دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 20 - النوازل المالية المعاصرة (بطاقات الائتمان)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالازهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس العشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومن ساهم فيها وأعدها يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني وأخواتي، فسوف نأخذ في هذا اللقاء معاملة من المعاملات المالية المعاصرة التي انتشرت وكثر الحديث عنها، هذه المعاملة هي بطاقات الائتمان الصادرة من المصارف، البطاقات التي تصدرها المصارف.

في الجملة هي على نوعين أساسيين. النوع الأول من هذه البطاقات هي البطاقات التي تخول الناس سحب أرصدة الحسابات الجارية التي لديهم لدى البنوك غالبًا. إذا فتح الإنسان حسابًا جاريًا لدى البنك وأودع فيه ما له، فإنه يعطى بطاقة تخوله سحب رصيده من الحساب من خلال أجهزة الصراف الآلي أو من خلال أجهزة نقاط البيع. هذه البطاقات اصطلح الناس على تسميتها ببطاقات الحساب الجاري، أو بعضهم يسميها بطاقات سحب الرصيد، أو بعضهم يسميها البطاقات غير الائتمانية، وبعضهم يسميها بطاقة الصراف الآلي، أياً كان اسمها المهم أن طبيعتها وحقيقتها هي سحب رصيدك من الحساب الجاري الذي أودعته لدى البنك.

البطاقات التي تقابلها، والتي اصطلح الناس على تسميتها بالبطاقات الائتمانية، هي بطاقات تصدرها المصارف أو البنوك أو الشركات وتخول حاملها الاقتراض أو الحصول على مال من البنك أو المصرف أو الشركة ولو لم يكن لدى حاملها رصيد مودع في حسابه لدى هذا المصرف أو الشركة. فكأننا يمكن أن نصطلح على أنها نوعان: النوع الأول بطاقات للحساب الجاري وهذه ليس فيها ائتمان، بمعنى أن البنك أو المصرف الذي أصدر هذه البطاقة لا يمنح حامل هذه البطاقة ائتمانًا ولا يمنحه اقتراضًا، وإنما يقول هذه البطاقة لتسحب رصيدك من الحساب الجاري. فإن كان في رصيدك مبلغ سحبته، وإن لم يكن فيه مبلغ فإن هذه البطاقة إذا سحبت بها أو طلبت سحب مبلغ فإنه سوف يرجع لك الرد بالرفض بحكم عدم وجود رصيد لديك؛ هذه بطاقة الصراف الآلي للحساب الجاري المعروفة لدى الناس.

النوع الثاني الذي يقابلها هي البطاقة الائتمانية، ومعنى كونها بطاقة ائتمانية هو أن فيها ائتمانًا. ما هو الائتمان؟ هو حق الاستدانة، فإذا كان رصيد حسابك الجاري صفرًا فإن هذه البطاقة الائتمانية سوف تمنحك مالًا سواء أخذت هذا المال من خلال نقاط البيع أو من خلال أجهزة الصراف الآلي، وهذا المال يمنح لك إلى ما يسمى فيها بالحد الائتماني. فإذا قيل هذه بطاقة ائتمانية حدها الائتماني عشرة آلاف ريال، فمعنى ذلك أنها تقرضك إلى حد عشرة آلاف ريال، ولو قيل إن هذه البطاقة حدها الائتماني مثلا عشرين ألف دولار، فمعنى ذلك أنها تخولك الاقتراض إلى حد عشرين ألف دولار، وهذا الاقتراض له أحكامه وشروطه.

دعونا أولًا نتحدث عن النوع الأول من البطاقات، وهو بطاقات السحب من رصيد الحساب الجاري أو بطاقات السحب من رصيدك لدى البنك. هذا النوع من البطاقات حكمه الجواز لأن الإنسان في واقع الأمر لا يحصل أصلًا على اقتراض من البنك في هذه الحالة، وإنما يسترد رصيده الذي قد أقرضه البنك سابقًا؛ إذا كان قد أعطى طلبًا سابقًا مئة ريال فإنه يسترد المئة ريال من خلال بطاقة الصرف الآلي أو بطاقة الحساب الجاري. ذكرنا أسماءها عديدة، ونحن الأحكام لا تتعلق دائمًا بالأسماء، هذه قاعدة خذوها: الأحكام لا تتعلق بالأسماء وإنما تتعلق بالحقائق والمعاني، فلذلك سواء سمينا هذه البطاقة بطاقة الصرف الآلي، أو بطاقة الحساب الجاري، أو بطاقة السحب من الرصيد، لا يهم، المهم أن لدى الإنسان رصيدًا مودعًا لدى البنك ويسحب رصيده من خلال هذه البطاقة، فهذه البطاقة حكمها الجواز.

