السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ هذا مقرر المدخل إلى الفقه الإسلامي، نحن اليوم على موعدنا مع الدرس الخامس من هذا المقرر، فتفضلوا للاستماع إلى الدرس وأرحب بأشكالكم وتساؤلاتكم بعد.
قد سبق معنا الكلام عن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، والثاني من المذاهب الفقهية الأربعة من حيث التسلسل الزمني هو مذهب الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وقد اختلف في نسبه بعد ذلك مع الاتفاق على كونه من قحطان، وهذا لا يهمنا كثيرا تحقيق النسب، نسب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
وقد ولد هذا الإمام سنة 93 للهجرة، وهي السنة التي توفي فيها أنس بن مالك رحمه الله، ولد سنة 93، وتوفي رحمه الله في سنة 179 للهجرة، وقد تشهد عند وفاته، وهذه خاتمة حسنة وفقه الله عز وجل إليها؛ أنه تشهد عند وفاته ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد، عبادته وتقواه.
نعم، نعم الله أكبر، العبادة والتقوى. الإمام مالك رحمه الله شأنه شأن الأئمة من أئمة السلف، كانوا على قدر عظيم من العبادة ومن التقوى ومن خشية الله سبحانه وتعالى، وهذا هو رأس العلم، فإن راس العلم هو مخافة الله سبحانه وتعالى. ولهذا لما قيل لأخت الإمام مالك: ما كان شغله في بيته؟ قالت: كان شغله المصحف والتلاوة، هذا شغله في البيت؛ المصحف والتلاوة.
ويقول ابن وهب -وهذا جانب عظيم من جوانب التقوى والخوف من الله عند الإمام مالك رحمه الله-: لو شئت أن أملا الألواح من قول مالك لا أدري لفعلت. يقول: لو أنك كل مرة الإمام مالك يسأل عن مسألة يقول: لا أدري، أكتبها لامتلات الألواح، صار عندي مجلدات خاصة فقط بمسائل لا أدري. وقد جاء رجل من العراق إلى الإمام مالك فسأله عن بضع مسألة، فقال في 36 منها: لا أدري، 36 من بضع مسألة.
وهذه المسألة من أعظم ما ينبغي ويجب أن يتربى عليه طالب العلم، يجب على طالب العلم أن يحفظ كلمة لا أدري هذه ويجعل له فيها ورد، لابد أن تجعل كلمة لا أدري هذه على طرف اللسان. بعض الناس يسأل عن المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر، فيقول: والله يا اخي أحس أنها حرام، أحس، احساس! فيتكلم في دين الله بالذوق، يقول: والله يا اخي مستحيل هذه تكون أنها حرام، اكيد أنها حلال تمام! ويتكلم في دين الله ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكذِب﴾ [النحل: 116]. والله عز وجل يقول: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60].
وأول من يدخل في الكذب على الله من ينسب إلى دين الله عز وجل ما ليس منه بغير علم، والقول على الله بغير علم من كبائر الذنوب. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وهذا دأب الأئمة مالك، الشافعي، أحمد، أبو حنيفة، وحتى الإمام احمد سياتي معنا، ولو مسكت فتاوى الإمام احمد لوجدتم مئات المسائل يسأل عنها احمد يقول لا أدري، يقول فيها لا أدري، مع أنه يمكن يحفظ في هذه المسألة مئتي حديث -طبعا حديث بمعنى حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة وعن التابعين- لكن يقول لا أدري، ليش؟ لأنه توقف في الترجيح في المساله، أما تعارضت عنده الادله أو وجد الصحابة اختلفوا، وهذا أمر لابد أن يتربى عليه طالب العلم.
وحدثنا بعض المشايخ؛ الشيخ محمد بن عبد الله الحسين رحمه الله من طلاب الشيخ محمد بن إبراهيم، يقول: كنا نسال الشيخ -الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية في زمانه- يقول: كنا نسأله عن بعض المسائل فيقول لنا لا أدري وهي من المسائل الواضحة. يقول: فعرفنا بعد ذلك أن الشيخ يريد أن يربينا على هذه الكلمه، يعني هدفه من الإجابة عن مسألة واضحة بقول لا أدري أن الطالب يقول: مفتي الديار يسأل عن مسألة واضحة ويقول ما أدري، فيأخذ الطالب منه ويتلقى عنه هذه الكلمة.
والعلماء رحمهم الله كانوا يتلقون عن شيوخهم الأدب والسمت قبل العلم، ولهذا كان يحضر مجلس الإمام أحمد أكثر من خمسة آلاف من اللي يكتب، فيهم نحو من خمسمائة، والبقية يأخذون من سمته وادبه وهديه وخشيته رحمه الله تعالى. ومما يؤخذ عن الشيوخ لا أدري.
وبالمناسبة، احنا ذكرنا النسب العلمي لكل واحد من الأئمة الأربعة، الإمام احمد رحمه الله طبعا الإمام أبو داود صاحب السنن اخذ عن الإمام احمد، صح ولا لا؟ والامام احمد اخذ عن عدد من العلماء، لكن يقول الشيخ محمد سالم عبد الودود: رب ابن مسعود مقيم الملة فكان يحكي هديه ودله. مقيم الملة يعني النبي عليه الصلاة والسلام، فكان اشبه الناس بالنبي عليه السلام ابن مسعود، يقول: رب ابن مسعود مقيم الملة فكان يحكي هديه ودله، وكان علقمة ابن أم عبد كهذا للنبي الأمي، يعني كان أشبه الناس بابن مسعود علقمة، وكان أشبه الناس بعلقمة إراهيم النخعي، وكان أشبه الناس بإبراهيم النخعي سفيان الثوري، وكان أشبه الناس بسفيان الثوري وكيع بن الجراح، وكان أشبه الناس بوكيع بن الجراح أحمد بن حنبل، وكان أشبه الناس بأحمد بن حنبل أبو داود.
يقول: رب ابن مسعود مقيم الملة فكان يحكي هديه ودله، وكان علقمة لابن أم عبد كهذا للنبي الأمي. نعم، كذلك إبراهيم يحكي علقمة وهل له من نسب ما أكرمه؟ قال: وكان سفيان لإبراهيم كذاك يحكي هديه القويم. وهكذا أيضا وكيع كان بشيخه سفيان، وكان أحمد لدى الجميع مشبها بشيخه وكيع، كذا أبو داود، كذا أبو داود عند الكمل مشبها بأحمد بن حنبلي رحمه الله عليهم أجمعين.
الأمر الآخر في عبادة الإمام مالك وتقواه أنه ابن مهدي يقول رحمه الله: ما رأيت أحدا أهيب ولا أتم عقلا من مالك ولا أشد تقوى منه. وكان رحمه الله معظما للسنة، ما يأتي إلى مجلس الحديث إلا بعد أن يغتسل ويتطيب ويلبس احسن ثيابه رحمه الله، حتى روى -كما ذكرنا لكم- أنه لدغ في مجلس الدرس فما تحرك تعظيما لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما علمه فمن اعظم ما ناله من الشرف أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث أنه قال: «ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة». من هو عالم المدينة؟ اختلف العلماء فيه، لكن بعض اهل العلم منهم سفيان بن عيينة يقول: هو مالك. يقول: هو مالك ما ترك على ظهر الأرض مثله رحمه الله، وهذا شرف عظيم.
ومن علمه رحمه الله وذكائه أنه تاهل للفتيا وجلس للإفادة وعمره إحدى وعشرون سنة، لكن ما هو جلس للفتيا وهو عمره إحدى وعشرون سنه هكذا، قال: ما افتيت إلا بعد أن شهد لي سبعون محنكا أني اهل لذلك. سبعون عالما من علماء المدينة شهدوا له أنه اهل للفتوى فأفتى وعمره كم؟ إحدى وعشرون سنة رحمه الله تعالى. وقال عنه الشافعي رحمه الله: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. هذا هو إمام المذهب مالك بن أنس.
الشيخ عامر بهجت