السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله، حياكم الله وبياكم في درسنا العاشر من مقرر الفقه الإسلامي، أو بعبارة أدق مع مقرر المدخل إلى الفقه الإسلامي، فإن هناك فرقاً بين مقرر الفقه ومقرر المدخل إلى الفقه.
نحن الآن في المدخل، نسأل الله عز وجل أن ييسر لنا الدخول، تفضلوا بالدخول إلى الدرس العاشر، وحياكم الله وبياكم. فكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى ما يتعلق بمعالم الفقه في العصر الحاضر، وقد ذكرنا من ضمن معالم الفقه في العصر الحاضر ظهور دعوة التجديد في أصول الفقه، وقد ظهرت دعوات في هذا العصر تدعو إلى إعادة بناء الفقه الإسلامي من جديد وإلى تنقية المذاهب والتعصب تعصباً مذهبياً ضد المذاهب الفقهية المعتبرة، وسبقت الإشارة إلى ذلك.
هناك دعوة تطالب بإعادة بناء أصول الفقه، نحن تكلمنا عن الدعوة إلى إعادة بناء الفقه الذي يتمثل في الفروع الفقهية وأنه لابد من إعادة النظر فيه، وهذا سبق التعليق على هذه الدعوة بما يناسبها، ولكن الدعوة هنا التي نتكلم عنها هي دعوة تتمثل في التجديد في أصول الفقه. والمقصود بالتجديد في أصول الفقه ليس التجديد بمعنى الإبداع في التأليف؛ يعني مثلاً إذا كانت الدعوة إلى التجديد في أصول الفقه أن نقول والله كتب أصول الفقه الأولى التي كتبها السلف مثلاً وكتبها المتقدمون فيها شيء من الصعوبة فنحتاج أن نكتب عليها شروحاً أو أن نبسطها أو أن نقربها أو نحط مشجرات ودروس مبسطة في أصول الفقه، فهذا كله ليس هو المقصود هنا بالتجديد في أصول الفقه، هذا تجديد في طريقة التصنيف ولا إشكال فيه، والعلماء لا يوجد فيهم أحد إلا وإذا ألف يكون عنده شيء من التجديد في طريقة تأليفه؛ إما في جمع متفرق، أو في تفصيل مسألة، أو نحو ذلك.
لكن الإشكال الذي يقع على دعوة التجديد في أصول الفقه هي أنها تدعو إلى التجديد في مضامين هذا العلم، وأن قواعد العلم، قواعد فهم الشريعه التي سار عليها السلف، لابد من إعادة النظر فيها في عصرنا الحاضر. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لما ألف كتابه الرسالة، وهو أول من صنف في أصول الفقه وقد ذكر بعض الباحثين أن المستشرقين حاولوا أن يخفوا كتاب الرسالة وأن يتتبعوا مخطوطاته للقضاء عليه، ولا أدري عن صحة ذلك، لكن المقصود أنهم لا يريدون لهذا العلم أن يقوم.
لماذا؟ لأن علم اصول الفقه الذي هو طريقة فهم السلف للادله الشرعية هو سور الشريعه، ولهذا قال بعضهم: إن الكتاب والسنة حصن، وسوره الإجماع، وبوابته أصول الفقه؛ لانه لا يمكن أن تفهم الشريعة إلا على الوجه الذي فهمها بها الصحابه الذين شهدوا التنزيل وسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ومشافهة. فالامام الشافعي لما صنف في أصول الفقه إنما أراد بذلك أن يدون القواعد التي سار عليها الصحابة والتابعون في فهم الشريعة، واضح؟
هذه القواعد غير قابلة للتجديد؛ بمعنى هل يمكن أن نقول والله كان العرب الاوائل يجعلون الفاعل مرفوعاً، لكن المناسب للعصر الحاضر أن نجعل الفاعل مجروراً أو منصوباً؟ هذا أمر لا يقبل التجديد أبداً. كذلك قواعد فهم الشريعة لا تقبل التجديد، الصحابة السلف كانوا يفهمون من الأمر الوجوب، ولكننا في العصر اليوم الناس ضعفت هممهم وتكاسلوا فيحتاج أن نعيد النظر في قضية الأمر للوجوب ونجعل الأمر للاستحباب، فتكون الصلوات الخمس بدلا من كونها... لأنه طبعاً أي تأثير يمس أصول الفقه سيمس على طول الفروع الفقهية مباشرة، سينتقل أثره إلى الفقه فيقول لك والله يا أخي الأمر يقتضي الوجوب هذه قاعدة صحيح أنه سار عليها السلف جيلاً بعد جيل وكذا، ولكن عصرنا الحاضر يقتضي أن نجدد فننجعل الأمر للاستحباب أو للاباحه، والنهي بدل أن يكون النهي للتحريم نكون النهي للكراهة، أو ما تراه أنت مناسباً للدخول، أو ما تقتضي المصلحة أن يدخل.
الكتاب والسنة هم أول الأدلة؟ نقول: لا، نجعل أول الأدلة هو المصلحة، فننظر أولاً في المصلحة ثم بعد ذلك ننظر في الكتاب والسنة، فما كان منها معضداً لما نراه مصلحة أخذنا به. هذه صورة الدعوة إلى التجديد في أصول الفقه، وهذه بلا شك دعوة مرفوضة تمام الرفض، ولا شك أنها هدم للشريعة، فهم بدال ما ياتون ويتتبعون الفروع الفقهية يقولون -يعني- بدلاً من أن ياتي إليك ويقول لك والله الزنا مكروه تماماً، لا، يقول لك: خلينا أصلاً نقلب القاعدة من الأصل وكل الفروع بعد ذلك عليها تنتقض. ولا شك أن هذه دعوة فاسدة وهي دعوة من الدعوات الهدامة.
ولكن الذين ظهر منهم التجديد في أصول الفقه ليسوا على رتبه واحدة، طبعا في تجديد محمود؛ والتجديد بمعنى التجديد في طريقة العرض وفي طريقة التصنيف، وعدد من أهل العلم جددوا في طريقة عرض أصول الفقه وفي طريقة الكتابة، تعرفون كان في عندنا طريقة الشافعية وطريقة الحنفية، جاء من العلماء من جدد فجمع بين الطريقتين في كتاب واحد، هذا تجديد ما فيه إشكال، إنما نتكلم عن التجديد الذي يمس قواعد فهم الشريعة.
واضح؟ نأتي الإجماع، الإجماع حجة قاعدة من قواعد أصول الفقه، يقول لك لا، الإجماع ما هو حجة، الإجماع ليس بحجه، ونعيد النظر في كل مسائل الشريعة من الصفر، ولا شك في خطورة هذه المسألة. هناك عدة أنماط من الدعوات التي تتعلق بالتجديد في أصول الفقه، منهم من سمى نفسه عقلانيين، ومنهم من سموا أنفسهم بالتنويريين، ومنهم من سموا أنفسهم بالليبراليين.
الشيخ عامر بهجت