دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ، صافٍ الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني وأخواتي الكرام، هذا هو الدرس الرابع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها وطلابها وداعميها والقائمين عليها، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا.

أما بعد، إخواني الكرام، كنا قد بدأنا في حديثنا عن الربا، نلخص ما سبق في حديثنا عن الربا: ذكرنا تعريفه وحقيقته، وذكرنا تحريمه والأدلة عليه، وذكرنا الحكمة من تحريمه، وذكرنا أن أهم أقسامه ربا الجاهلية، ثم انتقلنا إلى ربا البيوع. وذكرنا أن من أهم الفروق بين ربا الجاهلية وربا البيوع أن ربا الجاهلية يقع في كل مال، وأما ربا البيوع فلا يقع إلا في أموال مخصوصة. والفرق الثاني ذكرنا أن ربا الجاهلية يقع عند حلول أجل الدين، وأما ربا البيوع فهو يقع عند ابتداء التعاقد.

دعونا نتحدث عن ربا البيوع؛ معناه وحقيقته وأمواله وكيف طريقة وقوعه. ذكرنا أننا قد تحدثنا عن ربا الجاهلية؛ أمواله يقع في كل مال، وطريقة وقوعه عند حلول الأجل؛ يقول الدائن للمدين: «هل تريدني أن أؤجلك بزيادة؟»، أو أن يقول المدين للدائن: «إنني أطلب منك إنظاري مقابل زيادة»، فيتفقان على هذا؛ هذا هو ربا الجاهلية.

كيف يقع ربا البيوع؟ وما هي الأموال الربوية التي يقع فيها؟ وكيف يكون وقوعه عند ابتداء التعاقد؟ هذا هو محل حديثنا. الأصل في تحريم ربا البيوع هو السنة النبوية التي جاءت في عدد من الأحاديث. لاحظوا هذا الفرق بين ربا البيوع وربا الديون؛ فإن ربا الجاهلية قد جاء تحريمه في القرآن الكريم في عدد من المواطن وفي السنة النبوية، ولأجل هذا قلنا إن تحريمه أشد وأبلغ، بل إن طائفة من أهل العلم قالوا إن تحريم ربا البيوع إنما كان لذريعة إيصاله لربا الجاهلية، الذي هو أشد أنواع تحريم الربا.

ربا البيوع ذكرنا فيه عدداً من الفوائد والقواعد؛ أولاً: أنه لا يقع في كل مال، وإنما يقع في أموال مخصوصة. ثانياً: أن هذه الأموال اصطلح أهل العلم على تسميتها بأموال الربا، أو الأموال الربوية، أو أموال ربا البيوع. ثالثاً: هذه الأموال الأصل فيها أنها قد جاءت في السنة النبوية في ستة أصناف، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح، والذهب، والفضة.

الأمر الرابع: المذاهب الأربعة ألحقت بهذه الأصناف غيرها. وما الذي يلحق بالذهب والفضة؟ يلحق بالذهب والفضة أي شيء اتخذه الناس نقداً، فإن الذهب والفضة إنما حُرّم الربا فيهما لكونهما هما نقود الناس؛ فالناس كانوا يتداولون فيما بينهم سابقاً دراهم الفضة ودنانير الذهب. فإذا أعطى شخص آخر مائة دينار ذهبية، وقال له: «سددها لي أو أوفني إياها بعد شهرين أو ثلاثة مائة وعشرين ديناراً ذهبية»، أو قال: «أبيعك هذه المائة دينار الآن مقابل أن تسدد لي مائة وعشرين ديناراً ذهبية بعد شهرين»، فهذا قطعاً ربا محرم في زمن النبوة. ولو قال: «أعطيك الآن مائة درهم فضة مقابل أن تسددني بعد شهرين مائة وعشرين درهماً فضة»، فهذا قطعاً محرم.

لذلك جاء في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه في الصحيح: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، لا تبيعوا الدرهم بدرهم». هذا الحديث، وذكر الدرهم فيه، يدل على أن الثمنية معتبرة، أي أن الثمنية النقدية معتبرة. ما معنى قولنا إنها معتبرة؟ معنى أنها هي العلة. ولأن الأثمان تتميز عن غيرها من السلع بكونها وسيط التبادل وبكونها معيار القيمة؛ هذا التميز عن غيرها يعطيها أحكامها الخاصة، ولأجل هذا تميزت الأثمان عن غيرها بعدد من الأحكام في الشريعة.

فمثلاً الذهب والفضة منصوص على الزكاة فيهما، وفيها تحريم الربا، وهي مثلاً رؤوس أموال الشركات والتجارات بين الناس، وهي معيار القيمة في المبادلات بين الناس؛ لذلك من حيث الطبيعة والعرف والشرع تميزت عن غيرها من الأصناف. كل هذا جعلنا نقول إن الأصل في اعتبارها ربا الأموال الربوية هو كونها ثمناً أو نقداً.

ما الذي ينبني على هذا؟ ينبني على هذا أن ربا البيوع يجري في الأموال النقدية. كيف يعني يجري ربا البيوع في الأوراق النقدية؟ يعني عند مبادلة مثلاً عشرة دولارات، فإنك يجب أن تبادلها بالمثل، فلا تبادل عشرة دولارات بأحد عشر دولاراً ولو كان هذا حالاً. ويترتب على اعتبارنا أن هذه النقود من الأموال الربوية عدم جواز مثلاً مبادلة عشرة ريالات بتسعة ريالات، وإن كان التقابض في مجلس العقد؛ لأنه لا بد من التماثل، وهذا سيأتينا إن شاء الله تعالى في تبيان ربا الفضل.

هنا مسألة أريد أن أنبه إليها لأهميتها، وهي: هل ربا البنوك والمصارف هو من جنس ربا البيوع؟ نقول إن ربا البنوك والمصارف هو من جنس ربا البيوع، ومن جنس ربا الديون كذلك، ربا الجاهلية. فلذلك حتى لو لم نعتبر الورقة النقدية من الأموال الربوية -وهو قول ضعيف- إلا أنه من الأموال التي يجري فيها ربا الديون اتفاقاً؛ لأن ربا الجاهلية إذا حل الدين على المدين فقال الدائن للمدين: «زدني الثمن أزدك في الأجل»، فهذا كان ربا أياً كان نوع المال. إذاً ربا البنوك والمصارف ربا جاهلية، وهو كذلك داخل في ربا البيوع.

نعود إلى ربا البيوع؛ ذكرنا أن العلة في الذهب والفضة هي نقديتهما وثمنيتهما، فيجري الربا في كل ما كان ثمناً واتخذه الناس نقداً كالآوراق النقدية مثلاً. الأصناف الأربعة الباقية لها علة أخرى، وهي علة كونها طعاماً أو قوتاً مدخراً، ومعنى هذا أن ربا البيوع يجري في كل ما كان طعاماً أو قوتاً مدخراً من هذه الأموال الربوية. وكيف نلحق على الأصناف الستة غيرها من الأموال؟

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر. فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به كما قال تعالى: ﴿مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج.

وبه تُحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد الشهور؛ كالأشهر الثلاثة والأربعة وعشرة أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال، كلها بالأشهر القمرية. قال ابن تيمية: «فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار».

قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فإن غُمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين. وأما التقويم السنوي، فلم يكن للعرب قبل الإسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم، كحادثة الفيل وبعثة النبي ﷺ.

وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اعتمد التقويم بالأشهر القمرية، واعتمد لدى العرب على أن تكون بداية التاريخ من السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ من مكة إلى المدينة؛ لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختيارًا مسددًا. فعن سهل بن سعد قال: «ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاء آتيه، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة». واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم، بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده.

وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجريًا، فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن مسائل ربا البيوع.

الفائدة الخامسة المتعلقة بربا البيوع، وهي أن الذهب والفضة لهما علة واحدة، وهي علة الثمنية أو النقدية؛ فالذهب والفضة يجتمعان مع النقود والورق النقدي في علة واحدة وهي الثمنية والنقدية. أما الأصناف الأربعة الأخرى الواردة في الحديث، وهي البر والشعير والتمر والملح، يجمعها علة واحدة وهي كونها طعامًا أو كونها طعامًا مقتاتًا مدخرًا. إذ هذه الأصناف الأربعة لها علة، والذهب والفضة لهما علة منفصلة.

إذًا، لو قيل لنا: الأموال الربوية من حيث العلة تنقسم إلى كم قسم؟ نقول: تنقسم إلى قسمين: أموال ربوية يجمعها وصف الثمنية، وأموال ربوية يجمعها وصف الطعام؛ هذا من حيث تقسيمها من حيث العلة. ولو قيل: تقسيمها من حيث جنس كل مال؟ نقول: الأجناس متعددة ليست اثنتين؛ فالذهب جنس، والفضة جنس، والريالات جنس، والدولارات جنس، والدراهم مثلاً دراهم دولة كذا جنس، ودنانير دولة كذا جنس، والجنيه مثلاً كذا دولته جنس، فكل دولة عملتها تسمى جنسًا، ولكن هذه النقود والعملات والذهب والفضة يجمعها علة واحدة وهي الثمنية.

والمقابل في الطرف الآخر، علة الأصناف الأربعة الأخرى هي الطعام أو كونها قوتًا مدخرًا، وهي البر والشعير والتمر والملح، ويقاس عليها الأرز والذرة والفول والعدس، فهذه كلها أصناف تسمى من الأموال الربوية التي يجمعها علة الطعام القوت المدخر. كم الأجناس؟ نقول: لا تشتمل على أجناس متعددة؛ فالبر جنس، والشعير جنس، والتمر جنس، والملح جنس، والأرز جنس، وهكذا، والفول جنس، والعدس جنس، فكل صنف من هذه الأصناف يعتبر جنسًا.

إذًا، الأموال الربوية من حيث العلة تنقسم قسمين: ما كان علته الثمن والنقدية، والقسم الثاني ما كان علته كونه مطعومًا مقتاتًا مدخرًا. أما من حيث تقسيم الأجناس، فنقول: لا، الأجناس أكثر من جنسين. فمثما فيما كان علته الثمنية هناك أجناس متعددة: الذهب جنس، والفضة جنس، والريال السعودي مثلاً جنس، والريال العماني جنس، والريال القطري جنس، والدرهم الإماراتي جنس، والدينار الأردني جنس، والدولار الأمريكي جنس، فكل عملة دولة تعتبر جنسًا مستقلًا. ومن حيث الطعام نقول كذلك نفس الأمر، هذه كلها يجمعها وصف الطعام، ولكن كل صنف من هذه الأصناف يعتبر جنسًا.

لماذا يهمنا معرفة هذا التفريق بين العلة والجنس؟ لأن ربا الفضل، وهو أحد أنواع ربا البيوع، لا يقع إلا عند اتحاد الجنس، وربا النسيئة في البيوع يقع عند اتحاد العلة.

ينقسم ربا البيوع إلى قسمين: ربا نسيئة في البيوع، وربا فضل في البيوع. ما معنى النسيئة؟ النسيئة لغة معناها التأخير. وما معنى الفضل؟ الفضل معناه الزيادة. ربا الفضل معناه زيادة مع الحلول في الوقت نفسه، ولكنها زيادة في المقدار. أما ربا النسيئة، فهو الزيادة بمعنى تأجيل إضافي مقترن بزيادة في المقدار أو غير مقترن بزيادة في المقدار. كأن ربا الفضل منشأ الإشكال فيه زيادة المقدار، وكأن ربا النسيئة منشأ الإشكال فيه هو التأجيل والتأخير لأحد العوضين.

لنقسم الربا إلى شجرة؛ فنقول أولًا: ربا الديون، وينقسم إلى قسمين: ربا جاهلية وربا القروض. الفرع الثاني من هذه الشجرة هو ربا البيوع، وينقسم إلى قسمين: ربا نسيئة في البيوع، ومعناه التأخير في أحد العوضين سواء اقترن بزيادة في المقدار أم لا، وربا الفضل، وهو الزيادة في المقدار بين أحد العوضين وهما حالان، أي لا يوجد تأخير، وهذا يسمى ربا فضل.

هل يقع ربا النسيئة في البيوع في كل مال، أم يقع في الأموال الربوية فقط؟ نقول: لا، إنما يقع في الأموال الربوية، وهي النقود والطعام. ربا البيوع بمجمله لا يقع إلا في الأموال الربوية، وذكرنا من قبل أن الأموال الربوية هي النقود والطعام.

