بالنسبة للمذهب الحنفي، مذهب الإمام أبي حنيفة مر بثلاث مراحل في تدوين المذهب وفي نشأة المذهب. الدور الأول أو المرحلة الأولى هي مرحلة النشوء والتكوين، ولا شك أن هذه المرحلة نشأة المذهب الحنفي تبدأ من الإمام أبي حنيفة نفسه. الإمام أبو حنيفة نفسه معه في ذلك أبو يوسف القاضي الذي ولد سنة 113 وتوفي سنة 183، والامام أبو يوسف كان ركنا من أركان المذهب الحنفي.
وكان له دور كبير جدا في نشر المذهب الحنفي، والسبب في ذلك أن الإمام أبا يوسف رحمه الله كان هو مسؤول القضاة في الدولة العباسية، مسؤول القضاة يعني تقدر تسميه وزير العدل مثلا في زمن الدولة العباسية في زمن هارون الرشيد وغيره. فلما كان قاضيا كان يقضي بمذهب أبي حنيفة، فسبب ذلك انتشار المذهب. وكان كثيرا من القضاة الذين تولوا مقاليد القضاء ممن عرفهم القاضي أبو يوسف وعرفهم بالفقه فعينهم في القضاء من اتباع المذهب الحنفي، فأدى ذلك إلى انتشار مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان للقاضي أبو يوسف دور كبير في ذلك.
ومن أيضا أركان المذهب الحنفي الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى. والقاضي أبو يوسف كان له دور في نشر المذهب في الناحية العملية القضائية، وأما الإمام محمد بن الحسن الشيباني فكان له دور كبير في نشر المذهب الحنفي في ناحية التدوين والتصنيف. كتب أبي يوسف لم يبق منها شيء كثير، بقي منها كتاب الخراج، وأما كتب محمد بن الحسن الشيباني فكانت هي العمدة في المذهب الحنفي، وله ستة كتب تعرف بكتب ظاهر الرواية؛ وهي المبسوط ويسمى الأصل، وكذلك عنده الجامع الصغير والجامع الكبير، وعنده الزيادات، وعنده السير الكبير والسير الصغير، وهذه الكتب تسمى كتب ظاهر الرواية.
من يقder يعيدها لنا كتب محمد بن حسن السته ظاهر الرواية؟ تفضل شيخ: المبسوط ويسمى الأصل، الجامع الصغير والجامع الكبير، السير الصغير والسير الكبير، باقي الزيادات، وهذه الكتب هي كتب ظاهر الرواية. وقد توفي الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله سنة 189. ومن أئمة المذهب الحنفي ومن أصحاب أبي حنيفة وطلابه زفر بن الهذيل رحمه الله تعالى وهو أول أصحاب أبي حنيفة موتا، زفر بن الهذيل توفي سنة 158.
ومنهم الحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا أيضا من أصحاب أبي حنيفة، توفي سنة 204. هذا مر معنا التاريخ هذا، نعم سنة وفاة الإمام الشافعي توفي في نفس السنة. الحسن بن زياد اللؤلؤي وهو آخر أصحاب أبي حنيفة الذين اعتمدوا في مذهبه وكانوا من أركان المذهب. أبو يوسف ومحمد بن الحسن يطلق عليهم في المذهب الحنفي وفي غيره من كتب الفقه والخلاف الصاحبان، يسمى أبو يوسف ومحمد بن حسن يسميان بالصاحبين. فإذا قرأت في كتب العلماء وذهب الصاحبان إلى كذا فهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. ومحمد بن الحسن وأبو يوسف هم من العلماء والفقهاء المجتهدين، يعني لم يكونوا من المقلدة لأبي حنيفة بس اخذوا مذهب وهكذا، بل كانوا جزءا في تكوين المذهب، بل إنهم خالفوا الإمام أبا حنيفة في مسائل واعتمد بعضها في الفتوى في المذهب الحنفي.
المذهب الحنفي مكون من أقوال الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحيانا أيضا زفر وغيره. قد تكون الفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين وليست على قول الإمام أبي حنيفة في بعض المسائل خالفوا، خاصة أن محمد بن الحسن وأن القاضي أبا يوسف لم يقتصروا في أخذهم وتلقيهم على أبي حنيفة، لا، اخذوا عن مالك أيضا. محمد أبو يوسف التقى بالامام مالك، وكذلك محمد بن الحسن التقى بالامام مالك وروى عنه الموطأ، وفيه نسخة من الموطأ موجودة ومطبوعة اسمها موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني. فلما رحل إلى مالك والتقى بالإمام مالك رجع وعنده شيء من المزج بين مدرسة العراق ومدرسة المدينه ومدرسة الحجاز. وهذا أثر أيضا على المدرسة الحنفية نفسها، حتى الكتب الحنفية تثبت الآراء التي خالف فيها محمد بن حسن شيخه أبا حنيفة، فيقول لك والله هذه المسألة المعتمد فيها قول أبي حنيفة وهذا هو الأصل، لكن في بعض المسائل يقول لك المعتمد هو قول الصاحبين، وقد يوافقون أبا حنيفة وهذا كثير بلا شك، تكون المسألة قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن كل شيء واحد، لكن في بعض المسائل يختلفون في ذلك.
انتقل بعد ذلك المذهب إلى الدور الثاني والمرحلة الثانية، وهي مرحلة التوسع والنمو والانتشار. استقر المذهب، يعني تقدر تقول المرحلة الأولى جمعت فيها أقوال الإمام أبي حنيفة، ثم بعد ذلك بدأ التدوين يتطور وصنفت المختصرات والمتون. فكتب الطحاوي مختصرا في الفقه، الطحاوي هذا أبو جعفر الطحاوي له كتاب في الاعتقاد مشهور وهو العقيدة الطحاوية، هذا كتاب في الاعتقاد وله مختصر أيضا في الفقه، نعم، وله كتب أخرى أيضا الإمام الطحاوي رحمه الله.
وكذلك من علماء هذه المرحلة الإمام السرخسي، وله كتاب المبسوط. وكذلك من علماء هذه المرحلة الإمام الكاساني، والكاساني هذا له كتاب بدائع الصنائع، بدائع الصنائع هذا شرح به كتابا لأحد علماء الحنفية اسمه السمرقندي أبو الليث السمرقندي تمام، شرح فيه يعني الكاساني شرح تحفة الفقهاء بكتابه بدائع الصنائع. يقولون عن الكاساني يقولون: الكاساني شرح تحفة أبي الليث السمرقندي ولهذا يقولون شرح تحفته وتزوج ابنته، تمام، هو تزوج بنت السمرقندي شرح تحفته وتزوج ابنته، نعم.
وكذلك من الكتب الإمام الكرخي رحمه الله، له كتاب مختصر الكرخي. وكذلك عندنا مختصر القدوري وهو من المتون المعتمدة، هذا القدوري أحد المتون الأساسية والمعتمده في مذهب الإمام أبي حنيفة، يسمونه الكتاب اسمه الكتاب كده، يعني إذا أطلقوا الكتاب فالمراد به مختصر القدوري. وفي كتاب اسمه اللباب شرح الكتاب، يعني شرح مختصر القدوري. ومن علماء هذه المرحلة الشيخ المرغيناني رحمه الله، له كتاب بداية المبتدي، وبدايه المبتدي هذا أيضا اشتغل به الحنفية أيضا اشتغالا كبيرا وصنفوا عليه الشروح، وممن شرحه مؤلفه صنف فيه الهدايه شرح البدايه. واعتنى علماء الحنفية بكتاب الهداية هذا، خرجوا أحاديثه وشرحوه بشروح كثيرة منها الكتاب المعروف بشرح فتح القدير هذا شرح كتاب الهداية تمام، وفيها البناية شرح الهداية وغيره.
كذلك من العلماء في هذه المرحلة النسفي له كتاب اسمه كنز الدقائق، وكنز الدقائق أيضا هذا أحد المتون المعتمدة في مذهب أبي حنيفة، كنز الدقائق وشرح بعده شروح كثيرة منها البحر الرائق في شرح كنز الدقائق، وعندنا أيضا شرح تبيين الحقائق للزيلعي على كنز الدقائق. وعلى كل حال بالمناسبه، يمكن كثير منكم يقول أنا كيف أحفظ أسماء هذه الكتب؟ قال لي أحدهم كلمة، يقول: درست كثير هذه الكتب ومرت علي ودرستها في المدخل الفقهي وفي تاريخ الفقه وكذا، لكني ما عرفت هذه الكتب وحفظتها وعرفت مؤلفيها إلا لما دخلت في البحث الفقهي، فانت إذا دخلت المكتبة الفقهية ومارست البحث سيصير عندك حفظ أسماء هذه الكتب وحفظ مؤلفيها سجية، فلهذا لا يلزم أن تتكلف في هذا الوقت، يعني تقول والله أنا حضرت الدرس ما استفدت شيء، عرفت كنز دقائق ومدري ايش ومادري ايش بس ما حفظت مؤلفيها ولا عرفت يعني في أي مذهب. نقول: هذه ستستقر عندك مع مرور الأيام إذا اشتغلت بالبحث الفقهي وقرأت، وإذا ذهب منها شيء فهذا لا يضر، يعني إذا أنت لم تكن مشتغلا بمذهب أبي حنيفة وما تعرف بداية المبتدئ أن مؤلفه هو المرغيناني هذا أمر لا يضر، واضح. لكن من بحث واشتغل بالبحث والقراءة وكذا ستصير هذه الأمور عنده سجية.
كذلك بعد ذلك جاء عندنا دور الاستقرار الذي استقر فيه مذهب الإمام أبي حنيفة، خلاص المتون المعتمدة استقرت وصنفت واشتغل الناس بعد ذلك بشرحها وبيان معانيها. ومن العلماء في هذه المرحلة ابن نجيم الحنفي الذي كتب كتابه البحر الرائق شرح كنز الدقائق، وكذلك صنف ابن عابدين كتابه رد المحتار، وهذا ختام التصنيف في المذهب الحنفي، اللي هو كتاب حاشية ابن عابدين اسمه رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار. طيب لو بقول لك اسم تنوير الأبصار هذا لمن؟ رد المحتار هذا لابن عابدين، خلاص. الدر المختار هذا للحصكفي، وتنوير الأبصار للتمرتاشي، خلاص لا تحفظها، لكن إذا كنت طالب علم متخصص في المذهب الحنفي تدرس مذهب أبي حنيفة لابد ستعرف هذه الكتب بلا شك.
ننتقل بعد ذلك أيها الإخوة الكرام إلى مذهب مالك، ولعل الوقت المتبقي لذلك قليل، فلعلنا نلخص ما سبق معنا عن مذهب الإمام أبي حنيفة. عرفنا أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله هو مذهب النشأة بشكل جماعي، وكانت للإمام أبي حنيفة حلقة يدرس فيها الفقه وكانت فيها مناظرات ومناقشات، وربما استمر في المسألة الواحدة لمدة شهر حتى تستقر وتكتب بعد ذلك في كتب ظاهر الرواية.
ومن أعلام هذا المذهب الإمام أبو يوسف القاضي الذي تولى القضاء في الدولة العباسية، وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ويعرف هذا وهذا بالصاحبين. ومحمد بن الحسن الشيباني صنف كتبا في مذهب الإمام أبي حنيفة منها الأصل ويعرف بالمبسوط، وكذلك الجامع الكبير والجامع الصغير إلى آخره.
وهذا المذهب مر بعدة مراحل؛ المرحلة الأولى كانت مرحلة النشوء والتصنيف والجمع، ثم بعد ذلك بدأ العلماء ينظرون في هذه الأقوال التي جمعها محمد بن الحسن الشيباني وصنفوا فيها كتبا مختصرة وصححوا الرواية وما هو المعتمد في المذهب وما هو غير المعتمد. ثم بعد ذلك جاءت المرحلة التي بعدها، مرحلة استقرار اقتصرت أو ركزت على شرح المتون التي صنفت في المرحلة السابقة.
وقد عرفنا أيضا في ترجمة الإمام أبي حنيفة ما كان عليه من العبادة والتقوى والزهد والورع، وكذلك ما كان عليه من الذكاء الشديد وما كان عليه من العلم والدراية. نسأل الله عز وجل باسمه الأعظم أن يتغمد هذا الإمام وأن يتغمد أعلام هذا المذهب بالرحمة والمغفرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وفي الدرس القادم إن شاء الله ناخذ ما يتعلق بمذهب الإمام مالك رحمه الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت