دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله تبارك وتعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

هذه المحاضرة في موضوع منهج البحث في القضايا الفكرية المعاصرة، وفيها نتناول بإذن الله عز وجل المنهج السليم الذي يمكن من خلاله أن نتناول القضايا الفكرية والعقدية المعاصرة، وكيف يمكن تحليل هذه المباحث والقضايا وكيف يمكن نقدها؟ كل ذلك في إطار تصور شرعي سليم. وهذه المحاضرة موجهة للطلبة المبتدئين والمتوسطين في المجال البحثي الفكري والعقدي.

هذه المحاضرة تجعل محاورها كالتالي: مقدمة أبدأ بها وأذكر فيها أهمية الموضوع وبعض ما ينبغي الاعتناء به في هذا المجال. وبعد ذلك محور تمهيدي أذكر فيه كلمة عن المنهج، وكلمة عن الفكر، وكلمتان عن خصوص الفكر المعاصر. ثم محور ثان بعد المحور التمهيدي أتحدث فيه عن الإعدادات القبلية؛ يعني الأمور التي ينبغي أن يستعد بها الطالب قبل أن يخوض غمار البحث في القضايا الفكرية، فهذه الإعدادات القبلية أتحدث فيها عن الحمولة المعرفية التي ينبغي توفرها في الطالب، وثانيا عن توازن الشخصية، وثالثا عن قضية شبكة القراءة الشرعية التي يمكن من خلالها تناول هذه القضايا.

ثم محور ثالث وقد يققال إنه المحور الأهم أو هو لب الموضوع، وإن كانت المحاور التي قبله مهمة أيضا. هذا المحور الثالث أتحدث فيه عن منهج التحليل والنقد للقضايا الفكرية، وفي المنهج نتحدث عن الأدوات التي ينبغي توفرها في الباحث، وثانيا عن أصول التحليل والنقد، وثالثا عن المزالق التي ينبغي اجتنابها عند البحث في القضايا الفكرية المعاصرة.

إذا؛ في مقدمة لهذه المحاضرة حين اتصل بي الأفاضل وفي برنامج مساق وذكروا لي هذا واقترحوا علي هذا الموضوع، فإنني في الحقيقة أجبت بكل رغبة وبكل حماس؛ وذلك لأهمية هذا الموضوع. فالحق أن الحاجة اليوم ملحة جدا إلى تأصيل في مجال البحث الفكري والعقدي؛ وذلك لأسباب متعددة.

أولا؛ أكثر خلاف الناس واشد خلاف الناس وأخطرا خلاف الناس قديما وحديثا هو في هذه القضايا الفكرية والعقدية. وهذه القضايا؛ إذا لاحظنا الكم الهائل من الخلاف حولها في القديم والحديث، ثم ما يترتب على ذلك الخلاف، فإننا نجزم بأن تأصيل هذه المباحث يمكن أن يعصم من كثير من المفاسد التي تترتب على خلاف في موضع يمكن أن لا يكون فيه خلاف، فالتأصيل يزيل كثيرا من الخلافات المفتعلة، ويعطي لهذه المباحث ما تقتضيه وما تستلزمه من أصالة في البحث ومن رصانة ومن بعد عن الفوضوية وعن العشوائية والتسرع الذي توصم به كثير الأبحاث الفكرية والعقدية المعاصرة.

ثم القضية ليست في كثرة الخلاف فقط في هذه المباحث، ولكن أيضا في الذي يترتب على هذه الخلافات. فالخلاف في هذه القضايا الفكرية والعقدية ليس كالخلاف في الاجتهادات الفروعية. الخطأ أو الخلل في المجال الفكري والعقدي يمكن أن يؤدي إلى خطورة بالغة، إلى كوارث سواء على صعيد الأفراد أو المجتمعات أو حتى على صعيد الدول.

فععلى صعيد الأفراد مثلا؛ من أهم المباحث العقدية مباحث الأسماء والأحكام، وهي الأسماء التي تترتب عليها أحكام، مباحث الإيمان والكفر والفسق والفجور والصلاح وما أبه ذلك، وما يترتب على هذه الأسماء من أحكام شرعية خطيرة جدا سواء في تأصيلها النظري أو في تنزيلها الواقعي.

وأيضا هذه المباحث نفسها يمكن أن تؤدي إلى؛ إذا اسيء استخدامها، يمكن أن تؤدي إلى حروب، ويمكن أن تؤدي إلى دمار، ويمكن أن تؤدي إلى قيام دول وسقوط دول؛ يعني مباحث السياسة الشرعية مثلا ترتبط بقيام الدول وسقوطها وترتبط ببناء المجتمعات. يعني كثير من النقاشات الفكرية المعاصرة هي نقاشات مجتمعية في الأصل متعلقة بوجود الإنسان، كيفية تعامله مع أخيه الإنسان داخل المجتمع الواحد، كيفية تعامل المواطن مع المواطن، كيفية تعامل المسلم مع الكافر، بناء المجتمع والقيم التي تسود هذا المجتمع وهل هي قيم شرعية أم هي قيم مخالفة للشرع؟ هل هي قيم كونية كما يقول بعض الناس أم لا توجد أصلا قيم يمكن أن يقال أنها كونية؟ يعني مباحث كثيرة جدا والخلاف فيها ليس كالخلاف في كيف يتوضأ فلان؟ وكيف يصلي علان؟ لأن هذه المباحث الاجتهادية الفرعية كان؛ يعني المباحث الصلاة وما يترتب عليها هي مهمة جدا وفي أعلى مدارج الفقه، ولكن مع ذلك الخلل فيها أو الخطأ فيها لا يترتب عليه من المفاسد ما يترتب على الخلل في هذه المباحث الفكرية والعقدية.

ثم الاشكال الثالث الذي يجعل الحاجة ملحة جدا إلى بحث هذه الأمور، هو أن مواقع التواصل الاجتماعي المعاصرة أدت إلى ما يمكن أن نسميه دمقرطة الكلمة؛ بمعنى صار الجميع قادرا على الكلام والتعبير والبحث، بقطع النظر عن قدرة هذا المتكلم عن إنشاء فكر رصين وفق منهج علمي.

فلأجل ذلك هذه الدمقرطة، إن صح هذا التعبير، صحيح أنها اتاحت الفرصة للكثيرين أن يتكلموا، أن يبحثوا، أن يعبروا، وهذا شيء كانوا ممنوعين منه بشكل أو باخر إلى عهد قريب. يعني مثلا كان إلى عهد قريب؛ يعني كتابة مقال يحتاج منك إلى أشياء كثيرة، ويحتاج بعد أن تكتبه إلى أن تجد من ينشره لك، وهذه كلها صعوبات. لا شك أنه مع مواقع التواصل هذه الصعوبات أزيلت، ولكن بموازاة هذه الفوائد فإن هنالك مفسدة عظيمة، وهي أن الفكر الرصين تضرر تضررا بالغا بسبب هذا الانتشار الأفقي الحديث والكلام في المباحث الفكرية والعقدية، الفكر الرصين عموما، سواء كان دينيا أو غير ديني. عموما هنالك إشكال في وفرة المعلومات، وفي كثرة الكلام، وفي كثرة النقاش في جميع القضايا، ولكن بالمقابل هنالك ضمور في البحث الفكري الرصين المنهجي العلمي، سواء كان ذلك في المباحث الشرعية والدينية، أو كان ذلك في غيرها من المباحث.

فإذا الحاجة ملحة إلى هذا الموضوع. وحين نتحدث عن العمل أو عن البحث عموما في هذه القضايا الفكرية، فإننا أمام أمرين اثنين: عندنا كمية العمل وعندنا جودة العمل؛ يعني إذا أردنا أن ننتج بحثا في هذه القضايا، وحتى في غيرها، فنحن نحتاج إلى عمل كثير ونحتاج إلى عمل جيد. فالعمل الكثير؛ الإكثار من العمل، سهر الليالي بمصطلح المتقدمين، الكد، الجد، علو الهمة في البحث، هذه كلها مرتبطة بكمية التحفيز التي توجد عند الباحث وما لديه من رغبة في إنتاج هذا البحث.

لكن قد توجد الرغبة وقد يوجد التحفيز، وقد يكثر العمل جدا، يمكن للباحث أن يخصص وقته كله للبحث في هذه القضايا، ولكن مع ذلك يخرج البحث ضعيفا مهلهلا. لما؟ لأن الكثرة لا تقتضي الجودة، وجودة العمل تحتاج إلى شيء آخر غير التحفيز والرغبة، تحتاج إلى المنهج.

فإذا لا بد من منهج علمي للتعامل مع هذه القضايا، وإذا هذا يجرنا إلى الكلام عن المنهج، وهو المبحث الأول من المحور التمهيدي. المحور التمهيدي نظرت فيه إلى العنوان، العنوان هو ماذا؟ منهج البحث في القضايا الفكرية المعاصرة. إذا عندنا منهج أو منهج البحث، وعندنا القضايا الفكرية إذا نحتاج إلى الكلام عن الفكر، وعندنا ثالثا الفكر المعاصر؛ لأن العنوان يقيد الفكر بكونه معاصرا، فاذا نحتاج إلى البحث في هذه القضايا الثلاثة.

أولا المنهج؛ المنهج في اللغة كما هو معروف هو الطريق الواضح. كلمة منهج تدور على، أو مشتقة من لفظ نهج، النون والهاء والجيم، هذه المادة اللغوية تدور على هذا المعنى، معنى السلوك، معنى الطريق، معنى الطريق الواضح، إلى غير ذلك.

في الاصطلاح العلمي، المنهج البحثي أو المنهج العلمي هو نسق من الأفكار والقواعد التي تنظم العمل البحثي أو تنظم البحث العلمي. عندي تعريف يمكن أن أقرأه لكم عن المنهج عموما، يقول التعريف، وهو للفيلسوف المعروف عبد الرحمن بدوي: يقول هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة المعلومة.

فاذا هذا التعريف نرى أنه يدور على مجموعة من المفاهيم: أولا هو الطريق المؤدي؛ إذا هنا التعريف الاصطلاحي ينطلق من التعريف اللغوي؛ لأن قلنا في اللغة المنهج هو الطريق، إذا في الاصطلاح هو الطريق. هذا الطريق يؤدي إلى شيء، وهو هذا الشيء هو غاية كل باحث، وهو ماذا؟ هو الكشف عن الحقيقة. وفي العلوم؛ لأن التعريف هنا عن المنهج العلمي، يمكن أن تضع بدلا من العلوم: في الفكر، في الفكر المعاصر، في الشرع، في أي شيء. إذا هو الطريق الذي يؤدي إلى الكشف عن الحقيقة، إذا البحث هنا هو البحث عن الحقيقة. هذا السعي نحو هذه الغاية يمر بواسطة، يمر عن طريق ماذا؟ عن طريق مجموعة من القواعد، من القواعد العامة، من الضوابط التي ماذا؟ تنظم سير العقل. العقل هو الذي يسعى في هذا الطريق، والعقل هو الذي يريد أن يصل إلى الكشف عن الحقيقة، ولكن العقل لا يمكنه أن يسير في هذا الطريق دون أرصان، دون قواعد تضبطه وتنظم سيره، هذه القواعد هي أساس المنهج. أيضا تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة المعلومة.

عندنا في الشرع يمكن أن نطرح سؤالا؛ لأننا نحن في كل مبحث فكري لابد أن نرجع إلى الشرع ونقول: ما موقف الشرع مما نحن بصدده؟ في الحقيقة في دين الله عز وجل عندنا مفاهيم كثيرة يمكن أن تسوغ المنهجية في البحث وفي العمل، ويمكن أن تكون الأصل الذي يجعل للمنهج مشروعية معينة. عندنا مفاهيم من قبيل الهداية وعكسها الضلال، من قبيل النور الذي ينير الطريق والأنوار، وأيضا عندنا مفهوم الصراط المستقيم، وغير ذلك من المفاهيم التي كلها تدور على معنى أن الذي يسير إلى الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يسير دون ضوابط ودون قواعد ودون منهج. هنالك صراط مستقيم طريق، هنالك هداية وهي السير على هذا الصراط المستقيم، وعكسها الضلال الذي هو عدم السير على هذا الصراط المستقيم واتباع السبل التي تفرق عن هذا الصراط المستقيم. عندنا النور وهو الذي ينير لك الطريق حتى تسير عليه لائبا واضحا حتى يوصلك إلى مبتغاك بدلا من أن تسير في ظلام دامس تخرج من الطريق من حيث لا تدري. عندنا ذم الضلال، ذم التخبط، ذم الحيرة. هذه المفاهيم كلها تعطي المشروعية، كما في قوله الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. هذه المفاهيم كلها قلنا تسوغ لنا من الناحية الشرعية أن نكون من أوائل من يسعى إلى المنهج، إلى الانضباط المنهجي.