متى يقع عند ابتداء التعاقد؟ كيف يكون التعاقد ربويًا مندرجًا تحت ربا النسيئة؟ نقول: إذا بادل شيئًا من الأموال الربوية بشيء آخر من الأموال الربوية وهما متفقان في علة واحدة، أحدهما مؤجل أو كلاهما مؤجل؛ هذا هو ربا النسيئة في البيوع. لاحظوا أن هناك عددًا من الأوصاف ذكرناها: أولًا المبادلة بين مالين ربويين، نقد بنقد أو طعام بطعام، ولا بد أن يكونا متحدين في العلة. وبما أن عندنا علتين في الأموال الربوية هما النقود والطعام، فمبادلة نقد بنقد قد يقع فيها ربا النسيئة لذلك لا بد من الاحتراز، ومبادلة طعام بطعام قد يقع فيها ربا النسيئة في البيوع، فلا بد من الاحتراز.

لكن عند المبادلة بين نقد وسيارة مثلا لا يرد هنا ربا الفضل ولا ربا النسيئة. وفي البيوع عند مبادلة مثلا نقد بطعام، العلة لا يرد هنا ربا النسيئة ولا يرد ربا الفضل في البيوع. وكذلك عند مبادلة ملابس بنقود، نقول هنا لا يرد ربا الفضل ولا ربا النسيئة في البيوع؛ لأنه لم توجد علة الأموال الربوية وهي النقود والطعام.

عند مبادلة نقد بنقد أو عند مبادلة طعام بطعام، هنا لابد من الحذر؛ لأنه قد يكون في هذه المبادلة ربا البيوع. كيف نتخلص من ربا البيوع عند مبادلة مال ربوي بمال ربوي؟ هذا ما سنتعرف عليه بعد فاصل قصير.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين أهل العلم، ويجدد نشاطه ويزيد خبراته.

قال الشعبي: «لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع». وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، إذ قال: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].

ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي ﷺ: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».

بشرى لنا زادنا كاذبية ... بالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم، بعد أن بينا ما هي الأموال الربوية، وذكرنا أن الأصناف الستة وما وافقها في علتها، وذكرنا أن علتها علتان: إما الثمنية والنقود وهي علة الذهب والفضة والأوراق النقدية (عملات الدول)، والعلة الثانية علة الطعام وهي أجناس عديدة من الأقوات المدخرة؛ مثل الرز، والفول، والعدس، والتمر، والبر، والشعير، والملح وغيره.

وذكرنا أن ربا البيوع لا يقع إلا عند مبادلة مال ربوي بمال ربوي، أما إذا كان أحد الصنفين خارج هذه الأصناف (غير النقود والطعام) أو بادلنا النقود بالطعام، فإنه لا يقع ربا البيوع. أما النقود بالنقود فيقع ربا البيوع، والطعام بالطعام يقع ربا البيوع.

سؤال لاختبار مدى فهمكم: ماذا نعني بربا الديون؟ نقول: ربا الديون يقع في الأموال كلها، أي لا نحتاج أن نسأل في ربا الديون هل هذا الصنف من الأموال الربوية أم لا.

بحديثنا عن ربا البيوع، كيف نتحرز من ربا البيع بعدد من الأمور ينبغي لنا أن نتنبه لها؟ فمثلا في مبادلة مال ربوي بمال ربوي، نقول عندنا ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: أن يتحدوا في الجنس؛ كـ مبادلة رز برز، أو مبادلة بر ببر، أو مبادلة ريال سعودي بريال سعودي، أو جنيه مصري بجنيه مصري، أو دولار أمريكي بدولار أمريكي، وهكذا. هذه هي اتحاد الجنس نفسه عند المبادلة، فهنا عند اتحاد الجنس لابد من التقابض في المجلس والتماثل في المقدار. فإذا صار هذا المال مالا ربويا، فمعنى ذلك أنك لكي تخرج من ربا البيوع لابد من اتحاد المجلس، يعني التقابض في مجلس العقد، بحيث يقبض كل شخص من العاقدين العوض الذي بيد الآخر، وهذا معناه التقابض في مجلس واحد. والأمر الثاني هو التماثل في المقدار؛ فإن اختلف المقدار اندرج في ربا الفضل، وإن لم يتقابضا في المجلس اندرج في ربا النسيئة.

الحالة الثانية: أن يختلف الجنس؛ كأن يبادل تمرا بتمر (هذا اتحاد)، بل كأن يبادل تمرا بشعير، أو يبادل برا بشعير، أو يبادل ريالا بدولار، أو يبادل ذهبا بفضة. لاحظ هنا اختلف الجنس؛ هذا دولار أمريكي وهذا مثلا جنيه استرليني، اختلف، هذا ذهب وهذا فضة. كيف نتحرز من الربا في هذه الحالة؟ نقول عند اختلاف الجنس فإنهما إما أن يتفقا في العلة أو لا يتفقا.

فإذا اتفقا في العلة، كأن يكون هذا نقدا وهذا نقدا، أو هذا طعاما وهذا طعاما؛ كأن يكون هذا دولار أمريكي وهذا جنيه استرليني، لاحظوا هنا متفقة علتهم كلها نقدية لكن هذا جنس وهذا جنس، فمعنى ذلك أنه لا بد من التقابض في مجلس العقد خروجا من ربا النسيئة، ولا يلزم التماثل في المقدار؛ لأنه لا يقع ربا الفضل أبدا عند اختلاف الجنس.

الحالة الثالثة: إذا اختلف جنسهما واختلفت علتهما؛ بمعنى أن هذا علته النقود وهذا علته الطعام، مثل مبادلة الطعام بالنقود، فهنا في هذه الحالة لا يلزم التقابض في مجلس العقد لأنه لا يقع ربا النسيئة في هذه الصورة، ولا يلزم التماثل في المقدار لأنه لا يقع ربا الفضل في هذه الصورة.

الحالة الرابعة: أن تكون المبادلة بين عوضين، والعوضان كلاهما ليس مالا ربويا، أو أحد العوضين ليس مالا ربويا؛ ففي هذه الحالة لا يقع ربا الفضل ولا يقع ربا النسيئة في البيوع.

إذا لاحظتم الآن صار عندنا أربعة أحوال: الحالة الأولى: العوضان يتحد جنسهما؛ ذهب بذهب، دولار بدولار، ريال سعودي بريال سعودي، دينار كويتي بدينار كويتي، وهكذا. هذا اتحد الجنس، فهنا لا بد من شرطين: التقابض في مجلس العقد خروجا من ربا النسيئة، ولابد من التماثل في الكمية خروجا من ربا الفضل.

الحالة الثانية: إذا اختلف الجنس مع اتحاد العلة؛ كأن يكون هذا نقدا وهذا نقدا، كالدولار الأمريكي بالجنيه الاسترليني، فهنا يجب التقابض في مجلس العقد خروجا من ربا النسيئة، ولا يلزم التماثل في المقدار لأنه لا يقع ربا الفضل ما دام الجنسان قد اختلفا.

الحالة الثالثة: أن يختلف الجنسان وتختلف العلة؛ يعني يكون هذا نقدا وهذا طعاما، فحينئذ لا يقع ربا النسيئة ولا ربا الفضل، ولا يلزم التقابض في مجلس العقد ولا يلزم التماثل.

الحالة الرابعة: أن يكون المالان أصلا ليس من أموال ربا البيوع، أو يكون أحدهما ليس من أموال ربا البيوع، فحينئذ لا يقع ربا الفضل ولا ربا النسيئة في هذه الصورة.

إذاً هذه أربعة أحوال لمبادلة الأموال بعضها ببعض من حيث تقسيم وقوع ربا الفضل فيها ووقوع ربا النسيئة فيها. إذاً الأموال من حيث وقوع ربا البيوع فيها تنقسم على أربعة أقسام: أن يكون المالان أو أحدهما ليس مالاً ربوياً، فهنا لا يقع ربا البيوع.

إذا كان المالان كلاهما من أموال ربا البيوع، نقول: إن اتحد الجنس وقع ربا الفضل والنسيئة، وإن اختلف الجنس واتحدت العلة وقع ربا النسيئة دون ربا الفضل، وإن اختلف الجنس والعلة لم يقع النسيئة ولا الفضل.

هذه تقريباً أقسام مبادلة الأموال من حيث وقوع الفضل والنسيئة في البيوع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم الربا وشروره، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وفي كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان، وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان؛ صِفْ اليوم غلة الظمان، وتعلم الفقه الميسر عاملاً للشرع دون تعصب للعلم كالازهر في البستان.