دخولتسجيل الدخول

من المعالم التي ظهرت في العصر الحاضر فيما يتعلق بالفقه: نشأة المجامع الفقهية. نظراً لكثرة المستجدات والنوازل، وإن هذه النوازل تتعلق بأبواب فقهية متعددة، وأيضاً قد يكون فيها من التعقيد ما لا يكفي أن تصدر فيه فتوى فردية من عالم لوحده، خاصة بعض النوازل الفقهية التي تتعلق بأبواب المعاملات، فقد تحتاج لأجل الفتوى والحكم فيها إلى الرجوع إلى المتخصصين في المصرفية والاقتصاد وما إلى ذلك، والنوازل الطبية حتى تتصور حقيقة بعض النوازل الطبية تحتاج إلى أن تسمع الرأي الطبي بشكل متخصص ومعمق واضح.

من أجل ذلك نشأت المجامع الفقهية. والمجامع الفقهية هي هيئات علمية يجتمع فيها جمع من أهل العلم للنظر في المسائل، ثم يصدر فيها قراراً أو فتوى، والغالب أن هذه القرارات تصدر بالأغلبية ولا يلزم أن تصدر بالإجماع من جميع الأعضاء. والمجامع الفقهية متنوعة، أشهرها: المجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون التي كانت تسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقرها الرئيسي جدة هنا، والثاني المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقرها الرئيسي في مكة.

هناك مجامع فقهية إقليمية أو خاصة ببعض البلدان؛ عندنا مجمع فقهي يضم علماء الهند، عندنا مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، عندنا مجمع الفقه في السودان، إلى أخره. ولكن أشهر المجامع التي فيها تمثيل من جميع دول العالم الإسلامي وبلدان العالم الإسلامي هما هذان المجمعان: مجمع منظمة المؤتمر الإسلامي الذي يسمى المجمع الفقهي الدولي.

المجمع الفقهي الدولي هذا صدرت له قرارات وهي مطبوعة في مجلد، وله موقع على الإنترنت، وأيضاً له مجلة كبيرة جداً وفيها جميع المناقشات التي تتم حتى في الجلسة. يعني مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي تجد المجلد يحتوي على الأبحاث، افترض مثلاً المسألة التي طرحت على المجمع أو على المجمع، افترض مسألة مثلاً التورق المصرفي، ستجد في هذه المجلة الأبحاث التي قدمها بعض الأعضاء في هذه المسألة، وستجد مفرغاً كل المناقشات التي دارت في الجلسة. والقراءة فيها تنمي ملكة النقاش، لأن الطالب يقرا مناقشة يقول لك قال الشيخ فلان كذا وكذا وعقب عليه الشيخ فلان كذا وكذا، واضح؟ ولهذا هذا يصدر أحياناً العدد الواحد في ثلاث مجلدات كبار وأحياناً في أكثر من ذلك.

وأما رابطة العالم الإسلامي فأيضاً مجمع الرابطة له مجلة مطبوعة وإن كان انتشارها ليس كبيراً، وطالب العلم ينبغي أن يحرص على مطالعته مثل ذلك. ومن مما ظهر في العصر الحاضر أيضاً الموسوعات الفقهية، ومن أشهرها -نعم، قبل أن أنتقل حتى لا أنسى، قرارات المجامع الفقهية إذا أراد الإنسان أن يقف عليها إلى أين يرجع؟ في كتاب لشيخنا الشيخ محمد حسين الجيزاني اسمه فقه النوازل في أربع مجلدات، رتب لك الأبواب الفقهية، وياتي لك في كل مسألة بالقرارات التي صدرت فيها من المجامع، فيضم في طياته قرارات المجمعين المذكورين وغيرهما.

ظهرت الموسوعات الفقهية، وقد ذكرنا أن من أبرز الموسوعات الفقهية المطبوعة الموسوعة الفقهية الكويتية. وأما النوع الثاني فهو الموسوعات الفقهية الإلكترونية، والتقنية بلا شك أنها خدمت البحث العلمي، ولكن طالب العلم يحتاج ليس فقط إلى الوصول إلى المعلومة لأن التقنية تساعدك أن تصل إلى المعلومة، بل يحتاج إلى شيء مهم جداً لا يقل أهمية عن وصول المعلومة، وهو كيفية التعامل مع هذه المعلومة وكيفية فهم المعلومات. والحقيقة أن الموسوعات الإلكترونية قد توقفك على الكلام، لكن غير المتمرس قد تظله هذه المعلومة ويفهمها على نقيض المقصود بها، وقد وجدت هذا كثيراً في بعض الرسائل العلمية؛ تلقى الشخص يبحث بحثاً إلكترونياً فيجد مثلاً كلاماً نفترض في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فياتي وينقل الكلام ويوثق مجموع الفتاوى، ظهر أمامه الكلام، لو رجع ثلاث صفحات إلى الخلف أو رجع حتى أحياناً صفحة واحدة إلى الخلف لاكتشف أن هذا الكلام ليس كلاماً لشيخ الإسلام، وإنما ينقله عن غيره، وبعض الأحيان ينقله عن غيره في الصفحة السابقة اسم المنقول عنه، وفي الصفحة اللاحقة الرد على ذلك الكلام، فالذي يأتي فقط ليقف على المعلومة دون أن يكون عنده ملكة، ربما يضل بذلك. ولهذا يقول الأول: إذا رمت العلوم بغير شيخ تضل عن الصراط المستقيم، وتلتمس الأمور عليك حتى تصير أضل من تووم الحكيم.

والموسوعات الإلكترونية من أبرزها وأشهرها جامع الفقه الإسلامي. أيضاً في هذا العصر الحاضر ظهرت المجلات الفقهية، والمجلات الفقهية هي مجلات تعنى بالأبحاث الفقهية المحكمة، ومن أبرز هذه المجلات كما سبق ذكره مجله المجمع الفقهي الدولي التابع للمنظمة، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي. وأيضاً هناك من المجلات الفقهية مجلة الجمعية الفقهية السعودية، وهي مفيده وطالب العلم يحسن به المتخصص في الفقه يحسن به أن يطالع مثل هذه الأمور. تقول لطالب العلم يحسن به أن يقرا كتب الاجماع، وطالب العلم يحسن به أنه يقرأ كتب المذهب، وطالب العلم يحسن به أن يحفظ متناً، ويحسن به أن يقرا مجلات.. وش نخلي؟ وش نشوف؟ نقول كل هذا يحسن به. ويحسن بطالب العلم أن يشغل حياته بالعلم تماماً، والعلم إذا أعطيتك كلك أعطاك بعضه خلاص، فيحط طالب العلم يجتهد في تحصيل هذا. ولا شك أن لما نقول يحسن به ذلك لا يعني أنه في أول الأولويات، وليس معنى أنه أهم المهمات، وسنذكر إن شاء الله بعد درس أو درسين نبين منهجية الدراسة والتفقه في هذا العلم الجليل وهو علم الفقه.

كذلك من المجلات مجلة الجمعية الفقهية السعودية، وهي مجلة نفيسة ووصلت إلى نحو من عشرين عدداً إلى الآن، كل عدد يكون في نحو من ثلاثمائة إلى أربع مئة صفحة. وكذلك من المجلات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة وغيرها.

أيضاً من الأشياء التي ظهرت في العصر الحاضر ظهور المواقع الشبكية على الإنترنت، ومنها بعض المواقع المتخصصة في الفقه، ولا أحب أن أطيل كثيراً بذكرها وتعدادها، لكن عندنا الشبكة الفقهية والملتقى الفقهي وغيرها. وأيضاً هذه المواقع الإلكترونية سهلت التواصل بين أهل العلم. وبمناسبة فإن مسألة الإجماع بعض العلماء تكلموا في السابق قالوا إن الإجماع لا يمكن أو يعسر حصوله أو تحصيله، يعني يعسر الوقوف عليه، ليش؟ قال لك لأن العلماء انتشروا في الأقطار وتفرقوا فيها، فكيف تصل إلى أقوالهم جميعاً؟ نقول هذه المسألة الآن تيسرت في العصر الحاضر، صار ما بينك وبين العالم الذي في آخر الدنيا إلا أن ترفع السماعة وتكلمه أو ترسل له إيميل أو ترسل له رسالة واتساب، فصار من السهل جداً التواصل مع أهل العلم في جميع الأقطار. كان ابن المنذر يقول: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم.. أجمع علماء الأمصار. كانت هذه الكلمه حتى يحصلها الإنسان تحتاج بذل وجهد ورحلة وتنقل، ولكن الآن سهلت إلى حد كبير.

من الأشياء التي ظهرت في العصر الحاضر دعوة التجديد في أصول الفقه، ودعوة التجديد في أصول الفقه هذه إن شاء الله سنفصل فيها في المحاضرة اللاحقة، لكن خلينا ناخذ بقية الأشياء حتى نعود إليها. ومما ظهر أيضاً في العصر الحاضر كثيرة النوازل الفقهية، وقد ذكرنا أن هذا بسبب الثورة الصناعية وظهور التقنية واستخدام المكائن والكهرباء، فظهرت نوازل كثيرة جداً جداً جداً في كل الأبواب، وفي كل يوم وليلة تظهر أشياء عجائب. يعني كان مثلاً الآن نوازل في كل الأبواب؛ إذا جئت للطهارة، الطهارة مثلاً ما حكم استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة؟ إذا جئت في الصلاة، الصلاة في الطائرة، الصلاة مثلاً القراءة من الجوال المصحف، هل يجوز مس المصحف بغير طهاره إذا كان في الجوال ولا ما يجوز؟ وأشياء لا حصر لها. وبمناسبة فإن علم الفقه ما هو؟ سبق معنى علم الفقه هو العلم المتعلق بأفعال المكلفين أو بأفعال العباد. أفعال العباد الآن من ناحية أنواعها وأجناسها تتطور وتتسارع وتتغير بشكل عجيب، وكل فعل من هذه الأفعال وكل نازلة من هذه النوازل فيها حكم شرعي. ولهذا يقول الشافعي: فإنه لا تنزل باحد من الناس نازلة إلا وفي كتاب الله عز وجل بيان الهدى فيها.

وهذه النوازل متنوعة؛ منها نوازل تتعلق مثلاً بالعبادات، ومنها نوازل بالمعاملات، ومنها نوازل بالأسرة، ومنها نوازل في الجنايات، ومنها نوازل تجمع أبواباً متعددة. وكتب العلماء والباحثون في هذه المسائل، وصدرت فيها القرارات، والمجامع اصدرت فيها قرارات فقهية. ونشأ أيضاً مركز يختص بدراسة هذه القضايا وبخدمتها في جامعة الإمام اسمه مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة، وصدرت عنه عدد من الدراسات وعدد من الأبواب وصدرت عنه الموسوعة، موسوعة الفقهية القضايا الفقهية المعاصرة التي سبقت الإشارة إليها، وأقام عدد من الندوات والمؤتمرات.

من معالم العصر الحاضر أيضاً فيما يتعلق بالجانب الفقهي: ظهور ونشأة الكليات الشرعية والأقسام الفقهية، فانشات الجامعات ومن ضمن الكليات فيها كليات الشريعة. وكليات الشريعة هذه خدمت من ناحية نشر العلم وتعليم الناس، ومنها كلية الشريعة في جامعة الإمام وجامعة أم القرى وجامعة القصيم والجامعة الإسلامية، وكل واحد من هذه الكليات له منهج ومقررات ومفردات لو أردنا أن نذكره لطال المقام بذلك.

وأيضاً من الأشياء التي حركت البحث العلمي في هذه الكليات الشرعية هو افتتاح الدراسات العليا، وصار كل طالب إذا أراد أن يتخرج في الماجستير أو في الدكتوراه لابد أن يكتب بحثاً، وهذه البحوث بعضها يطبع وبعضها لا يطبع، لكنها حركت البحث الفقهي والرسائل العلمية، سواء في ذلك الرسائل المتعلقة بالماجستير أو الرسائل المتعلقة بالدكتوراه فيها ما هو على مستوى الجودة ومفيد جداً جداً يعتبر مرجعاً في بابه، وفيها ما دون ذلك، وفيها ما ينطبق عليه قول القائل: فلا يغرنك بريق الأغلفة، فكم كتاب حقه أن تتلفه.

وكما قال الأول يقول: استبدلوا لفظ الفقيه بغيره ومن العجيب محدثون دكاترة، والله لو علم الجدود بحالنا لتناقلوها في المجالس نادرة. وأحياناً ينطبق على بعض الناس يحصل على الدكتوراه، وما أبرئ نفسي، يحصل على الدكتوراه فينطبق عليه قول القائل يقول: ودخلت فيها جاهلا متواضعا، وخرجت منها جاهلا دكتورا وفي رواية: وخرجت منها جاهلا مغروراً. فليس تحصيل الشهادات في حد ذاته نهاية العلم ولا دليل على العلم، كما قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: ما العلم حمل شهادات مزخرفة بزخرف القول من نثر ومنتظم بل خشية الله في سر وفي علن فاعلم هي العلم كل العلم فالتزم

هذا ما يتعلق بمعالم الفقه في العصر الحاضر. وبقي معنا الكلام عن قضية التجديد الفقهي والتجديد في أصول الفقه، إن شاء الله تكون في الدرس القادم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.