دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياك الله أخي المستمع، حياك الله أختي المستمعة، أرجو أن ننتفع بهذا المقرر وأن يحقق أهدافه العلمية وأهدافه الوجدانية، ونحن الآن مع موعدنا مع الدرس الرابع في هذا المقرر، فتفضلوا.

هذا بالنسبة لهؤلاء العلماء؛ ونشرع الآن في الكلام عن المذاهب الفقهية الأربعة التي ما زالت قائمة إلى اليوم يفتى بها ويقضى بها ويصنف فيها. وهذه المذاهب الأربعة ذكر الإام ابن رجب رحمه الله تعالى في رسالته الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: أن الله عز وجل حفظ القرآن، وكان من الأسباب التي هياها الله عز وجل لحفظ القرآن ما قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمع المصحف، وعثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد وعلى مصحف واحد. وهيأ الله عز وجل من الأسباب في حفظ السنة بالأسانيد وبعلم الرجال، وقام المحدثون بجهود عظيمة في حفظ السنة في دراسة أسانيدها ومعرفة طرقها ورجالها.

وكذلك الله عز وجل هيأ الأسباب لحفظ الحلال والحرام ولحفظ الفقه، وذلك عن طريق هذه المذاهب الأربعة؛ وهذه المذاهب الأربعة حفظ الله عز وجل بها العلم والفقه، وجمع الله عز وجل بها الأمة. وبعض الناس يتصور أن المذاهب الفقهية سبب لتفرق الأمة، وهذا غلط كبير، بل هذه المذاهب الفقهية سبب لاجتماع الأمة وليست سببا لتفرقها. ولما حوربت المذاهب الفقهية -وهذا من أكبر الغلط أن تحارب هذه المذاهب- بعض الناس يعتقد هذه المذاهب أنها مزقت الأمة وفرقت الأمة، بالعكس! لما هدمت أو ما هدمت المذاهب باقية ومؤلفاتها وعلمائها وطلاب العلم يدرسونها، ولكن بعض الناس يسعى إلى هدم هذه المذاهب وإلغاء هذه المذاهب ويظن أنه بذلك يجمع الناس، وإنما الواقع أنه يتفرق الناس، بدال ما الناس على مذاهب أربعة يصيرون على أربعمائة مذهب، كل واحد يصير رأسا بذاته!

فالمقصود أن هذه المذاهب كما ذكر الإمام ابن رجب أن الله عز وجل قدر أن تجتمع الأمة في هذه المدارس وهذه المذاهب الأربعة. بعض الناس يتصور أنها تمثل أربعة أشخاص من أمة فيها هذه الملايين وفيها هذه المئات من المجتهدين، وهؤلاء يمثلون أربعة مجتهدين، فهو يتصور يقول: المجتهدين مئات من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهؤلاء أربعة ماذا يمثلون؟ نقول: هؤلاء ليست القضية أربعة أشخاص، هذه المذاهب الأربعة اجتمعت فيها المدارس الفقهية للأمة كلها، واضح؟ المدارس الفقهية.

وقد عرفنا هذا لما عرفنا أن المدارس الفقهية في زمن الصحابة والتابعين اجتمعت ووجدت في هذه المذاهب الأربعة، فليست القضية أنه شخص مالك، وشخص الشافعي، وشخص أبو حنيفة، وشخص أحمد بن حنبل؛ هؤلاء ماذا يمثلون في تاريخ فقهي عريق؟ هؤلاء يمثلون كل المدارس الفقهية من زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

والإمام أبو حنيفة رحمه الله وهو أول هؤلاء الأئمة من جهة الزمان، فقد ولد رحمه الله تعالى في سنة ثمانين للهجره، وهو النعمان بن ثابت أبو حنيفة، اسمه النعمان بن ثابت بن زوطى، أو زوطى على وزن موسى أو وزن سلمى. نعمان بن ثابت بن زوطى رحمه الله، اختلف في نسبه قيل إنه فارسي وقيل إنه عربي، وهذا لا يؤثر، فانه إمام من أئمة الدين. وقد ولد سنة ثمانين للهجرة كما ذكرنا، وتوفي في سنة مائة وخمسين. وقد ذكرنا أن هذه السنة التي توفي فيها أبو حنيفة ولد فيها الشافعي رحمه الله.

الإام أبو حنيفة رحمه الله راى انس بن مالك ولهذا هو معدود في التابعين، معدود في التابعين. وبعض الناس قد لا يثبت هذا الأمر، ولكنه معدود في التابعين. نعم، لم تثبت له رواية عن الصحابه، لم تثبت له رواية، لكن ثبتت له الرؤية، والرؤية يثبت بها وصف أنه من التابعين، واضح؟

طبعا هناك من الناس من لا يثبت هذا الوصف؛ يقول: إن أبا حنيفة من أتباع التابعين. ولكن كثير من المؤرخين ومن أهل العلم يثبت أنه راى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وبهذا يكون الإمام أبو حنيفة هو الوحيد من الأئمة الأربعة الذي عد في التابعين، وبقيتهم من أتباع التابعين.

الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان من أئمة العبادة، وهذا وصف لا تكاد تخطئه؛ إذا قرات تراجم أئمة العلم من السلف تجد أن أئمة السلف يجمعون بين العلم والامامة في العبادة والامامة في العلم. الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما ذكر الذهبي في السير قال: روي من وجهين أن أبا حنيفة قرا القرآن كله في ركعة. قرا القرآن في ركعة! وهذا ثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم أنه قرا القرآن في ركعة. وهل هذا متصور؟ بلا شك هو متصور وممكن، وهذا دليل على عبادته وزهده رحمه الله تعالى.

ويقول أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته. ومما يدل على تقواه رحمه الله أنه قال له رجل: اتق الله. أبو حنيفة هذا يسمى الإمام الأعظم! جاءه رجل من عامة الناس قال: اتق الله. فماذا كان منه؟ قال: فانتفض واصفر وأطرق وقال: جزاك الله خيرا، ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا. فهذا هو المبغي في اهل العلم، وهذا حال جميع اهل العلم رحم الله من الأئمة المتبوعين، أنهم كانوا أصحاب عبادة وتقوى.

وأما من ناحية الذكاء؛ لأن المقوم الذي يحتاجه العالم هو الجانب العلمي والجانب الإيماني، الجانب الإيماني ليكون عالما متبوعا يثق الناس في رأيه، أن يكون رجل يخاف الله عز وجل ويتقي الله، ولا يكفي كثرة المعلومات. فمن جانب العلم وهو الجانب الثاني: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وهذا دليل على قوة الحجة.

والإمام أبو حنيفة كانت حلقته حلقة مناظرة، وكان كما ذكرنا أن الإمام أبا حنيفة كانت حلقته مكتظة بأئمة الدين علماء الكوفه، يعني كانت الحلقة الرئيسية في الكوفه في زمانه هي حلقه الإمام أبي حنيفة؛ فيحضر القضاه والعلماء وأهل اللغة وأهل الحديث، وكان يفتح المجال للنقاش، فإذا أخطأ ردوا عليه. ولهذا يروى أن وكيعا قيل له: أخطأ أبو حنيفة؟ فقال: كيف يخطئ أبو حنيفة وعنده مثل محمد بن الحسن وأبو يوسف في فقههم، وعنده مثل فلان وفلان -وذكر رجلا من أئمة اللغة في اللغة- وعنده حفص بن غياث في الحديث، وعنده الفضيل بن عياض في الزهد؟ كيف هذا؟ إذا أخطأ ردوا عليه. فهذا مذهب كما ذكرنا لكم مذهب نشا نشأة جماعية، مجمع فقهي، حلقة الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وحسبك بهذه الكلمة! وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. فشهد للإمام أبي حنيفة بالفقه مالك والشافعي من أئمة المذاهب رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.