يبقى عندنا البطاقات التي اصطلح الناس على تسميتها بالبطاقات الائتمانية، بعض الناس يسميها البطاقات الإقراضية، وتسمى باللغة الإنجليزية "كريديت كارد" بمعنى أنه فيها نوع من الائتمان. هذه البطاقات حتى نتصورها تصورًا صحيحًا هي على أنواع. هناك البطاقة التي تسمى بطاقة الاعتماد وتترجم إلى بطاقة "تشارج كارد" باللغة الإنجليزية، هذه البطاقة تخول صاحبها حق الاقتراض إلى حد معين، وعلى حامل البطاقة أن يسدد المبلغ الذي اقترضه أو أخذه من البطاقة وهو زائد عما كان في حسابه، عليه أن يسدد المبلغ في نهاية المدة أو نهاية الشهر. غالبًا مدد سداد هذه البطاقات تتراوح ما بين خمس عشرة إلى خمس وأربعين يومًا وهي تأتي بشكل شهري.

فالشاهد أنه نفترض أن صاحب بطاقة الاعتماد -وهي أحد أنواع البطاقات الائتمانية- سحب من حده الائتماني ألف دولار، لا نقول سحب من رصيده وإنما نقول سحب من حده الائتماني ألف دولار لأن الرصيد عنده صفر، فإذا سحب من حده الائتماني ألف دولار بمعنى أن البنك أقرضه ألف دولار، فإن عليه أن يسدده في الشهر القادم ألف دولار. طبعًا إذا تأخر قد تُحسب عليه فوائد وقد لا تُحسب عليه فوائد، وسوف نأتي لتفاصيل الحكم الشرعي.

إذن، هذه البطاقات الائتمانية تنقسم إلى نوعين؛ نفرق قبل ذلك بين بطاقات السحب من الرصيد، هذه نوع وليس فيها إقراض ولا ائتمان وهذا ذكرنا أنها جائزة، والبطاقات الائتمانية الإقراضية كذلك على نوعين: أولًا بطاقة الاعتماد، وهي التي على حاملها أن يسدد رصيده في نهاية الشهر ولا يسمح له بجدولة هذا السداد. النوع الثاني من بطاقات الائتمان هو بطاقة الائتمان الدوار، وهي التي اصطلح الناس على تسميتها بالـ "كريدت كارد". هذه ائتمانها دوار؛ كيف؟ إذا أخذ الشخص منها مثلا ألف دولار، فإن عليه أن يسدد في آخر الشهر الذي يليه خيارات في السداد: الخيار الأول أن يسدد المبلغ كاملاً ألف دولار، الخيار الثاني أن يسدد ما يسمى بالحد الأدنى للسداد، وغالبًا يكون خمسة بالمئة أو عشرة بالمئة، فيفترض به أن يسدد خمسين دولارًا أو مئة دولار إذا كان قد سحب ألفًا. ثم من حقه أن يعيد جدولة الباقي للشهر الذي يليه بزيادة، فيجدول الباقي؛ لنفترض أنه سدد مئة دولار وبقي عليه تسعمئة، يقول التسعمئة هذه الباقية سينسدها الشهر القادم، والسداد في الشهر التالي يكون غالبًا بتسعمئة وعشرين دولارًا مثلاً، أو تسعمئة وثلاثين دولارًا، أو تسعمئة وأربعين دولارًا حسب سعر الفائدة المقرر لهذه البطاقة إلى الشهر الأخير.

نفترض أنه سحب ألف دولار أخرى، فسيكون عليه أن يسدد ألفًا وتسعمئة وأربعين ألفًا التي سحبها في الشهر الجديد، وتسعمئة وأربعين المؤجلة من الشهر الذي قبله. فالآن أمامه خياران في الشهر التالي: إما أن يسدد ألفًا وتسعمئة وأربعين كاملة، وإما أن يسدد عشرة بالمئة وهو الحد الأدنى، ألف وتسعمئة وأربعين عشرة بالمئة منها يعني مئة وأربعة وتسعين دولارًا، ويؤجل الباقي وقدره ألف وسبعمئة دولار؛ يؤجلها تقريبًا إلى الشهر الذي يليه بزيادة مثلاً اثنين أو ثلاثة بالمئة، فيسدد في الشهر التالي تقريبًا ألفًا وسبعمئة وسبعين دولارًا. مثلاً هذا مثال لهذه البطاقة الائتمانية ذات الائتمان الدوار.

ما هو تكييف هذه البطاقات وما هو حكمها الشرعي؟ هذا تصورها بشكل سريع، أما تكييفها وحكمها فننتقل إليه إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير ثم نعود إليكم بالعلم كالازهار في البستان.

القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه ونورت في قلبه الحكمة وصار إمامًا في الدين. وقد كان العلماء سلفًا وخلفًا يبدأون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: «ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالمًا فقيهاً». وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه؛ قال سعيد بن جبير: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي».

وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع، قال تعالى: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه. وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: 10].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن البطاقات البنكية والمصرفية. ذكرنا صورة هذه البطاقات، ذكرنا أنها قسمان أساسيان: قسم ليس فيه ائتمان وإنما بطاقات لسحب المبلغ الذي أودعته أو دفعته لدى البنك، وقسم فيه ائتمان. وهذا الائتمان على نوعين: تسدد آخر الشهر إجبارياً، والنوع الثاني تسدد آخر الشهر بالاختيار بين حالتين: إما أن تسدد كامل المبلغ أو الحد الأدنى منه ويعاد جدولة الباقي بفائدة. إذ هكذا صارت عندنا تقريبًا ثلاثة أنواع للبطاقات المصرفية.

ما هو تكييفها الشرعي لنبني الأحكام الشرعية عليها؟ بطاقة السحب من الرصيد أو سحب المبلغ الذي أودعته لدى البنك، ما تكييفها الشرعي؟ إنها بطاقة تخولك سحب ما اقترضته. ما حكم الإنسان إذا دفع مالاً لدى البنك أقرضه أن يرجع فيأخذه؟ نقول هذا جائز ولا إشكال فيه إن شاء الله تعالى؛ فلذلك بطاقة السحب من الرصيد جائزة، لأن تكييفها الفقهي أنها استرداد للمبلغ الذي أودعته لدى البنك، وهذا الاسترداد جائز بل هو حق من حقوقك، فبالتالي تكون البطاقة التي تخولك هذا الاسترداد بطاقة جائزة.

يبقى عندنا البطاقات الإقراضية بنوعيها؛ التي تجبرك على السداد في الشهر التالي، والتي تخيرك بين السداد الكامل أو سداد الحد الأدنى. ما حكمها الشرعي؟ قبل أن نبحث حكمها ما هو تكييفها الشرعي؟ نقول إن تكييفها الشرعي أن هذه البطاقة إما إقراض أو ضمان. معنى كونها ضمانًا أن البنك الذي أصدرها يضمن سدادك لدى التاجر الذي استوفيت منه، أو يضمن سدادك لدى البنك الذي سلفك الأموال عندما أخذت أموالًا بهذه البطاقة الائتمانية من أحد أجهزة الصراف الآلي، فهي بطاقة ضمان. أو أنها بطاقة إقراضية بمعنى أن البنك أقرضك هذا المال، والظاهر -والله تعالى أعلم- أنها بطاقة إقراضية، وبغض النظر فإن الضمانة آل إلى قرض في هذه الصورة؛ فلذلك تكون بطاقة إقراضية على كلا التكييفين.

خلاصة هذا الأمر أن البنك الذي أصدر هذه البطاقة أقرضك نقدًا؛ أقرضك مئة دولار مثلاً أو أقرضك مئة جنيه إسترليني. نفترض أنك قد سحبت بهذه البطاقة من بريطانيا، فإنك لو سحبت بها ورصيدك مثلاً الجاري صفر وسحبت بهذه البطاقة مئة جنيه إسترليني، فإن البنك الذي أصدر لك البطاقة كأنه أقرضك مئة جنيه إسترليني. نفترض مثلاً أنك سحبت بهذه البطاقة في أي بلد من بلدان أوروبا فكأنك اقترضت بها مئة يورو، ولو أنك سحبت بها في السعودية مثلاً فكأنك اقترضت بها مئة ريال سعودي، وهكذا. إذ هي بطاقة إقراضية.

ما تكييف هذا المال الذي تأخذه؟ لا نكيفه مثل البطاقة الأولى بأنه استرداد للرصيد الذي دفعته؛ لأنك لم تدفع شيئًا. هذه البطاقة إقراضتك، فالآن كونك مقترضًا بهذه البطاقة من البنك الذي أصدر لك هذه البطاقة، هذا من حيث التكييف الشرعي. ما هي الأحكام الشرعية لهذه البطاقة؟ هذا ما سوف نتعرض له إن شاء الله تعالى تفصيلاً في هذا اللقاء.

قبل ذلك لعل هذه نقطة مفيدة لنا وهي أن نعرف ما هي أنواع هذه البطاقات من حيث الواقع؛ يعني ليس من حيث التكييف الشرعي، من حيث الواقع هذه البطاقات غالبًا تحمل شعار منظمة فيزا ومنظمة ماستر كارد. هاتان المنظمتان هما أكبر منظمات المقاصة بالعالم. المقاصة المتعلقة بالبطاقات هما في واقع الأمر ليستا منظمتين للإقراض، وإنما المقرض لك هو البنك الذي أصدر لك هذه البطاقة التي تحمل شعار منظمة فيزا أو ماستر كارد؛ فهما منظمتان للمقاصة العالمية، وتسهلان أمور المقاصة في العالم بين البنوك التي تصدر هذه البطاقات، وبين البنوك التي عندها أجهزة الصرف الآلي، وبين البنوك التي عندها أجهزة نقاط ومكائن البيع، فتحصل مقاصة بين هذه البنوك تتولاها هذه المنظمة التي غالبًا ما تكون فوترتها بالدولار الأمريكي. هناك منظمة ثالثة وهي منظمة أمريكان إكسبريس وهي أشهر المنظمات التي تقدم بطاقات إقراضية، وهناك كذلك أنواع أخرى من البطاقات إلا أنها لم تشتهر كاشتهار هذه المنظمات الثلاث.

طيب، هذا من حيث الشركات التي تقدم هذه الخدمة. الآن بعد أن تصورنا هذه البطاقات وتأملنا وعرفنا تكييفها الفقهي، فما هو حكم هذه البطاقات الائتمانية الإقراضية؟ نقول إن الأصل في الاقتراض شرعًا الجواز بشرط ألا يترتب عليها فائدة، هذا هو الشرط الشرعي. لذلك نحن نقول إن البطاقات الإقراضية والائتمانية التي يتحقق فيها هذا الشرط جائزة شرعًا.

والفائدة تؤخذ في البطاقة الائتمانية بعدد من الأشكال؛ الشكل الأول تؤخذ عند التأخر في السداد، فإذا لم يسدد صاحب البطاقة الدين الواجب في البطاقة الائتمانية وفُرضت عليه فائدة، فإن هذه الفائدة محرمة شرعًا، وبالتالي تكون هذه البطاقة محرمة شرعًا. مثال للتأخر في السداد: نفترض أن ثمة بطاقة إقراضية يجب سداد الرصيد فيها في نهاية الشهر التالي.

وكان عليه رصيد ألف دولار فتأخر في السداد، ففرض عليه البنك غرامة مقدارها مثلا عشرين دولارا أو خمسين دولارا؛ نقول هذه الغرامة هي من جنس ربا الجاهلية المحرم شرعا، وبالتالي فإنه لا يجوز دفعها، وبالتالي فإن هذه البطاقة لا تجوز.

مثال آخر للبطاقة الائتمانية التي تفرض فائدة عند التأخر في السداد، هي البطاقة الائتمانية التي يتم فيها جدولة الرصيد المتبقي، كيف؟ البطاقة الائتمانية ذات الائتمان الدوار التي تخير صاحبها بين دفع المبلغ كاملا أو دفع الحد الأدنى الواجب دفعه، غالبا يكون عشرة بالمئة أو خمسة بالمئة، ثم جدولة التسعين بالمئة الباقية للشهر التالي بفائدة، هي محرمة شرعا؛ لأن هذه الجدولة لهذا المبلغ المتبقي إلى الشهر التالي داخل في ربا الجاهلية "ربا زدني أنظرك".

فكأن الدائن قال لمدينه أو أن المدين قال لدائنه: أتأجل في السداد شهرا وأزيد في المبلغ عليك؟ فيؤجل فيها السداد شهرا إضافيا ويزاد في المبلغ الذي يدفعه. نفترض أنه الحد الأدنى الذي يجب سداده من هذه الألف عشرة بالمئة، فبالتالي سدد مئة، بقي عليه تسعمئة، هذه التسعمئة تؤجل للشهر التالي بتسعمئة وخمسين. هذا هو الربا المحرم شرعا: "زدني في الأجل أزيدك في الثمن"، صار بدل تسعمئة أجلت لشهر كامل بتسعمئة وخمسين، فهذا لا شك أنه من ربا الجاهلية المحرم شرعا. وأما الشروط الأخرى فنتعرض لها إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ [الشمس: 3]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة؛ قال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». الحديث. وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه.

وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داوود الطائي يصطف الفتيت ويقول: «بين صب الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية». قال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام البطاقات الائتمانية. ذكرنا أن البطاقات الائتمانية، وهي البطاقات الإقراضية، إذا اشتملت على عنصر الفائدة المحرم شرعا فإنها لا تجوز. ومن أمثلة عنصر الفائدة أن يفرض على حاملها غرامة عند تأخره في السداد فهذا محرم شرعا، الثاني أن تسمح له بالتأجيل إلى شهر إضافي مقابل زيادة في الثمن أو زيادة في المبلغ الواجب سداده، كأن يكون عليه ألف فيسدد مئة ويبقى عليه تسعمئة، فتجدول التسعمئة إلى الشهر التالي بتسعمئة وعشرين أو تسعمئة وخمسين.

وهذا محرم شرعا سواء كانت هذه الخمسين التي أخذت عليه أخذت بمسمى رسوم تأجيل، أو بمسمى الفائدة، أو بمسمى الغرامة، أو بمسمى ربح التورق أو غير ذلك، فإن هذا كله -والله تعالى أعلم- مندرج في الربا المحرم شرعا. فإن الأجل إذا حل وفاؤه على المدين لم يجز له أن يتفق مع دائنه على تأجيله بتورق ولا بغيره.

من أمثلة الربا أو الفائدة التي تكون موجودة في هذه البطاقات: رسوم السحب النقدي التي تتجاوز التكلفة الفعلية، فإنها تكون من قبيل الفائدة المحرمة شرعا. وهنا مسألة أود أن أنبه إليها، وهي أن الإنسان إذا سحب بهذه البطاقة الائتمانية سحبا نقديا فإنه يعد حكمه حكم الاقتراض، وبالتالي فإن أي فائدة تفرض عليه أو رسوما تفرض عليه لقاء هذا السحب النقدي فإنها تكون من قبيل الفائدة التي تقترن مع هذا الاقتراض وتجعل هذا الاقتراض اقتراضا محرما. وبالتالي فإذا سحب الإنسان ألفا وسدد ألفا وخمسين فإن هذه الخمسين هي من الفائدة المحرمة شرعا.

واستثنينا الرسوم المرتبطة بالتكلفة الفعلية للاقتراض لأنها جائزة على الصحيح من أقوال أهل العلم. ومعنى قولنا التكلفة الفعلية؛ أي التكلفة الفعلية التي تكبدها البنك لقاء إيصال هذا النقد إليك في هذا المكان. ولتقريب هذه الصورة نقول: لو أنك اقترضت من شخص آخر ألف دولار مثلا، فقال لك هذا المقرض: تعال إلى بيتي فاستلمها، فقلت له: أنا مشغول الآن، هل يتيسر لك أن تأتي إلي؟ فقال: نعم يتيسر لي أن آتي إليك، ولكن ادفع أنت رسوم التاكسي مثلا أو الليموزين الذي سوف يوصلني إليك، كم رسوم هذا التاكسي أو الليموزين؟ قلت له: لنفترض عشرة دولارات أو عشرين دولارا، فقلت: نعم لا بأس.

فأنت دفعت له العشرين دولار هذه التي هي رسوم إيصال هذا المال إليك، أو التكلفة الفعلية التي تكبدها المقرض نظير إيصال هذا المال إليك، في واقع الأمر هذه الرسوم -التكلفة الفعلية لإيصال الأموال إليك- لا تعد فائدة محرمة. لكن لو أنه قال: سددني بدل العشرين التي هي التكلفة، سددني واحدا وعشرين، لو قلنا هذا الواحد يعتبر من قبيل الفائدة المحرمة شرعا والعشرين تعتبر رسوما فعلية، فهذه الرسوم الفعلية التي تكبدها المقرض نظير إيصاله القرض إلى المقترض تكون جائزة شرعا.

إلا أنه ينبغي التنبه أحيانا، بعض البنوك تفرض رسوما على السحب النقدي تسميها أجورا إدارية أو رسوما إدارية، وهذه الرسوم تتجاوز التكلفة الفعلية الحقيقية للقرض. لذلك حتى نضبط رسوم التكلفة الفعلية لابد من ضبطها بضابط عرفي وإداري ورقابي وتعاقدي. فأما الضابط العرفي فهو أن هذه الرسوم غالبا تكون في حدود العشرة دولارات لا تتجاوزها وقد تنقص عنها، فإذا زادت هذه الرسوم نظير السحب النقدي عن هذا المبلغ فمعنى ذلك أن البنك قد أدخل فيها شيئا زائدا على التكلفة الفعلية.

والضابط التعاقدي معناه أن ينص في العقد بين الطرفين؛ البنك وحامل البطاقة، على أن الرسوم لن تتجاوز رسوم التكلفة الفعلية، أن ينص على هذا في العقد. والضابط الإداري والرقابي معناه أن تتولى إدارة ذات إشراف شرعي أو جهة رقابة شرعية التأكد من تحقق هذا الضابط. فإذا كانت الرسوم مفروضة دون الإشارة في التعاقد إلى أنها رسوم تكلفة فعلية، أو تجاوزت الحدود العرفية المعروفة والمتعارف عليها، أو أنه لم يكن هناك جهة إشرافية شرعية رقابية، فإن الظاهر والله أعلم أن هذه الرسوم وإن تسمت باسم التكلفة الفعلية فإنها لا يصح أن تكون من ضمن...

التجربة الفعلية وتكون من الفائدة المحرمة شرعا؛ إذ هذه هي الصورة الثالثة من صور فوائد الإقراض التي تكون في البطاقات الائتمانية. الصورة الرابعة هي رسوم الإصدار أو رسوم التجديد التي تتجاوز التكلفة الفعلية، فهذه الرسوم التي تتجاوز التكلفة الفعلية محرمة شرعا، وأما إذا كانت بقدر التكلفة الفعلية فإنها جائزة شرعا.

إذن نقول: إن البطاقات الائتمانية إذا خلت من الفوائد الربوية فإنها تكون جائزة، وأما إذا اشتملت على الفوائد الربوية فإنها تكون محرمة. وصور الفوائد الربوية المحرمة في البطاقات الائتمانية تأتي بأشكال عدة: الشكل الأول غرامة التأخير، فإذا وجد في البطاقة غرامة تأخير فهي بطاقة ممنوعة ومحرمة شرعا. الثاني جدولة المديونية، سواء كانت هذه الجدولة ربا صريحا أو بتورق أو بأرباح تورق أو برسوم جدولة، فإن هذه البطاقة تكون بطاقة محرمة شرعا. الثالث رسوم السحب النقدي التي تتجاوز التكلفة الفعلية، فهذه بطاقة محرمة شرعا، وأما إذا كانت بالتكلفة الفعلية فإنها جائزة. والرابع رسوم الإصدار أو التجديد التي تتجاوز التكلفة الفعلية، وأما إذا كانت بالتكلفة الفعلية فهي جائزة.

إذا أردنا أن نلخص صور الفوائد الأربع في البطاقات الائتمانية فهي: غرامات التأخير، رسوم أو فوائد الجدولة سواء كانت أرباح تورق أو فوائد جدولة ربوية صريحة، ثالثا رسوم السحب النقدي المتجاوزة للتكلفة الفعلية، رابعا رسوم الإصدار والتجديد المتجاوزة للتكلفة الفعلية. إذا اشتملت البطاقة الائتمانية على شيء من هذه الأربع، فالظاهر والله تعالى أنها تكون بطاقة ائتمانية محرمة شرعا، وأما إذا انضبطت بهذه الضوابط الشرعية الأربعة التي ذكرناها فهي بطاقة جائزة.

