دخولتسجيل الدخول

المسألة الرابعة في محل الاتفاق أنه لا خلاف في قبول التمذهب، بمعنى التخرج على مدرسة فقهية أصولية مع العناية بالدليل والطلب الراجح، حتى لو كان انتساب، انتسب إلى المذهب يقول: أنا حنبلي، ما معنى الحنبلي؟ يقول: أدرس المذهب الحنبلي وأعرف أدلته وأعتني بأدلة المذهب. في مشكلة في هذا؟ هذا تفقه في الدليل ولا ما هو تفقه الدليل؟ نعم، هذا تفقه في الدليل بلا شك.

يعني إذا أخذت الدليل من كتاب المغني، هل هذا يعتبر ليس من فقه الدليل؟ وإذا أخذت الدليل من بلوغ المرام يكون هذا من فقه الدليل؟ لا، فهذا من فقه الدليل. وهذا التمذهب بمعنى التخرج أمر سائغ، وسار عليه العلماء، بل إنك لا تكاد تجد في أغلب العلماء والفقهاء كبارا وصغارا على مر التاريخ الإسلامي من بعد المذاهب الأربعة، لا تكاد تجد من الفقهاء المبرزين أحدا إلا وهو منتسب إلى مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة وتخرج على واحد منها، صح ولا لا؟

الإمام أبو جعفر الطحاوي الآن لو أردت أن تذكر عالما من بعد الأيام الأربعة، يعني بعد استقرار مذاهبهم إلى ما قبل مئتي سنة من الفقهاء المعروفين بالإفتاء والقضاء والتصنيف الفقهي، لا تكاد تجد إلا شخصا وهو منتسب إلى أحد المذاهب الفقهية. شيخ الإسلام ابن تيمية حنبلي رحمه الله تعالى، الإمام النووي شافعي، العز بن عبد السلام شافعي، صح ولا لا؟ مثلا القرافي مالك، تمام، إلى آخره. الكاساني من الحنفية وغير ذلك، وهذا أمر لا إشكال فيه ولا حرج عليه.

وهذا نظير الإنسان يقول: والله أنا أزهري، تمام، يعني هو ليس مثله بشكل مماثل مئة بالمئة، ولكن ما مانع يعني يقول: أنا أزهري، يعني تخرجت من الأزهر، في مشكلة ذلك؟ في مشكلة في مصر يقول لك: فلان أزهري، يعني تخرج من الأزهر. ودار العلوم، صح ولا لا؟ وما إلى ذلك. فهذا الانتساب إذا لم يصاحبه تعصب، فانه لا باس به بلا إشكال.

المسألة الخامسة أيها الإهوة الكرام أن جواز أخذ المتمذهب بقول إمامه ناسبا له إلى إمامه مع قناعته برجحانه بعد نظره في أدلة الاقوال، يعني رجل من المتمذهب وصل إلى مرتبة التأهل والترجيح، فنظر في المسألة فترجح عنده قول إمامه الذي تمذهب بمذهبه، يأخذ به ولا يتركه؟ يأخذ به بلا إشكال، هل في إشكال في هذا؟ طيب، لو أخذ به ولم ينسبه إلى نفسه ونسبه إلى إمامه، فقال: هذه المساله الصحيح فيها من مذهب الإمام أحمد كذا وكذا، أو الراجح فيها في مذهب مالك كذا وكذا، وأفتى الناس به ناسبا له إلى مالك، في مشكلة في ذلك؟ هل يأثم بعدم الإفصاح عن رأيه الشخصي وما تميل نفسه إليه؟ لا يأثم بذلك واضح.

والناس إذا جوزت لهم أن يقلدوك، فلا بد أن تجوز لهم أن يقلدوا الأئمة الأربعة. يعني الآن إذا قلت: والله أنا سأبين المستفتي هذا الذي جاء يسالني، سأبين له ما ترجح عندي من غير ذكر الدليل، خلاص؛ لأن هو مقلد عامي، طيب، هل تجيز له أن يأخذ بفتواك هذه وأن يقلدك؟ قال: أيوه، لا باس. إذا جوزت له أن يقلدك، فهل تمنع من أن يقلد أحد الأئمة المتبوعين الأربعة؟ لا شك أنه غير ممكن، أنك تجيز للناس أن يقلدوك وتمنعهم أن يقلدوا أحد الأئمة المتبوعين.

ولهذا لو سئل الإنسان عن مسألة فحكى فيها قول غيره، طبعا هذه المسألة فرض المسألة في المفتي المجتهد، لكن أما بالنسبة لنا نحن معاشر المقلدين فهذا واضح، لكن بالنسبة لعالم مجتهد أحمد بن حنبل مثلا ولا الشافعي، فسئل عن مسألة فقال فيها، مثلا أحمد سئل عن مسألة فقال فيها: قال مالك كذا أو قال الشافعي كذا، ها يجوز هذا ولا ما يجوز؟ نقول: لا يخلو ذلك من حالتين.

الحالة الأولى: أن يكون يعتقد صحة قول الشافعي أو صحة قول المجتهد الذي ذكره، فهنا لا إشكال في جواز ذلك تمام. الحالة الثانية: أن يكون يعتقد أن القول الراجح غير ما ذكره هذا المجتهد، ولكنه يعتقد أن المسألة اجتهادية ليس فيها قاطع، ليس فيها قاطع في الشريعة، وإنما هو نظر واجتهاد، فهل يجوز له أن يذكر مذهب غيره؟ يقول صاحب الإقناع: وله، يعني للمفتي، أن يخير المستفتي بين مذهبه ومذهب غيره، لأنه لا يلزم الناس أن يقلدوك.

ما دام أنت تقول: يجوز أني أذكر لهم قولي، طيب، لماذا لا يجوز أن تذكر لهم قول الشافعي أو قول مالك؟ أليس هذا مجتهدا يجوز تقليده؟ صح ولا لا؟ نعم، نعم. ولهذا روي أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى جاءه رجل فقال: أذهب إلى حلقة المدنيين فأسأله، فأحاله إلى غيره، مع أنه يرى خلاف رأيهم.