دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. صافي الفقه الميسرة، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالازهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم فقهنا في الدين، اللهم زدنا علما، اللهم اجعل هذه العلوم التي نتعلمها نافعة لنا في دنيانا وفي آخرتنا يا رب العالمين، اللهم اجعلها يا رب العالمين قائدا لنا إلى جناتك جنات النعيم، ولا تجعلها حجة علينا يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومن عمل فيها ونشرها، وأن يجعلنا وإياكم فيها جميعا من المتعاونين على الخير والبر والتقوى. إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في موضوعنا السابق عن الإيمان، حدثنا عن تعريفها وحكمها وأقسامها وأنواعها والحنث فيها وكفارتها وتحللتها.

نريد اليوم أن نتحدث عن موضوع آخر وهو موضوع النذر. النذر هو الإيجاب، وهو نوع من الالتزام الذي يلتزمه العبد المسلم ويوجبه على نفسه، هذا معنى النذر، معناه التزام أو إيجاب. واصطلاحا هو التقرب لله جل جلاله بأن يلزم نفسه بشيء عبودية لله سبحانه وتعالى لم يلزمه الله جل جلاله به.

هذا فيما يتعلق بمعنى النذر ومفهومه، مثلا كأن يقول: لله علي أن أتصدق ألف درهم، أو لله علي أن أضحي لله سبحانه وتعالى أضحية، أو أن أهدي لله سبحانه وتعالى هديا، أو أن أصوم لله جل جلاله أسبوعا مثلا، أو أن أعتكف يوما أو أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، أو أن أعتكف عشرة أيام وهكذا. النذر هو التقرب إلى الله جل جلاله، التزام التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشيء من الأشياء.

ما الفرق بين اليمين والنذر؟ كلاهما فيه معنى الالتزام والتأكيد، النذر فيه معنى التزام وتأكيد، واليمين فيها معنى الالتزام والتوكيد. الالتزام إذا هو شيء مشترك بين اليمين وبين النذر، لكن اليمين المقصود فيها هو حث شخص على فعل شيء أو على ترك شيء، يعني اليمين ليست في مقام التعبد لله سبحانه وتعالى، وإنما هي في مقام الحث، والتوكيد بخبر في خبر ماض.

هذا اليمين قد تأتي على خبر ماض، وقد تأتي على حث أو امتناع مستقبلي. إذا اليمين والنذر، النذر يكون على أمر مستقبلي، يعني لا يقول الإنسان نذرت أني قد جئت من عند أهل البارحة، هذا ليس نذرا، هذا معنى اليمين؛ يعني أقسمت أني أتيت من عند أهل البارحة، هذا اليمين توكيد أمر ماض، هذا لا يتأتى فيه النذر. إذا اليمين تكون على أمر ماض وأمر مستقبل، والنذر يكون على فعل مستقبلي، هذا الفرق الأول.

الفرق الثاني، ما الفرق بين اليمين في الأمور المستقبلية والنذر في الأمور المستقبلية؟ متى نقول هذا يمين وهذا نذر؟ نقول يمين الأمور المستقبلية هي التي يقصد بها الحث على فعل شيء أو على الامتناع عن شيء، ترغب أنت صاحب اليمين تقول: والله لتفعلن كذا. بخلاف النذر، النذر هو تعبد لله سبحانه وتعالى، تقول: لله علي أن أصوم، أن أعتكف، أن أتصدق، أن أصلي، هذا نذر تعبدي لله جل جلاله.

النذر فيه معنى التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى، لكن فيه نوع من التعليقات؛ يعني إن نجحت أو إن رزقني الله سبحانه وتعالى مثلا ألفا فسأتصدق بنصفها، لله علي أني أتصدق، كأنه نوع من التقرب إلى الله جل جلاله، وهو كذلك نوع من العقود والمعاهدة؛ لأنه عقد أو عهد ألزم الإنسان به نفسه منفردا تجاه الله جل جلاله.

نحن قد ذكرنا في بداية درس الإيمان أن الإيمان والنذور كلاهما من أنواع العقود الداخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. يعني الإيفاء بالإيمان والإيفاء بالنذور كذلك، بل إن الله سبحانه وتعالى أمر بالوفاء بالنذر وأمدح من يوفي بنذره، كما جاء في آيات الحج: ﴿فَلْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].

إذا فالإيفاء بالنذر عبودية لله سبحانه وتعالى لأنه تقرب إلى الله، ألزم نفسه بشيء لله سبحانه وتعالى. أما الفرق بين النذر وباقي العبادات، فنقول باقي العبادات ينشأ فيها الإلزام أو الحث بأمر الله سبحانه وتعالى؛ يعني الصلاة وجبت بأمر الله، الزكاة وجبت بأمر الله، الصدقة استحبت بأمر الله سبحانه وتعالى.

النذر كأنه جاء إلى هذه الأوامر الشرعية فألزم نفسه بها فوق الإلزام الشرعي، هذا معنى النذر. الصدقة في الأصل مستحبة، والاعتكاف في الأصل مستحب، لكن النذر كأنه يلزم نفسه بأن يفعل كذا وكذا؛ نذرت أو أوجبت على نفسي التزمت، صار الآن انتقل من كونه مستحبا. الاستحباب نشأ من تشريع الله جل جلاله، أما الوجوب فنقول إن التزام المكلف على نفسه بهذا الأمر الذي هو في الأصل مستحب، كأن الاعتكاف في الأصل مستحب، لكن لما ألزم نفسه به نقول صار واجبا في حقه أن توفي بهذا النذر.

ما هي أسباب نذر المكلف؟ لماذا يوجب الإنسان على نفسه شيئا؟ الأصل نقول إن الإنسان لا ينبغي له أن يلزم نفسه شيئا لم يلزمه الله سبحانه وتعالى به، وإنما يفعل الفعل الواجب ويحرص على الفعل المستحب وفقا لشرع الله وأمره. لذلك نحن نقول الأصل في النذر الكراهة، لكن أحيانا الإنسان من باب أن يدفع نفسه للفعل فيلزم نفسه به، كأنه نوع من الدوافع التي تجبر المكلف على فعل شيء ما؛ لأنه لو لم ينذر هذا الفعل فإنه يتوقع من نفسه ألا يفعله، فيكون هذا دافعا له أن يقدم على النذر.

هل يشرع النذر أو أنه لا يشرع النذر؟ هذا ما سوف نتحدث عنه إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير.

بالعلم كالازهار في البستان. حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول ﷺ فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه، ومثال البيع على البيع...

اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: «أنا أعطيك مثلها بتسعة»، أو «أعطيك أحسن منها بعشرة»، أو «أبيعك مثلها بعشرة»؛ فهذا بيع على بيع، والمسلم لا يحل له. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: «بعتها على فلان بتسعة؟»، قال: نعم. قال: «أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسع ودعك منه». والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن النذر. ذكرنا مفهوم النذر وهو أن يلتزم المكلف أو العبد شيئًا لا يلزمه أصلاً، هو أتى إلى نوع من العبادات المستحبة من المستحبات، كالصدقة أو الاعتكاف مثلاً أو صلة الرحم، فقال: «لله علي أن أعتكف عشرة أيام»، أو «أن أتصدق»، أو «أن أزور»، أو «أن أفعل شيئًا». الأصل ليس لازماً عليه، ولكن ألزم به نفسه. بعد أن ألزم نفسه، هل يلزمه؟ نقول نعم، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]. يجب الوفاء بالنذر.

ما الدافع الذي يدفع المسلم أن يفعل النذر، أو أن يقوم أو أن يقول: «لله علي أن أفعل كذا»؟ الدافع هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن بشيء مستحب. ولكن لما كان هذا الشيء مستحبًا، قد لا يكون هناك دافع قوي لفعله، فهو يريد أن يلزم نفسه بفعله، يقول: «لله علي أن أفعل»، حتى يجبر نفسه على هذا العمل. كأن لاحظ من نفسه أنها تضعف عند أداء المستحبات ولكن تنشط إذا كان واجبًا عليها، فقال: «أنا أوجبت على نفسي أو التزمت أن أفعل كذا وكذا»، هذا هو الدافع.

هل هذا الدافع مكروه أو مستحب للإنسان أن يقدم على النذر في واقع الأمر؟ النبي ﷺ كما جاء في حديث ابن عمر كره النذر؛ لماذا؟ لأن المسلم في حال ضعف نفسه عن طاعة الله سبحانه وتعالى عليه أن يستعين بالله جل جلاله، هذا الأصل، وألا يلزم نفسه شيئًا من هذه الأشياء.

هناك دافع آخر اعتبره النبي ﷺ دافعًا غير صحيح، مثلاً يقول: «إن شفى الله مريضي سأتصدق بكذا وكذا»، فيظن أن هذا النذر سيقدم شيئًا أو يؤخره، يظن أنه سيكون سببًا في شفاء المريض، وفي واقع الأمر ليس سببًا في شفاء المريض؛ النذر ليس سببًا، لا يقدم النذر أو يؤخر شيئًا، بل جاء في الحديث أن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، إنما يستخرج به من البخيل أو من الشحيح، كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه. إذاً هو نوع من أنواع إلزام الإنسان لنفسه، ولكن ليس لتقديم شيء أو لتأخيره.

هناك صفة ثالثة أو دافع ثالث للنذر، يقول: «نذرت مثلاً أن أتصدق مئة ألف لو عدت مثلاً إلى السيجارة أو إلى الدخان»، يريد أن يمنع نفسه من السجائر أو من الدخان. نقول في واقع الأمر هذا، وإن اتخذ صيغة النذر وقال: «لله علي»، إلا أن حقيقته هي حقيقة اليمين. ما اليمين؟ اليمين هي ما قصد به الحض على فعل شيء أو على ترك شيء. قد يقول قائل: هذا نذر، وبالتالي لو أخذ مثلاً سيجارة بناء على نذر هذا، فإن عليه أن يتصدق مئة ألف أو إلى آخره، نقول: لا، هذا كفارته كفارة يمين.

هنا يأتي السؤال: ما الفرق إذاً بين اليمين والنذر؟ نقول الفرق بينهما ليس فرقًا لفظيًا، إذا قال: «لله علي أن أفعل كذا» أو إذا قال: «والله سأفعل كذا»، لا، الفرق بينهما فرق معنوي. فالنذر ما قصد به التقرب إلى الله، حث نفسه على التقرب إلى الله جل جلاله بفعل من الأفعال المستحبة يلزم نفسه به ليقدم عليه ليكون واجبًا في حقه، هذا هو النذر. لكن إن قصد حث نفسه لا على هذا الأمر الذي التزمه، وإنما حث نفسه بإيجاب شيء آخر على نفسه، يقول: يريد أن يحض نفسه على عبادة من العبادات فيقول: «سأفعل كذا وكذا»، إلا ما فعلنا، نقول هذا يمين، إذا قال: «والله لأفعلن»، إذا أراد الحث أو المنع على أمر يريده، هذا هو اليمين. لكن إذا قصد التقرب إلى الله جل جلاله، هذا هو النذر. طبعًا هناك منطقة بين اليمين والنذر، وإذا قصد حث نفسه على طاعة من الطاعات التزمها، هذا هو النذر، لكن إذا قصد حث نفسه على طاعة من الطاعات بفعل شيء آخر، فهذا هو اليمين. هذه فروق فقط بين اليمين والنذر حتى نعرف ما هو الواجب.

النذر على أنواع، أولاً حتى يلزم الوفاء به لابد أن يكون قربة لله سبحانه وتعالى. لو إنسان نذر معصية لله سبحانه وتعالى، نقول: لا تقم بهذا النذر، وعليه كفارة يمين، لا تقم بهذا أصلًا، لا يعد هذا من النذر. الإنسان يقول: «نذرت أن أفعل كذا وكذا من المعاصي»، نقول: لا، هذا لا يعد من النذر، وإنما النذر هو ما قصد به التقرب إلى الله جل جلاله.

إذاً ما الخلاصة في حكم النذر؟ الخلاصة في حكم النذر أن الأصل فيه الكراهة؛ لأنه لا يشرع للإنسان أن يثقل نفسه بواجبات لا يدري ولا يعلم من نفسه القيام بها أو عدم القيام بها، بل الإنسان عليه ألا يثق بنفسه، بل يرى نفسه ضعيفًا لولا إعانة الله له، فيبقى دائمًا في دائرة الاستعانة بالله جل جلاله. لا يثق الإنسان بنفسه ويقول: «أنا قادر إن شاء الله تعالى أني أصوم أو أن أعتكف أو أن أتصدق، ولله علي أن أفعل كذا»، لا يوقع نفسه في هذا الحرج والمشقة، بل عليه إذا أراد أن يلزم نفسه هذه الطاعة ويخشى أن تضعف نفسه عن فعلها أو عدم الإقبال عليها، أن يستعين بالله جل جلاله. والله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بمعونة منه سبحانه وتعالى، قال الله جل جلاله في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فالمسلم يعبد الله وهو مقصوده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ويتوسل إلى الله بتوفيق الله وإعانة الله، وهو وسيلته لعبوديته سبحانه وتعالى.

فالإنسان حين يشكو الله جل جلاله، شكره لله نعمة تستوجب شكراً؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي وفقه لشكرة. إذاً المسلم يستشعر في قلبه ضعفه وفقره وحاجته إلى معونة الله وتوفيقه وهدايته وتيسيره.

والله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب، القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن جل جلاله يقلبها كيف يشاء. وهذا حقيقة أيها الإخوة؛ لو لم يخبرنا به النبي ﷺ لأمنا به مما نشاهد في أنفسنا، تجد الإنسان يصبح وهو عازم أن يفعل شيئاً ما من الأمور، لا يمسي إلا وهو عازم على تركه؛ الله سبحانه وتعالى يقلب القلوب. لذلك هذا تفصخ العزائم وتقلب الإرادات، آية ودليل.

فالإنسان دائماً عليه أن يستعين بالله جل جلاله، ألا يرى نفسه قادراً على القيام بهذه الأمور، لا يرى نفسه ضعيفاً لولا تقوية الله له، يرى نفسه فقيراً لولا إغناء الله له، يرى نفسه غير قادر لولا إعانة الله جل جلاله له. الإنسان كلما ضعف وافتقر لله سبحانه وتعالى فإن هذا هو حقيقة الغنى بالله سبحانه وتعالى.

لذلك من استشعر هذا المعنى لا يحتاج له أن يقدم على النذر، وإنما يستشعر معنى فقره وحاجته ويسأل الله جل جلاله أن يعينه على طاعته، والله سبحانه وتعالى قريب يجيب من دعاه وأطاعه. إذاً ما هو البديل عن النذر؟ البديل عن النذر هو الدعاء. البديل عن النذر لله سبحانه وتعالى، لأن النذر كان فيه نوع من الإشقاق على نفسه والالتزام على نفسه، وكان فيه نوع من الثقة بنفسه أنه قادر أنه سيأتي به، ولهذا نذره.

نقول: الأولى من النذر هو أن تدعو الله جل جلاله وتسأله وتطلبه أن يعينك على طاعته سبحانه وتعالى، تسأله سبحانه وتعالى أن يخلصك من هذه المعصية التي وقعت فيها، تسأله وتظهر ضعفك وفقرك بين يديه جل جلاله حتى يتوب عليك من هذا العمل، وهذا أولى من النذر.

إذاً هذا فيما يتعلق بحكم النذر، الأصل فيه الكراهة، لكن إذا نذر الإنسان فإنه يجب عليه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَلَيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وعليك الوفاء بنذرك ما دمت قد نذرت طاعة الله جل جلاله.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.

العلم مراتب؛ فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث. ومنه نفل كالتبحر في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.

ونراعي الأولويات في التعلم؛ فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه. ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور».

ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات. قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن النذر. ذكرنا تعريف النذر وذكرنا حكم النذر، فيه الكراهة، والبديل الصحيح عنه أن الإنسان يسأل الله سبحانه وتعالى في ضعف واستكانة، ويظهر فقره إلى الله سبحانه وتعالى، ويطلب منه الإعانة والتقوى على طاعة الله سبحانه وتعالى.

طيب، ما أقسام النذر وأحكام النذر؟ نقول: النذر إذا نذره الإنسان فإنه يجب عليه، وهذا النذر الذي نعنيه هو نذر القربة لله سبحانه وتعالى، نذر القربى لله سبحانه وتعالى بقصد التعبد لله سبحانه وتعالى، يريد أن يتعبد لله هذا الفعل فنذره. لكن إذا نذر شيئاً آخر غير قصد القربى والتعبد فهو نذر معصية والعياذ بالله، كأن يقول: «عاهدت الله أني أفعل كذا من المعاصي»، نقول هذا نذر معصية ولا يجوز للإنسان أن يوفي به.

يذكرون قاعدة قد ذكرناها في الإيمان بداية كتاب الإيمان، قلنا إن قاعدة عبودية الله سبحانه وتعالى هذه فوق الوفاء بالعقود. ولو إنسان أقسم يميناً أن يعصي الله مثلاً أو نذر أن يعصي، نقول هذا ليس واقعاً عليه، إن يكفر عن يمينه وعن نذره. ما هي كفارة نذر المعصية؟ نقول كفارة يمين؛ لماذا؟ لأن عبودية الله وطاعته فوق كل شيء هي التي خلق لأجلها المسلم، وهذا العقد الذي جعله على نفسه فوقه عقد وميثاق لله أن يعبده. هذا العقد إن نذر المعصية أو يمين المعصية أو الإلزام بالمعصية نقول هذا يلغى بسبب مخالفته لما هو أعلى منه، وهو سبب الخلق والإيجاد، وهو الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على بني آدم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۙ شَهِدْنَا ۙ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ...﴾ إلى آخر الآيات. فميثاق العبودية لله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، إذاً هذا نذر المعصية لا يعمل به وإنما عليه كفارة يمين.

طيب، نذر المباح؟ لو قال: «عاهدت الله أن أزور زيداً مثلاً» أو «أن أفعل كذا»، نقول هذا لا يقع عليه وصف النذر. ما هو النذر؟ هو قصد التقرب إلى الله بإلزام نفسه بهذا المتقرب به، يريد الإنسان أن يلزم نفسه فيوجب على نفسه شيئاً، فالأمر المباح أصلاً لا يوجد فيه القربة. إذاً نذر المعصية قطعاً لا يوجد فيها القربى وإنما هي مخالفة، فلذلك كفارته كفارة يمين.

إذا نذر الإنسان مباحاً، قال مثلاً: «عاهدت الله أو لله علي أن أشرب هذا الماء، أو أن أرفع يدي، أو أن أزور كذا، أو أن أذهب إلى كذا، أو أن نزور السوق الفلاني، أو نشتري من السوق الفلاني»، نقول هذه كلها ليست بنذر، النذر هو ما قصد به التقرب إلى الله جل جلاله. فلذلك نحن نقول: إذا فعلت هذا الأمر فالحمد لله، وإن لم تفعله فعليك كفارة يمين، كأنك بهذا اللفظ وإن قلت عاهدت الله أو لله عليك كأنه يمين. إذا أردت أن تحث نفسك على فعل مباح من المباحات أو اجتناب أمر من الأمور، هذا كفارته كفارة يمين. نذر المعصية نقول كفارته كفارة يمين.

طيب، هناك نوع آخر من النذر وهو النذر المطلق.

نذرت أن أفعل شيئًا؛ نقول هذا كفارة يمين لأنه ليس فيه شيء مقيد. الإنسان هناك أمر آخر، ألا وهو نذر اللجاج والغضب، كيف يقول: لله علي مثلا أن أصوم، لله علي أنا أصوم مثلا ثلاث سنين إذا مثلا أخذت سيجارة واحدة، أو إذا فعلت بالشيء الفلاني.

الآن لاحظوا، ليس المقصود هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه السنين أن يصومها، لله علي أن أصوم ثلاث سنين. ما هو مقصوده من ذكر الثلاث سنين أو الأربع سنين أو الخمس سنين؟ يقول لله علي، أو يقول لله علي أنا أتصدق بمالي كله لو أنني مثلا زرت فلانًا. نقول هنا ليس المقصود الآن هو التقرب إلى الله بأن يصوم الدهر كله، أو بأن يصوم ثلاث سنين، أو بأن يتصدق بماله كله، لا ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود حث نفسه على أن يزور فلانًا، أو ألا يزور فلانًا، أو أن يترك التدخين، أو أن يفعل كذا. لاحظتم؟ هذا مقصوده.

إذا كونوا قال لفظ لله علي أنا أصوم الدهر، أو لله علي أن أخرج من مالي كله صدقة لله، هذا في واقع الأمر جاءت في سياق حث نفسه أو حثها على فعل أمر أو امتناع عن الأمر، فنقول هذا وإن كان لفظه لفظ النذر، فإن حقيقته هي اليمين؛ لأنه يقصد نفسه، يقصد أن يحث نفسه على فعل شيء.

إذا ما هو النذر؟ النذر هو أن ينوي التقرب إلى الله، يقصد التقرب، يلحظ من نفسه شحًا وبخلًا، فيقول لله علي أن أتصدق بألف ريال أو بألف درهم أو بألف دينار، يريد أن يحث نفسه على فعل هذا الأمر الذي يتقرب به إلى الله جل جلاله ويعبد به الله جل جلاله، هذا هو النذر. بخلاف اليمين الذي يقول لله علي أن أتصدق بألف ريال لو زرت زيدًا، هو يقصد الآن ليس قصده التعبد لله بالتقرب بألف ريال، وإنما قصده أن يحث نفسه على زيارة زيد أو الامتناع عن زيارة زيد، فهذا هو اليمين، بخلاف النذر الذي يحث نفسه على طاعة الله وعلى العبودية لله جل جلاله.

إذا نحن نقول: إذا نذر التقرب إلى الله كانت قربة، هذا الشرط الأول، كانت قربة إلى الله جل جلاله ويقصد هو التقرب إلى الله بهذا الأمر الذي نذره، قصد التقرب إلى الله بهذا النذر الذي نذره، فإنه حينئذ نذر يجب الوفاء به، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]. وكما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطيعه».

وأما غير هذا النذر، أن ينذر معصية، أو ينذر مباحًا، أو ينذر مطلقًا، أو ينذر لجاجًا وغضبًا لأجل حث نفسه على فعل شيء أو ترك شيء، فإن هذه كفارتها كفارة يمين، وهذا لا شك أنه من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة.

نختم بقضية نود أن ننبه إليها، وهو أن النذر عبادة لله، لا يجوز للإنسان أن يصرفها إلا لله جل جلاله. والله سبحانه وتعالى قد امتدح من يوفي بنذره ويوفي ما عاهد الله سبحانه وتعالى عليه. الإنسان إذا عاهد ربه على شيء أو نذر شيئًا، فإن عليه أن يحرص على فعله والإيفاء بنذره، وهذا نقوله لمن نذر. وإلا في الواقع الأمر، من لم ينذر، فإننا ننهاه ونكره له أن ينذر وأن يلزم نفسه ويثقل نفسه بشيء قد خففه الله سبحانه وتعالى عنه، بل عليه أن يحض نفسه.

أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والإعانة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم جميعًا لعبادته ولطاعته، وأن يعيننا على تتبع مراضيه، وأن يعيننا على البعد عن مساخطه سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.