انخرطت في اللعب معهم، فإذا رسول الله عليه الصلاة والسلام قد قبض بقفاي من ورائي، أمسكني من رقبتي فنظرت إليه وهو يضحك، من هذا الذي يمسكني؟ فلما نظر إليه إذا الرسول عليه الصلاة والسلام يضحك، بأبي هو وأمي، فقال: «يا أنيس»، فذهبت حيث أمرتك، قلت: «نعم، أنا أذهب يا رسول الله». كيف نعم؟ الجواب كأنه يقول نعم ذهبت، لكن حقيقة الأمر أنه يسوف.

فقال: «نعم أنا أذهب يا رسول الله»، الآن أذهب. انظر إلى هذا الاعتذار، وانظر إلى هذا العتاب من النبي عليه الصلاة والسلام: «أذهبت حيث أمرتك؟» وهو يضحك عليه الصلاة والسلام وهو يعلم الجواب، لكن نفس طيبة، نفس ملئت بالمحبة والحنان والشفقة، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.

أمنا عائشة مرة أخرى تخبرنا عن أحواله عليه الصلاة والسلام عندما لا يكون بين أصحابه، فتقول: خرجت مع الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، وهي صغيرة فتاة ما زاد وزنها ولم تسمن، فقال للناس عليه الصلاة والسلام وهم في سفر: «تقدموا»، فتقدم الناس، المسيرة معروفة والطريق معروف، اذهبوا أنتم ونحن نلحق بكم، ثم قال لي: «تعالي حتى أسا بلك»، الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي وقتاً ممتعاً مع زوجته، يريد أن يلاعبها، وكيف يلاعبها بالسباق وهي فتاة صغيرة؟ يقول: فسابقته فسبقته، فسكت عليه الصلاة والسلام عني، أسرها في نفسه، خلاص الآن هو قد خسر السباق، فسكت عليه الصلاة والسلام.

فلما حملت اللحم وبدنت، ونسيت بعد سنتين أو ثلاث سنوات مع جلسة البيت، تقدمها في السن، حملت اللحم وثمنت ونسيت هذه الواقعة تماماً، خرجت معه في بعض أسفاره مرة أخرى، وقال للناس: «تقدموا»، ثم قال: «تعالي حتى أسا بلك»، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «هذه بتلك». ما أجمل هذه الحياة، ما أجمل هذه اللفتات الزوجية الجميلة التي يقدمها الزوج لزوجته أو تقدمها الزوجة لزوجها، أمور تقوي أواصر المحبة والمودة والرحمة بين الزوجين.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع شدته وصلابته يقول: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي. يعني لما تكون في البيت تبسط، كن كالصبي، العب وامزح واضحك، دع عنك تلك الشدة والصلابة والغلظة، والرجولة في البيت كن كالصبي مع أهلك، فإذا التمس ما عنده وجد رجلاً وقت الحاجة. هو رجل في مواقفه، كلامه في أحواله، لكن في البيت مع الزوجة لابد أن يكون كالصبي.

وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلاً من الرجال. ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله لقد كان ضحوكاً إذا ولج، سكيتاً إذا خرج، في البيت ضحوك يلعب، وإذا خرج لا، سمت الوقار، تقول: أكلاً ما وجد، غير سائل عما فقد، إذا وضع الطعام أكل، وإذا لم يوضع الطعام أو فقد شيئاً لم يسأل. فين هذا؟ وفين ذلك؟ ويحقق كما يفعله البعض. هذه هي حال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام التي تعلموها منه، بأبي هو وأمي.

قصة من القصص نتعلم منها الشيء الكثير من الفوائد، أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بها. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أية حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلتسأل نفسك: هل سأقترض لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي سأقترض سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سأسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟

واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك عاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على من مات وعليه دين، فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وإخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم، ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة، ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

حلمك الأزهر في البستاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام قد يضحك مداعبة لزوجاته مؤانسة منه لهن، قد يضحك إقراراً بما يرى، أو تعجباً مما يرى، أو تصديقاً لما يسمع. فمن ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: استأذن عمر رضي الله عنه على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعند النبي نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه...

سمعنا صوته، فلما استأذن عمر وسمعنا صوته تبادرن إلى الحجاب، ذهبن إلى الغرفة يختبئن منه، فأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام فدخل فوجد النبي عليه الصلاة والسلام يضحك، فقال: «أضحك الله سنك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! دخلت عليك وأنت تضحك».

فسأل ما السبب، فقال عليه الصلاة والسلام: «عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن إلى الحجاب». وهذا الشاهد؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يضحك من حال النسوة، أنتم عند خير خلق الله عليه الصلاة والسلام ترتفع أصواتكن على صوته وتستكثرن من السؤال والإلحاح، وعندما تسمعن صوت عمر تفعلن ذلك.

يضحك عليه الصلاة والسلام، وعندما لام عمر النساء وقال: «يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولم تهبن رسول الله ﷺ؟»، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك». رواه البخاري ومسلم. رضي الله عن أبي بكر وعمر، ولعن الله من تأتم لهما بسوء.

كذلك يضحك عليه الصلاة والسلام تعجبًا من أمور معينة. صحابي ظاهر من زوجته، والظهار هو أن يقول الرجل لامرأته: «أنت علي كظهر أمي»، يحرمها على نفسه، وهذا مذكور في سورة المجادلة. الرجل ظاهر من أهله قبل أن يكفر، وقع عليها قبل أن يكفر، كفارة الظهار عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، ليس على التخيير بل على الترتيب.

فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فذكر له ذلك يستفتيه، وقد صار عنده مشكلة الآن. فقال: «وما حملك على ذلك؟»، أي أن تعلم أنه يجب عليك أن تكفر، ما الذي دعاك إلى أن تقع على امرأتك وأنت لم تكفر بعد؟ قال: «يا رسول الله، رأيت بياض ساقها في ضوء القمر فلم أملك نفسي فوقعت عليها». هذا عذر الرجل، اعتذر بالحقيقة: والله ما قدرت أمسك نفسي يا رسول الله، رأيت كذا وكذا، وحصل الذي حصل. فضحك عليه الصلاة والسلام وأمره ألا يقربها حتى يكفر.

المفتي إذا استفتي عن أمر وكان هذا الأمر فيه تجاوز أو معصية، يا أخي لا تدخل البني آدم النار، هو يستفتيك يطلب منك الفتوى، أعطه الفتوى، وإن كان في الأمر سعة لا حرج أن تضحك لبيان له، لكن يأتيك واحد يقول: يا شيخ فعلت كذا وكذا، أعوذ بالله، فعلت كذا! لا إله إلا الله، نار جهنم يلقى منها لا يصل قعرها إلا بعد سبعين خريفًا!

هنا عليك يا شيخ، الرجل يستفتيك، نعم أعطه النصيحة، عظه، ذكره بالله، لا تقنطه من رحمة الله عز وجل. انظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، رجل يظاهر يجب عليه الكفارة ما كفر، هذا خطأ، أنت عصيت الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، ما تستطيع أن ترجع لها حتى تكفر. حصل منه الخطأ ووقع لامرأته، هل نضاعف عليه العقوبة؟ هل نلزمه بأن يعتق رقبتين عوضًا عن رقبة واحدة؟ أبدًا، فعلت ذنبًا استغفر الله، تُب إلى الله ولا تعد، والكفارة كما هي، وأمره أن يكفر.

مسألة أخرى، ذاك مثلا الذي أتى النبي عليه الصلاة والسلام خائفًا وجلًا أنه قد هلك، وقال: «هلكت يا رسول الله»، ما ذاك؟ قال: «وقعت على أهلي في رمضان». هذه أكبر المفطرات ومن أكبر الذنوب، كيف تقع على أهلك في رمضان وأنت صائم؟ فأمره عليه الصلاة والسلام بعتق رقبة، قال: «ليس لي»، قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: «لا أستطيع»، قال: «أطعم ستين مسكينًا»، قال: «لا أجد».

فأتى عليه الصلاة والسلام بعد فترة جذع فيه تمر، عرق فيه تمر مقتات كبير، فقال عليه الصلاة والسلام: «أين السائل؟»، قال: «أنا يا رسول الله»، قال: «تصدق بهذا»، وقال: «على أفقر مني»، فوالله ما بين لابتيهما أهل بيت أفقر منا. فضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه، فقال: «فأنتم إذاً»، وأعطاه إياه. شوف طيبة النفس، رجل فعل محرمًا يوجب عليه الكفارة المغلظة، وأتاه خائفًا وجلًا وخرج من عنده مسرورًا جدًا، أعطاه طعامًا وهو من الفقراء، ويضحك عليه الصلاة والسلام.

كذلك حبر من أحبار اليهود يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: «يا محمد، إنا نجد في كتبنا أن الله عز وجل يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول أنا الملك». هذا يهودي يخبر عما يجده في كتبهم في التوراة، هل كذبه عليه الصلاة والسلام؟ هل قال له اسكت وإياك أن تتكلم؟ هذه مسائل خاصة بنا نحن معشر المسلمين، أمور في التوحيد ما يجوز لك أن تتكلم فيها أيها اليهودي أبدًا.

ضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه تصديقًا لقوله، هذا الكلام الذي قاله حق، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. هذا هو، هذه هي حياته عليه الصلاة والسلام، وهذا هو ديدنه.

لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة رضي الله عنه وأرضاه، لقيه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: «أخبرني بأعجب شيء رأيته بأرض الحبشة»، فقال: «مرت بي امرأة على رأسها مكتل فيه زميل فوق رأسها وفيه طعام، فمر بها رجل على فرس فاصطدم بها، رجل من المتكبرين، ضربها فأطاح بهذا المكتل من على رأسها، فجعلت أنظر إليها وهي تعيده في مكتلها وهي تقول: ويل لك! يوم يضع الملك كرسيه، فيأخذ للمظلوم من الظالم».

لا إله إلا الله، حادثة شنيعة، رجل متكبر يتعدى على امرأة فقيرة كبيرة في السن مسكينة تحمل طعامها، وربما ذلك هو الزاد الذي تملكه في هذه الدنيا. فضحك الرسول عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه، لماذا ضحك؟ ضحك تصديقًا لكلامها: «ويل لك يوم يضع الملك كرسيه، فيأخذ للمظلوم من الظالم». وهذه والله عبارة تخيف كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ أيها الظالم أين ستذهب من رب العالمين؟

قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كيف تقدس أمة لا تأخذ لضعيفها من شديدها حقه؟». وهو غير متلعثم، إذًا الأمم تسقط إن لم يكن فيها عدل، ويؤخذ فيها حق الضعيف من ذلك الظالم الذي ظلمه بدون وجل ولا خوف ولا تردد. أسأل الله عز وجل أن ينشر العدل فينا، وأن يجعلنا من المقسطين، وأن يجعلنا من الذين يتحرون كلمة العدل في الغضب وفي الرضا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سؤددًا وسيرة علياء، عطرة الشذى الطيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زادنا كالبنان، للعلم كالأزهار في البستان.