دخولتسجيل الدخول

في ختام هذا الدرس، أنا أحب أن أُشير إلى قضية يكثر السؤال عنها جداً؛ وهي منهجية دراسة الفقه ومنهجية التفقه.

والجواب عن هذه القضية؛ يعني كيف أتقن الفقه، وكيف أضبط الفقه، وكيف أُحصِّل الفقه؟ هذه قضية مهمة ويكثر السؤال عنها، والسبب في كثرة السؤال عنها في علم الفقه تحدداً، أن علم الفقه علم واسع ومتشعب. يعني لو جيت قلت لك: مصطلح الحديث ممكن تحفظ نُخبة الفِكَر بالضبط والاتقان والمراجعة في أسبوع، صح ولا لا؟ وتكون حصلت جملة صالحة في علم مصطلح الحديث. لكن الفقه، إذا أخذت أخصر متن في الفقه يشمل أبواب الفقه كلها، يعني من أخصر المتون مثلاً في المذهب الحنبلي النظم الجلي، النظم الجلي للفضفري في ثمانمِائة وثمانية وثمانين بيتاً، وهذا يُعتبر مختصر جداً.

مختصر جداً؛ يعني لا يمكن أن يوصَف من حفظه بأنه متخصّص في الفقه أبداً، يعني على بداية، على عتبة باب الفقه تماماً، النظم الجلي للفضفري النظم الجلي في الفقه الحنبلي. من أجل ذلك كثر السؤال عن كيفية ضبط الفقه. شوفوا يا مشايخ، أهم يعني شيء في الجواب عن السؤال ليس هو معرفة ما هو الكتاب الذي أدرسه! وهذا خلل عند في التفكير عند بعض طلبة العلم؛ إنه يظن أنه سيحصل الفقه بحسب الكتاب الذي درسه، يقول: ما هو أفضل كتاب؟ تقول له مثلاً: زاد المستقنع. طيب، إذا درست زاد المستقنع، هل معنى هذا أنك ستكون فقيهاً؟ ما تكون فقيهاً بدراسة أفضل كتاب إذا لم تدرسه بأفضل طريقة.

إذن الأهم هو أفضل طريقة وليس أفضل كتاب، الكتب كلها هذا أفضل من وجه وهذا أفضل من وجه، يعني عندنا دليل الطالب، زاد المستقنع، أخَصَر المختصرات، كلها كتب مناسبة. ولهذا، ما هو الكتاب الذي تدرسه؟ الجواب: اتركه لشيخك بحسب حالك. يعني أحياناً مثلاً طالب يقول: أنا أدرس في كلية الشريعة ونحن ندرس في ذلك الرَّوض المُرَبَّع شرح زاد المستقنع، إذاً ما هو أفضل متن تحفظه؟ أفضل متن تحفظه زاد المستقنع على طول، لأنك أنت ستُفني أربع سنوات من عمرك في دراسة الرَّوض المُرَبَّع.

لكن إنما نذكر هذا في حالة التساوي، يعني يقول: والله عندي شيخ يدرس دليل الطالب، وشيخ يدرس زاد المستقنع، وهما على رتبة واحدة أو نفس الشيخ له درس في هذا ودرس في هذا، فما الذي أختاره منهما؟ حينئذٍ نحتاج إلى قضية المُفاضلة. وأما إذا كان الطريق الذي أمامك طريق واحد فهو الأفضل، يعني الشيخ الموجود في هذه البلد يدرس زاد المستقنع فما الأفضل؟ زاد المستقنع.

طيب، نقول: أول مسألة في ضبط الفقه: أن تكون على قناعة به، فإذا كنت تدخل على علم الفقه وأنت على غير قناعة، وتقول: هذا أقوال الرجال ومبنية على خلاف الدليل! فلن تضبط الفقه لأنك ما أنت مُقتنع به أصلاً. المسألة الثانية لضبط الفقه: هو حفظ متن فقهي، وهذا أمر أساسي. ما هو المتن؟ هذا ليس أمراً أساسياً، هذا أمر نستطيع أن نسميه أمر هامشي أو أمر تكميلي وتحسيني. ما هو المتن؟ هذا أمر تكميلي، لكن حفظ المتن هذا ضروري عندنا، ضروري وحاجي وتكميلي. تحديد المتن، هل هو زاد المستقنع ولا أخصر المختصرات ولا دليل الطالب، تكميلي، لكن وجود متن تحفظه لتحصيل الفقه هذا أمر أساسي. فإن أردت متناً صغيراً فعندك النظم الجلي للفضفري، وإن أردت متناً متوسطاً فعندك أخصر المختصرات، وإن أردت فوق الوسط فعندك زاد المستقنع أو دليل الطالب.

الأمر الثالث، فيما يتعلق بطرق ضبط الفقه: المذاكرة مع الأقران، لابد أن تجعل الفقه حاضراً في حياتك في كل لحظة. صليت الصلاة، أشكال عليك شيء، ترجع وتراجع المسألة، تناقش أقرانك، تجعل لك مجلس مع زميل من زملائك الجادين، ويُشترط في ذلك أول شيء الاستمرار الاستمرار والمواظبة. تحدد مجلس معه، تقول: والله كل يوم بعد صلاة المغرب إلى العشاء أنا وأياك نجتمع. طيب، كيف نجتمع معه؟ مذاكرة الأقران ما معناها؟ معناها نجيب الكتاب ونقرا؟ لا، تجيب الكتاب في المجلس مغلق ما هو مفتوح، وعندك ورقة مكتوب فيها رؤوس الاقلام أو أسئلة شاملة للدرس. يلا، السؤال الأول يا فلان، ما هي أقسام المياه؟ قال لك كذا. طيب، ما الدليل؟ يقول لك كذا. فتسأله ويسألك، إذا غلطت صحح، وإذا أخطأت وإذا غلط صححت له، وإذا أشكال شيء فتحتم الكتاب فقط لتحصيل المسألة التي غابت عنكم. تحضر وأنت حاضر مجهز وحافظ ومتقن، بهذه الطريقة تنتهي من المتن مرة واثنين وثلاثة وأربعة وخمسه. لا تقول لي: والله درست المتن انتهيت منه مرة واحدة. ما هو أفضل المتن بعد ذلك؟ أفضل متن بعد ذلك أن تعيد المتن الأول مرة ثانية.

يعني يقول لي: ما هو أفضل كتاب؟ إذا أنا درست أخصر المختصرات، أنتقل إلى ماذا؟ أقول: إذا انتهيت من أخصر المختصرات، فانتقل إلى كتاب الطهارة من أخصر المختصرات مرة ثانية للضبط والاتقان والمراجعة، وتختبر نفسك وتَحُط اختبار تحريري ومناقشة ومذاكرة حتى تتقن الكتاب، ويصير الكتاب سجية لك. أما مسألة أني درست الكتاب مرة واحدة وصلت إلى الإقرار وأنا نسيت أبواب الجنايات والبيوع تسألني عن المتن الذي بعده؟ لا، المتن الذي بعده هو نفس المتن الأول حتى تتقنه، وتكون المذاكرة مرة ومرتين وثلاثاً.

وأيضاً مما يساعد على ضبط الفقه: الاختبارات، كما ذكرت لك، تضع اختبارات لزميلك ويضع لك اختبار، وهذا يكون اختبارات مثلاً جزئية في أبواب الطهارة أو في أبواب العبادات كلها أو في الكتاب كاملاً بعد الانتهاء منهم.

والأمر الأخير: هو التطبيق والتمرين. التطبيق أولاً يتمثل في العمل الذي درسته تعمل به وتطبقه تماماً. الأمر الثاني: في الفتوى، التدريب في الفتوى؛ معنى ذلك أن تأخذ فتاوى أهل العلم، تأخذ السؤال وتجاوب عليه ثم ترجع تنظر ماذا أجابوا، فهل وافق جوابك جوابهم ولا لا؟ حتى تمرن نفسك على تطبيق المسائل الفقهية. ثم بعد ذلك التدريس، التدريس مما يساعد على ضبط الفقه، لكن التدريس بعد الاتقان والضبط للتثبيت والاستزادة، لا للشروع في دراسة علم الفقه، لأنه ما يكفي المدخل تقف عند المدخل ادخل.

كل مُهوس بليد يسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلسي: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلسي. والعراقي يقول: واستحسن الانشاد في الأواخر. وهذا يعني ذكر موجز ومجمل لما يتعلق بالمدخل إلى علم الفقه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا المدخل نافعاً.

الحمد لله، إذا أخذت المدخل ادخل طيب وابدا دراسة الفقه واجتهد في تحصيله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.