ما هي ضوابط التكلفة الفعلية؟ وكيف نفرق بينها وبين الرسوم التي تكون من الفوائد المحرمة شرعا؟ ذكرنا أن ثمة ثلاثة معايير: معيار عرفي، ومعيار تعاقدي، ومعيار إداري رقابي. أما المعيار العرفي فذكرنا أن السحب النقدي في الغالب لا تتجاوز تكلفته عشرة دولارات بأي حال من الأحوال. والمعيار التعاقدي يجب أن ينصف العقد بين البنك وعميله، على أن البنك لن يفرض أكثر من رسوم التكلفة الفعلية لأن الزيادة من الربا المحرم شرعا. والضابط الثالث هو المعيار الإداري الرقابي، وهي أن تتولى جهة إدارية أو رقابية حساب التكلفة الفعلية وإلزام البنك بألا يتجاوز هذا المقدار.

إذا اجتمعت هذه المعايير الثلاثة فالظاهر والله تعالى أن هذا البنك الذي أصدر هذه البطاقة يكون منضبطا بالتكلفة الفعلية، وإذا تخلف أحد هذه المعايير فالظاهر والله تعالى أن هذه لا تكون مندرجة في التكلفة الفعلية التي يباح أخذها، وإنما تكون مندرجة في الفوائد المحرمة شرعا. بعد هذا البيان يظهر لنا حقيقة أن كثيرا من البطاقات التي تسمى بطاقات ائتمانية، إن أغلب هذه البطاقات الائتمانية الإقراضية تشتمل على الفوائد المحرمة شرعا، إما بالصور الأربع جميعا أو ببعض هذه الصور الأربع. والذي أذكر به نفسي وإخواني جميعا هو أن نحرص تمام الحرص، وأن نبتعد تمام البعد عن هذه البطاقات الائتمانية المحرمة شرعا.

يبقى عندنا سؤال وتنبيه، والسؤال هو أن بعض الناس قد يسأل فيقول: بحكم أني في بلد بعيد أو بلد غربي أو غير ذلك، وأغلب المعاملات تتم بالبطاقات الائتمانية، فما حكم أن أصدر بطاقة ائتمانية؟ أنا أعلم أنها بطاقة ائتمانية ربوية ولكن أنا ألتزم ألا أدفع الفائدة، وأن أسدد دائما في آخر الشهر كامل الرصيد. نقول: الظاهر والله أعلم كذلك أن هذه البطاقة وإن إصدارها محرم شرعا طالما أنها اشتملت على عقد الربا. والبديل الشرعي الذي نطرحه لإخواننا في هذه الحالة هو أن يستبدلوا عن هذه البطاقات الائتمانية بالبطاقات التي تسمى مدفوعة الرصيد مسبقا، أو التي تسمى "البري بيد" معناها مدفوعة مسبقا، فهذه البطاقات بهذا الشكل لا يوجد فيها ائتمان وإقراض بفائدة، وإنما يدفع فيها الرصيد مسبقا قبل استخدامه، وتأخذ أحكام بطاقات السحب من الحساب الجاري. وغالبا إنها تحمل شعار منظمة فيزا أو ماستر كارد وتخول حاملها استخدامه في أي مواقع الإنترنت التي يرغب باستخدامها فيها.

أما النصيحة التي أنصح بها نفسي وإخواني جميعا، أن نبتعد عن هذه البطاقات الائتمانية المحرمة شرعا والتي تجدول الدين على حاملها، وإن جدولته بصيغ من صيغ التورق؛ لأننا ذكرنا أن هذا ممنوع شرعا ما دام في سياق قلب الدين على المدين. والتحذير في واقع الأمر أن كثيرا من الناس يدخل في هذه البطاقات ويبدأ بمديونية صغيرة لا تلبث أن تتضاعف أضعافا مضاعفة، كما قال الله جل جلاله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 130-132].

ولا شك أن من التزم بالشريعة فإنه سوف يسلم من مغبة تضاعف هذه الديون في ذمته. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم الربا أينما كان، وأن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغب في كل علم نافع، متطلعا بزيادة الإيمان، وتريد ميسورا بأي مكان، صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر، عاملا للشرع دون تعصب.