يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عَمَدًا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين، بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.
أما بعد؛ إخواني وأخواتي، فهذا هو الدرس الواحد والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعلها حجة لنا لا علينا.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في سلسلة عن عدد من المعاملات المالية المعاصرة، ونقف اليوم عند موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك. هذه المعاملة انتشرت في المجتمعات اليوم بسبب ما تزوده من موثوقية ائتمانية لدى عدد من جهات التمويل المعاصرة، وفضلوها كثيرًا على معاملات البيع الآجل لما يقترن بها من بقاء حق الملكية لصالح شركة التمويل.
سوف نستعرض كعادتنا في هذا العقد عقد الإيجار المنتهي بالتمليك؛ وهذا الموضوع سوف نستعرض فيه تصور الموضوع، ثم تكييفه، ثم أحكامه الشرعية. فلنبدأ بتصور الموضوع: ما هي حقيقة الإجارة المنتهية بالتمليك؟ ما هي صورها وأشكالها وكيف تتم؟ ولماذا لجأ إليها أطراف التعاقد؟ وما هو سبب انتشارها؟
في واقع الأمر، الإجارة المنتهية بالتمليك من المعاملات الحادثة التي حصلت في القرن الماضي أو الذي قبله، وابتدأت في أوروبا وانتشرت بعد ذلك في بلدان العالم الإسلامي. لماذا بدأت هذه المعاملة؟ كيف كانت بديلًا لعقود البيع الآجل؟
كان السابق إذا أراد شخص أن يتملك سلعة من السلع ولم يكن عنده ثمنها، فإنه يتملكها من خلال الشراء بثمن آجل، والبائع يبيعها بثمن آجل. ما هي الآثار لهذا التعاقد وهو البيع بثمن آجل؟ يترتب على هذا التعاقد أثران: الأثر الأول هو انتقال الملك مباشرة في هذه العين من ملك البائع إلى ملك المشتري بعد هذا الإيجاب والقبول، إذا لاحظتم أن تملك العين ينتقل انتقالًا مباشرًا.
الأثر الثاني أن الدين، وهو ثمن هذه العين الذي انتقل ملكه مباشرة، يثبت مؤجلاً في ذمة المشتري إلى الأجل الذي اتفقوا عليه. فلنفترض أنه اشتراها لأجل قدره خمس سنوات مثلاً، ومعنى ذلك أنه يلزمه أن يسدد خلال خمس سنوات حسب ما اتفقوا عليه، أنه يلزمه أن يسدد الدين الذي عليه.
الآن، الدائن الممول يرغب بتوثيق حقه ولدينه، فما هو الإجراء الذي كانوا يفعلونه؟ ولا زال إلى الآن كثير من الناس الذين يقومون بالتقسيط أو بالبيع الآجل يفعلونه، وهو أن يأخذ على المدين رهونات وضمانات؛ بحيث يستطيع الدائن الذي سلف هذا المال أو باع هذه السلعة أن يستوفي من هذه الرهونات والضمانات إذا لم يوفِ المدين الدين الذي عليه.
النقطة الثالثة: ما هي الإجراءات التي يكون بها استيفاء الدين من الرهن؟ فلنفترض أن هذا المدين لم يسدد في الأجل وهو خمس سنوات، ونفترض أن هذا الدائن قد أخذ على المدين رهنًا وهو سيارة أو أرض أو أسهم أو أياً كان، ففي نهاية خمس سنوات يطالبه بالسداد. فإذا لم يسدد، ما الذي يقوم به الدائن الذي سلف هذا الشخص المدين أو الذي باعه بالآجل؟ يقومون بإجراءات تسمى إجراءات تسييل الرهونات ليستوفوا منها الحق الذي له.
الغالب في جميع الأنظمة العالمية أن إجراءات تسييل الرهونات تتطلب أحكامًا قضائية؛ لأن هذه الرهونات في نظر هذه الأنظمة المعاصرة أو القوانين، وكذلك في نظر الشريعة الإسلامية في جميع هذه الأنظمة -أقصد في جميع القوانين الأرضية أو في الشرائع السماوية في كلام الفقهاء وغيرهم- تتطلب إجراءات للتسييل غالبًا تتم من خلال المحاكم؛ حفظًا لحقوق متعارضة للطرفين. فيقولون إن الدائن له حق ومصلحة في أن يستوفي دينه، والمدين له حق ومصلحة وهو أن ملكية هذا الرهن لا زالت تحت يده.
فلذلك نجد أن فقهائنا السابقين قالوا إن تسييل الرهن يكون بأمر قضائي، وكذلك في القوانين الأرضية يتطلبون أن يكون تسييل الرهن بأمر قضائي لأجل وجود مصلحة متعارضة. حتى أصور لكم هذه المصلحة؛ نفترض أن تسييل الرهن كان حقًا للدائن فقط الذي سلف هذا المدين مثلاً، نفترض أنه سلفه مئة ريال مقابل رهن أرض مثلاً أو مقابل رهن سيارة، فإن هذا الدائن المرتهن الذي أخذ هذا الرهن إذا أراد أن يسيّله سيبيعه بأدنى سعر يوفيه حقه، ولن يراعي مصلحة المدين الذي هو الراهن لهذه السيارة، سيبيع بأدنى سعر ليوفيه حقه.
فلنفترض أن حقه مئة ريال وهذه السلعة تساوي مئتين، فأول واحد سيقابله في السوق قال له بكم تأخذ هذه السلعة؟ قال: سوف آخذها بمئة وعشرة. فيقول: خلاص أنا سوف أبيعك، لن يتطلب الأمر أن أبيعها بمئتين، وهو لا يريد أن يستوفي منها إلا مئة فقط، فسيبيعها بمئة وعشرة؛ يأخذ المئة التي له ويرد عشرة للمدين الراهن، لاحظوا كيف أفرط في حق المدين.
في المقابل، نفترض أن هذا الشخص المدين طلب منه بيع السلعة لوفاء الحق الذي عليه، هذه السيارة التي افترضنا أنها تساوي مئتين والدين الذي عليه مئة مثل ما ذكرنا في المثال السابق، هذا المدين قيل له بع السيارة حتى توفي الدين الذي عليه، فهذا المدين سيتطلب أن يبيعها بمئتين وخمسين ومئتين وسبعين ويقول: هذه هي القيمة الحقيقية، ولا تظروا بي أيها الناس في استعجالكم علي بالبيع حتى أبيع وأوفي الدين الذي علي، اصبروا فإنكم لو انتظرتم قليلاً سيرتفع السعر.
لاحظوا الآن المصالح متضاربة، لذلك الفقهاء نصوا على أن تسييل الرهونات يكون بأمر قضائي؛ لأن هناك حقوقًا متعارضة متعلقة بهذا الرهن، هناك حق ملكية للمدين الراهن وهناك حق توثيق للدائن المرتهن. الآن لا بد أن المحكمة تتدخل فتبيع بالسعر العادل الذي يضمن حق الدائن المرتهن، وفي نفس الأمر لا يضيع حق ملكية الراهن المدين، فتقوم المحكمة ببيعه من خلال تسعيرة مثلاً، يأخذون أسعارًا من عدد من السوق ويبيعونه في مزاد معين أو إلى غير ذلك.
فنفترض أنهم باعوه بمئة أو مئة وتسعين أو مئتين وعشرة، يعني في حدود هذا السعر، فيعطون للدائن مئة ريال التي هي دينه وأعطوا الباقي للمدين. هذه إجراءات تسييل الرهن في جميع القوانين والأنظمة غالبًا تتم وفقًا لهذه الإجراءات، وهو تدخل قضائي يضمن معادلة الحقوق بين هذين الطرفين.
ما الذي حدث في الإيجار المنتهي بالتمليك؟ هذا ما سوف نعرفه إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير ونعود إليكم، الأزهار في البستان.
التعليم في صغرك النقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم؛ فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلقة للعلم مع الصغار.
قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط؛ سئل مسلم: أَيَحْسُنُ بِمِثْلِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.
وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتوحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن تصور الإجارة المنتهية بالتمليك، كيف نشأت وما هي قصتها، وما هي حقيقتها وما هي التزاماتها وحقوقها.
فالآن، بادئ الأمر قبل نشوء الإيجار المنتهي بالتمليك، ما هو العقد الذي كان مستخدماً ومتداولاً؟ كان العقد المستخدم هو البيع الآجل. الشخص إذا باع سلعة له بثمن مؤجل، السلعة تنتقل ملكيتها مباشرة، والثمن يثبت في ذمة هذا المشتري المدين ويسدد بعد سنة أو سنتين أو ثلاثة أو خمس سنوات حسب ما اتفقوا عليه.
الشخص البائع أو الدائن يرغب بشيء يوثق حقه، فنشأ الرهن مع البيع بالآجل، ويرى أن السلعة التي باعها أو سلعة أخرى غيرها. وبنقطة ثالثة، هل هذا الرهن يفي بحقه؟ نقول إنه يفي بحقه في الجملة، إلا أنه لا يستطيع استيفاء حقه منه مباشرة، وإنما لا بد من إجراءات قضائية لأجل تسييل هذه الرهونات التي رهنها، وبالتالي فإن هذا يتطلب منه وقتاً وجهداً وتكاليف ربما إدارية أو مالية أو غير ذلك حتى يستوفي حقه.
فإذا صار قضية الرهن لا تفي بكامل غرض الشخص الدائن، ما الذي يترتب على هذا؟ يترتب على هذا أن الدائن في هذه الأحوال يرفع أسعار البيع تحسباً لأي ظروف طارئة وتحسباً لعدم السداد، ويرفع ربما الأسعار تحسباً للتكاليف المتعلقة بتكاليف التحصيل القضائي وتكليف محامٍ بالمدافعة أو غير ذلك، وبالتالي نجد أنه السعر في هذه الأحوال يكون مرتفعاً على هذا المدين.
نشأ بعد ذلك معاملة، جاء مجموعة من الناس وقالوا: لماذا ننقل الملكية مباشرة في لحظة البيع؟ لماذا لا نجعل الملكية في حوزة البائع إلى حين نهاية العقد، ثم تنتقل بعد ذلك للشخص الذي طلب هذه السيارة أو هذا التمويل في نهاية العقد لما يسدد كامل الأقساط التي عليه؟
لماذا يقولون ذلك؟ لأنك إذا نقلت الملكية وصارت ثابتة، صار حق الدائن الذي قام بالتمويل فقط رهناً، وهذا يتطلب إجراءات وتكاليف، لكن إذا كانت الملكية في حوزته فإن إجراءات تسييله لحقه من هذه السيارة أو هذا المنزل ستكون أسرع وبالتالي أقل تكلفة عليه، فلذلك قالوا تبقى الملكية تحت يده.
ما هو العقد المناسب لبقاء الملكية تحت يده؟ هو عقد الإجارة، فنشأ عندنا صورة الإجارة التي تنتهي بالتمليك. وحتى نوضح موقع الإجارة المنتهية بالتمليك ونتصورها تصوراً صحيحاً، عندنا عقدان أساسيان معروفان في قدم التاريخ: عقد البيع وعقد الإجارة.
عقد البيع عقد تنتقل فيه ملكية السلع مباشرة من البائع للمشتري. وعقد الإيجار عقد لا تنتقل فيه ملكية السلع من البائع للمشتري وإنما تبقى تحت ملكية البائع، والطرف الآخر يدفع أجرة، فإذا انتهت المدة يرد السلعة لمالكها، وهذا الإيجار العادي والبيع العادي.
نشأ عندنا الإيجار المنتهي بالتمليك، وبينهما غرض العاقدين هو أن يتملك السيارة في النهاية، إذاً صار غرضه شبيهاً بغرض البيع. والممول أو الشخص الذي يقدم السيارة يخشى إن استخدم عقد البيع أن تنتقل الملكية مباشرة إلى الطرف الآخر، وبالتالي يفوت عليه حق الاستيفاء منها، فاستخدم مركبة الإجارة في هذا العقد، فقال: أنا سوف أستخدم عقد الإجارة ولا أريد أن أستخدم عقد البيع.
فإن قيل له: يا أخي أنت غرضك التمليك، والطرف الآخر غرضه التملك، فلماذا تستخدمون عقد الإيجار ولا تستخدمون عقد البيع؟ قال: لأنه هذا التمليك مؤجل والدين مؤجل، وأنا أريد أن يكون لي حق في هذه السيارة، فلذلك سوف أستخدم الإيجار. فصارت الإيجارة المنتهية بالتمليك عقداً متوسطاً بين البيع وبين الإجارة العادية؛ البيع العادي الذي تنتقل فيه الملكية، والإجارة التي لا تنتقل فيها الملكية، فصار عقد الإيجار المنتهي بالتمليك.
ما حقيقته وما صورته؟ هو عقد بموجبه تبقى السيارة ملكاً للممول للطرف الآخر في هذه المدة، فإذا انتهت المدة وسدد الشخص المتمول جميع الأقساط التي عليه، التي تسمى في العقد أقساطاً إيجارية أو أقساط تملك مبيع، أو سدد جميع الأقساط التمويلية التي عليه، فإنه حينئذ تنتقل إليه ملكية السلعة التي رغب في تملكها.
اتضحت لنا صورة عقد الإيجار المنتهي بالتمليك. لماذا لم يسلك العاقدان طريق البيع بالتقسيط؟ لأن هذا البيع بالتقسيط لا يحقق التوثيق الذي يريده الممول، وتنتقل فيها السلعة مباشرة إلى المشتري، وهذا مما ينافي حق التوثيق الذي يريده الممول.
ولماذا لم يستخدم الطرفان عقد الإجارة العادية؟ لأن عقد الإجارة العادية لا تنتقل فيه السلعة للطرف الآخر، والطرف الآخر يريد أن يتملك السلعة، فالإجارة العادية معناها أنه يدفع أجرة ثم يرد السلعة. هو لا يريد الإجارة العادية، والطرف الممول لا يريد البيع العادي، فنشأ عندنا عقد جديد وهو المسمى بعقد الإجارة المنتهي بالتمليك، وهو أن الممول يبقى مالكاً للسلعة ويستوفي الأقساط، فإذا انتهت المدة واستوفى جميع ما يريده من هذه الأقساط المتفق عليها بين الطرفين نقل بعد ذلك ملكية السلعة إلى الشخص الآخر.
هذه صورة الإجارة المنتهية بالتمليك، وقد صدرت حقيقة في عدد من الفتاوى، ودُرست الإجارة المنتهية بالتمليك في عدد من المجالس العلمية والمؤتمرات الفقهية ولجان الإفتاء ومجامع الإفتاء، وصدر فيها عدد من القرارات. أولاً: ما هو تكييف هذا العقد في نظر الناس وفي نظر الفقهاء عند نظرهم لهذا العقد؟ بعضهم قال إن هذه الإجارة المنتهية في واقع الأمر هي ما هي إلا بيع مستتر بعقد إجارة، وهذا اتجاه من الاتجاهات في تكييف الإجارة المنتهية بالتمليك ونزلوا عليها أحكام البيع.
وفي واقع الأمر، حقيقة أن أحكام البيع لا تتنزل هنا من كل وجه، لماذا؟ لأنه منصوص في هذا العقد على أن مخاطر التمويل أو مخاطر السلعة أو العين في أثناء المدة يتحملها الشخص الممول. أما إذا كان...
يتحملها الشخص المتمول في جميع الأحوال، فإن الظاهر والله أن هذا التكييف يكون تكييفًا صحيحًا وتكون بالتالي بيعًا مستورًا بإجارة. لكن إذا أنا الممول هو الذي يتحمل مخاطر هذه السلعة في فترة التمويل، بمعنى أنه هو المالك الحقيقي لهذه السلعة وهو من صبت إليه رغبة الأطراف في هذا العقد، وهو أن يكون الممول مالكًا للسلعة، فهل ينطبق تكييف البيع الساتر للإجارة؟ نقول الظاهر مثلا أن هذا التكييف لا ينطبق في هذه الصورة.
بعض الفقهاء كيفها بتكييف آخر، وقال إن هذه الإجارة هي إجارة عادية تشغيلية، وفي نهاية المدة يكون هناك تمليك ببيع في نهاية المدة، إما من خلال وعد بالهبة أو من خلال هبة أو تمليك أو غير ذلك. وهذا التكييف كذلك ليس مطابقًا للواقع مئة بالمئة؛ لماذا؟ لأن إرادة الأطراف لم تنصب إلى إجارة تشغيلية عادية، ولأن التمليك في آخر المدة ليس تمليكًا بالهبة، فهو لو لم يستأجر منه طول هذه المدة لم يهبه شيئًا.
لذلك لا يصلح أن نقول إن هذا تمليك بالهبة، وإنما في واقع الأمر هذا التمليك مراعى فيه هذه الإجارة وهذا الثمن الذي دفعه الشخص للتملك، أو الهبة التي حصلت له مجانًا. إنما حصل له التملك بهذا القسط الأخير اليسير، لماذا؟ لأنه قد استأجر هذه المدة الطويلة، لذلك هذه الإجارة لا يمكن أن نقول إنها مثل الإجارة العادية من كل وجه.
هذا في الحقيقة يقودنا إلى أن هذه الإجارة المنتهية بالتمليك هي عقد من العقود المستجدة التي أخذت بعض خصائص البيع وخصائص الإيجار، وسنتطرق لتفصيل هذا الأمر إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير.
العلم كالازهار في البستان، وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالافلام والمسلسلات، فيجب الإقلاع عنها فورا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يومًا في الأسبوع مثلا وتخصيصه لطلب العلم.
ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم، فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابًا وإيابًا في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل، والاستفادة بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم.
وفي الحديث: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا»، فعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. وقال ﷺ: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الإجارة المنتهية بالتمليك. الظاهر فيه تكييف هذا العقد أنه بما أن حقيقة العقد قد انصبت على أن الطرف الممول مالك للسلعة في أثناء فترة التمويل، فإن هذه الفترة تكون إجارة؛ لأن كلا العاقدين قد انصبت رغبته وحقيقة التعاقد بينهم على أن يكون الممول مالكًا للسلعة، فلذلك تكون إجارة.
وأما التمليك في نهاية المدة، فإن الظاهر والله تعالى أعلم، وإن أخذ صفة الهبة أو صيغة الهبة من الناحية الورقية أو الشكلية، إلا أنه في واقع الأمر ليس كذلك، بل الظاهر والله تعالى أعلم أن هذا التمليك في آخر المدة تمليك معلق مضاف إلى المستقبل، الثمن فيه عقد الإجارة بالإضافة إلى ما سماه المتعاقدان ثمنًا. فلو كان مثلاً قال إن التمليك في آخر المدة سيتم مثلاً بألف ريال أو ألفين ريال، فنقول إن الثمن في هذا التمليك هو ألفين ريال بالإضافة إلى عقد الإجارة.
لماذا نقول بالإضافة إلى عقد الإجارة؟ هنا تنبيه، نحن لا نعني بعقد الإجارة أقساط الإجارة لا، وإنما نعني العقد كله؛ عوضه ومعوضه، منفعته وأجرته. هذا العقد برمته صار ثمنًا في البيع وثمنًا في التمليك، فإن هذا العقد لو لم تحصل إجارة بهذا الشكل المتفق عليه، فمعنى ذلك أنه لن يحصل التمليك بالشكل المتفق عليه، ولا نقول إن التمليك هبة؛ لأنه لم يكن ليهبه لولا هذا العقد، فلذلك كون هذا العقد مراعى فمعنى ذلك أنه داخل في عوض المبيع.
إذا هذا يقودنا إلى سؤال: ما حكم الإجارة المنتهية بالتمليك؟ الظاهر والله تعالى أعلم أن الإجارة المنتهية بالتمليك من العقود المستجدة، وهي من العقود الجائزة شرعًا التي حصلت بين الناس تلبية لحاجاتهم ورغباتهم ومتطلباتهم، إلا أنه ينبغي للطرفين أن يتعرفا على حقوقهما في هذا العقد، وأن تحفظ حقوق الأطراف جميعًا دون أن يكون فيها إشكال من حيث أكل أحد من الطرفين لحق الطرف الآخر، وإنما تحفظ حقوق كلا الطرفين على وجه يضمن وجود الحقوق بينهما دون هضم لأحدهما من الآخر.
من أمثلة الإشكالات التي تحصل في عقود الإجارة المنتهية بالتمليك أن يحمل الطرف الممول جميع المخاطر على الطرف المتمول، وبالتالي يتبرأ من جميع الحقوق والالتزامات المتعلقة بهذه السلعة في أثناء فترة التمويل. نحن نقول إذا حصل هذا الأمر، فالظاهر والله تعالى أعلم أنها لا تكون إجارة منتهية ببيع، وإنما في واقع الأمر هي في هذه الحالة تكون بيعًا مستورًا بإجارة.
ما الذي يترتب على هذا التفريق؟ نقول إذا كان العقد عقد بيع، فمعنى ذلك أن الشخص المتمول قد انتقل إليه ملك السلعة بما أنه هو المتحمل لمخاطرها، فإن الغنم بالغرم. وبالتالي فإذا حصلت تعويضات تأمينية مثلاً بسبب حادث من الحوادث في خلال هذه الفترة، فإن الظاهر والله تعالى أعلم أنها تكون من حق الطرف المتمول؛ لأنه قد انتقل من الإيجار المنتهي بالتمليك إلى عقد بيع مستور بإجارة.
أما إذا كان الطرف الممول هو الذي يتحمل مخاطر السلعة في أثناء فترة التمويل، فإن الظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الأقساط التعويضية التأمينية تكون من حق الممول؛ لأنه كان متحملًا للمخاطر في أثناء فترة التمويل. والقاعدة الشرعية تقرر أن «الخراج بالضمان» وأن «الغنم بالغرم». فما دام هو المتحمل لمخاطر السلعة فإنه هو الذي يستحق تعويض التأمين.
ما دامت المتمول في عقد البيع المستور بإجارة ما دام هو المتحمل لمخاطر السلعة فإنه هو الذي يستحق أقساط وتعويض تأميني مثلاً. هذه من الضوابط الشرعية المتعلقة بعقد الإجارة المنتهية بالتمليك، وهي أن نقول إن الخراج فيه بالضمان والغنم فيه بالغرم؛ فمن كان متحملًا لمخاطر السلعة في أثناء فترة التمويل فإنه هو المستحق لمنافع وأعواض أقساط التأمين، إذا حصل حادث على هذه السيارة مثلاً أو إذا حصل حادث أو إخلال بهذا العقار الممول بالإيجار المنتهي بالتمليك. والضابط الثاني المتعلق بالإيجار المنتهي بالتمليك وهي أن تكون الأجرة معلومة للمتعاقدين على وجه لا يدخله الإشكال.
من الإشكالات التي ترد في الإجارة المنتهية بالتمليك ألا تكون الأجرة معلومة للطرفين، فيدخل الطرفان أو أحدهما في العقد على جهالة في الأجرة تسبب إشكالاً ونزاعاً.
ومن الضوابط المتعلقة بالإيجار المنتهي بالتمليك وهي الخلط بين مقتضيات البيع ومقتضيات الإجارة في أثناء فترة التمويل؛ لابد أن تتمايز مقتضيات البيع عن مقتضيات الإجارة، فيقال إنها إجارة في هذه المدة، ثم يكون التمليك في هذه المدة، والتمليك مبني على الشروط الآتية، فهو تمليك مضاف إلى المستقبل بهذه الشروط. هذه مجمل الضوابط المتعلقة بالإجارة المنتهية بالتمليك.
من المهم لنا أن نعرف أن هذه العقود المستجدة التي تحصل للناس فيما بينهم والتي يحتاجها الناس فيما بينهم، أن الأصل فيها الإباحة والجواز، إلا إذا اقترنت بسبب من أسباب التحريم. ومن أسباب التحريم التي ذكرناها مثلا: الجهالة والغرر في الأجرة، وأن لا يكون الخراج بالضمان؛ بمعنى ذلك أن يتحمل أحد الطرفين مخاطر الملكية ويأخذ الطرف الآخر منافع الملكية، هذا لا شك أنه مخالف لقاعدة «الخراج بالضمان» والظلم بالظلم كذلك.
تنبيه أخير وهو أن يخلو العقد من الغرامات الربوية المحرمة شرعاً، فمثلاً إذا قيل لهذا الشخص المتمول: إذا تأخرت عن دفع الأجرة في الميعاد المحدد المعين فإنه سوف تفرض عليك غرامة ربوية مقدارها كذا وكذا، فإن الظاهر والله تعالى أن هذا العقد غير جائز شرعاً لاشتماله على الغرامة المحرمة شرعاً، لذلك من شروط إباحة هذا العقد أن يخلو من الربا وأن يخلو من هذه الغرامات التي تحوله إلى العقود الربوية.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير، وأن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع يأتيك ميسوراً، أي مكاني، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ، صف اليوم غلة الضمان وتعلم الفقه الميسر عاملاً للشرع.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي