دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد، صافي الفقه الميسرة، عاملاً للشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا كريم. هذا هو الدرس السادس والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسميعها ومن عمل فيها ونشرها يا رب العالمين.

أما بعد؛ إخواني وأخواتي، كنا قد استفتحنا حديثاً عن أبواب النكاح وفقه الأسرة، تحدثنا فيها عن مشروعية النكاح وكونه من سنن المرسلين، ثم تحدثنا عن فطريته وكون دين الله سبحانه وتعالى موافقاً لفطرة الله وخلقته التي فطر عليها الناس. ثم تحدثنا عن بعض أحكامه وشروطه، وذكرنا أن له أركاناً هي: الزوجان، والإيجاب، والقبول. ثم تحدثنا عن شروطه وهي: الولي، والشاهدان، ورضا المرأة، وتعيين الزوجين.

تحدثنا عن بعض المسائل المتعلقة بها، وحقيقة نريد أن ننبه على بعض المسائل المتعلقة بالشروط التي قد ذكرناها في النكاح. ذكرنا بعض المسائل المتعلقة بشرط الولي، وكيف أن الولاية قد جاءت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي». وذكرنا فيها الإيماء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، في الآية الشريفة الكريمة التي نهت عن النكاح بين المسلم والمشركة أو بين المشرك والمسلمة من المسائل المتعلقة بالولي.

ذكرنا شرط الولي أن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً، وأن يكون عدلاً مسلماً، فإن الفاسق الذي لا يراعي مصلحة موليته لا يكون له ولاية عليها، وتنتقل الولاية إلى الشخص الذي يليه. ثم ذكرنا ترتيب هؤلاء الأقارب في الولاية، وأنه يبدأ أولاً بالأب لشفقته على ابنته وهو الأصل، ثم بعد ذلك إلى الآباء وإن علوا، ثم بعد ذلك إلى الأبناء وإن نزلوا، ثم بعد ذلك إلى الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم العمومة، ثم أبناء العمومة، على الترتيب الذي قد ذكرناه في العصبات.

من المسائل المتعلقة حقيقة بالإعلان، ذكرنا أن من أهل العلم من يكتفي في الإعلان بشرط الشاهدين لما جاء في الحديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». وذكرنا أن بعض أهل العلم، وهو مذهب المالكية، يوجب أكثر من هذا، وهو إعلان النكاح والضرب عليه بالدف؛ لما روي: «فرق ما بين النكاح والسفاح أن يعلن ويضرب عليه بالدف». والإمام مالك رحمه الله تعالى يحرم نكاح السر، وهو الذي تواصى أهله أن يتكاتموه بينهم، فلا يعلن ولا يظهر، كأنه رأى أن هذا النكاح نكاح السر لا يجوز، وإنما يجب إعلانه وإظهاره.

ولا شك أن هذا القول قول وجيه وسديد، كون الإعلان فرقاً من الفروق المهمة والمؤثرة بين النكاح والسفاح؛ فهو أبعد للشبهة والريبة عن الرجل إذا دخل بيت المرأة أن يعرف جيرانه وأهله وأقاربه وأهلها وأقاربها، وأبعد للنزاع المتعلق بالإرث لو توفيت هذه المرأة أو توفي هذا الرجل، في علم أقاربهم وأهلهم وجيرانهم يعلمون حقوق الإرث التي بينهم، وهو كذلك أحفظ لنسب الولد والأطفال، لأجل هذا كله لا شك أن رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى رأي وجيه شديد أن يظهر وأن يعمل به.

من المسائل المتعلقة بإعلان النكاح هي مشروعية الضرب عليه بالدف عند النساء، وقد اقترح النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة لما زفت امرأة من الأنصار قال: «هلا جعلتم مع ذلك شيئاً من اللهو؟». لذلك يشرع الضرب بالدف وإعلانه، ويحرم المعازف والموسيقى؛ فإنه قد جاء تحريمها في عدد من الآيات والآثار النبوية الشريفة. سماها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مزمور الشيطان وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاسم، إلا أن يستفاد من إقراره وتقريره تحريمها.

وهذا "مزمور الشيطان" سمي وأطلق على الدف الذي ضرب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يستثنى استثناء ما كان في يوم عيد أو كان في يوم نكاح، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا جعلتم مع ذلك شيئاً من اللهو؟»، وقال أن يضرب عليه بالدف كما جاء في الحديث. جاء كذلك استثناء يوم العيد: «هذا يوم عيدنا حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة»، فهذا نوع من الاستثناء، والاستثناء يقتصر فيه على محله ولا يتجاوز به محله.

الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: إنما يصنع هذه المعازف وغيرها والغناء إنما يفعلها الفساق؛ لذلك لا يجوز، لا يجوز أن يكون ثمة نوع من المعازف واللهو المحرم، وإنما يقتصر على اللهو المباح الذي أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كذلك من المنكرات المتعلقة بالأفراح وبالزواجات المتعلقة بإعلان النكاح، ما يحصل في بعض هذه الأفراح من اختلاط وتبرج وسفور أحياناً. وهذا يحصل في بعض المرات، والغالب أن دعوات الأفراح وولائم الأفراح الغالب أن المرأة تتزين لها، وأن الرجل يتزين لقدومي لهذا المكان ويلبس أفضل ثيابه، والمرأة كذلك تلبس أفضل ثيابها؛ لذلك المشروع في حق من أقام هذه الوليمة الفصل بين الرجال والنساء حتى لا يحصل تبرج وسفور.

ولا شك حقيقة أن من عدم التوفيق وقلة البركة أن يستفتح الإنسان حياته الزوجية في هذه المحرمات، أن تكون في عقد النكاح وأن تكون في وليمة النكاح. هذا الاختلاط أو التبرج أو السفور، خصوصاً كما ذكرت أنه من العرف والعادة دائماً أن النساء المدعوات يحضرن بزينتهن وبأبهى حلة، فلذلك المشروع الواجب أن يكون ثمة فصل بحيث لا يطلع الرجال على مفاتن النساء.

كذلك من المنكرات التي تحصل في الأفراح وفي ولائم الأفراح والأعراس دخول بعض الرجال على النساء دون أن تأخذ النساء أهبتهن من حجاب وغيره، ولا يمكنهن غالباً في مثل هذه الوليمة لأجل لباسهن وغير ذلك؛ فلذلك الظاهر والله تعالى أعلم أن دخول الرجل في مثل هذه الأحوال دخول ممنوع. كذلك من المنكرات التي تحصل في بعض هذه الولائم ما يحصل فيها من العزف والموسيقى وربما صاحبها شيء من الرقص وغير ذلك، هذا لا شك أنه كله من اللهو الذي لم يبح أصله في الشريعة، هذا ينبغي الحذر منه، وألا يستفتح الإنسان حياته الزوجية بوليمة العرس ووليمة النكاح بمثل هذه المحرمات.

الأصل في وليمة النكاح والعرس أنها مشروعة، أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه لما قال له: «أولم ولو بشاة». قال: ما هي يا عبد الرحمن؟

قال: «تزوجت»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة». لذلك يشرع وليمة النكاح، بل يشرع للإنسان إجابتها، والأصل أن الإنسان إذا لم يكن ثمة عارض أنه يجب عليه الحضور إذا كانت هذه الدعوة دعوة خاصة له، وهي من حق أخيه عليه أن يجيب وليمة عرسه.

هذا الأصل في المشروعية، ولكن هذا كله مقيد بما إذا لم تشتمل على المحرمات التي ذكرنا بعض نماذجها وبعض صورها وأحوالها.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل. فرض عين على كل مسلم أن يتعلم العبادات الواجبة عليه، وما لها من شروط وأركان وكيف يؤديها بشكل صحيح. فالصلاة هي أعظم العبادات، فيجب أن يتعلم شروطها كالطهارة واستقبال القبلة، وأركانها كالقيام وقراءة الفاتحة، وواجباتها كالتسبيح في الركوع والسجود، ويتعلم أحكام سجود السهو؛ إذ لا يخلو أحد منه، وإذا كان من أهل الأعذار تعلم ما يرخص له في تركه وما لا يرخص له فيه.

ومن العبادات إيتاء الزكاة، فيتعلم شروط وجوبها كحولان الحول وملك النصاب، ويعرف الأموال التي تجب فيها الزكاة كالنقدين وبهيمة الأنعام، ويتعلم النصاب الذي تجب فيه الزكاة والمقدار الذي يجب إخراجه كربع العشر في النقدين وعروض التجارة، ويعرف من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها.

ومنها صوم رمضان، فيتعلم أركان الصيام وشروط صحته وما يبطل الصيام كالاستقاءة والاستمناء، وما لا يؤثر عليه كالسواك والطيب. ومنها حج البيت، فيتعلم أركانًا كالطواف والسعي، وواجباته كالمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، ويتعلم المواقيت الزمانية والمكانية وعرة الإحرام؛ فاجعل عباداتك خالصة لوجه الله، صوابًا على السنة، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام النكاح وعقد النكاح. من الإشكالات التي تحصل في ولائم النكاح المبالغة والصرف فيها، وبعض الناس ربما صنع وليمة عند الخطبة، ووليمة عند العقد، ووليمة عند الدخول، وكان كل وليمة من هذه الولائم لها تكاليفها الباهظة.

ونذكر حقيقة في هذا المقام بأن أكثر النساء بركة أقلهن مؤونة، فكلما كان هذا الزواج قليل الكلفة كان لا شك أعظم البركة، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما بالغ الناس في المظاهر والإسراف هم لا شك أنهم يدخلون في حد التبذير والإسراف الذي نهي عنه في القرآن الكريم ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 26-27].

لذلك كل ما ابتعد الإنسان عن مظاهر التبذير والإسراف، ولا شك أحيانًا أن هذه مظاهر التبذير والإسراف تكون بسبب مجاراة الناس بعضهم لبعض، يكون الإنسان يسير في هذه المجاراة وهذا يؤثر على أقاربه وأهله أنهم لا بد أن يجاروه كذلك، فيزداد الناس سرفًا بعد سرف.

والإنسان يسن سنة حسنة في أهله وأقاربه، هو أن تكون حفلة زواجه وليمة عرسه مقتصرة سهلة مختصرة دون إسراف ولا تبذير. لا شك أن هذا إن شاء الله تعالى يكون من السنن الحسنة التي يكون له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من أهله وأقاربه الذين يقتدون به في هذا الأمر.

وإثقال كاهل الزوجين أو أحدهم بهذه المؤن والتكاليف ربما أثر حتى على حياته الزوجية، وفي طول عمره أنه يبقى يسدد لهذه الديون التي استدانها بسبب زواجها أو غير ذلك، أو ربما حتى عضل المرأة وضرها حتى ترد إليه شيئًا مما أنفقه من تكاليف زواجها، فيكون مثلًا يؤذيها حتى تختلف منه بشيء من المال بحيث إنه يرجع إليه شيء من نفقته. كل هذا لا شك أنه من العواقب السيئة والآثار السيئة التي نشأت بسبب المبالغة والإسراف والتبذير.

وللأسف أحيانًا بعض الناس نظرتهم نظرة قصيرة، لا ينظر إلا إلى المباهاة والمجاراة دون نظر إلى عواقب بعد ذلك، ودون نظر للأحاديث الواردة والآيات الواردة في النهي عن التبذير والإسراف.

هذه بعض الأشياء المتعلقة بعقد النكاح والمتعلقة بوليمة العرس. من المهم لنا أن ننبه كذلك أن هذا موجود في عدد من الأعراف؛ التفريق بين عقد النكاح أو وليمة عقد النكاح وبين الدخول، الدخول الذي تسلم فيه المرأة لزوجها، يكون هناك حفلة غالبًا في ليلة الدخول قبلها أو بعدها أو مقارنة لها، غير الحفلة التي تكون أو الوليمة التي تكون عند العرس وعند عقد النكاح. الأمر إن شاء الله تعالى في هذا واسع، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر عبد الرحمن بن عوف قال: «أولم ولو بشاة». انظر إلى هذه البساطة وعدم التكلف، وأن يكون هناك وليمة ولو بشاة.

فكذلك من الإشكالات التي تقارن هذه الولائم أحيانًا السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، وربما كان هذا السهر يتصل إلى الفجر وتضيع فيه صلوات، لا شك أن هذا فيه إشكال، وهو نوع من التكلف المذموم. وللأسف حقيقة أن مثل هذه الإشكالات تبدأ صغيرة ثم تزداد يومًا بعد يوم شيئًا بعد شيء حتى تصبح هذه الأمور إشكالات تكبر وتصبح إشكالات عظيمة بسبب أن الناس يزيد بعضهم على بعض في هذا الأمر.

في الحقيقة، أنا أوصي نفسي وإخواني جميعًا ألا نكون حلقة في هذه السنن السيئة، وإنما نكون حلقة في السنن الصالحة، وأن نعزز الخير في مجتمعاتنا وفي أهلينا، وأن نقتصر وأن نيسر الزواج. بعض الشباب ربما كان سبب تأخره في الزواج الذي يسبب العنوسة ويسبب تأخر الفتيات في الزواج هو هذه التكاليف التي فرضها هذا المجتمع عليه بسبب هذه المجاراة والمباهاة.

نريد أن ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات عقد النكاح، ألا وهو موضوع المحرمات في النكاح. ذكرنا أن الأصل ومن أركان الزوجين الرجل والمرأة، والأصل في النكاح أن الرجل يباح له نكاح المرأة إذا خلت من موانع تمنعها من عقد النكاح معه. هناك نساء محرمات على الرجال وأسباب التحريم سنذكرها، إما أن تكون تحريمًا مؤبدًا أو تحريمًا مؤقتًا.

فمن المحرمات تحريمًا مؤبدًا نكاح زوجة الأب كما قال الله جل جلاله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]. هذا نوع من أنواع التحريم المؤبد.

هناك تحريم لسبب أو وصف عارض، فمثلاً من النساء المحرمات تحريمًا عارضًا مثلا الكافرة، فهذا نوع الكفر سبب لتحريمها على الرجل المسلم، فإذا أسلمت هذه المرأة صارت حلالًا له؛ إذ هذا تحريم لوصف عارض. إذاً النساء المحرمات اللائي يحرمن على الرجل أن يتزوجهن وأن ينكحهن يعود سبب تحريمهن إما لأمر مؤبد دائم فلا تحل له بحال أبدًا كما ذكرنا في الآية الشريفة، وإما أن يكون سبب التحريم...

عائدا إلى وصف أو سبب عارض يزول، فإذا زال جاز هذا النكاح. سوف نستعرض الآن، إن شاء الله تعالى، أسباب التحريم؛ أسباب تحريم المرأة على الرجل. هذه الأسباب يمكن كذلك تلخيصها وإحداث مقابلة لها، بحيث إننا نرتب في نفس الأمر كذلك أسماء المحرمين من الرجال على المرأة؛ يعني نفس العلاقة هذه هي بين الرجل والمرأة، لها اتجاه من حيث نظر الرجل، ولها اتجاه من حيث نظر المرأة. المهم أن هذا الزواج إذا وقع مثلا بين هذين الطرفين يكون زواجا محرما، سواء نحن نظرنا إليه وسردناه من خلال نظرنا والمحرمات على الرجل، أو نظرنا إليها وسردناها من خلال المحرمين على المرأة؛ الرجال الذين يحرم على المرأة أن تتزوجهن.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحا ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، أو كبيع الطير في الهواء، وبيع ما لا يملك، والقمار.

ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره؛ فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزونا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».

ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن المحرمات في النكاح. جاء في الآية الشريفة الكريمة في سورة النساء بيان وسرد أنواع المحرمات على الرجل، أي يحرم نكاحهن على الرجل. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ۖ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ۖ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ۖ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 23].

والآية الشريفة قبل هذه الآية ذكرت نوعا كذلك من أنواع المحرمات وهو زوجات الآباء؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]. هذه الآيات فيها سرد لأنواع المحرمات، فالنكاح يحرم على الرجل أن يتزوج نوعا من هذه الأنواع. وذكرنا أن هذه الأنواع منها التحريم، تحريم مؤبد يكون بسبب النسب، أو يكون بسبب المصاهرة، أو يكون بسبب الرضاعة.

دعونا نستعرض المحرمات في هذه الآية صنفا صنفا ونبينهن حتى يجتنب نكاحهن كما نهى الله سبحانه وتعالى عن اجتنابه. هذه الآية جمعت طائفة من القريبات، والقرابة في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم غرس لها في النفوس وقارا، وهذا الوقار يمنع أن يسوبه شائبة اللهو والرفث. لذلك حرم من لدن آدم عليه السلام؛ حرم نكاح الأم هو شريعة قديمة، فإن الأم لها وقار في النفوس لا يناسبه النكاح ورفثه، وهذا كما ذكرنا فطرة فطر الناس عليها، ولا زال أهل العقول وذوو النهى وأولو الألباب يستقبحون مثل هذا الأمر الذي جاءت شريعة الإسلام واستقبحه وتشجيعه.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان هؤلاء النساء اللاتي ذكرن في هذه الآية كانوا محرمات في الجاهلية إلا نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين»، فهذان الأمران فقط هما اللتان كان أهل الجاهلية يستبيحون فعلهما، وأما غيرها مما ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الشريفة الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ...﴾ إلى آخر الآية، فهو مما كان يمتنع أهل الجاهلية عنه ويحرمونه بناء على فطرتهم وذوقهم السليم، وهو نوع من الشريعة التي قد استمرت فيهم.

أول هذه الأصناف المحرمات من النساء المحرمات تحريما مؤبدا نوعان: تحريم مؤبد، وتحريم عارض. التحريم المؤبد يكون بأحد ثلاثة أسباب: السبب الأول سبب نسبي، والسبب الثاني سبب بسبب المصاهرة، والسبب الثالث هو الرضاع. الأسباب النسبية مذكورة في أول الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، سبعة أصناف سموا في هذه الآية.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ الأم وإن علت تحرم على الرجل أن يتزوجها. هذا نحن نتكلم الآن عن الرجل، أنه يحرم عليه أن يتزوج الأم وإن علت، أي الجدات. ونقول للمرأة نفس العلاقة هذه: نقول للمرأة يحرم زواج المرأة بالأبناء وإن نزلوا. إذا هذا تحريم الأول. لاحظوا صغناه صياغة متعلقة بخطاب للرجل، أقول للرجل: يحرم عليك أن تتزوج الأمهات وإن علون، ونقول للمرأة: يحرم عليك أن تتزوجي الأبناء وإن نزلوا. نفس التحريم؛ إذا علاقة الأمومة علاقة محرمة لا يصح معها نكاح.

﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾؛ البنات وإن نزلن، البنات والحفيدات وإن نزلن، يحرم على الرجل أن يتزوجهن. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ كذلك؛ الأخوات سواء كن أخوات شقيقات، أو أخوات لأب، أو أخوات لأم. طبعا لم نأت الآن على ذكر أخوات الرضاعة وأمهات الرضاعة، لماذا؟ لأنه سيأتي في سبب الرضاعة. نحن الآن نتكلم عن الأسباب النسبية؛ الأمهات النسبيات، البنات النسبيات، الأخوات النسبيات بالنسب: أخت شقيقة أو أخت لأب أو أخت لأم، كل هؤلاء يحرم على الرجل أن يتزوجهن. ونقول في خطابنا للمرأة: يحرم عليك الزواج بأحد من الإخوة الأشقاء، أو الإخوة لأب، أو الإخوة لأم.

كذلك ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾؛ بنات الأخ كذلك يحرم على الرجل أن يتزوج بنات أخيه، ونقول للمرأة: يحرم على المرأة أن تتزوج عمها. وبنات الأخت نقول: الرجل يحرم عليك أن تتزوج بنات الأخت، طبعا بنات الأخ وبنات الأخت وإن نزلن، يعني وكذلك أحفادهن. كذلك نقول للمرأة: يحرم عليك أن تتزوجي خالك. ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾؛ العمة كذلك لاحظوا هذا الوقار الذي ذكرنا، وقار القرابة اتصل للعمة من الأب، والخالة اتصل لها وقار القرابة من الأم، والخالة أم.

فيحرم على الرجل أن يتزوج عمته، وأن يتزوج خالته. ونقول للمرأة: يحرم عليك أن تتزوجي ابن أخيك أو ابن أختك الذي يقول لك يا عمة ويا خالة. هذه سبعة أصناف جاءت في الآية الشريفة الكريمة، وهي الأسباب النسبية.

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، وهذا معناه أنه يدلنا على أسباب أخرى غير الأسباب النسبية، وهو سبب الرضاعة. لذلك جاء في الآية الشريفة الكريمة بعدها: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].

إذن الأمهات من الرضاعة كذلك محرمات، والبنات من الرضاعة، وسوف نأتي على تفصيلهن وبيان كيف تكون بنتا من الرضاعة. كذلك الأخوات من الرضاعة محرمات، والعمة من الرضاعة، والخالة من الرضاعة، وابن الأخت وابن الأخ من الرضاعة، محرمات كالأصناف السبعة التي سميت في تحريم النسب.

هناك سبب ثالث للتحريم وهو سبب المصاهرة: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة. وسوف نأتي إن شاء الله تعالى في درسنا القادم على تفصيلها وبيانها، ثم نذكر أسباب التحريم العارضة بعد ذكرنا لأسباب التحريم المؤبدة في درسنا القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهل النوى ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان؛ صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب.