بعد ذلك ننتقل إلى مرحلة الأئمة الأربعة. ونحن الآن في أي الأزمنة؛ الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين؟
نعم، التابعين ولا أتباع التابعين. الأئمة الأربعة هل هم من التابعين ولا من أتباع التابعين ولا فيهم من هو من التابعين وفيهم من هو من أتباع التابعين؟ كلهم من أتباع التابعين. الإمام أبو حنيفة رحمه الله اختلف أو يعني قيل إنه رأى أنس بن مالك، ولهذا اختلف هل هو من التابعين أو من أتباع التابعين، وسياتي ذكر ذلك.
الإمام أبو حنيفة رحمه الله ولد في سنة 80 للهجرة، وقد قيل إنه رأى أنس بن مالك. أنس متى توفي رضي الله عنه؟ سنة 93 صح ولا لا؟ 93، فقيل إنه رأى أنس بن مالك. وتوفي الإمام أبو حنيفة في سنة 150 هجري، وفي هذه السنة نفسها حصل حدث آخر يتعلق بالأئمة الأربعة: ولادة الشافعي، حتى قيل إنه ولد في نفس اليوم، ولكن هذا قيل بصيغة التمريض، لكنه ولد في نفس السنة.
والثاني من الأئمة الأربعة هو الإمام مالك، وقد ولد في سنة 93، السنة التي توفي فيها أنس بن مالك. إذا مالك بن أنس بن مالك ولد في السنة التي توفي فيها أنس بن مالك. أبوه؟ ها، أبوه ولا ما هو أبوه؟ مالك بن أنس بن مالك ليس والدا له، نعم. مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي لا ينتسب إلى أنس بن مالك الصحابي، واضح؟ نعم. وتوفي الإمام مالك في سنة 179، وولد الإمام الشافعي كما قلنا في سنة 150 للهجرة، السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله. وتوفي الإمام الشافعي في سنة 204. ثم الإمام أحمد ولد في سنة 164 وتوفي في سنة 241.
نبدا قبل الدخول في تفاصيل هذه المذاهب، نريد أن نبين الامتداد التاريخي ونسب هذه المدارس، النسب العلمي لهذه المذاهب الأربعة، النسب والاسناد لهؤلاء الأئمة الأربعة. نحن سبق أن ذكرنا أن المدارس الفقهية للصحابة هي مدرسة المدينة ومكة والعراق.
فمدرسة المدينة عندنا فيها زيد بن ثابت وابن عمر؛ ابن عمر اخذ عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، تمام؟ وابن عمر أخذ عنه جمع سبق ذكر بعضهم، أخذ عنه جمع منهم نافع وسالم، والامام مالك رحمه الله أخذ عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وهذا من أصح الاسانيد أيضا عن ابن عمر، وكذلك أخذ عن نافع عن ابن عمر عاليا، تمام؟
فالامام مالك رحمه الله أخذ عن نافع عن ابن عمر، وهذا كما قلنا هو من أصح الاسانيد بل قيل إنه أصح الاسانيد على الإطلاق. والإمام الشافعي أخذ عن من؟ أخذ عن مالك، وأخذ عن مالك وقرأ عليه الموطأ. وقال له الإمام مالك لما جاء الإمام الشافعي وحفظ الموطأ وقرأه على الإمام مالك، قال له ايش قال؟ أوصاه بوصية، قال: يا بني، إني أرى أن الله قد قذف في قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية.
الإمام الشافعي تفقه على مالك، والإمام أحمد أخذ عن الشافعي، طبعا الإمام أحمد لا نستطيع أن نجعله من تلاميذ الشافعي بمعنى التلمذة المحضة، نعم استفاد من الشافعي وأخذ عنه الفقه، وكذلك استفاد منه. الشافعي رحمه الله أخذ عنه الحديث واستفاد منه، وبهذا نلحظ الامتداد.
الإمام مالك إذا هذا مدرسة مالك وعرفنا امتدادها. خلينا نأتي إلى مدرسة مكة ومدرسة العراق.
مدرسة مكة إمامها هو عبد الله بن عباس، أخذ عنه عمرو بن دينار، وأخذ عن عمرو بن دينار سفيان بن عيينة، وهو من الفقهاء وسياتي معنا أنه صاحب مذهب متبوع، سفيان بن عيينة هذا من أصحاب المذاهب المتبوعة التي اندرست تمام. والامام الشافعي أخذ عن سفيان بن عيينة، وكذلك الامام أحمد أخذ عن سفيان بن عيينة، فحصل لهم تحصيل فقه أهل مكة بالنسبة للإمام الشافعي والإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وبالنسبة لفقه أهل العراق وأهل الكوفه كما قلنا إنه يرجع إلى فقه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وكذلك إلى فقه علي رضي الله تعالى عنه. وأخذ عن ابن مسعود علقمة، وأخذ عن علقمة إبراهيم، وأخذ عن إبراهيم حماد، وأخذ عن حماد أبو حنيفة.
طيب الإمام أبو حنيفة -لاحظ الآن- ستدخل المدارس الفقهية الأربعة، ستتداخل مدرسة الإمام أبي حنيفة. بالمناسبة، العلماء يقولون إن مذهب أبي حنيفة مذهب جماعي، تأسيسه تأسيس جماعي، لا يقتصر فقط على فقه أبي حنيفة، بل هو مجموع فقه أبي حنيفة مع فقه محمد بن الحسن الشيباني مع فقه أبي يوسف، وسناتي إلى هذه القضية.
لأن الإمام أبا حنيفة كانت طريقته في تقرير المذهب وفي تقرير الفقه، حلقة؛ هذه الحلقة يحضرها أساطين الفقهاء، يعني لا تحسب أنه يجلس مجلس يتلقون عنه يكتبون يمشون، لا. الحضور عنده أبو يوسف، محمد بن الحسن الشيباني، حفص بن غياث، أكابر المحدثين وأكابر أهل اللغة وأكابر الفقهاء والقضاة، كلهم في مجلسهم، فتطرح المسألة ثم يقول: ايش رأيك يا أبو يوسف؟ فيتكلم فيها، ثم يرد عليه الثاني والثالث ويحصل نقاش، قيل إن المسألة قد تناقش في حلقة أبي حنيفة لمدة شهر، وهو تأسيس أول مجمع فقهي إن صحت الأولية، يعني تأسيس أول مجمع فقهي كان مجمعا فقهيا.
ثم بعد ذلك إذا انتهت المسألة يقررها الإمام بعد ما يسمع من الجميع، يقول: أنت قلت كذا، والرد عليه كذا، والجواب عنه كذا وكذا وكذا، ثم يطرح المسألة ثم تقرر. فاذا استقرت المسألة دونت في فقه أبي حنيفة، ولهذا كان تاسيسه على فقه جماعي، واضح؟
طيب الإمام أبو حنيفة، صاحَباه هما محمد بن الحسن الشيباني والقاضي أبو يوسف. الإمام أحمد أخذ عن القاضي أبي يوسف، اتصل نسبه بالمدرسة الحنفية تحديدا وبفقه أهل الكوفة من طرق كثيرة. كذلك أخذ الإمام أحمد -الإمام الشافعي كذلك- عن محمد بن الحسن الشيباني، حتى قيل إنه يقول: كتبت عن محمد بن الحسن وقر بعير من الكتب تمام! وأخذ عنه واستفاد منه، فحصل له فقه أهل العراق وفقه الحنفية، وكذلك أخذ عن مالك.
فتلاحظ الآن الشافعي أخذ عن مالك، وأخذ عن أبي حنيفة من طريق محمد بن الحسن، واضح؟ الإمام أحمد أخذ عن الشافعي، كذلك أخذ فقه أهل مكة عن طريق سفيان بن عيينة وعن طريق غيره، وكذلك أخذ عن القاضي أبي يوسف وعن غيره من أهل العلم. وهنا نلحظ التداخل والترابط بين هذه المدارس الفقهية.
طبعا الإمام احمد رحمه الله تعالى كان أوسعهم مادة من جهة اتصاله بجميع المدارس الفقهية للصحابة، وسعت روايته عن الصحابة. العلماء رحمهم الله تعالى كل عالم يتميز بميزة؛ يعني الإمام أبو حنيفة -سياتي معنا هذا- كان يتميز بقدرته على المناظرة والاستدلال حتى قال مالك -كما سياتي معنا-: لقيت رجلا لو أراد أن يقنعك أن هذه السارية من ذهب لفعل من قوة حجته رحمه الله وفقهه.
والامام احمد رحمه الله تميز بسعة روايته للحديث، وهذه ميزه لا شك أنه فاق الجميع فيها، خاصة فيما يتعلق بآثار الصحابة. ولهذا قال الناظم في حق الإمام أحمد: وهو من الأئمة الكبار، واعلم الجميع بالآثار، وقام بالإسلام حين محجم كل عن الحق، فلم يفتح فما في مسألة المحنة؛ محنة خلق القرآن.
طيب إذا هذا ما يتعلق بالمدارس الفقهية. وبالمناسبة، الفقه اليوم مشايخنا الذين اخذنا عنهم تعرف سلسلتهم الفقهية إلى هؤلاء الأئمة؛ يعني مثلا شيخنا ابن عقيل، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، غيره من المشايخ. أنت تعرف مثلا الشيخ عبد الله بن عقيل، الشيخ عبد الله بن عقيل رحمه الله يتصل تفقهه على شيخه مثلا الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ الثاني عبد الرحمن السعدي له طريق يوصله إلى الإمام أحمد من طريق محمد بن إبراهيم رحمه الله ومن طريق السعدي جيد، ثم ياتي تلميذه. فالفقه هذا نسب علمي متصل، يأخذ فيه التلاميذ عن شيوخهم.
الشيخ عامر بهجت