ومن الدعوات التي حصل منها شيء من الإشكال في قضايا أصول الفقه والتجديد في أصول الفقه؛ ما يتعلق بالدعوة إلى جعل علم مقاصد الشريعة هو العلم الحاكم على الاجتهاد والاستنباط، وأنه ليس هناك حاجة كبيرة إلى علم أصول الفقه، وأن علم مقاصد الشريعة علم يغني عن علم أصول الفقه.
طبعاً الناس مراتب في هذا؛ منهم من يطرح بمثل هذا الطرح ويقول: خلاص مقاصد الشريعة؛ لأن مقاصد الشريعة هو العلم الذي تضبط من خلاله المصالح؛ لأن مقصد الشريعة هو مصلحة العباد في المعاش والمعاد، إذاً هو يتكلم عن إيش؟ المصالح، واضح. فياتي يقول لك: ما نحتاج علم أصول الفقه هذا الذي يتعلق بالكتاب والسنة والاجماع والقياس، نحتاج علم مقاصد الشريعة الذي يتعلق بضبط المصالح.
وهناك من تكون دعوته أخف من ذلك، فهو لا يدعي أن علم مقاصد الشريعة يغني بالكلية عن علم أصول الفقه، ولكنه ربما يضخم فيه. ومن الأشياء التي استدل بها على ذلك أنهم حاولوا -أعني أصحاب المدرسة المقاصدية المعاصرة- حاولوا أن يستثمروا كتابات الشاطبي رحمه الله تعالى في ذلك. تعلمون أن الإمام الشاطبي رحمه الله هو من أوائل من أبرز مقاصد الشريعة، وأنا أحب أن أنبه هنا إلى أنه على مر ثلاثة عشر قرناً لا يعرف في مدونات الإسلام أن هناك علما مستقلا اسمه علم مقاصد الشريعة أبدا، يعني لا يوجد علم اسمه علم مقاصد الشريعة إلى ما قبل مئة سنة، فلا يمكن أن تجد في ترجمة عالم من العلماء يقولون: كان رحمه الله فقيهاً أصولياً مقاصدياً، ما راح تجد هذا. فإفراد مقاصد الشريعة وجعلها علما مستقلا هذا أمر حدث في الأزمنه المتأخرة، ليس قبل مئة سنة من الآن، واضح.
طيب، قد يقول قائل: لا مشاححة في الاصطلاح. نعم، لا مشاححة في الاصطلاح؛ فكون المبحث الذي يتعلق بمقاصد الشريعة يفرد بعلم مستقل وبكتب مستقلة هذا أمر لا إشكال فيه، وقد افرده بعض المتقدمين، يعني مثلا العز بن عبد السلام صنف كتابا يركز على قضية المصلحة ومراتب المصالح وما إلى ذلك، وله في ذلك كتاب القواعد الكبرى والقواعد الصغرى.
ولكن أين يقع الإشكال؟ الإشكال يقع حينما يفرد هذا العلم استقلالا ثم يدرس لغير المتخصصين، ويدعى أن هذه هي الأداة التي تؤهل للاجتهاد. وبعضهم يستدل في ذلك بكلام للإمام الشاطبي. الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات قال: إن الإنسان يشترط ليكون مجتهدا شرطان؛ الشرط الأول هو العلم باللغة العربية، والشرط الثاني العلم بمقاصد الشريعة. ولم يقصد رحمه الله تعالى العلم بمقاصد الشريعة يعني ما يسمى اليوم بعلم مقاصد الشريعة أبدا؛ لأنه وحتى هو في نفس كلامه هذا قال: كمعرفة مقصد الأمر هو الوجوب، لا يحصل ذلك بمجرد اللغة العربية. إذن من مقاصد الشرع إرادة الوجوب من صيغة الأمر، من مقاصد الشرع إرادة الاستغراق للأفراد من صيغة العموم، إرادة التحريم من صيغة النهي، وهكذا. يعني باختصار، مقاصد الشريعة في كلام الإمام الشاطبي هي علم اصول الفقه بجميع أبوابه، واضح.
جاء اليوم من أفرز ذلك وأبرز هذا وقال: إنه الشاطبي يقول يكفي لتحصيل الاجتهاد معرفة مقاصد الشريعة تمام، ويسمونه اجتهادا مقاصديا، كأنه في عندنا اجتهاد مقاصدي واجتهاد ثاني غير مقاصدي؛ اجتهاد نصي هو الاجتهاد تنظر في النصوص الشرعية، وفي اجتهاد ثاني وبعضهم يجعله اجتهادا فوق ذلك وهو الاجتهاد المقاصدي ما تنظر في حروف النص الشرعي وإنما تنظر في روح الشريعة مقاصد الشريعة. ولا شك أنه لا يمكن تحصيل هذا المعنى إلا بالنظر في النصوص الشرعية، واضح.
طيب، إذا جئنا وعملنا مقارنة بين الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وبين من غلى في قضية المقاصد، قضية المقاصد هي تركز على إيش؟ المصالح، واضح. طيب، معرفة المصالح أمر يختص به علماء الشريعة؟ المصالح إذا طرحناها بالمعنى الدنيوي -يعني عندنا قضية الآن قضية اقتصادية هل المصلحة أن نتخذ القرار ألف ونمنع هذه المعاملة أو المصلحة أن نتخذ القرار باء ونسمح بهذه المعاملة- هذا أمر يختص به علماء الشريعة؟ إذا كان ننظر بالمصلحة الدنيوية لا يختص به علماء الشريعة، واضح، بل لا يختص به المسلمون أصلا، الكفار ألا يدركوا مصالحهم الدنيوية؟ يدركون ولا لا؟
فأن نجعل شرط الاجتهاد هو معرفة المصالح بالمعنى الدنيوي، لا شك أن هذا معناها أن أكثر الكفار يصيرون مجتهدين، كثير من الكفار بيصيروا مجتهدين، عندهم آلة الاجتهاد وهي معرفة المصالح ورتبها، المتخصص من يهودي كان أو نصراني أو ملحد يستطيع أن يقول لك: والله هذه المصلحة أعلى من هذه، هذه مصلحة جماعة ومصلحة أمة وهذه مصلحة فرد، هذه شيء ضروري وهذا شيء حاجي وهذا شيء تكميلي، هذه رتب المصالح بهذا النمط بالمعنى الدنيوي ليس أمرا يختص به علماء الشريعة، بل ليس أمرا يختص به حتى المسلمون، واضح.
إذا جئنا ونظرنا في كلام الإمام الشاطبي رحمه الله -وبالمناسبه الشاطبي لم يفرد علم اسمه علم مقاصد الشريعة أصلاً حتى يفسر كلامه بهذا- الشاطبي ألف كتابه الموافقات وجعل فيه أبواب أصول الفقه، ومن ضمنها سمى كتابا اسمه كتاب المقاصد، جزء يعني باب من أبواب كتاب الموافقات، واضح.
طيب نعم، وبالمناسبه الشاطبي له كتابان، كتاب الموافقات وكتاب الاعتصام، الاعتصام هذا يتكلم عن أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة والتحذير من البدعة، ولهذا سمى بعضهم الذين يركزون فقط على كتاب الموافقات قال: هؤلاء أنصاف الشاطبي، تعرف عندنا نصف الفقيه ونصف النحوي، قال: هذا نصف شاطبي، أخذ بجزء من كلام الشاطبي وترك جزء، ولا شك هذا فيه إشكال.
طيب، الإمام الشاطبي في كتابه في الموافقات كان يركز كثيرا على المقاصد الأخروية، المقاصد الأخروية للشريعة التي لا تتمثل في المصالح الدنيوية. ولهذا لما ذكر المقصد الشرعي من وضع الشريعة قال: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعيه هواه ليكون عبدا لله اختيارا كما أنه عبد لله اضطراراً. فهذا ذكره في أول المقاصد من وضع الشريعة، فهذا أمر أول نلاحظ أن الشاطبي يركز على المقاصد الأخروية.
الأمر الثاني أن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى يركز كثيرا جدا على تعظيم فهم السلف وتعظيم اتباع السلف، وأن الإنسان لا يجتهد في خارج فهم السلف، وله في ذلك عبارات قوية، ومنها أنه قال: فكل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه، هذه عبارة الإمام الشاطبي. وهذه العبارة أصحاب المدرسة المصالح المقاصد الدنيوية هؤلاء لا يمكن أن يقولوا هذا الكلام، بالعكس هم أصلا يدعون للتجديد في أصول الفقه؛ لأن تنقض طريقة فهم السلف وتأتي بطريقة فهم عصرية، وبعضهم يعبر عن ذلك بحرية الفهم، يقول لك: قدسية النص وحريه الفهم تفهم النص كما تريد، النص مقدس على الراس والعين، وأما طريقه الفهم فأنت حر فيها.
وكذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاه ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوى في العلم والعمل. وبالمناسبة الإمام الشاطبي رحمه الله يقول في كتابه الموافقات -وهذه رسالة لمن يتقحم بعض الكتب قبل أن يتاهل-: يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: ولهذا فلا يحل لأحد أن ينظر في كتابي هذا نظر مفيد أو مستفيد إلا وهو ريان من علوم الشريعة أصولها وفروعها، لا يحل يقول: ولا يحل لأحد أن ينظر في كتابي هذا نظر مفيد أو مستفيد إلا وهو ريان من علوم الشريعة أصوله وفروعه. والآن يجي واحد ما درس شيئا وياخذ كتاب الموافقات للشاطبي -نفس عبارة الشاطبي نكمل-: قال لأنه إن فعل ذلك كان ذلك عليه فتنة بالعرض وإن كان حكمه بالذات، يقول: يفتتن بهذا الكتاب كتاب، وإن كان الكتاب ما فيه حق لكن هو ما يفهمه فيضل، واضح.
فلهذا مسألة المقاصد والمصالح هي من أدق مسائل أصول الفقه، تتعلق بمبحث المناسبة في القياس، ليست من المسائل التي تشاع لكل أحد، الآن يجي حتى غير المتخصص يقول: أدرس مقاصد الشريعة، أدرس أصول الفقه، وأصول الفقه جزء منها الكلام على مقاصد الشريعة. لكن تاتي واحد ما درس الآجرومية في النحو وتقول له: تعال ادرس علل النحويين في مسائل النحو، هو ما يعرف أصلا كلام النحويين حتى يعرف طريقه تعليلهم.
ومن الفروق بين الشاطبي والمقاصد أن الشاطبي رحمه الله تعالى يعظم مقام المجتهدين والمدارس الفقهية، حتى أنه قال: وعلى الجمله فالمفتي مقوم وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولي الأمر، ولذلك سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله، ومقصوده بذلك أن العلماء ورثه الانبياء، ويقول: كالنبي، يعني أن العلماء ورثه الأنبياء فيجب اتباعهم في فهم الشريعة.
والشاطبي نفسه رحمه الله كان مالكيا لا يخرج عن مذهب مالك في الفتوى، ويقول رحمه الله تعالى: وأما نقل مذاهب الأنصار سوى مذهب مالك والفتوى بها بالنسبة إلينا فهو أشد، لأنها مذاهب يذكر لنا منها أطراف في مسائل الخلاف لم نتفقه فيها -يعني ما درسنا مذهب الشافعي ولا مذهب أبي حنيفة، درسنا على مذهب مالك- قال: ولا رأينا من تفقه فيها ولا عرف أصولها ولا دل على معانيها ولا حصل قواعدها التي تبنى عليها، فنحن والعوام سواء، فكما أنه لا يحل للعامي الذي لم يقرأ كتابا ولا سمع فقها أن يأخذ كتب الفقه فيقرأها لنفسه ويفتي بما حصل منها على علمه، كذلك من لم يتفقه في مذهب غير مذهب مالك وإن كان إماما في مذهب مالك.
وكذلك يقول: وأنا لا أستحل إن شاء الله في دين الله وأمانته أن أجد قولين في المذهب فأفتي بأحدهما على التخيير مع أني مقلد، بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به فهو الذي أذكره للمفتي. هذا الشاطبي رحمه الله، نعم. قال: وقد نقل -هذا الشاطبي أيضا يقول-: وقد نقل عن الإمام المازري على إمامته أنه لا يفتي بغير المشهور من مذهب مالك، ومحله من العلم ما قد علم، هذا الشاطبي. ويقول أيضا: وإنما يبقى النظر في المسألة أن من يترخص في ذلك يبني على بعض التأويلات التي هي خلاف المعتمد من مذهب مالك. ويقول أيضا: والعمل إنما يكون في المسائل الخلافية على ما هو المشهور.
فإذا كان هذا هو الإمام الشاطبي فكيف ينتسب هؤلاء إلى الإمام الشاطبي؟ شتان، يعني بون شاسع بين بعض دعاة المقاصد اليوم الذين يدعون إلى فتح باب الاجتهاد عن طريق النظر في المقاصد والمصالح المحضة، شتان بينهم وبين طريقة الإمام الشاطبي.
ومن أجل ذلك كتب أحدهم يقول: لقد بدى لنا من خلال هذه الفتوى المطولة كيف أن التزام المذهب ظل مقيدا للشاطبي مع في طبيعة تنزيله واجتهاده المقاصدي، وهو ما يؤكد أنه لم يخرج في مجال الاجتهاد الفقهي التنزيلي عن حدود المذهب، تمام. إلى أن قال: قال فالشافعي فالشاطبي على جلالته مقاصديا لم يتمكن من ذلك، وتفعيله المقاصدي على مستوى الاختيار الفقهي لم يكن يتناسب مع حجم تنظيره.
يعني باختصار أن الشاطبي نحن المقاصد التي نريدها ليست هي بالنمط الذي طبقه الشاطبي رحمه الله تعالى. وأنا أحببت إني أتوسع في هذه القضية وأستطرد فيها؛ لأن الناس اليوم قد غلوا في هذه القضية وبالغوا فيها، وصار يعني يجعلون لم يقتصروا فقط على جعل مقاصد الشريعة علما مستقلا، بل صار بعض طالب العلم ما درس في حياته متنا فقهيا على قول واحد، ما حصل له ذلك، ثم يبدأ يدرس المقاصد وربما يكتب أبحاث في المقاصد يأخذ بها أبحاث ترقية وهو ما درس متنا فقهيا ولا درس في أصول الفقه شيئا ذا بال، فليتنبه إلى هذا الأمر.
الشيخ عامر بهجت