دخولتسجيل الدخول

وأما تاريخ هذا المذهب، فقد مر بثلاثة أطوار.

الدور الأول: دور النشوء، الذي يتمثل في بداية هذا الدور بتدريس الإمام مالك رحمه الله تعالى وتصنيفه؛ لأن الإمام مالك رحمه الله كان يفتي ويدرس وصنف في الفقه والحديث، كتابه الموطأ هو كتاب في الحديث وفي الفقه؛ لأنه يذكر الأحاديث ويبوب تبويباً، هذا جزء من الفقه. الأمر الثاني: أنه يذكر، يعلق على الأحاديث، ولهذا لو قرأت في الموطأ تجد يقول: قال مالك وبهذا نأخذ، قال مالك: والامر المجتمع عليه عندنا -يعني عند أهل المدينة- كذا وكذا. فهو كتاب فقهي وكتاب حديث، وهو من أعظم كتب الإسلام، حتى قال الشافعي: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من الموطأ. طبعا الشافعي يقول هذا قبل تصنيف الصحيحين رحمه الله عليهم.

ومن طلاب الإمام مالك، ومن أكبر طلابه ومن أعظمهم نشراً لمذهب الإمام مالك، هو عبد الرحمن بن القاسم المصري رحمه الله تعالى، توفي سنة 191. وأخذ عنه أسد بن الفرات، وأخذ عنه سحنون، ومجموع هؤلاء الثلاثة هم الذين صنفوا المدونة. المدونة هي صحيح أنه صنفها سحنون أخذا عن أسد بن فرات عن مسائل عبد الرحمن بن القاسم تلميذ الإمام مالك. والمدونة هذه هي كتاب الأم في مذهب الإمام مالك رحمه الله، فهي عمدة من جاء بعدهم على المدونة تماماً، وهي تسمى مسائل سحنون.

وهذا من علماء المالكية، وسحنون هذا جاءه رجل سأله عن مسألة، قال: مسألتك هذه، إن مسألتك هذه يا ابن أخي مسألة مشكلة ومضلة. قال: أنت لها يا امام -يعني يشجع يقول: ما تشيلهم أنت ما شاء الله-. قال: أنت لهذه المعضلات؟ قال: ليس بقولك هذا، أعرض جسدي على النار تقعد تحمسني يعني، ما المسألة هذه جنة أو نار! لا يتكلم الإنسان في دين الله بغير علم. الشاهد أن المدونة هذه صار عليها عمدة المالكية بعد تصنيفها وهذب وشرحت واختصرت، ورواية ابن القاسم هي المقدمة عند المالكية.

ومن طلاب الإمام مالك رحمه الله لم نذكرهم هنا في المذكرة: ابن وهب رحمه الله، وابن وهب هذا توفي سنة 199، وأخرج له أصحاب الكتب السته. وسبب موته ابن وهب هذا، ما سبب وفاته؟ قال: كان له كتاب الجامع لما وصل، كانوا يقراون عليه كتابه الجامع فلما وصلوا إلى كتاب الأهوال أهوال يوم القيامة قال: أخذه شيء كالغش، فحمل إلى داره، فلم ينزل كذلك إلى أن مات؛ من خوفه من أهوال يوم القيامة رحمه الله عليه.

ومن طلاب الإمام مالك كذلك الإمام أشهب المصري المتوفى سنة 204، 204 سنة وفاة من؟ الشافعي. وأيضاً الحسن بن زياد اللؤلؤي، تمام، هذه من الأشياء التي تساعد في حفظ التواريخ، تربط لك عشرة من العلماء بتاريخ واحد جيد.

انتقل المذهب بعد ذلك إلى دور التطور، بدات تصنف الكتب والمختصرات والشروح. فكان في القيروان العالم ابن أبي زيد رحمه الله وصنف كتابه الرسالة وله كتب أخرى. وكذلك في العراق في بغداد القاضي عبد الوهاب بن نصر رحمه الله تعالى وصنف كتابه التلقين، وهذا القاضي عبد الوهاب من فقهاء ومن قضاة المالكية، وله أبيات من الشعر منها قوله رحمه الله -خرج من بغداد بسبب الفقر-: خرج من بغداد وهو ينشد يقول: بغداد دار لأهل المال طيبة، وللمفسرين زنديق، وله أبيات أخرى يعني نعرض عن ذكرها لهيبة المجلس، وإلا له أبيات في الغزل ذكرها الشيخ علي الطنطاوي في كتابه من غزل الفقهاء، تمام، نعم، وعلى كل حال ارجعوا إليها.

ومن العلماء في هذا الدور في الأندلس: الإمام ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد البر، وله كتاب الكافي في فقه أهل المدينة، وله كتب أخرى أيضاً ابن عبد البر وهو من الأئمة المحققين، له كتاب الاستذكار وله كتاب التمهيد، وكلاهما من شروح الموطأ، التمهيد والاستذكار، ولكن التمهيد يعنى أصالة بالجانب الحديثي، والاستذكار يعنى أصالة بالجانب الفقهي.

ومن كتب هذه المرحلة أيضاً كتب الإمام الباجي، الباجي أبو الوليد الباجي، وهذا من علماء الأندلس طاف الدنيا ورحل شرقاً وغرباً، وهو إمام محقق في الحديث وفي الأصول وفي الفقه، راح سافر سنوات طويلة ترك الأندلس ورحل في طلب العلم وما رجع إلى الأندلس إلا وهو إمام محقق. وفي فترة غيابه كان لابن حزم الأندلسي صولة وجولة، ولهذا كان فيه قوة في زمن ابن حزم في مذهب أهل الظاهر في الأندلس، فما كان أحد من فقهاء المالكية في ذاك الزمان يستطيع أن يقف أمام ابن حزم في المناظرة.

لا تعرفون ترى مجالس المناظرة في عموم التاريخ الفقهي موجودة وهي من أعظم ما يبني طالب العلم في الفقه المناظرة، وليس المقصود المناظرة المقصود بها أن واحد يعلو على الآخر، الآن المناظرات يصير لا يقصد بها التفقه ومعرفه الحق وإنما يقصد بها ايش يعني الظهور على الخصم، لكن كانت المناظرة الفقهية يقصد بها أول شيء التعليم؛ لأن المناظرة هذه جزء من تكوين طالب العلم حينما يسمع اثنين من العلماء الفقهاء يتناظرون بالأدب والحجة والدليل والاستدلال، هذا يرد على هذا بالطريقة المنهجية العلمية تتكون في شخصية طالب العلم يعني ملكة عظيمة لا تحصل إلا بالمناظرة، وحتى كانوا يذكرون في تراجم العلماء يقولون: فلان درس على فلان وتفقه عليه وأخذ عنه المناظرة. وكانت مجالس المناظرة تعقد في بين الفقهاء رحمهم الله.

الشاهد، الباجي هذا لما رجع إلى الأندلس وقف لابن حزم في المناظرة وصارت بينهما مناظرات كثيرة وأخذ ورد، ويعني المدرسة المالكية انتعشت في الأندلس بعودة الإمام أبي الوليد الباجي. وله كتب منها المنتقى شرح الموطأ، ومنها أيضاً في أصول الفقه له كتاب أحكام الفصول، وله في الحديث وفي الرجال كتب في عدة فنون، وهو عالم من العلماء المحققين.

ومن علماء هذه المرحلة الإمام ابن رشد صاحب كتاب المقدمات الممهدات، وبالمناسبة ابن رشد إذا أطلق عند المالكية في تحقيق المذهب وتحريره وتصحيحه فيراد به ابن رشد الجد؛ لأن عندنا ابن رشد الجد وعندنا ابن الرشد الحفيد، والمذكور هنا هو ابن رشد الجد، الحفيد هذا من هو؟ القاضي صاحب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وقد اشتغل رحمه الله وعفى عنه بشيء من الفلسפה، وأما الذي يعني اعتمدت كتبه في تصحيح المذهب وتنقيحه وتحريره هو كتاب ابن رشد الجد.

ومن العلماء في هذه المرحلة أيضاً القاضي عياض، له كتاب المستنبط وله كتب كثيرة أيضاً، وهو عالم له شرح على صحيح مسلم وله كتب متعددة.

بعد ذلك بدأ المذهب ينتقل إلى مرحلة الاستقرار، صنفت الكتب والمختصرات وبدأ يعني دور الاستقرار يستقر فيه الصحيح من المذهب ويعرف. ومن علماء هذه المرحلة الإمام ابن الحاجب وله جامع الأمهات، وله أيضاً مختصر في الفقه، وله مختصر في الأصول. ومنهم الإمام القرافي صاحب الذخيره، وهو كتاب موسع في الفقه المالكي ويذكر أحياناً الفقه المقارن والاستدلال، والقرافي هذا طبعاً من علماء المالكية المحققين، له كتاب ايش الفروق، أيضاً له كتاب الفروق وله كتاب الذخيره وغيرها.

وكذلك عندنا خليل، وخليل هذا هو المتن المعتمد الاعتماد النهائي عند المالكية، لما ألف خليل مختصر، بعد ذلك حتى بعضهم من باب التجوز قال: المالكية هؤلاء المفروض لا يسمون مالكي، وإنما يقال خليلي؛ لأن هذا الكتاب مختصر خليل يمثل الاعتماد النهائي في القول المعتمد في مذهب الإمام مالك رحمه الله. ولهذا بعد مختصر خليل صارت الكتب كلها أو جلها تدور في فلكه: شرح على مختصر خليل، حاشية على الشرح.

فمن شروح المختصر كتاب الحطاب المسمى بمواهب الجليل في شرح مختصر خليل، ومن شروحه أيضاً شرح الدردير، الدردير له شرح على مختصر خليل اسمه ايش؟ الشرح الكبير على مختصر خليل، وللدسوقي حاشية على شرح الدردير على مختصر خليل.

وليس بالضرورة كما قلت لكم، يعني الواحد لا يقول: الله هذا حفظني أسماء الكتب! هذا ليس بالضرورة أن تحفظها كلها بهذا الشكل جملة واحدة، ولكن المقصود الأساسي هو ما يحصل عندك من المعنى الإجمالي من المرور على هذه الكتب حتى لو نسيت كتب ومؤلفيها سيبقى عندك معرفة إجمالية بذلك. هذا ما يتعلق بمذهب الإمام مالك.