دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع ينمو، العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة عطرة الشذى، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النبي ﷺ من البشر، يوجد من الأمور ما يحبه ويوجد من الأمور ما يكرهه، والطعام من الأمور التي لا ينفك الإنسان من الحاجة إليها: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. الله عز وجل جعل الطعام والشراب من النعمة التي امتن بها على عباده، والنبي عليه الصلاة والسلام كان هنالك من الطعام ما يحبه، فهل يشرع لنا أن نحب هذا الطعام؟

لا شك أن حبك للشيء تبع لمحبتك لمن يفعل هذا الشيء، إن كنت تحب النبي عليه الصلاة والسلام تحاول قدر الإمكان أن تحب ما يحبه من الطعام، لكن هل هو فرض؟ أبداً، هل هو واجب أو لازم؟ أبداً، هذه من الأمور الجبلية الفطرية؛ لذلك إذا أبغض النبي ﷺ شيئاً من الطعام لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم ليمتنعوا عنه لأن الرسول يكرهه، بل كانوا يأكلون والرسول ينظر إليه عليه الصلاة والسلام فلا ينكر عليهم. وكذا بالنسبة للأمور التي يحبها النبي عليه الصلاة والسلام، من فعلها وأحبها محبة في النبي عليه الصلاة والسلام يرجى له الخير ويرجى له الأجر، لكن من تركها لأنه جبلة لا يحبها أو لا يرغب فيها فهذا لا حرج ولا بأس عليه.

ولذلك عندما سئل بعض أهل العلم: لماذا جعل الله تعالى طعم ماء زمزم ليس بحلو المذاق؟ فقال العالم: لكي يعرف من يشربه تعبداً ممن يشربه تلذذاً. ماء زمزم طعم وشفاء من سقم، تأتي تشربه، تجد في أيامنا هذه من يتضجر منه ومنهم من لا يستسيغه، ما هذا؟ ما اللذيذ فيه؟ ملح فيه كذا، طعمه غير مستساغ. كثيراً ما نسمع هذا خاصة من بعض الصغار والشباب، نقدم له زمزم يقول: لا أعطني لو سمحت ما في زجاجة من المياه الجاهزة. سبحان الله! المؤمن إن خير بين زمزم وغيره من المشروبات ما يختار إلا زمزم، ماء زمزم ماء مبارك، أنت تطلب البركة من الله عز وجل، يأتيك ماء زمزم وتعرض عنه أو لا تستسيغه نفسك، لا شك أن فيك خللاً.

فالأصل أن الأشياء التي هي من العبادة ومن الدين أن الإنسان يحبها، لكن الأمور الجبلية الفطرية الأمر فيها سعة، فمن أحبها لفعل الرسول ﷺ لها أو لحب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك نرجو أن يكون مأجوراً. النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل من الطعام ويشرب من الشراب ما ترتاح نفسه إليه، وعلى وفق ما تعوده قومه، وهو من مكان ومن بيئة معروفة يعرفون نوعاً من الطعام ويكرهون نوعاً آخر لم يألفوه، لكن هديه عليه الصلاة والسلام فيما تأباه نفسه أعظم الهدي وأكمل الهدي وأجمل أدب وأرقى سلوك.

استمع إلى ما يقوله أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: «ما عاب النبي ﷺ طعاما قط، إن اشتهى أكله وإن كرهه تركه» رواه البخاري في الصحيح. قال ابن بطال: «هذا من حسن الأدب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره». وهذا الأدب نحن في أمس الحاجة إليه؛ كثيراً ما يوضع الطعام أمامنا فنسمع من الانتقاد والانتقاص والعيب الشيء الكثير: هذا ملحه قليل، وهذا لم يطهى بما فيه الكفاية ولم ينضج، وهذا طعام بارد من حقه أن يسخن، وهذا وذلك، تأفف وانتقاد وانتقاص، وليس هذا من حسن الخلق ولا من الأدب ولا من كمال النفس البشرية.

الرسول عليه الصلاة والسلام إن كره شيئاً تركه، ما يعلق بعض الناس أنه لا يمكن أن يأكل وجبة في بيته دون أن ينتقد امرأته وطهيها: كان مفروض تفعلي كذا، وكان تطبخي كذا، ولو وضعت كذا، ولا بد أن البصل يحمص أكثر، ولا بد أن تفعلي وتعملي، يا أخي إن كنت فالحاً ادخل المطبخ أرنا قدراتك! ما شاء الله المبدع! لكن سبحان الله، بعض الناس، لا تجد فيهم جندياً واحداً يحسن الأوامر ويحسن التحكم. النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك أبداً، لم يكن يتشرط، وهذا حال الكامل من الناس.

روى الذهبي في السير أن رجلاً نزل على سلمان الفارسي ضيفاً ثلاثة أيام، وحق الضيف ثلاثة أيام، فكان سلمان يقدم ما عنده من الطعام كالزيت والخبز، وقال: لو أن مع طعامنا شيئاً من الزعتر لكان جيداً. هذا الضيف يتشرف الآن، فرهن سلمان الفارسي مطهرته الإبريق الذي يتوضأ به، واشترى له زعترًا. بعد أن انتهت الثلاثة أيام وأراد أن يخرج هذا الضيف، قال: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لو قنعك الله بما رزقك لما كانت مطهرتي مرهونة، لكن أنت ضيف غصباً عني أن أفعل ذلك. الناس لا بد أن يكون عندهم ذوق وأن يحسنوا التصرف، ولا يمكن أن تحسن التصرف إلا باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام: «ما عاب طعاماً قط».

البخاري رحمه الله روى حديثاً عن خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي ﷺ على أم المؤمنين ميمونة، ميمونة بنت الحارث هي خالة عبد الله بن عباس وخالة خالد بن الوليد، فدخل على خالته فوجد عندها ضبّاً محنوذاً قدمت به أختها من نجد. تقدمت الضب لرسول الله ﷺ، وكانت عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يأكل طعاماً ولا يمد يده إليه حتى يُحدث به ويُسمى له، هذه عادته عليه الصلاة والسلام. فماذا حصل؟

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

تعمل النعال على حماية القدمين من الرمضاء والبرد والأذى، وتضمن سلامة الرجل مما يعرض في الطريق من خشونة وشوك ونجاسة ونحوها. ويستحب لمن لبس نعالاً جديداً أن يدعو بدعاء النبي ﷺ: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتني، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». والسنة في لبسها البدء باليمين، فإذا نزعها بدأ بالشمال، وأخر اليمين. وقد نهى النبي ﷺ أن يمشي الرجل في نعل واحد إلا من عذر، أو أن ينتعل واقفاً، وهو نهي مخصوص بما في لبسه كلفة وتعب كالخوف، أما ما لا مشقة في لبسه بحيث تدخل فيه القدم وتخرج بسهولة، فإنه لا يدخل في هذا، ولا بأس بالصلاة في النعال؛ فقد صلى عليه الصلاة والسلام في نعليه وأمر بذلك أصحابه رضي الله عنهم فقال: «خالفوا اليهود».

فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم، وإذا صلى المرء في نعليه ثم تذكر أن فيهما نجاسة، لزمه خلعهما فورًا.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عنه من يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما أملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» -أو قال: أذى، وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما»».

والصلاة في النعال إنما تكون في الخلاء أو في مسجد مفروش بالتراب والحصباء، فإذا كان المسجد مفروشًا بالسجاد ونحوه فلا بد حينئذ من خلع النعال؛ حفاظًا عليه من التلوث أو الإتلاف، ومنعًا من إيذاء المصلين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نبينا عليه الصلاة والسلام ما كان يعيب طعامًا قط، ولذلك عندما قدم إليه هذا الضب؛ فكل الذي رآه عليه الصلاة والسلام هو لحم ومحنوث ورائحة جميلة، والإنسان جائع وهو في بيته، بيت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وأرضاها. وعادته كان أن يسأل أو يحدث الناس، يخبرونه: ترى يا رسول الله هذا فيه بصل؟ هذا فيه ثوم؟ هذا كذا؟ ثم يأكل أو يترك.

فلما هوى إلى الطعام يريد أن يأكل منه ولم يسأل، تحدث بعض النسوة من الحضور وقلنا: أخبرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن ما قدمتم له هو الضب، فأخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن يأكل. فرفع يده، ولما رفع يده ما تحدث، ما قال: يبأكلون سحلية؟ أعوذ بالله! بعض الناس يفعل ذلك، يكره طعامًا فينتقد، وربما انتقاده يكون مقززًا، الناس يأكلون معك الطعام وأنت ما عجبك شيء، يا أخي اسكت، لا تقل هذا يشبه كذا وهذا يشبه كذا، تقزز الناس منه. رفع يده عليه الصلاة والسلام ولم يتكلم.

خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه من المجاهدين في سبيل الله، من أهل الصحراء ومن أهل السفر، فسأل الرسول عليه الصلاة والسلام: «أحرام الضب يا رسول الله؟» ما أكل، قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه». قال خالد: فاجتررته فأكلته، والرسول عليه الصلاة والسلام ينظر إليّ، شوف الأدب! ما تحدث، ما قال له: أنا لا أحبه تأكل منه؟ أبدًا.

كذلك عندما قدم له طعام فيه بصل وثوم، فرفع يده أبو أيوب الأنصاري وأصحابه رفعوا أيديهم، قال: «إني أناجي من لا تناجي، أنا ما أستطيع أكل هذه الخضار؛ بدأت الرائحة النفاذة القوية، لأني أتحدث وأناجي جبريل عليه السلام، فلا بد أن تكون رائحتي طيبة، رائحة فمي». وأذن لهم أن يأكلوا وأمرهم أن يأكلوا، ودل ذلك على أن الأكل مما لا يحبه الرسول عليه الصلاة والسلام حلال ولا حرج فيه.

النبي صلى الله عليه وسلم من الأطعمة التي كان يحبها ويفضلها ذراع الشاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: «وضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قديد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحب الشاة إليه» رواه الإمام مسلم. إذاً تفضيل شيء آخر طعام عن غيره هذا أمر سائغ، ما تستطيع أن تلزم الناس وتقول: يا أخي هذه نعمة الله عز وجل لابد أن تأكلها، ولا يجوز لك أن تتأفف أو أن تأبى الأكل من شيء منها أبدًا. يتخير الإنسان ما يعجبه من الطعام، يتخير الإنسان ما يعجبه من الفاكهة من أنواعها أو من ذات النوع من الفاكهة يتخير منه ما شاء.

وقد عرف عن النبي عليه الصلاة والسلام حبه للذراع من الشاة، ولذلك المرأة اليهودية عندما دعت النبي عليه الصلاة والسلام لتناول الطعام هيأت له شاة، جعلت السم في ذراع الشاة؛ لأنها عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحب شيء إليه ذراع الشاة، ولذا وضعت السم الكثير فيه.

لماذا كان يحب النبي عليه الصلاة والسلام الذراع؟ العلماء لهم تفسيرات قد تكون صحيحة وقد لا تكون؛ لأن هذا قد يكون نوعًا من التخرص بالغيب: لماذا كان عليه السلام يحب الذراع؟ لأنه كذا وكذا وكذا وكذا. ربما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب الذراع لطعمه، وطعمه مختلف عن غيره، لكن ما نستطيع أن نجزم، لكنها اجتهادات من العلماء، ولا مانع من وضع هذه الاجتهادات لتسهيل الفهم على الناس.

فقال أهل العلم: محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواطن الأذى. إذاً هذه من الأسباب. ابن القيم رحمه الله يقول: «ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع انهضامًا». وفي هذا مراعاة للأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف: أحدها كثرة نفعها وتأثيرها في القوى، فكلما كان الطعام كثير النفع ويؤثر في القوى، هذا يعني من علامات الغذاء النافع. الثاني خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها، فالإنسان ما يأكل الطعام الذي يأخذ وقتًا طويلًا في الهضم وربما سبب له تلبكًا في الأمعاء وعسرًا في الهضم. الثالث سرعة هضمها، أن تكون خفيفة، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.

ونحن عاداتنا الغذائية غاية في السوء، خاصة عند شبابنا وأطفالنا، وهو ما يعرف باسم "الجنك فود"، هذا الطعام سريع الإعداد نكثر منه بطريقة غير طبيعية، ولذلك تجد أن في الدول العربية أكثر انتشارًا للسمنة، هو في المملكة العربية السعودية وفي مصر، لماذا؟ لسوء العادات الغذائية عندنا. إذا الإنسان كان يأكل السيء من الطعام، اتبع ذلك بنظام عالي وقوي وشديد الرياضة. الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يمارسون الفروسية والسباحة والرمي وفنون الجهاد، ويشتغلون من فجر الله عز وجل إلى غروب الشمس في مزارعهم وفي تجاراتهم، فكانوا يحرقون. نحن الواحد منا يذهب من البيت إلى المسجد وهو على بعد مئة وخمسين مترًا بالسيارة. أولادنا أصبحوا كتلاً من الشحم واللحم، ما يعرفون شيئًا من الرياضات الصحية، ما يعرفون التعامل مع الطعام، كل طعامهم سكاكر وحلوى وهذه الأطعمة والأغذية السريعة، ولا شك أن ذلك كله يعين ويساعد على نشوء جيل خامل ما يحب الحركة ولا يحب العمل.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الدب، وهو اليقطين أو القرع. أنس رضي الله عنه يخبرنا أن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، وقدم له قصعة فيها قديد وعليه دبًا، فالقصعة هذه فيها خبز وفيها قديد لحم وفيها دبًا، يقول: فجعل عليه الصلاة والسلام يتتبع الدب من حوالي القصعة.

وهذا ليس فيه مخالفة لأمره عليه السلام: «كل مما يليك»، لأنه هذا الطعام قدم له خاص فهو يتخير منه، ولا تطيش يده من أمام الناس، الطعام طعامه. فكان يتخير صلى الله عليه وآله وسلم، يقول يتتبع الدبان من حوالي القصعة. يقول أنس: «فلما رأيت ذلك جعلت أتتبعه فأضعه بين يديه»، أصبح يلمه ويقدمه بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: «فلم أزل أحب الدبان من يومئذ». راوي الحديث عن أنس هو ثابت البوناني، يقول: «فسمعت أنسا يقول: فما صنع لي طعام بعد أن أقدر على أن يصنع فيه دبان إلا صنع».

وهذا فيه فضيلة لأنس رضي الله عنه وأرضاه، أنه يقتفي أثر الرسول عليه الصلاة والسلام في مثل تلك الأشياء الجبلية، ليست هي من الدين وليست هي من الشرع، إنما هذا كان طبعه صلى الله عليه وسلم يحب الدبان. لكن من حب أنس العظيم للنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا الفعل، وهو الذي يقول: «فوالله إني لأحب رسول الله، وأحب أبا بكر، وأحب عمر، وإني لأرجو أن أكون معهم يوم القيامة».

لماذا يقول هذا الكلام؟ عندما أتى أعرابي فقال: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، يعني الأعراب يشهد: يا رسول الله أنا أحب الناس لكنهم بعيدون فوق، فقال صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب» يوم القيامة. فما فرح المسلمون بهذا الحديث، فرحهم بهذه البشارة. يقول أنس: «فوالله إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحب أبا بكر، وأحب عمر، وإني لأرجو أن أكون معهم يوم القيامة». هذا هو حقيقة الحب.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله. للمرأة في الإسلام أحكام تشريعية تختص بها رعاية لها وصيانة وتكريماً، لا تضييقاً عليها ولا تصغيراً لشأنها. فالمرأة لا تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، وفي هذا مراعاة لحيائها، فإن مباشرتها عقد الزواج بنفسها يخدش هذا الحياء. وربما تحملها طبيعتها العاطفية على اختيار غير مناسب، فتقع في ورطة يصعب انفكاكها منها.

أما الولي فكونه رجلاً يجعله أعرف بأخلاق الرجال ومكامن قوتهم وضعفهم، وكونه أباً أو أخاً يجعله أجدر في رعاية مصلحتها وكرامتها. وفي السفر ربما تعرضت المرأة للمفاجآت من مشقة أو اعتداء أو حاجة، فلا تجد من يهتم لأمرها دون مطمع، فشرع الإسلام ألا تسافر المرأة إلا مع زوج أو محرم يعتني بها ويقوم بشأنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».

ومحرم المرأة كل ذكر تحرم عليه تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، كالأخ وأبي الزوج، وأما الزوجة والأخت فليس بمحرم لأن تحريمه مؤقت. ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً. إن كل منصف تأمل هذه الأحكام وغيرها يجد فيها الرحمة والعناية بالمرأة، وصيانتها من عبث العابثين، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نبينا عليه الصلاة والسلام كان يحب من الأطعمة أشياء معدودة معروفة، وجاء ذكرها في كتب الشمائل استقصاءً لما كان يحبه عليه الصلاة والسلام. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب الزبد والتمر، يعني كان يجمع بين الزبدة والتمر. وهذا موجود من الناس؛ من يأكل التمر بالطحينة في بعض الأماكن، ومنهم من يأكلها باللبن يغمسها هكذا، ومنهم من كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك مع الزبدة.

الجمع بينهما مما يحبه الرسول عليه الصلاة والسلام ومما قد لا يستسيغه البعض منا، لكن هذا ما كان يحبه عليه الصلاة والسلام، والأطباء يقولون يستحب الجمع بينهما في الأكل؛ لأن الزبد حار رطب والتمر بارد يابس، ففي الجمع إصلاح كل واحد منهما بالآخر. ولا شك أن التمر حبه حب شرعي، التمر هذا من الأمور التي يحبها العبد لأنه من ديننا: «نفطر على رطبات، فإن لم نجد فتمرات». والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرص على أكل التمر.

عن عائشة تقول لعروة بن الزبير رحمه الله: إن الهلال كان يرى، ثم الهلال، ثم الهلال، ولا يوقد في بيت من بيوت آل محمد عليه الصلاة والسلام نار. ما طعامكم يا أماه؟ قالت: الأسودان، التمر والماء. وكان يكثر من تناول التمر عليه الصلاة والسلام، بل قال: «يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله»، قالها مرتين أو ثلاثاً، رواه الإمام مسلم في الصحيح.

إذن التمر له مكانة في حياة المسلم، ولا تجد مسلماً في الغالب لا يحب التمر. التمر أنواعه كثيرة وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن كما يقول ابن القيم رحمه الله، وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى، كله موجود في التمر؛ غذاء كامل.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كان يحب شرب الحلو البارد، والحلو له ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول أن المراد بالشراب الحلو البارد أن يكون الماء العذب، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة، ويذهب إلى آبار معينة في المدينة لأصحابه فيشرب منها، وكان يستعذب له الماء؛ يبحثون عن الماء العذب الذي ليس فيه ملوحة ويحضرونه للرسول عليه السلام، وربما بعث من يأتي له بالماء من أماكن بعيدة، السفر يوماً أو يومين من بيت السقيا ليأتوه بهذه القربة الحلوة من الماء الحلو.

المعنى الثاني أنه هو الماء الممزوج بالعسل، وهذا الماء الممزوج بالعسل كان يكثر عليه الصلاة والسلام من شربه. يقول ابن القيم: كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفيه من الأمور الصحية ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء. العسل لا شك أنه شفاء، وأنه دواء، وأنه غذاء. فوضع الرسول عليه الصلاة والسلام تحلية الماء بشيء من العسل، والأطباء اكتشفوا أن فيه من الفوائد الشيء العظيم.

طبعاً نحن قد ابتعدنا عنه لأن العالم حصل له غزو بالسكر، ذاك السم الأبيض؛ فأنت تجد السكر في كل شيء، حتى في العيش في الخبز يضعون السكر وهو من السموم، ولو أراد الإنسان العافية لامتنع عن أكل السكر تماماً وكل الفواكه ما شئت، لكن السكر الأبيض هذا فيه سم. إن احتجت استخدم العسل، ولذلك فيه تنظيف للمعدة، فيه تنظيف للرئة، فيه مضاد حيوي معروف. قال عليه الصلاة والسلام: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِالنَّارِ»، وأنا أنهى أمتي عن الكي. إذن الرسول يخبرنا أن من أصول الاستشفاء، من أصول الدواء لمن كان به سقم، أن يشرب شربة عسل، سواء تناول العسل بمفرده أو وضعه في ماء وشربه؛ لأنه يكون أسرع في الهضم.

التفسير الثالث للحلو البارد أن الرسول كان عليه الصلاة والسلام يحب أن يحلى له الماء عن طريق النبذ.

ويجعل له في إناء الماء تمراً أو زبيباً، وهذا ما يعرف باسم النبيذ. الآن الناس يظنون أن النبيذ هو الخمر، وهذا غير صحيح؛ النبيذ هو ما نُبذ فيه الشيء، هذا الماء يطرح فيه ذلك التمر أو الزبيب ويحليه، وله نفع عظيم في زيادة القوة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان عليه الصلاة والسلام ينتبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح، يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد، والليلة الأخرى والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب» رواه الإمام مسلم. بمعنى أنه ما يتجاوز النبذ أكثر من ثلاثة أيام، لأنه يخشى أنه بعد اليوم الثالث أن يتحول إلى خمر يبدأ الآن يتخمر، فكان عليه الصلاة والسلام يشربه ثلاثة أيام، وفي نهاية اليوم الثالث يسقي فضلته إن بقي منه شيء إلى الخادم أو يصب، هو يريق ويتخلص منه.

وفي هذا دليل واضح على أن الرسول ﷺ كان يحب الحلى، يقول ابن بطال: فيه دلالة على أن استطابة الأطعمة جائزة، وأن ذلك من فعل أهل الخير. بعض الناس ينكر عليك: يا أخي تحب الحلوى؟ نحب الكيك والأطعمة الحلى وكذا. ما المشكلة؟ الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 87]. حلله الله عز وجل.

وقال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۖ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]. إذاً أكل الحلال من الطعام ليس منافياً للزهد والتقلل من الدنيا، بل هو من فعله ﷺ وهو من سنته.

ولذلك الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه الخليفة الراشد كان إذا أتوه بالفالوذج يستطعمه ويطلب منه المزيد. وكان سفيان الثوري إذا أكل في العشاء شاة أو قارب ذلك، كان يكثر من الطعام حتى يقول الناس: هذا الإمام سينام، فبعد أن يفرغ من طعامه يقوم يصلي الليل إلى الفجر، ويقول: «أعلف العبد ثم كذا». لذا لا يحرم الإنسان ما أحل الله عز وجل له من الطيبات، بل يتبع سنة النبي ﷺ.

هذا والله أعلم، ونسب العلم إليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.