دخولتسجيل الدخول

فقه. وكنا قد ذكرنا أن الصحابة الذين نقلت عنهم الفتوى مئة وثلاثون، نقلت عنهم؛ لا نتكلم عن الصحابة الذين أفتوا وإنما الذين نقلت عنهم الفتوى. المكثرون منهم أولهم عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك علي بن أبي طالب، وكذلك ابن مسعود.

وقلنا إن عبد الله بن مسعود كان له مذهب فقهي له أتباع، فين؟ في أي بلد؟ في العراق في الكوفة، فإن مذهب ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هو المذهب الموجود في الكوفة. عمر رضي الله عنه بعث ابن مسعود إلى العراق إلى الكوفة وقال لأهل الكوفة: تعلموا منه، فوالله لقد آثرت به على نفسي. فكان رضوان الله تعالى عليه معلما ومفتيا في الكوفة، ونشأ له طلاب ومدرسة فقهية ومذهب فقهي، وكان أهل الكوفة وأهل العراق على مذهب عبد الله بن مسعود رضوان الله تعالى عليه.

وهذا يدل على أن نشأة المذاهب الفقهية نشأة مبكرة، وهي أمر طبيعي؛ لما يكون هناك إمام، وأكثر الناس كما تعلمون أكثر الناس لا يبلغون في العلم مرتبة الإامامة -صح ولا لا؟- ولا مرتبة العلماء، فمن الطبيعي جدا أن الناس سيلتفّون حول هذا العالم وياخذوا بفتاويه. هذا أمر ليس مستنكرا ولا مستغربا، صح ولا لا؟ فهذا هو الأمر المتوقع والطبيعي، أن يكون لتلاميذ عبد الله بن مسعود رضوان الله تعالى عليه دونوا مذهبه، وكان يفتي الناس وكان الناس يتبعون هذا المذهب.

وكذلك من المكثرين عائشة الصديقة بنت الصديق رضوان الله تعالى عليها، فقد كانت معلمة فقيهة مفتية، وانتفع بها خلق كثير، وتفقه عليها عدد من فقهاء التابعين، بل حتى الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون إليها في الفتوى في بعض المسائل.

كذلك من أئمة الفقه الذين كثر النقل عنهم في الفقه زيد بن ثابت، وقد نقلنا قبل قليل عن ابن المديني أن زيد بن ثابت كان له مذهب متبوع في أي البلاد؟ في المدينة؛ المدينة النبوية. في عصر الصحابة كان المدرسة الفقهية السائدة التي لها اتباع يصدرون عنها هي مدرسة زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. ولما توفي زيد صارت المدينة على مذهب عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر كما نقل بعض أهل العلم كان يأخذ بمذهب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وليس هذا أخذه بمذهب زيد ليس أخذ المقلد قول المجتهد، فلا شك أنهما من أئمة الاجتهاد رضي الله تعالى عنهما، ولكنه أخذ المجتهد بقول مجتهد آخر.

وكذلك من الصحابة المكثرين عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عباس أيضا كان له مذهب متبوع في أي البلاد؟ في مكة، فإن أهل مكة في الحجاز، وفي مكة تحديدا لأن الحجاز يشمل مكة والمدينة، ومكة كانت على مذهب عبد الله بن عباس، وكان أعيان الفقهاء في مكة بعد وفاته هم تلاميذه الذين تفقهوا على عبد الله بن عباس، وكذلك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر كان في أي البلاد؟ كان في المدينة.

وأما المتوسطون فيمكن أن تجمع من فتاوى كل واحد منهم جزء صغير جدا، كما قرر ذلك ابن حزم وتبعه على هذا ابن القيم في أعلام الموقعين، وهم: أبو بكر وعثمان وأم سلمه وأنس بن مالك وأبو سعيد وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله ومعاذ.

ومعاذ ذكر في المتوسطين من جهة ايش؟ أنه لم ينقل عنه فتاوى كثيرة كالطبقة الأولى، وأما من جهه العلم وتقديمه في العلم فلا شك أنه كان من أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضوان الله عليه. وردت أحاديث وإن كان أهل العلم يتكلمون هل هي ثابتة أو لا، ولكن معاذ بن جبل كان أعلم الأمة بالحلال والحرام؛ كان فقيها عالما، وكان في الشام -طبعا ذهب إلى اليمن- وكذلك كان له تلاميذ في بلاد الشام. وكذلك سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.

وأما المقلون فعدد كبير، بقية المئة والثلاثين يعني يطلع لك أكثر تقريبا مئة وعشرة من المقلين، وهؤلاء المقلون يمكن أن تجمع فتاويهم جميعا في جزء صغير. منهم: أبو الدرداء والحسن والحسين وأبي بن كعب وأبو أيوب وأسماء وزيد بن أرقم وثوبان وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم.

وبالمناسبه، نحن ذكرنا من المكثرين زيد ومن المتوسطين معاذ بن جبل، عمر رضي الله عنه يقول: من أراد الفرائض فليأت زيد بن ثابت. زيد من فقهاء الصحابه ولكن كان تخصصه الدقيق الفرائض، أفرَضكم زيد. ومن أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني.

ننتقل إلى الصفحة التي بعدها، والصفحة التي بعدها تتعلق بالمدارس الفقهية. نحن ذكرنا في السابق الصحابة، وهؤلاء الصحابة الذين ذكروا ليس جميعهم كان له مدرسة فقهية لها اتباع يسيرون عليها، لكن المدارس الفقهية التي تشكلت في زمن الصحابة هي ثلاث مدارس: المدرسة الأولى مدرسة المدينة، والثانية مدرسة مكة، والثالثة مدرسة العراق وتركز في الكوفة.

ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في أعلام الموقعين: يقول الفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد الله بن عمر وأصحاب عبد الله بن عباس. في المدينة المدرسة الفقهية في المدينة هي مدرسة زيد بن ثابت ثم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.

وابن جرير الطبري يقول: قيل إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعد زيد بن ثابت في المدينة إنما كانوا يفتون بمذهب زيد بن ثابت، وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قولا.

ومالك ينقل يقول: كان إمام الناس بالمدينة بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس بعده عبد الله بن عمر. فإن الإمام مالك هو فقيه أهل المدينة إمام دار الهجرة رضي الله تعالى عنه ورحمه. إذا هذه المدارس الفقهية في زمن الصحابة، وقد سبق التعليق عليها: زيد بن ثابت وبن عمر، وابن عباس في مكة، وابن مسعود في العراق وتحديدا في الكوفة.