الانضباط المنهجي له فوائد، أولها أنه يحمي من الفوضى البحثية. وهذا أمر مشاهد حتى في البيئة الأكاديمية التي من المفروض أنها تدرس المناهج أكثر مما تدرس مضامين العلم، ومع ذلك حتى في البيئات الأكاديمية عندنا فوضى بحثية بسبب عدم اتباع مناهج واضحة عند البحث.

أيضا المنهج البحثي يحمي من التأثر بالمؤثرات الذاتية، بمعنى يجعل الباحث موضوعيا ما أمكن، قريبا ما أمكن من الموضوعية ومن البعد عن المؤثرات الذاتية، بحيث يفصل الموضوع عن الذات. بطبيعة الحال، أنا أكرر بين الفينة وأخرى "ما أمكن" لأنني أعلم أن هذا مستحيل، ولكن المقصود هو القرب من الموضوعية، كلما تحليت بالمنهج البحثي كنت أقرب إلى الموضوعية وأبعد من التأثر بالمؤثرات الذاتية. إذا هنالك أولا تأثر بالمؤثرات الذاتية: المشاعر الشخصية، الأيديولوجيا، الذاتية، الفكر الذاتي، الشخصية إلى آخره، هذه كلها تؤثر على البحث، فالمنهج يحاول أن يحميك من هذا.

لكن أيضا هنالك شيء آخر، وهو المؤثرات الخارجية، خاصة ما يمكن أن نسميه القصف المعلوماتي؛ ففي هذا العصر هنالك قصف معلوماتي لا نظير له في التاريخ، ولم يحدث مثيله قط في تاريخ الإنسانية. فاذا عندنا معلومات كثيرة جدا في الشبكة، في الإعلام، في كل مجال وفي كل مكان. هذا القصف المعلوماتي إذا لم يكن لديك منهج، فإنك تقف أمامه حائرا مضطربا، غير قادر على الخروج بنتائج واضحة ووضع خارطة طريق واضحة تسير عليها لتصل إلى مبتغاك في هذه الحياة الدنيا.

وأيضا المنهج يحمي من الخلل في المقدمات ومن التسرع في النتائج؛ فإن لم يكن لديك منهج فانت تضع مقدمات لا ينبني عليها ما تريده، بمعنى أنك تسعى إلى بحث مسألة معينة فانت تضع مقدمات لا يمكن أن توصل إلى تلك النتيجة، وإن أوصلتك إلى تلك النتيجة فذلك يكون من خلال خلل منطقي معين، والا فتلكم المقدمات لا تثمر تلك النتيجة بحسب منهج منطقي سليم. فإذا الخلل في المقدمات يكون ناتجا عن غياب المنهج. وأيضا التسرع في النتائج؛ يمكن أن تضع مقدمات سليمة، ولكن الوصول إلى النتائج انطلاقا من تلك المقدمات يكون عبر عملية استدلالية معقدة ومركبة. التسرع؛ يعني مجرد وضع المقدمات ثم استخراج النتيجة، هذا التسرع مخالف للمنهج البحثي والعلمي السليم.

وقد تكون المقدمات تثمر تلك النتيجة، ولكن الوصول من تلك المقدمات إلى تلك النتيجة لا يمكن أن يكون بطريقة متسرعة. والمنهج يحمي من هذا التصرف. لكن مع ما نقوله عن المنهج وأهميته، فعلينا أن نذكر بأن هنالك بعض الأنواع من النقد يمكننا أن نوجهها إلى المنهج.

أول نقد وأهم نقد يمكن أن نوجهه إلى المنهج هو أن نقول إن المنهج وليد الثقافة التي أنجحته، ولا يكون محايداً مستقلاً أبداً، ومن الوهم العريض الذي يقع عند كثير من الناس أنهم يظنُونَ أن قواعد المنهج التي يستعملها الغربيون، والتي يستعملها من أخذوا تلك المناهج عن الغربيين، يظنون أن تلك القواعد هي قواعد محايدة مستقلة يتعامل بها في كل فن، وفي كل علم، وفي كل بحث، دون أن تكون حاملة لحمولة أيديولوجية أو فكرية معينة. والحق أن المناهج إذا قررنا هذا الأصل، الحق أن المناهج كلها نشأت في بيئة غربية علمانية.

والغربيون لهم تفوق بالغ جداً في ميدان المنهجية أو في علم المنهج، لهم تفوق كبير جداً في هذا المجال، وأنتجوا فيه جداً، بل طبقوا هذا المنهج في العلوم التجريبية والطبيعية، وطبقوه أيضاً انطلاقا من القرن التاسع عشر -من أواخر القرن التاسع عشر- طبقوه أيضاً على العلوم الإنسانية وأنتجوا مجموعة من العلوم الإنسانية، وولدوا علومًا إنسانية جديدة، وطبقوا المناهج التجريبية وغير التجريبية على هذه العلوم، فإذا هم متفوقون تنظيراً وتطبيقاً في مجال علم المنهج.

فإذا نقرر هذا الأصل ونقول فعلا الغربيون متفوقون، لابد من التوسط بين الانبهار بهذه الصورة وهذه الحالة التي وصل إليها الغربيون في مجال المنهجية، وبين غمطهم حقهم. يعني أن ينبغي أن نكون وسطاً بين طرفين: الطرف الأول الذي ينبهر بالمنهجية الغربية، ويقول لا يمكن أن توجد منهجية أخرى غير المنهجية الغربية، وجميع العلوم -بما في ذلك العلوم الشرعية والعلوم التي تمت إلى الشرع وإلى الدين الإسلامي بأعظم صلة- جميع العلوم ينبغي أن تخضع للمنهجيات الغربية. هذا الانبهار غير سليم، وبالمقابل أن نغمط القوم حقهم ونقول لا، أنتم ليس لديكم ما تضيفونه في هذا المجال ولا نستفيد منكم في شيء، هذا أيضاً لا يحق أن نقع فيه.

والصواب إذاً أن نتوسط بين الأمرين، فنأخذ مناهجهم ولكن لا على أنها مسلمة، وإنما نأخذها ونعرضها على ما يمكن أن نسميه شبكة القراءة الشرعية، فنقبل منها المقبول ونرد منها المردود.

النقد الثاني الذي يمكن أن نوجهه إلى المنهجية هو أن المناهج في الأصل -وهذا أشرت إليه سابقاً- أن المناهج في الأصل نشأت في إطار العلوم الطبيعية، ونشأتها في هذا الإطار أدى إلى إشكال حين أريد تطبيق هذه المنهجيات العلمية على علوم ترتبط بالإنسان، يعني ما يسمى بالعلوم الإنسانية. ولا شك أنه في مجال العلوم الإنسانية المرتبطة بالإنسان يصعب مثلاً في كثير من الأحيان، يصعب تطبيق معنى التجربة مثلاً. لكن الذي وقع -وهذا شيء تاريخي معروف يعني- الذي وقع أن الانبهار بالعلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر أدى إلى ما يسمى العلماوية.

العلماوية هي الانبهار بمخرجات العلوم الطبيعية، مادامت هذه العلوم الطبيعية قد وصلت إلى هذه النتائج الباهرة جداً فلماذا لا نطبق هذه المناهج الطبيعية التجريبية على الإنسان وعلى العلوم الإنسانية؟! فأخضع الإنسان لهذه المنهجية، لهذه المناهج العلمية. هذا إشكال، هذا إشكال أو نقد ليس من عندنا نحن معاشر المسلمين، هذا نقد معروف عند القوم، وهم يحاولون دائماً في دراساتهم الإنسانية أن يتنصلوا من هذا الإشكال وأن يحاولوا دفع هذا النقد ما أمكن، بحيث في كثير من الأحيان فعلاً هم يشعرون في علم النفس وفي علم الاجتماع وفي غيرها من العلوم الإنسانية يشعرون بأنه لا يمكن أن تطبق المناهج الطبيعية التجريبية على العلوم الإنسانية كما هي دون تطويع ودون نوع من التعديل.

هم يشعرون بذلك ولكن لابد من التنبيه على أنهم لا ينجحون دائماً في هذا الأمر. ونحن حين نتحدث عن مباحث الفكر والعقيدة، فهي مباحث تعتني بالإنسان تعتني برفاهية الإنسان -وإن كان بعض الناس يظن خلاف ذلك- فمن حيث هي تعتني بالإنسان فينبغي أن نتنبه أن تطبيق المناهج الطبيعية على مباحث الفكر والعقيدة ينبغي أن يكون بكثير من الحذر والانتباه.

ثم أيضاً من النقد الذي يمكن أن يوجه للمناهج عموماً هو أنه لا ينبغي المبالغة في الاعتداد بالمناهج على حساب المضامين. هذا شيء نبهت عليه كثيراً عند انتقادي للدراسة الأكاديمية الموجودة في الجامعات، فانه في كثير من الأحيان نأخذ الطالب فندرسه المناهج، إذاً عنده الأدوات، عنده الآلية، ولكن ليس عنده المضمون الفكري الذي يطبق هذه الآلية وهذه المناهج عليها، فلذلك لابد من التوازن، لابد من مضمون فكري، من مضمون علمي، من قراءة، من دراسة، من بحث، ثم لابد من اكتساب هذا المنهج الذي يطبق على هذه المضامين.

المناهج بطبيعة الحال -أنا لا اريد أن أطيل في هذا المبحث، وهنالك كما قلت هو علم، علم المناهج علم معروف، والناس اختلفت عباراتهم كثيراً في تقسيم المناهج وفي أنواعها- فذكروا مثلاً المنهج الوصفي الذي يقوم بالمسح يعني بعملية مسح ودراسة للحالة، ثم يقوم يعني تحليل الوظائف العامة. وهنالك المنهج التوثيقي الذي يعتني بتجميع الوثائق والحقائق والمعلومات، ثم بمقارنتها ومحاولة تفسيرها وتحليلها. هنالك أيضاً بعد المنهج التحليلي هنالك المنهج التاريخي الذي يوثق لي أو يقوم بالتفسير لمجموع الحقائق التاريخية. هنالك المنهج التجريبي وهذا معروف، المنهج التجريبي الذي ينطلق من الملاحظة ثم بعد الملاحظة يمر إلى الفرض، ثم بعد الفرض التجربة ثم يضع القانون.

فإذاً هذا المنهج التجريبي المعروف الذي يطبقه العلماء في دراساتهم الطبيعية ينطلقون من ملاحظة الظاهرة، ثم بعد ملاحظة الظاهرة يضعون افتراضا معينا لتفسير الظاهرة، ثم يجربون ليتأكدوا من صحة ما افترضوه، ثم بعد التجربة يستخرجون القانون العلمي.

ثم هنالك أيضاً المنهج التحليلي الذي يقوم بالتفكيك أو التركيب بحسب الإشكال المطروح، إذا كان الإشكال عبارة عن تركيب منغلق، فإن هذا المنهج التحليلي يقوم بتفكيك هذا التركيب يعني استخراج عناصره وأجزائه، يعني إعادة كل عنصر من هذه العناصر إلى أصله. وعلى العكس من ذلك، إذا كان الإشكال ليس عبارة عن تركيب منغلقة، وإنما على عكس ذلك، يعني إذا كان عبارة عن عناصر مشتتة، فإن المنهج التحليلي يقوم بتركيب أو محاولة تركيب، أولاً بدراسة هذه العناصر ودراسة طبيعتها ودراسة وظائفها، ثم يحاول أن يجمعها ويركب منها نظرية تحاول أن تعبر عن هذه العناصر كلها وأن تكون الأصل أو النظرية العامة أو القاعدة والضابط الذي تنتظم فيه هذه العناصر كلها.

إذاً، على كل حال، هذه كلمة عن المنهج، نمر إلى الفكر. بعيدا عن إشكاليات التعريف، لأن لو أرادنا أن نعرف الفكر سنجد سنطيل جداً، وسنجد المفكرين والباحثين كلاماً كثيراً في الموضوع، ما ينبغي أن نعرفه أن جميع الناس يفكرون، لكن الناس يفكرون في إطار ضيق وفي حدود ضيقة، الناس يفكرون في حياتهم اليومية، في معيشتهم، في الأكل، في الشرب، فيما سيفعلون غداً وما فعلوه أمس، هذه الدائرة الضيقة التي يدور أغلب الناس فيها.

لكن المفكر يمتاز عن غالب الناس بأنه يقوم بعملية قراءة مفصلة للماضي ومعرفة مفصلة للماضي، ويقوم بقراءة أيضاً واضحة وجلية ومفصلة للحاضر، ويقوم بنظر استشرافي للمستقبل. المفكر لا يكتفي بالحدود الضيقة التي يدور في فلكها أغلب الناس، وإنما هو يعتني بقضايا فكرية ونظرية كبرى، وهذه القضايا لا يعتني بها في إطارها الزمني الضيق، بل دائماً يرجعها إلى أصولها التاريخية الماضية، وهذا يقتضي منه معرفة مفصلة بالماضي، وأيضاً يقرأها في حاضرها قراءة واعية، ومن خلال الماضي والحاضر فإنه يحاول أن يستشرف المستقبل، يعني كيف سيكون الأمر إذا استمرت الأمور على هذا الشكل، وإذا روعيت السنن التي تضبط هذه الفكرة وهذا المبحث العام.

فإذاً المفكر هذا يعمل... هل هنالك فرق بين المفكر والفيلسوف؟ نعم هنالك فرق، المفكر يمكن أن نقول إنه دون مرتبة الفيلسوف، لأنه أقل تجريداً وتنظيراً منه، الفيلسوف يعتني بمباحث نظرية وبأمور مجردة تجريدية بالغة من التجريد مداها، المفكر يعتني أيضاً بهذه المباحث، لكن له عين دائماً على الواقع، بحيث لا يدرس هذه المباحث النظرية والتجريدية إلا من حيث لها صلة بالواقع.

فإذاً الفيلسوف منبت ومنقطع عن الواقع، هذا من حيث المفهوم يعني ليس من حيث ما صدق، بمعنى أنه لا يوجد انسان منبت عن الواقع منقطع تماماً عن الواقع، فإذاً الفيلسوف لا يمكن أن يكون منقطعاً عن الواقع، ولذلك الفيلسوف إلى جانب دراسته النظرية تجد له رأياً في الواقع، الفلاسفة المعاصرون تجد لهم رأي في السياسة، لهم رأي في الإعلام، لهم رأي في التعليم، في الصحة، في كل شيء، يعني الانقطاع التام غير ممكن.

لكن الذي يعني من حيث المفهوم، من حيث مفهوم الفيلسوف، الفيلسوف من حيث هو فيلسوف يدرس مباحث نظرية وتجريدية، المفكر بعكس ذلك يدرس هذه المباحث وهذه المفاهيم التجريدية ولكن من حيث تنزيلها على الواقع، فإذاً المفكر دائماً مهتم بإصلاح الواقع، بإصلاح معايش الناس، إلى غير ذلك. بعض الناس يجعل المفكر دون الفيلسوف من هذه الحيثية، وفوق المثقف، يعني يجعله صلة وصل أو واسطة بين المثقف والفيلسوف.

في سنة ألف وسبعمائة وخمس وخمسين، في فاتح نوفمبر من سنة ألف وسبعمائة وخمس وخمسين، يعني وهذا يوم... يوم جميع القديسين، حدث في لشبونة وهي عاصمة زلزال مدمر، هذا الزلزال كانت له آثار مادية ضخمة جداً، يعني لأنه تبعه مد بحري تسونامي، وأدى إلى تدمير مدينة لشبونة تقريباً، ويقال بأن عدد القتلى بلغ نحو مائة ألف قتيل، دمرت لشبونة تقريباً كلها، إلى غير ذلك، هذه آثار مادية.

لكن إلى جانب هذه الآثار المادية كان هنالك أثر فكري وفلسفي ضخم جداً، هذا الأثر ناتج عن كون هذا الزلزال وقع في قرن الأنوار، وهو القرن الثامن عشر، وبالتالي فإن فلاسفة الأنوار -خاصة منهم الفرنسيين فولتير ومن يحذو حذوه- تناولوا هذا الزلزال واستغلوا هذه الكارثة الطبيعية لإنتاج، أو لتعزيز -وليس لإنتاج- لتعزيز فكر لاديني كان موجوداً ولكنه تقوى جداً وتعزز بفعل هذا الزلزال، لأنه الفكرة التي تقع دائماً في مثل هذه الكوارث، وهي مرتبطة بما يسمى مسألة الشر، يعني كيف يسمح الإله أو الرب بوقوع مثل هذه الكوارث؟

بطبيعة الحال الإجابة الدينية في مثل هذا السياق مغيبة، تظهر على الواجهة إجابات إلحادية أو قريبة من الإلحاد هي إجابات فلاسفة الأنوار. بالطبع... هنا لم أذكر هذا الأمر، من أراد أن يعرف أثر زلزال لشبونة على صقل فكر الأنوار وعلى كثير من الأفكار التي حدثت يمكن أن يرجع إلى فصل من كتاب الفرنسي الفيلسوف الفرنسي ميشيل أوفري الذي اسمه ديكادونس، هو يتحدث عن تاريخ الحضارة اليهودية المسيحية منذ زمن المسيح عليه السلام إلى العصر الحاضر، وقد ذكر فصلا لزلزال لشبونة وأطال فيه النفس، إذا قرأته فأنت تقتنع بأثر هذا الزلزال على فكر الأنوار.

الشاهد عندنا لما أذكر هذا الموضوع أذكره لاقول إن الفكر لا يكون محايداً، لا يكون موضوعياً، بل هو في جزء كبير منه ذاتي يتأثر بالمشاعر، يتأثر بالأحاسيس الباطنة، يتأثر بالمؤهلات الشخصية وإن كان له أصل عقلاني موضوعي. بعبارة أخرى، ما وقع في زلزال لشبونة أثر في مشاعر الناس، فأصبحت عندهم قابلية لتقبل الفكر اللاديني، صارت عندهم قابلية وتأهيل لقبول فكر الأنوار، لرفض تفسيرات الكنيسة، وهذا من قرأ ما حدث بعد الزلزال سيفهم هذا الأمر، لأن الكثير من الرهبان ورجال الدين حاولوا الكلام في الموضوع لكن تفسيراتهم لم تكن مقنعة.

فإذاً المشاعر الذاتية الخاصة لعموم الناس وحتى لخاصتهم كالفلاسفة أثرت في فكرهم وأثرت فيما ينتجون من فكر وما يقبلون من فكر. هذا مثال فقط وإلا فالأمثلة كثيرة جداً، أشياء كثيرة يعني لو أردت أن أطيل في الأحداث التاريخية التي أثرت في مشاعر الناس وأدت بالتالي إلى تغيرات فكرية عميقة وفلسفية عميقة جداً لأطلت في هذا كثيراً.

فإذاً الفكر ذاتي، وبما أنه ذاتي فالإنسان لا يتعلمه، ولكن مع قولنا بانه ذاتي ومع قولنا بأن الإنسان لا يتعلم أن يفكر، ولكن يمكن أن يتعلم الآليات التي تضبط الفكر وطرائقه وتحذر من مواطن الخلل فيه.

ما دمنا أيضاً في مجال الفكر نحن عندنا في هذه المحاضرة البحث هو عن الفكر والعقيدة، أول ما يقرره الباحثون في مجال الفكر وفي الفلسفة أيضاً أنهم يقولون: الفكر لا حسم فيه، لا يوجد فيه حسم، بل دائماً شك، فتح لآفاق الحوار ولآفاق الخلاف. العقيدة نحن في الشرعيات حين ندرس في العقيدة ندرسها على أساس أنها مجال لماذا؟ مجال الحسم والقطع واليقين.

إذاً يطرح سؤال: كيف يمكن أن نجمع في سياق واحد بين مجال ظني لا حسم فيه ومجال قطعي يقيني هو مجال العقيدة؟ يمكن أن اقول بكثير من التقريب أن العقيدة للفكر الإسلامي مثل الفلسفة لعموم الفكر، بمعنى أن استمداد الفكر الإسلامي من العقيدة ينبغي أن يكون مثل استمداد الفكر عموماً من الفلسفة، ولكن بطبيعة الحال هذه الفكرة التي أذكر الآن هي فكرة تقريبية جداً، لأنه لا شك أنه بين العقيدة والفلسفة فروق جوهرية من جهة الاستمداد، من جهة منشأها، من جهة ضوابطها، من جهة الإطار الذي يحكمها، إلى غير ذلك.

فإذا إذا فقط هذا أنا أقوله للتقريب. إذا قررنا هذه القاعدة أو هذه المقارنة، فإننا حينئذ نقول إن العقيدة هي الأساس الذي يبنى عليه الفكر الإسلامي.

فإذا ينبغي أن ينصب عملنا عند بحث المسائل الفكرية العقدية على تمييز الأساس القطعي اليقيني العقدي من ما يبنى عليه من المباحث الفكرية الظنية الاجتهادية. إذا نحن ندرس وصولا وندرس عفوا قضايا عقدية وفكرية، لكن حين ندرسها من حيث هي قضايا عقدية، فإننا نكون في مجال التنظير والتجريد كما ذكرنا في الفلسفة.

وحين نبدأ في تنزيل هذه القضايا العقدية على أو هذه لنقل هذه المخرجات العقدية إن صح التعبير على قضايا فكرية، فإننا ننتقل من مجال التجريد والتنظير إلى مجال الفكر، إلى مجال الواقع، إلى مجال إصلاح معايش الناس. علينا أن نميز بين السياقين.

أعطي مثالا من أشهر المباحث والقضايا الفكرية المعاصرة: قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية. هذان أمران مختلفان، حين أبحث في مفهوم الديمقراطية من حيث أنها إعطاء السيادة للشعب، وحين أبحث هذا المفهوم من منطلق شرعي عقدي وأقول: إن هذا يتناقض مع مبدأ أن تكون الحاكمية لله عز وجل لا للشعب ولا لغيره. حين أبحث القضية من هذه الحيثية، فأنا أبحث قضية عقدية نظرية.

الآن بعد ذلك حين أنتقل إلى سياق آخر وهو قضية فكرية واقعية، مشاركة الناس مشاركة المسلمين في السياسة الديمقراطية الحزبية المعاصرة، هذه المشاركة لا شك أنها تنطلق من هذا الأصل التجريدي العقدي، ولكن فيها شق واقعي تخضع فيه لمؤثرات أخرى غير المؤثر العقدي.

والناس عند هذا الانتقال عفوا الناس عند بحث هذه القضية قضية المشاركة السياسية مرة أخرى طرفان: الطرف الأول طرف يغيب هذا الجانب العقدي مطلقا. هذا موجود حتى عند بعض من يشار إليه بالبنان من الدعاة العلماء، عند بعضهم طبعا يقول لك: المشاركة السياسية وبس، لا تحدثني عن شيء اسمه ديمقراطية. أنا أعرف حكم الديمقراطية لكن لا تحدثني عن هذا. لا يمكن ألا أحدثك عنه فإن الأمرين مرتبطان؛ المشاركة السياسية هي مشاركة ديمقراطية مبنية على أصل ديمقراطي، فلا يمكن أن نلغي هذا الاتصال بين الامرين.

والطرف الآخر هو الذي يسوي بين المبحثين؛ الديمقراطية مناقضة للإسلام، المشاركة السياسية مناقضة للإسلام، الذي يشارك سياسيا بغض النظر عن كونه متأولا، غير متأول، جاهل، غير جاهل، مفسدة بغض النظر عن هذا كله هو إذن فقد إسلامه فينتقل مباشرة من التجريد إلى التنزيل الواقعي دون واسطة، دون تمييز بين المقامين. والأولون يلغون الجانب العقدي، يلغون الإطار الشرعي العقدي الذي ينبغي أن يكون الفكر فيه، فيصبح الفكر عندهم فكرا لا بقيد كونه فكرا إسلاميا.

هذان الطرفان الوسط بينهما هو الذي نسعى إليه وهو الذي ينبغي أن نضبطه، وهو أن نقرر الأصول العقدية النظرية، ولكن عند التنزيل على الواقع نستحضر دائما هذا الأصل النظري ويبقى في ذهننا دائما ولا نلغيه، ولكن نضيف إليه يعني أشنياء أخرى نحتاج إليها وبها نبني حكمنا في القضية الفكرية. إذا هذه الكلمة التي أردنا ذكرها عن الفكر.

أخيرا الفكر المعاصر، لأننا قلنا في القضايا الفكرية المعاصرة. ما خصوصية الفكر المعاصر؟ أول خصوصية فيه هي التعقيد البالغ. لما؟ لما هذا التعقيد في الفكر المعاصر؟ لأنه خلاصة بالغة التعقيد للأديان والفلسفات والأفكار الإنسانية عبر التاريخ، عبر العصور، بحيث نحن الآن حين نبحث قضية فكرية معاصرة، فانه يتداخل فيها مباحث دينية بطبيعة الحال الإسلام طبع، ولكن أيضا في كثير من الأحيان نحتاج إلى أو ليس نحتاج وإنما نجد المؤثر النصراني أو اليهودي أو الغنوصي الشرقي أو إلى غير ذلك. وهذه القضية الفكرية فيها مؤثرات فلسفية من زمن اليونان إلى الفلاسفة المعاصرين، خاصة فلاسفة العصر الحديث، وفيها أفكار غير فلسفة وغير دين أفكار يعني إنتاجها الناس في سيرورتهم التاريخية، دباء مؤرخون، علماء طبيعيون إلى آخره، أشنياء كثيرة. خلاصة هذا كله تجد زبدته وخلاصته في ماذا؟ في هذه القضايا الفكرية المعاصرة. فإذا لا شك أن هنالك تعقيدا كبيرا.

حين نتحدث عن التعقيد هذا يجرنا إلى التركيب أيضا، فهذه القضايا الفكرية مركبة، وبالتالي فهي تنبني على أسباب مختلفة ومتباينة وكثيرة. لا يمكن أن تتعامل مع هذه القضايا المركبة دون تفصيل، يعني بطريقة الحسم والاكتفاء بالسبب الواحد والجواب السريع لا يمكن. يعني أعطيكم مثالا مثلا النهضة، هذا تعرفون أنه من القضايا الفكرية أهم القضايا الفكرية المعاصرة التي اعتنى الدعاة والعلماء والفلاسفة الإسلاميون المعاصرون ببحثه، سؤال النهضة سؤال سهل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ هذه القضية الفكرية، هذا السؤال الفكري لا يمكن أن يلغى ما فيه من التركيب، بحيث يققال السبب واحد، وبالتالي فالجواب عن السؤال واحد.

وهذا يقع من كثيرين، تسأله يعني كثير من عامة المسلمين ومن صغار الطلبة الجواب عندهم سهل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ لأنهم تركوا دينهم، لأنهم جواب ثاني: لأنهم تركوا الأخذ بالأسباب المادية، لأنهم جمدوا على المذاهب الفقهية وقلدوا وتركوا الاجتهاد. يعني أجوبة سريعة من هذا القبيل. الحق أن الأسباب مركبة لأن القضية مركبة، الأسباب كثيرة والجواب لا يكون بشيء واحد، وإنما هذه الأجوبة كلها صحيحة إلى حد بعيد ويضاف إليها غيرها، ولابد من التفصيل يعني البحثي المفصل.

الفكر المعاصر له خصوصية أخرى وهي التأثر بالعرص الإعلامي. بعبارة أخرى، الفكر المعروض اليوم بلين وتزويق يبدو للناس على أنه فكر صحيح. ولذلك المفكرون اليوم وحتى الفلاسفة وكثير من الفلاسفة المعاصرين صاروا يفعلون هذا الشيء، لم يعودوا ينزوون في مباحثهم وجامعاتهم ويعني مكتباتهم وفي دراساتهم الأكاديمية، بل صاروا يسعون إلى الظهور الإعلامي، لأنهم يعلمون أن مجال نشر الأفكار هو الإعلام، وأن الطريقة الإعلامية التي تنمق الكلام وتزوقه وتظهره في مظهر لين، حضاري، حواري، جميل، هذه الطريقة هي التي تنشر الفكرة وإن كانت خطأ.

وعلى ذكر قضية اللين لأنني ذكرت هذا كثيرا، الإعلام يركز على هذا المعنى، وهذا اللين يمكن أن يدخل فيما يسمى يمكن أن يسمى اليوم تأنيث المجتمعات. الغربية حين نقول الغربية نحن سائرون على نفس الخطى. التأنيث يعني المجتمع، قبل الكلام عن تأنيس المجتمع عموما الحضارة، التأنيس لأن قبل التحضر الإنسان غير المتحضر يكون خشنا جلفا إلى آخره، هذا يناسب الذكور بمقدار تحضره يكون اقترابه من القيم بين قوسين الأنثوية وابتعاده عن القيم بين قوسين الذكورية. إذا هذا عموما في كل حضارة، لكن الحضارة الغربية اليوم الأمر فيها أخطر، هنالك تأنيث للمجتمع، لا نقصد بالتأنيث وإن كان هذا أيضا موجودا لا نقصد به أن الرجال عندهم صاروا مخنثين، هذا موجود أيضا ولكن ليس هذا المقصود، المقصود أن القيم الأنثوية يتم إعلاؤها في المجتمع الغربي اليوم في الحضارة الغربية، في الإعلام، في كل مجال، وبعكس ذلك القيم الذكورية يتم طمسها وعدم الاعتداد بها.

ولذلك مثلا من القيم الأنثوية: قيمة الحوار، قيمة التسامح، قيمة اللطف في الكلام. القيم الذكورية: الشجاعة، البطولة، كذا. الآن المجتمعات الغربية تعلي من على الأقل نظريا تعلي من شأن هذه القيم الأنثوية التسامح. لذلك إذا أردت اليوم أن تنشر فكرة بين الناس يستحيل أن تنشرها بغير طريقة التسامح والحوار واللين في الكلام وكلامي هذا يعني لا تأخذوه على أنه من المسلمات، وأنا يعني إن أردتم أخذه فخذوه، لابد من هذه الطريقة وهي الطريقة المستعملة اليوم في الإعلام الإعلام الغربي ومن يتبعه.

فالشاهد عندنا الان أنه مضى ذلك الزمن الذي كان فيه صراع الأفكار مجردا إلى حد بعيد من أسلوب الخطاب. بمعنى نجد أفكارا في مواجهة أفكار، اليوم لا، ولينبغي أن ننتبه لهذا الأمر: عندنا أفكار بخطاب في مواجهة أفكار بخطاب. إذا استوى في الخطاب حينئذ يقاع نقاش الأفكار، لكن إن لم يستو في أسلوب الخطاب فإن صراع الأفكار لا يتاح أصلا. فالفكرة الصحيحة إذا عبر عنها بأسلوب خطاب بين قوسين غير صحيح، أي غير ملائم للعصر، فإن هذه الفكرة يعني تطمس وتصبح غير مقبولة أصلا وغير معتد بها، والعكس بالعكس. إذا هذه خصوصية في الفكر المعاصر ينبغي أن ننتبه إليها.

بعد أن انتهينا من هذا المحور التمهيدي، ننتقل إلى محور الإعدادات القبلية. الإعدادات القبلية نقصد بها مجموعة من الأشياء التي يحتاج إليها يحتاج الطالب والباحث أن يتسلح بها قبل خوض هذه المباحث الفكرية. أول هذه الاعدادات هو الحمولة المعرفية. الحمولة المعرفية هي التي تحمي من التأثر بالمجريات. حين أشاهد الطلبة، عامة الطلبة اليوم الذين ليسوا مسلحين بحمولة عقدية معرفية فكرية معينة، فإنهم أمام هذه المجريات يصابون بالحيرة، بالاضطراب. اليوم يقولون قولا وغدا يقولون عكسه. لا يستطيعون وضع هذه الأحداث الكثيرة وهذه المعلومات التي يقصفون بها، لا يستطيعون وضعها في إطار. الحمولة المعرفية هي مثل الإطار، ويمكن أن نشبهها أيضا بالأساس، هي الأساس الذي تبني عليه. حين يأتي الحدث أو تأتي المعلومة فأنت تأخذها وتضعها على أنها لبنة من اللبنات، تضعها في موضعها من هذا البناء الذي تبنيه على أساس هذه الحمولة المعرفية. إن لم تكن عندك الحمولة المعرفية تأتي المعلومة معلومة ويأتي الحدث فلا تدري ما تصنع بهما، لأنك لا تجد لهما مكانا في هذا المجال.

الحمولة المعرفية هنالك مجموعة من الأمور لابد منها: أولها بالطبع العقيدة، نتحدث عن العقيدة نتحدث عن علم به نفهم الكون ونفهم الإنسان ونفهم علاقة ذلك كله بالخالق والرب سبحانه وتعالى؛ الخالق لهذا الكون والخالق لهذا الإنسان، والرب المدبر لهذا الكون والمدبر لهذا الإنسان، والعلاقة التي ينبغي أن تكون بين هذا المخلوق وخالقه سبحانه وتعالى وهي علاقة العبادة. العقيدة تضبط هذا الإطار، أهميتها بالغة جدا.

لكن هنالك مباحث داخل العقيدة مهمة جدا أكثر من غيرها وينبغي العناية بها أكثر من غيرها: على رأسها مبحث الإيمان ويسمى أيضا الأسماء والأحكام، هذا مبحث لا يمكن لباحث في الفكر المعاصر أن لا يكون ملما به وإلا سيخبط خبط عشواء. لابد إذا من معرفة الإيمان، تعريفه، خلاف الناس في تعريفه اللغوي والاصطلاحي، تعريف الكفر، نواقض الإيمان، يعرف قواعد التكفير، إلى آخره من المباحث المعروفة. وأيضا مبحث آخر ومبحث القدر، وله ارتباط عميق قضية القضية المعروفة عند الفلاسفة من مسألة الشر، وهي من المسائل التي تسبب إلحاد الكثير في هذا العصر وفي كل عصر. فإذا الإيمان والقدر خصوصا.

ثم معرفة الطوائف والمقصود بذلك الطوائف القديمة، التي كثير منها انقرض وكثير منها انقرض بالاسم دون المسمى، فلا يزال مسماه قائما، فكثير من الطوائف القديمة يعني لابد من أن نعرف ليس فقط أسماءها ولكن أن نعرف قواعدها وأصولها التي تنظر بها إلى الكون والحياة والإنسان وغير ذلك، لكي نعرف إن كانت هذه الأفكار موجودة في سياق معاصر.

العقيدة ينبغي أن تدرس مع الاستدلال، لابد من العناية بالاستدلال، ومن أعظم الخلل الذي يقع عند الكثيرين اليوم أنهم يدرسون العقيدة على أنها مسلمات، بحيث إذا سألت الشخص فقلت له: ما دليلك على معتقدك هذا؟ يقول: لا أدري، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية أو هكذا قرر علماؤنا. وهذا صحيح للمقلد، لكن الذي يريد أن ينطلق إلى المباحث الفكرية والعقدية لا يمكن أن يكتفي بهذا، لابد له من الاستدلال.

ثم لابد من تحرير المسائل، يعني تلك المعرفة السطحية لا يمكن أن تجدي نفعا، مثلا مبحث قواعد التكفير لا يمكن أن تكتفي فيه بالمعرفة السطحية دون تحرير، لابد أن تأخذ المسألة الواحدة فتحررها نظريا بعد الاستدلال لها، أن تجمعها بنظائرها وأن تميزها عما يخالفها، التفريق بين المتفرقات والجمع بين المشتبهات.

بعد العقيدة لابد من دراسة الفلسفة وتاريخ الأفكار. بطبيعة الحال الإحاطة في مجال الفلسفة مستحيلة لأن الفلسفة ضخمة يعني ضخم جدا والتخصص في هذا ليس مطلوبا من كل أحد، لكن المطلوب هو معرفة تاريخ الفلسفة وتاريخ الأفكار، معرفة الاتجاه إلى الاتجاهات العامة في الفلسفة، يعني مما يمكن أن يفتح لك الباب في هذا المجال كتاب دروس في الفلسفة ليوسف كرم وإبراهيم مدكور، كتاب يفتح لك هذا الباب، لكنه لا يكفي بطبيعة الحال، إنما يفتح لك الباب لما بعده، فيمكن أن تنطلق إلى بعض الكتب في هذا المجال.

وأيضا في مجال تاريخ الأفكار تأتني على الخصوص بأفكار العصر الحديث لأنها مؤثرة جدا في واقعنا انطلاقا من عصر النهضة إلى العصر الحالي، يمكن مثلا البدء بتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرولاند. يمكن أن تبدأ به في هذا المجال.

لكن وهذه مسألة مهمة مهمة مهمة لا يكتفى بدراسة هذه الكتب دون متابعة للجديد من الأفكار. هنالك كتابات ونقاشات فكرية معاصرة تتسم بكثير من الجدة وكثير من السرعة لا يمكن إغفالها، فلابد من متابعة هذه الكتابات ومتابعة هذه النقاشات بطبيعة الحال بحسب المستطاع، الإحاطة بها أيضا مستحيلة. مثلا هنالك الان مثلا صعود اليمين المتطرف أو اليمين عموما يسمونها بالفرنسية أولا يعني إن صح هذا التعبير، الميل نحو اليمين وصعود اليمين في الغرب ما ما سببه؟ بل هذا هو لي يعني فيه شيء من الغرابة: كيف أن كثيرا من الاشتراكيين اليساريين الأوروبيين صاروا يتبנים أفكارا كانت إلى عهد قريب جدا إلى عشر أو عشرين سنة كانت تعد من أفكار اليمين. صار اليساريون يتبنونها دون تنصل من يساريتهم، يعني لم يلتحقوا بأحزاب يمينية، هم ما يزالون يساريين ولكن يتبنون أفكارا يمينية.

ولذلك في كثير من الأحيان أقرأ أنا عادة بحكم الثقافة الفرنسية أقرأ للفرنسيين أكثر من غيرهم. لماذا؟ أنا أقرأ وهو فيلسوف فرنسي يساري وواحد اسمه وهو لا نقول مفكر وكاتب فرنسي يميني، هذا في اليمين وهذا في اليسار، بل هذا يعد في أقصى اليمين، وتقريبا لنقل أن هذا أيضا في أقصى اليسار، أقرأ لهما.

أجد أن بينهما اتفاقاً في كثير من المسائل. في الكتاب الذي ذكرته لكم آنفاً عن الانحدار وهو تاريخ للحضارة اليهودية النصرانية، وكتاب الانتحار الفرنسي الذي يتحدث فيه على الخصوص عن التاريخ الحديث لفرنسا، يدوران تقريباً في نفس الفلك ويلتقيان في أفكار كثيرة جداً مع أنهما على طرفي النقيض. الذي يقرأ الفلسفة القديمة، وفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، ويقرأ ما قبل ذلك الفلسفة اليونانية وغيرها؛ لا يطلع على هذه الاختلافات أو على هذه المباحث الحديثة الجديدة.

من الأمثلة التي يمكن أن نذكر قضية الأنوثوية؛ الأنوثوية في تطور مستمر، لا يمكن أن تتحدث عن أنوثوية اليوم بالأفكار التي كانت تسوقها أمثال سيمون دي بوفوار وغيرها من الأنوثويات. هنالك أشياء حديثة خاصة مع تنامي اليمين كما ذكرت لكم، وهنالك أفكار أنوثوية كانت مرتبطة باليسار يتم إعادة مراجعتها. مثلاً هنالك كاتبة ليست مفكرة ولا فيلسوفة، كاتبة اسمها وجاني، لها كتاب تتحدث فيه عن هذه المباحث الأنوثوية وتعيد النظر في كثير منها؛ مثلاً تنكر على الذين يقولون نريد المساواة بين الرجل والمرأة في ميدان العمل، كأن لا تأخذ المرأة نفس أجرة الرجل أو ربما لا تقبل في كثير من الأعمال. هذه المرأة وهي تعد نفسها أنثوية بالمناسبة تقول: هذا مفهوم، لأن كثيراً من الأعمال لا تقبل النساء؛ لأن النساء عندهن الحمل والرضاعة وكذا وهذه الأعمال لا تقبلها، وأيضاً حين تنقص الأجر تنقص لهذا السبب.

هذا التطور في الفكر الأنوثي هذه قضايا فكرية وأثرها ينتقل؛ الفكرة تظهر اليوم في باريس، غداً تجدها في الرباط أو في القاهرة أو في أي مجال آخر بسرعة؛ لأن العالم الآن قرية صغيرة. بمعنى الأفكار تنتقل بسرعة، لا يمكن أن تبقى على الأفكار القديمة التي عمرها ثلاثون أو أربعون أو عشرون سنة، لابد أن تتابع هذه الأفكار وهذا يدخل في مجال الحمولة الفكرية.

إذا قلنا في الحمولة الفكرية العقيدة، قلنا الفلسفة وتاريخ الأفكار، ثالثاً التاريخ؛ لابد منه، يستحيل أن تتحدث في الفكر وأن تبحث في الفكر وأنت معلوماتك التاريخية ضعيفة. التاريخ؛ هنالك التاريخ الإسلامي بالطبع وكثير من الناس يأتيني فيقول أريد كتاباً صغيراً مختصراً في التاريخ، أقول لا يوجد، كتب التاريخ ضخمة بطبعها، فلا بد من القراءة الكثيرة فيها؛ كتاب مثل البداية والنهاية لابن كثير، مثل تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي، لابد من قراءة هذه الكتب. أيضاً لابد من قراءة كتب التراجم سواء من التراجم العامة كـ سير أعلام النبلاء، أو تراجم مخصوصة؛ تراجم الشافعية طبقات الشافعية، تراجم للمالكية، تراجم اللغويين، إلى آخره، حتى تراجم الأطباء؛ هذا كله يعطيك فكرة متكاملة قدر المستطاع عن تاريخ الإسلام.

لكن تحتاج أيضاً إلى تاريخ العالم؛ تاريخ العالم عموماً هنالك كتب كثيرة فيه، أو في تاريخ مجالات معينة، أو في تاريخ الحضارة؛ ككتاب ويل ديورانت تاريخ الحضارة فهذا مفيد أيضاً. وعلى الخصوص تاريخ أوروبا؛ تاريخ أوروبا خاصة التاريخ الحديث وخاصة بعض المحاور المفصلية فيه، مستحيل اليوم أن تتحدث في الفكر وقضايا الفكر وأنت لا تعرف تاريخ الثورة الفرنسية مثلاً، ولا تعرف تاريخ الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو لا تعرف تفاصيل ما وقع في الحرب الباردة، أو لا تعرف آثار البلشفية وما نتج عنها، أو لا تعرف نشوء وسقوط الدول واتحادات الدول وتفككها في أوروبا في القرن التاسع عشر والمنتصف الأول من القرن العشرين. أمور لا يمكن؛ هي مرتبطة بالأفكار، حين أقول الحرب العالمية الثانية فهذا الفكر الفاشي والفكر النازي، حين أتحدث عن الثورة الفرنسية فهذا عصر الأنوار وهكذا.

إذاً لا بد من القراءة؛ هنالك كتب كثيرة جداً، ومن أجمل ما وقعت عليه مؤخراً وإن كان هذا كاتباً قديماً لكن لم أكن أعرفه من قبل، هو الكاتب ستيفان زفايج، أظنه نمساوياً، له كتابات جميلة جداً بالطبع، قيل لي إن كتاباته مترجمة إلى العربية لكن أنا قرأتها بالفرنسية في أحداث تاريخية ولكن بأسلوب شيق وجميل ومفيد جداً. مثلاً كتابه عن ماجيلان، كتابه عن فوشيه؛ يأخذ أشياء هكذا من التاريخ ويفصلها فتفيدك جداً. وبسبب مثل هذه القراءات صرت أضبط تاريخ ماري أنطوانيت والثورة الفرنسية عموماً إلى حد بعيد.

أيضاً في مجال التاريخ لابد من الاستعانة بالبرامج الوثائقية، وهي كثيرة جداً وموجودة على الشبكة. للأسف كثير منها باللغات غير العربية؛ فلابد أن يكون عند الطالب معرفة إما بفرنسية أو إنجليزية، لا أقول لابد لكن أقول وجود ذلك خير من عدمه. حتى بعض الأفلام السينمائية السالمة من الإشكالات الشرعية إلى حد معين تفيد في هذا المجال. مثلاً في الثورة الفرنسية هنالك منتج تلفزيوني فرنسي في أربعة أفلام متتالية عن الثورة الفرنسية، يوازي الحقيقة أو يقترب من الحقيقة التاريخية بنسبة كبيرة جداً، بنسبة تسعين في المئة أو ربما أكثر؛ يمكنك بمشاهدة هذا الفيلم أن تفهم أو أن تضبط أو أن تستحضر هذه المعاني التاريخية. هذا أُنتج بمناسبة الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية. هنالك أيضاً فيلم في أربع حلقات في التلفزيون الفرنسي عن نابليون بونابرت، هذا أيضاً إذا شاهدته تضبط كثيراً من تاريخ نابليون؛ سواء من ناحية الفكر أو من ناحية التاريخ والصراع والحروب النابليونية وغير ذلك.

بعد التاريخ عندنا أصول الفقه؛ أصول الفقه يعلمك الاستدلال ويدربك على الانضباط عند الاستدلال والحذر من السيلان الذي يقع عند المفكرين؛ لأن الفكر كما قلنا لا حسم فيه والفلسفة لا حسم فيها، فالذي يدخل إلى مجال الفكر والفلسفة فإنه لا ينضبط ويسيل في كل وادٍ، ستحتاج إلى شيء يضع لك إطار الاستدلال؛ هذا أصول الفقه يعينك في هذا جداً. بالطبع في مجال الفكر لا يُطلب منك التخصص في هذا العلم، لكن معرفة قواعده الإجمالية يعينك أن تعرف الممنوع والمقبول من دعاوى تجديد أصول الفقه. هذا مبحث صار فكرياً وهو في الأصل مبحث شرعي، لكن دخله الفلاسفة والمفكرون المعاصرون، فصار الجميع يتحدث عن تجديد أصول الفقه من خلفية غير شرعية؛ بعض من يسمون بين قوسين اليسار الإسلامي، أمثال طارق رمضان، يتحدث أيضاً عن تجديد أصول الفقه، وهكذا كل من هب ودب، اشتراكيون يتحدثون عن تجديد أصول الفقه الإسلامي؛ صار المبحث كأنه مباح لكل متحدث في الفكر والفلسفة. إذاً لابد أن تعرف هذا الذي يريدون تجديده ما هو أصلاً، فينبغي أن تكون عندك إطلالة على أصول الفقه ومعها أيضاً إطلالة ولو مختصرة على علم المنطق. بطبيعة الحال أنا أعرف جيداً النقد الموجه لعلم المنطق في التراث الإسلامي، المنطق الصوري خصوصاً والمنطق الأرسطي، لكن لابد من معرفة مصطلحات القوم، ولابد من دراسة المنطق سواء الصوري أو غيره؛ لمعرفة بعض الأنواع من الخلل الاستدلالي الذي يقع عند بعض الناس، وسيأتينا إن شاء الله ذكر بعض أشكال الخلل في الاستدلال المنطقي.

ثم أخيراً في الحمولة المعرفية لابد من إطلالة على الفقه؛ خاصة على بعض المباحث المرتبطة بالفكر الحديث، مثل فقه الأسرة، النقاشات الفكرية والقضايا المعاصرة تدور حول الأسرة، نظرية الجندر، المساواة بين الرجل والمرأة؛ إذاً تحتاج إلى فقه الأسرة، تحتاج إلى فقه الجهاد؛ لأن المباحث الفكرية تبحث في هذا المجال، وأيضاً فقه السياسة الشرعية. هذه مباحث فقهية لابد من درسها؛ وكثير من أغلاط المعاصرين سواء من أعداء الدين أو من أصدقاء الدين تأتي من الجهل بالفقه التراثي.

تجد الشخص من أعداء الدين يقرر مثلاً المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، بالنسبة له هذه القضية ليست من المعلومات من الدين بالضرورة، بالنسبة له هذا شيء يحتمل الاجتهاد؛ لأنه لم يدرس أصلاً علم الفرائض ولم يدرس الفقه، ولا علم له بهذه الأمور؛ فجهله الشديد يؤدي به إلى أغلاط شنيعة جداً وإلى جرأة في مقام لا ينبغي أن يكون فيه جريئاً. وكذلك أصدقاء الدين، أقصد بالأصدقاء الذين يدافعون والذين يردون على هؤلاء الأعداء، في كثير من الأحيان يردون مع الجهل بالشرع؛ كثير من مقالات بعض الطلبة المبتدئين يحاولون فيها مثلاً الرد على الملاحدة أو الرد على أعداء الدين لكنهم يقعون في مزالق؛ يخطئون جداً ويتسببون في إشكالات عظيمة جداً بسبب جهلهم بالفقه. ثم وهذا من أهم الأشياء، لا بد من معرفة مواضع الإجماع والخلاف.

أعطيكم مثالاً في قضية حد الردة أو عقوبة المرتد؛ الحق أن الإجماع قائم على أن المرتد يعاقب. صحيح يمكن أن نقول إنه أثر عن بعض السلف ما يمكن أن يفهم منه أن المرتد لا يقتل وإنما يستتاب أو كذا، لكن لا يوجد عالم من علماء المسلمين عبر التاريخ قال بالطريقة المعاصرة: إن المرتد يترك على شأنه مطلقاً ولا يتعرض له بالسوء ولا يعاقب؛ لما؟ لأن الحرية الدينية تقتضي ذلك. هذا لا يوجد، إذاً الذي يقرر هذا الأمر هو في حقيقة الأمر يخالف إجماعاً يقينياً، أجمع المسلمون على أن المرتد لا يترك على حاله بل يعاقب بغض النظر عن هذه العقوبة كيف هي. الذي يأتي ويخالف هذا الإجماع سبب ذلك في كثير من الأحيان هو جهله بوجود هذا الإجماع مع ما ينبني أيضاً فوق الجهل من أشياء أخرى كاتّباع الهوى وأشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى. نعم، إذاً هذا بالنسبة للحمولة المعرفية.

بعد ذلك النقطة الثانية في مجال الإعدادات القبلية هي نقطة التوازن في الشخصية؛ شخصية المفكر أو شخصية هذا الرجل الذي سيبحث في هذه القضايا الفكرية ينبغي أن يكون فيها توازن. أول درجات التوازن ألا يكون من المتسرعين في الأحكام؛ عدم التسرع في الحكم. في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال في قصة وفد عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». الأناة خصلة تبعث على التثبت وعدم التسرع وعدم التعجل. صاحب الشخصية المتسرعة التي ليس فيها أناة يتسرع في الأحكام؛ من الأمثلة على ذلك أحداث آخر الزمان الثابتة في الشرع في نصوص الوحي؛ الأحداث التي تكون علامات الساعة الكبرى والصغرى وغيرها، كثير من المتسرعين عند أدنى حدث، حرب، معركة، فتنة، كارثة طبيعية تقع، فإنه يبادر إلى تنزيل تلك النصوص المتعلقة بأحداث آخر الزمان على هذا الواقع. إذا حدثت معركة في الشام بين مسلمين وكفار، أحداث آخر الزمان وقعت وهذه أحداث الأخيرة وبعدها المهدي والمسيح الدجال ونزول عيسى عليه السلام وغيره، هذا التسرع في الأحكام لا يناسب الشخصية المتوازنة المتأنية المتثبتة التي لا تسرع في تنزيل الأحكام.

أيضاً الشخصية المتوازنة بطبعها لا تتسرع في التقلب، لا تتقلب بسرعة بين المناهج، بل لا تنتقل من فكر ومنهج إلى فكر آخر إلا بعد تقليب النظر والتدبر والتأمل. من الطريف أنني أجد اليوم بعض صغار الطلبة عمره بين العشرين والرابعة والعشرين يكتب على مواقع التواصل ما معناه: بعد تأمل طويل تبين لي أن المنهج الفلاني غير صحيح، أو حتى الإسلام كله غير صحيح، وأنا قررت أن أصبح في الطرف الآخر، يصبح ملحداً أو يصبح كذا. أنا لا إشكال عندي في أن ينتقل لا إشكال من الناحية الشرعية، ولكن أن يقول بعد تأمل وتدبر وأنت عمرك بهذا السن لا يمكن؛ عملياً لا يمكن، حتى حمولتك المعرفية لا تؤهلك لذلك، زد عليها التجارب والخبرات التي اكتسبتها لا تؤهلك لذلك، زد على ذلك الزمن الذي تسكن فيه الأفكار وتثبت وترسخ وتناقش وتحلل وتنتقد، الزمن لا يكفي. فلا يمكن أن تقول لي بعد تدبر طويل، مستحيل؛ قل لأنني من النوع المزاجي المتقلب الذي يقول اليوم قولاً ويقول غداً بخلافه، أصدقك، لكن لا تقل لي بعد تأمل وتدبر.

أيضاً الشخصية المتوازنة هي شخصية وسط بين إفراط وتفريط؛ بعض الناس متفائلون بطبعهم مطلقاً، وآخرون متشائمون بطبعهم؛ يعني واحد إذا رأى الأمة كلها تذبح وتذل متفائل دائماً ويقول لا، الأمة في انتصار ولا توجد هزيمة ولا أي شيء، والآخر بعكسه عند أدنى انتكاسة، عند أدنى قتل لأشخاص أو انتكاسة لثورة، يبادر فيقول نحن لم يعد هنالك أمل في الحياة، إلى غير ذلك، ولا نحتاج إلى السعي. الوسط بين هذين مطلوب؛ التوازن بين هذا الإفراط وذاك التفريط مطلوب جداً. وأيضاً التوازن بين الغلو والتميع؛ بعض الناس بطبعهم متميعون متساهلون، وآخرون بطبعهم أصحاب غلو وتشديد، وفي كثير من الأحيان الغلو ليس مسألة فكرية أو عقدية أو استدلالية برهانية، في كثير من الأحيان هي القضية مرتبطة بالنفس بشخصية صاحب الغلو أو بشخصية صاحب التميع. أيضاً من التوازن في الشخصية التحلي بالعلم والعدل عند البحث وعند مناقشة الطوائف.

صاحب الشخصية المتوازنة لا يبغي على الآخر. ليس عنده بغي، بل يتعامل بعلم وإنصاف وعدل. فلا ينسب للطائفة لازم قولها الذي لم تلتزمه، بل إنما ينسب لها قولها الصريح الذي التزمته أو الذي صرحت به. ولا يحمل على طائفة معينة أقوالاً تقولها طائفة أخرى.

غير المتوازن أو الذي عنده بغي على الطوائف يقول: الشيعة يؤلهون علياً، هكذا بهذا الإطلاق. لا، ليس صحيحاً؛ طائفة معينة تؤله علياً، أو قل مثلاً: لازم قولكم في علي أنكم تؤلهونه، لكن لا تقل: الشيعة يؤلهون علياً هكذا بهذا الإطلاق. وأيضاً من التوازن في الشخصية أن تقول الحق مطلقاً ولو على نفسك، وأن تنكر الباطل مطلقاً ولو كنت أنت من ترتكب هذا الباطل. وحين أقول أنت، يدخل في ذلك طائفتك؛ يعني إذا كنت تنتسب إلى طائفة معينة فكرية أو عقدية، إذا ظهر لك أن هذه الطائفة فيها خلل معين، أو مشكلة عقدية معينة، أو باطل ترتكبه أو يرتكبه أفرادها، فلا إشكال في أن تقول الحق، وأن تبين الحق، وأن تذكر أن هذا باطل، ولا يصدنك عن ذلك كونك تنتسب إلى هذه الطائفة. بالطبع دون أن تصل إلى درجة جلد الذات، فبعض الناس يصل بهم النقد لأنفسهم ولطوائفهم إلى حد جلد الذات، ولا يرون في أنفسهم وفي طوائفهم خيراً قط، هذا أيضاً مذموم. وهذا يدخل في باب التوازن؛ التوازن هو أن أذكر ما لي وما عليّ، كما أن في تعاملك مع الآخر تذكر ما له وما عليه.

إذا قلنا الحمولة المعرفية، توازن في الشخصية، وثالثاً شبكة القراءة الشرعية. شبكة القراءة هذه هي الشبكة التي من خلالها تقرأ الظاهرة، قد تكون ظاهرة إنسانية أو غير ذلك. مثلاً عند دراسة الإنسان، شبكة القراءة الداروينية تنطلق من فكرة الانتخاب الطبيعي؛ وبالتالي عند دراستها للظواهر الإنسانية، المتشبع بشبكة القراءة الداروينية، عند دراسته لظاهرة إنسانية فإنه دائماً يفكر في قضية الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح وما أشبه ذلك. نفس الشيء عند المتشبع بشبكة القراءة الفرويدية التحليل النفسي؛ فإنه عند دراسة الإنسان من حيث هو، دائماً يرجع الإنسان بكل تعقيداته إلى شيء واحد بسيط، هو ماذا؟ هو الكبت الجنسي وما وقع في الطفولة وعقدة أوديب وعقدة إلكترا وما أشبه ذلك. هكذا شبكة القراءة النيتشوية المبنية على الصراع وغير ذلك. إذاً هذا فقط لنفهم دون أن ندخل في قضية التعريف.

هنا سؤال: هل من المشروع، هل من السائغ أن ننطلق في قضايانا الفكرية من شبكة قراءة تأويلية معينة؟ هل هذا مشروع؟ هل هذا سائغ؟ في الحقيقة أنا أجيب عن هذا السؤال بأن أقول: هذا سؤال غلط. السؤال الصحيح: هل من الممكن أن تنطلق في دراستك للقضايا الفكرية من غير شبكة قراءة؟ هل هذا ممكن؟ بعبارة أخرى، السؤال ليس عن السواغ والمشروعية وإنما عن الإمكان، وأنا أزعم أن هذا غير ممكن. فكل شخص وكل باحث في المجالات الفكرية لا بد بشكل أو بآخر أن ينطلق من شبكة قراءة معينة، ويستحيل أن يدعي ويستحيل أن يقول إذا قال بأنه لا ينطلق من أية شبكة قراءة -يعني هو محايد ومستقل وكذا- نعرف أنه يكذب، هذا مستحيل.

نحن مثلاً مسلمون، وبما أننا مسلمون ونحن نتحدث عن فكر إسلامي، فلابد أننا في بحثنا لهذه القضايا الفكرية ننطلق من الحمولة المعرفية التي سبق ذكرها، ولكن مع اتخاذ مواقف وعدم الاكتفاء بكوننا نجمع معلومات معينة، هذا خطأ. لا يمكن أن نكون محايدين في الفكر، نحن إذا أردنا أن نبحث القضايا الفكرية فنحن ننطلق من تصور شرعي، ننطلق من إطار شرعي، ننطلق من شبكة قراءة شرعية، من خلالها نقرأ هذه الظواهر، كل الظواهر التي تتاح أمامنا، كل النقاشات المجتمعية؛ قضايا مثل الإجهاض، المساواة في الإرث، أو عموماً المساواة بين الرجل والمرأة، ما يسمى عندنا في المغرب ظاهرة الأمهات العازبات. هذه القضايا كلها لا يمكن أن نبحثها بحياد، لا يمكن أن نتنصل من شريعتنا، أن نتنصل من تديننا حين نبحث هذه القضايا. لا يمكن أن نبحث هذه القضايا بمنظار الحقوقي المادي فقط.

كان لي نقاش مع أحد الإسلاميين في يوم من الأيام عن قضية الأمهات العازبات؛ الأمهات العازبات يقصدون بها عندنا هنا الأمهات اللواتي وقع منهن زنا مثلاً ولهن أولاد، فالدولة تتكفل بمصاريفهن أو الجمعيات إلى آخر ذلك. الشاهد ليس هذا، بالطبع من الناحية الشرعية لا إشكال عندنا في أن نستر على من وقعت في معصية وتابت وغير ذلك، هذا لا إشكال عندنا فيه والفقه يبحث هذه القضية. الإشكال أنني حين كنت أناقشه كنت أذكر له أصل القضية، أقول: وجود هؤلاء النسوة هو وجود لظاهرة غير صحية في المجتمع هي ظاهرة الزنا وفشو الزنا، وهذه الظاهرة غير الصحية سببها مقدمات معينة تؤدي إليها؛ مقدمات تدخل في باب محاربة الشرع، محاربة التدين، نشر العري، ثقافة التبرج، ثقافة المهرجانات، تصعيب الزواج وتعسيره على الناس، تعسير التعدد، أشياء كثيرة جداً، مقدمات شرعية كثيرة. أقول لهذا الإسلامي: علينا أن نتحدث عنها، هو لا يريد أن يذكر هذا كله في مبحثه وينظر إلى القضية من وجهة حقوقية فقط؛ هؤلاء النسوة علينا أن نطبق عليهن القواعد العامة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وكذا وكذا. لا يمكن، لا يمكن هذا، لابد أن ننطلق في دراستنا لهذه الظواهر المجتمعية من منظار شرعي. والمنظار الشرعي لا ينفي الحقوق، لا ينفي أن لهؤلاء النسوة حقوقاً معينة، لكن أيضاً ينظر إلى الأسباب التي أدت إلى هذا الأمر. وهذه الأسباب هي كما قلت لكم هذه المقدمات. فلا يمكن، وهؤلاء للأسف بعض الإسلاميين لا يريد أن يذكر حتى هذه الأمور، لا يريد أن يتحدث فيها، خطأ وخلل شنيع جداً، هو مبني على تلك الرغبة الشديدة في إظهار الحياد وفي عدم إظهار المرجعية الإسلامية عند مناقشة مثل هذه المباحث المجتمعية.

إذاً انتهينا من هذا المحور، ننتقل إلى المحور الذي بعده وهو منهج التحليل والنقد. كنا في منهج التحليل والنقد؛ عندنا الأدوات، عندنا الأصول، وعندنا المزالق. بالنسبة للأدوات، عندنا أدوات معينة ينبغي التحلي بها أو التوفر عليها في مرحلة الجمع وفي مرحلة الوصف وفي مرحلة التحليل.

أولاً في مرحلة الجمع؛ كيف أجمع المادة التي أبني عليها البحث في هذه القضية الفكرية؟ بطبيعة الحال لابد من الكتب، لابد من الرجوع إلى الكتب، إلى المجلات، إلى الدوريات، إلى آخر ذلك. ولكن أيضاً في هذا الزمان لا يمكن عدم الأخذ بالأدوات التقنية؛ بحث فكري معاصر لا بد فيه من الأدوات التقنية، جوجل ومحركات البحث والمواقع الشاملة وما أشبه ذلك. لما أقول هذا الأمر؟ لأن بعض الناس لا يزال ونحن في هذا العصر وفي هذه السنة 1439، ما يزال يبحث القضايا الفكرية المعاصرة بعقلية ووسائل وطرق وتقنيات كان يستعملها آباؤنا وأجدادنا؛ هذا خطأ، وهذا خلل، وهذا شيء لا يمكن أن يستمر. وكثير من الناس من المفكرين، من الباحثين، من الطلبة، يتعلل بأنه لا يعرف هذه الطرق التقنية وهذه الأدوات التقنية، وهذا خلل لا بد من تداركه.

ثم أيضاً في مرحلة الجمع لا بد من متابعة الواقع، ومتابعة الواقع تكون بالطبع عبر العيش في المجتمع، عبر متابعة الإعلام، ولكن أيضاً عبر متابعة مواقع التواصل وما تنشره مواقع التواصل. لا يمكن في هذا العصر أن تنتج بحثاً فكرياً بعيداً عما يقال وما يجري وما يدور في مواقع التواصل؛ مواقع التواصل معبرة عن الواقع. هل هذا التعبير عن الواقع تعبير أمين أم غير أمين؟ لا يلزم أن يكون أميناً ولكنه تعبير عن الواقع، لا بد من أخذه بعين الاعتبار عند أية دراسة فكرية رصينة معتبرة. الذي لا يزال في هذا العصر يبحث القضايا الفكرية والنقاشات المجتمعية بمعزل عن مواقع التواصل، ويقول لي: أعرف الواقع، أكتفي بما تقوله الفضائيات أو التلفزة أو الإذاعة، هذا يغيب جزءاً كبيراً من الواقع ومن التعبير عنه كما يوجد في هذه المواقع. هذا في مرحلة الجمع.

في مرحلة الوصف؛ هنالك مجموعة من الأدوات لا بد من امتلاكها، يعني الوصف أقصد به عند وصف الظاهرة أو القضية الفكرية. المسألة الأولى: لا بد من تعريف المصطلحات تعريفاً يرفع الالتباس عنها. بعض الناس أخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من العلماء الذين انتقدوا المنطق، أخذ عنهم التوجس الشديد من قضية الحد والتعريف. إن ابن تيمية حين ينتقد المنطق ينتقده في التصور من جهة أن الحدود المنطقية لا توجب التصور مع صعوبتها وكذا، وينتقد من جهة التصديق على اعتبار أن البراهين المنطقية لا توصل إلى التصديق. فإذاً هؤلاء الناس يتوجسون مطلقاً من الحدود من التعريفات، لدرجة أنه حين نقول لهم لا بد من تعريف هذا الذي نتحدث عنه، يقول: لا لا تذكر لي التعريف وكذا وكذا. نحن نقول: لا بد من التعريف، والتعريف ضرورة منهجية، لكن دون الوقوع في المطب الأرسطي، في مزلق المنطق الصوري الذي يشترط في التعريف شروطاً معينة؛ الحد لا بد أن يكون جامعاً مانعاً يشتمل على الماهيات كذا إلى آخره. لكن التعريف لا بد منه، وكثير من صراع الناس اليوم يكون بسبب عدم تعريفهم للمفاهيم التي يصطنعون حولها. مثلاً العلمانية الآن؛ كثير من الناس لا يعرفون تعريفها ولا يضبطونه، ولذلك بالنسبة لكثير من الناس العلمانية تساوي محاربة الدين. حين تقول له مثلاً: فلان علماني؟ لا لا ليس علمانياً، كيف تقول علماني وهو يصلي ويصوم ويحج كذا؟ كيف تقول عنه علماني؟ لا يمكن أن يكون علمانياً. إذاً هنا إشكال في تعريف العلمانية. إذا كانوا لا مشاحة في الاصطلاحات، إذا كنت أنت تريد أن تجعل العلمانية مرادفة لمحاربة الدين أو للإلحاد أو للادينية، هذا شأنك، لكن نحتاج حينئذ إلى مصطلح آخر نصف به ما نسميه العلمانية.

الشيء الثاني: تحرير محل النزاع. أعطي مثالاً لأنه لا أريد أن أطيل في المسائل النظرية؛ هذان الشخصان يتناقشان دائماً في إطار العلمانية وغير العلمانية، شخص يقول: تركيا الآن بلد علماني، بلد يبيح الدعارة، ربما يبيح الشذوذ، بلد عضو في الناتو، بلد كذا وكذا. شخص ثاني يناقش الأول ماذا يقول؟ تركيا الآن رفعت المنع عن الحجاب، تشجع على حفظ القرآن، تسعى إلى التخلص من آثار الأتاتوركية، تسعى إلى نشر التدين في البلاد إلى غير ذلك. هذا نقاش بين شخصين يدخل في باب ما يسمى حوار الطرشان. لما هو حوار الطرشان؟ لأن محل النزاع غير محرر؛ هذا يذكر أشياء قد تكون صحيحة، وهذا يذكر أموراً غيرها قد تكون صحيحة أيضاً، لكن ما محل النزاع بينكما؟ ما المطلوب؟ هل أن نقرر أن تركيا علمانية أو ليست علمانية؟ هل محل النزاع أن نقرر أن تركيا تتوجه نحو التدين أو لا تتوجه؟ هل محل النزاع هو الحكم على الحال، أم محل النزاع هو استشراف المآل؟ هل أسئلة كثيرة، متأكد أن هذين لو حررا محل النزاع بينهما فإنهما لا يتنازعان أصلاً، لأن هذا يقر الآخر بما يقوله، هذا يقر للثاني بما يقول. تحرير محل النزاع مهم جداً، وكثير من النقاشات هي هكذا؛ صوت جلب وصراخ وأقول كل ما عندي ولا يهمني أن أسمع ما عندك، والنتيجة ماذا؟ النتيجة أن المباحث الفكرية لا تكون محررة، ومحل النزاع لا يكون محرراً، وبالتالي تنشأ الخلافات وتكثر وتتشتت الأمة.

وأخيراً دائماً في مرحلة الوصف، لا بد من تحرير الأقوال، والحذر من الخلاف اللفظي، والحذر من تكثير الأقوال التي يمكن إرجاعها إلى قول واحد أو إلى قولين، أو إلى أقوال محصورة. مثلاً من المباحث العقدية التي يمكن أن نحتاج إليها في العقيدة: الفطرة، ما الفطرة؟ الفطرة مصطلح قرآني، ما الفطرة؟ نرجع إلى تعريفات السلف؛ منهم من يقول الفطرة هي الإسلام، الفطرة هي التوحيد، الفطرة هي الإيمان، الفطرة هي كذا. فهل هذه أقوال كثيرة لا بد من المحافظة عليها، أم يمكن إرجاع هذه الأقوال إلى شيء واحد؟ كأن نقول: لا لا تعارض أصلاً بين هذه الأقوال، وإنما ترجع لشيء واحد؛ التوحيد نفسه هو الإسلام، هو نفسه الإيمان، وترجع هذا إلى قول أو قولين بدلاً من هذه الكثرة. وأيضاً في مجال الخلاف اللفظي، وهذا كثير جداً، فلا بد عند الوصف -حين تصف القضية، عندك قضية فكرية فيها مصطلحات- أول ما تبدأ به تحرير المصطلحات. ثانياً عندك خلاف، أول ما تبدأ به في الخلاف هو ما محل النزاع الذي بين هؤلاء المختلفين. وثالثاً هذه الأقوال، عندي أربعون قولاً في المسألة، هل هي فعلاً أربعون قولاً أم يمكن إرجاعها إلى ما هو أقل؟ إذاً هذا في مرحلة ماذا؟ في مرحلة الوصف.

في مرحلة التحليل، أكتفي بأن أقول إنه لا بد من تنمية ملكة الاستدلال، وملكة المقارنة بين الأقوال، والملكة هي هيئة راسخة في النفس. الذي يقع عند الكثيرين هو أنهم ينطلقون إلى بحث القضايا الفكرية قبل أن تنمو عندهم هذه الملكة؛ يعني يبدأ البحث، ويبدأ الاستدلال، ويبدأ المقارنة بين الأقوال وهو لم يعتد ذلك ولم يألفه من قبل، هذا يفسد من حيث يظن أنه يحسن صنعاً. هذه الملكة تأتي بالخبرة وبالممارسة وبالعمل الدؤوب، وقبل أن تخرج نتائج أبحاثك الفكرية إلى الناس، جرب مراراً وتكراراً أن.

تقارن بين الأقوال وأن تستدل وأن تبرهن، ثم سيأتي الزمن الذي تنمو عندك فيه هذه الملكة، وحينئذ تستطيع أن تنطلق إلى بحث القضايا الفكرية. انتهينا من الأدوات، ننتقل إلى الأصول، بمعنى ما الأصول والقواعد والضوابط العامة التي ينبغي أن نحرص عليها عند بحث القضايا الفكرية المعاصرة.

الأصل الأول: لا بد من حصر الموضوع بدقة في سياقه الزماني والمكاني وعدم السيلان. أعطيكم مثالاً، طرح علي موضوع هذه المحاضرة، الموضوع هو منهج البحث في القضايا الفكرية المعاصرة. كان من اللازم أن أحصر البحث أولاً في المنهج، والمنهج البحثي، وثانياً في الفكر وما يرتبط به كالعقيدة، وثالثاً في كون هذا الفكر معاصراً أو القضايا الفكرية معاصرة. حين لا تحصر موضوعك كان بالإمكان أن أتحدث، أظن أنني نجحت إلى حد ما في حصر الموضوع، أرجو أنني نجحت في ذلك. لكن كان ممكن مثلاً أن لا أتكلم عن المنهج، أن أتكلم عن الفكر مطلقاً لا أتحدث عن المنهج، أو أتحدث عن المنهج لكن أدخل فيه الفقه وأدخل فيه اللغة، أو أتحدث عن منهج الفكر ولكن لا أضبط السياق بهذا السياق الزمني الذي هو الوقت المعاصر. إذاً قبل أن تبدأ بحثك في قضية فكرية معينة، لا بد من ضبط الموضوع وحصره.

ثانياً، من الأصول المهمة الاستفصال عن المصطلحات المجملة والمعاني المحتملة. هنا ألفاظ مجملة معانيها غير واضحة، وهنالك معانٍ ومفاهيم محتملة لأشياء كثيرة غير منضبطة. قبل أن تبدأ البحث، إياك أن تبدأ البحث الفكري وأنت لم تضبط هذه المصطلحات وهذه المفاهيم ولم تستفصل عنها، سواء تستفصل ممن طلب منك البحث، أو حتى إن لم يوجد إن كنت تبحث من تلقاء نفسك، على الأقل وضح ذلك في بداية بحثك. مثلاً الوسطية من المصطلحات المجملة؛ بعض الناس الوسطية عنده هي التمييع والانحلال من الدين، وبعض الناس الوسطية عنده هي التوسط بين الغلو وبين الإفراط والتفريط، وبعض الناس عنده الوسطية هي منهج عالم معين أو شيخ معين أو طائفة معينة وهكذا. قبل أن تبدأ الحديث عن الوسطية وضح مرادك.

كذلك السياسة، يقع لي كثيراً في المناقشات المجتمعية بمناسبة الانتخابات وغيرها أنني أقول المشاركة السياسية مثلاً، لا أرى المشاركة السياسية أو أرى المشاركة السياسية؛ فالناس حين تقول لهم لا أرى المشاركة السياسية يفهمون من ذلك أنك لا ترى السياسة مطلقاً ولا الحديث فيها مطلقاً، لأنك لم توضح المراد. ما المراد بالسياسة؟ السياسة الشرعية؟ السياسة العصرية؟ وهذه السياسة العصرية هل هي السياسة الديمقراطية البرلمانية الحزبية؟ أم هو الموقف السياسي مطلقاً بقطع النظر عن كون ذلك في حزب أو في برلمان أو بانتخابات وهكذا؟ لا بد من توضيح المراد.

التجديد، بعض الناس يتحدث عن التجديد مع أن التجديد مصطلح شرعي وليس من المصطلحات الحادثة لأنه وارد في السنة. ما المراد به؟ إن من الناس اليوم من يتحدث عن التجديد ويقصد بذلك هدم الدين، ومن الناس من يتحدث عن التجديد ومقصوده إحياء الدين، لا بد من توضيح ذلك. كذلك مصطلحات كثيرة، الحركية؛ بعض الناس ينكر الحركية مطلقاً، هؤلاء حركيون، وآخرون الحركية عنده لب الدين، ما المقصود بالحركية وهكذا.

ثالثاً، لا بد من التأمل الطويل، هذا من الأصول المهمة وعدم التسرع. والذي يعينك على هذا التأمل وعدم التسرع هو أن تتفكر فيما ينبني على قولك أو موقفك أو بحثك أو نتيجة بحثك من تبعات عملية خطيرة على أرض الواقع. قبل أن يبدأ بعض الناس ما يتفكر فيما يقوله، هذه القضية كفر ومناقضة للدين وانتهينا، لا يعلم أنه حين يقول ذلك هنالك أناس يأخذون كلامه على أنهم من المسلمات وأنه مجمع عليه عند العلماء ويطبق الأمر عملياً، كفر إذا ما الذي ينبني على الكفر؟ وهكذا. لا، لا بد من التثبت والتأني كما ذكرت آنفاً، خاصة أن الزمن الكافي الطويل كفيل بإظهار التناقضات وبإخراج الأخطاء وإظهارها وهكذا. الكثير من الأشياء في الحقيقة ما ظهر لنا الخطأ فيها بعد توفيق الله عز وجل إلا بسبب الزمن فقط، لم تكن هناك مناقشة معينة أو قراءة زائدة أو كذا، فقط طول الزمن ومرور الأحداث المتعاقبة وكثرة التفكر تجعلك تقول لا، هذا الأمر كنت فيه مخطئاً. لكن بالطبع مع الحذر من البطء الشديد المانع من الإنجاز، لا بد من الحذر من التسرع المفضي إلى الهلاك والدمار كما ينبغي الحذر من البطء المانع من الإنجاز، لأن بعض الناس أيضاً لا يخرج الحكم أبداً، وإذا بحث القضية الفكرية لا يكون له فيها رأي مطلقاً، هذا يمنع من الإنجاز وغير مطلوب.

رابعاً، من ضمن الأصول: الاستدلال. الاستدلال فيه ثلاثة مقامات: صحة الدليل في نفسه، وصحة تنزيله على الواقعة أو المسألة المبحوثة، وسلامته من المعارض. هذه ثلاثة أمور ينبغي مراجعتها في الدليل. أولاً صحة الدليل في نفسه، إذا كان دليلاً نقلياً فلا بد من ثبوته، إن كان القرآن فلا إشكال في الثبوت، إن كان حديثاً فلا بد أن يكون حديثاً صحيحاً، وإن كان دليلاً عقلياً فلا بد من أن يكون صحيحاً، الدليل العقلي هنالك أدلة عقلية باطلة، سيأتينا إن شاء الله تعالى ذكر بعض الأمثلة، فإذاً يحذر من الخلل في الاستدلال العقلي. بعض الناس في قضايا فكرية مهمة جداً يأتيك بأدلة ليست أدلة أصلاً ليست أدلة، مثلاً واحد يبحث في قضية المساواة بين المواطنين، المساواة بين الناس على أساس المواطنة، تقرير مبدأ المواطنة المساواة في الإنسانية، تقرير هذا المبدأ ويستدل على ذلك بحديث «الخلق عيال الله»، الحديث أصلاً لا يصح، بل قال بعض الحفاظ ضعيف باتفاق، فإذاً هذا ليس دليلاً أصلاً.

ثانياً، قد يكون الدليل صحيحاً في ذاته ولكن لا يصح تنزيله على هذه المسألة، مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90]. هذا دليل صحيح في نفسه ثابت، دليل قرآني يدل على فضل العدل ووجوب العدل، جميل، لكن يأتي شخص فيأخذ هذه الآية القرآنية ينزلها على قضية المساواة في الإرث ويقول: كيف تقولون بأن المرأة تأخذ نصف ما يأخذه الرجل في الإرث؟ هذا ليس عدلاً، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، فإذاً أنتم دليلي على خطأ قولكم في عدم المساواة في الإرث هو هذه الآية. إذاً الدليل صحيح في نفسه ولكن تنزيله على الواقع غير صحيح؛ لأن العدل غير المساواة، والله تعالى يأمر بالعدل، لكن أين أن الله أمر بالمساواة مطلقاً؟ هذا غير موجود، بل الأدلة على عكس ذلك، فإذاً تنزيل هذا الدليل على هذه الواقعة غير صحيح.

ثالثاً، ينبغي النظر في المعارض، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بالتعارض والترجيح. بمعنى لا بد من الجمع بين الأدلة، والترجيح عند عدم إمكان الجمع. كنت في دورة تكوينية مؤخراً ألقيت دورة أو محاضرة في مسائل التربية، تربية الأطفال وغير ذلك، أنا أعلم أن أغلب الناس اليوم متشبعون بثقافة الحوار وثقافة لا تجبر ابنك لا تلزمه على شيء، حاوره وكذا، أعرف هذا، ولذلك صرت أذكر لهم عكس ذلك؛ لأني دائماً أريد أن أجر المخاطب إلى الوسط، إن كان يؤمن بكثرة الحوار أجره إلى الوسط، إن كان يؤمن بالضرب القمع وكذا أجره إلى الوسط وهكذا. فهؤلاء أحاول أن أجرهم إلى الوسط، تذكرت لهم أنه ما بال أقوام، هذه ليست دائماً على إطلاقها، كثير منهم استنكروا استغربوا الأمر؛ لأنهم لا يسمعون من الوعاظ والدعاة إلا أن الإنكار لا بد أن يكون على طريقة ما بال أقوام، وطريقة ما بال أقوام طريقة شرعية ثابتة في السنة، لكن هل هي الطريقة الشرعية الوحيدة؟ لذلك ذكرت لهم مثلاً حديث المسيء صلاته، النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسيء في صلاته، والحديث ثابت في الصحيح وهو أصلاً في إثبات أركان الصلاة في الفقه، النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم ويخطب في الناس ويقول: ما بال أقوام يصلون هكذا عليهم أن يصلوا بالطريقة الفلانية، لا لم يفعل، بل قال له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فرجع فصلى، أعاد له في المرة الثانية وفي المرة الثالثة حتى قال: والله لا أحسن غيرها يا رسول الله، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فافعل كذا وكذا»، فأنكر عليه بشكل مباشر وأمام الناس الذين نقلوا القصة، فإذاً ليس مطلقاً وليس دائماً ما بال أقوام، واللين، بعض الناس دائماً اللين والحوار وكذا، لا، النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وجد قراماً فيه تصاوير فغضب وهتكه، هتكه إنكار باليد.

الشاهد عندي ما هو؟ هو أنك لا تكتفي بالدليل الواحد، بعض الناس مثلاً في هذا المجال يأتي فيقول: تربية الأطفال تكون دائماً بالتلميح والتعريض ولا يكون فيها شيء من التصريح والإنكار المباشر وكذا، والدليل ماذا؟ ما بال أقوام؟ نقول صحيح، دليل صحيح وتنزيله على الواقع صحيح، ولكن أين المعارض؟ هنالك أدلة كثيرة تعارض هذا المعنى فلما أغفلتها؟

أخيراً في مجال الأصول، أمر مهم جداً جداً هو التنبه إلى أصول الأقوال. كثير من الأقوال لا تفهم حق الفهم إلا بالرجوع إلى أصولها، مثلاً أكثر أقوال التنويريين اليوم أصلها من الثقافة العلمانية الغربية، وإن كانوا يحاولون أن يظهروها بمظهر الاستدلال الشرعي، الحرية الفردية مثلاً، التنويريون يتحدثون في الحريات الفردية، الحرية الجنسية، حرية المرأة في امتلاك جسدها بالإجهاض أو بغيره، حرية الرجل في معاشرة المرأة خارج إطار الزواج بأدلة شرعية، وكذا ويتعسفون في ذلك، لكن ليست القضية هكذا، أساس القول وأصله ثقافة علمانية غربية مهيمنة، هي التي تحكم في هؤلاء وهي التي تجعلهم يتبنون هذه الأقوال، ثم بعد تبنيها يبحثون عن أصل لها من الشرع، كما يفعلون في قضية حد الردة أو عقوبة المرتد؛ في الأصل قرروا أصلاً مأخوذاً من الثقافة الغربية المهيمنة وهو أصل حرية الدين حرية المعتقد، وعقوبة المرتد تتنافى مع حرية المعتقد، فقرروا حرية المعتقد قالوا إذاً لا يمكن أن نعاقب المرتد، كيف نصنع؟ لا يأتون إلى المسلمين ويقولون لهم شرعكم مخالف للثقافة الغربية، لا، ماذا يقولون؟ لا يوجد في الشرع شيء اسمه عقوبة المرتد، والدليل كذا وكذا وكذا، ويأتون بـ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، طريقة التنويريين المعروفة.

وفي الحقيقة أن هذا إشكال كبير جداً، وهو أن الشخص لا يعرف أصل القول، عليك أن تعرف أصل الأقوال لكي تناقش، مثل هؤلاء تناقشهم بأصولهم ترجع إلى أصول أقوالهم، لا تكتفي بمناقشتهم في الاستدلالات الشرعية، مثلاً القول بعدم كفر تارك الصلاة لا يلزم أن يكون بسبب الإرجاء، قد يكون شخص يقول عالم من العلماء يقول تارك الصلاة لا يكفر، لم لا يكفر؟ لأن هذا عمل، لا يمكن أن يقع العمل بالكفر، الكفر لا يكون إلا بالاعتقادات القلبية، هنا هذا إرجاء، جعل أصل القول بعدم كفر تارك الصلاة جعله ناتجاً عن أصل إرجائي، لكن عالم يقول تارك الصلاة لا يكفر، لم؟ لأن هنالك حديثاً معيناً يدل على عدم كفره وكذا، لا أخوض في الأمر ومعروف لديكم، هنا ليس الأصل إرجائياً، وإنما عملية استدلال اجتهادي أوصلته إلى القول بعدم كفر تارك الصلاة. إذاً هذا التنبه إلى أصول الأقوال.

انتهينا الآن من المبحث الثاني، لكي نرجع إلى المحاور لكي نفهم منهج التحليل والنقد وهو المحور الأخير، ذكرنا الأدوات وذكرنا الأصول، بقي لنا نقطة أخيرة وهي المزالق، هنالك مزالق ينبغي الحذر منها عند التحليل والنقد في القضايا الفكرية المعاصرة.

المزلق الأول هو ما يمكن أن يسمى بالأوهام المنطقية المشهورة. هذه الأوهام المنطقية قد تكون متعمدة وقد تكون عن جهل، حين تكون متعمدة هذا الذي يسمى السفسطة، والسفسطة معروفة مذهب يوناني ومعروف لأجل الرد عليه قامت الفلسفة المعروفة وقام أرسطو جمع علم المنطق وغير ذلك، إذاً ما قام المنطق إلا لرد هذه الأوهام المنطقية. بطبيعة الحال الأوهام المنطقية كثيرة جداً، سأكتفي بأشهرها أو بأكثرها وروداً في المباحث الفكرية، سأسردها مع ذكر تعريف صغير ومثال، الأول استدعاء السلطة، يسمونه في الغالب السلطة العلمية، مثلاً يأتيك شخص فيقول دلت الدراسات العلمية على أن التطور حقيقة ثابتة، نظرية التطور، أو يأتيك فيقول دلت الدراسات العلمية على أنه لا يوجد فرق بيولوجي مؤثر بين الذكر والأنثى؛ الأول يناقشك في التطور، إذاً يثبت لك التطور، لكن بدلاً من أن يستدل يكتفي بأن يقول دلت الدراسات العلمية، فهو يستدعي سلطة علمية، أو يقول لك قال العالم الفلاني فتقول له ولكن كيف، لا، لا تناقشني هل أنت أعلم من العالم الفلاني؟ استدعاء السلطة. دلت الدراسات مثلاً في إطار النقاش في نظرية الجندر، الفرق بين الذكر والأنثى هي فروق في التربية فقط، التربية هي التي تنشئ الفرق، لا يوجد فرق بيولوجي مؤثر، لكن لا، لا تناقشني لأن العالم الفلاني لأن الدراسات العلمية. بالطبع نحن لا ننكر أهمية الدراسات العلمية وأهمية أقوال العلماء لكن بشروط، ليس مطلقاً، التخصص، أن يكون هؤلاء العلماء متخصصين، شرط الاتفاق، أن يكونوا قد اتفقوا على ذلك، لكن إن كانوا قد اختلفوا لا ينفع ذلك، نشاط مهم جداً عدم التأثر الأيديولوجي، هنالك علماء بيولوجيون، علماء في الجيولوجيا، علماء في الفيزياء، لكن متأثرون بإلحادهم، متأثرون بكراهتهم للدين أو لنظرية الخلق.

يقول لك لا يمكن أن أصدق بنظرية الخلق ولا أن أرجع إلى النظريات الدينية، وبالتالي وإن ظهر لي أن هذا القول العلمي فيه خلل وفيه ثقوب وثغرات، مع ذلك أنا أقرره؛ لأني لا أستطيع، لأنه إما هذا وإما أرجع إلى نظرية الخلق والدين. لا يمكن، إذا هذا مؤدلج، ولا يمكن لمثل هذا أن يؤخذ على أنه مرجعية وأن يستدعى في مثل هذا النقاش.

ثانياً، من الأوهام المنطقية المشهورة استدعاء الشعبية. الاستدعاء الشعبي بمعنى أن القول صحيح لأن كثيراً من الناس يقولون به، لا يمكن أن يكون هؤلاء كلهم مخطئين. هذا كثير جداً في النقاشات، يعني تأتي تناقش النصراني فيقول لك: ماذا تريد أن تقول؟ النصارى في النار؟ مستحيل، مليار ونصف من الناس في النار! هذا استدعاء الشعبية، هذا ليس دليلاً. أو تقول له مثلاً نقاش بين الأشعرية والسلفية: كيف لا يمكن أن يكون الأشعرية على خطأ وهم أكثر الأمة أو أكثر علماء الأمة؟ أو تناقشه في القبور والأضرحة والنذر لها: لا يمكن أن يكون هذا ضلالاً وأكثر الأمة تفعله. استدعاء الشعبية هذا ليس دليلاً وإنما هو وهم من الأوهام المنطقية.

ثالثاً، التعميم المتسرع. بمعنى تأخذ حادثة أو واقعة أو صورة أو شخصاً، ثم تعمم ذلك على الطائفة أو الشعب أو البلد أو ما أشبه ذلك. كما يقولون مثلاً: يجد بعض العرب في هذا العصر كسالى، فيقول العرب شعب من الكسالى، غلط غير صحيح. أو يجد يابانيًا مجداً نشيطاً، فيقول اليابانيون كلهم نشطاء وكلهم مجدون، غير صحيح. من اليابانيين كسالى، ومن اليابانيين مجرمون، ومن اليابانيين من يتاجرون في الرقيق الأبيض، منهم من إلى آخره، كوارث في اليابان وفي غير اليابان. التعميم المتسرع هذا كثير في القضايا الفكرية المعاصرة.

رابعاً، معضلة الحدين أو يمكن أن تترجم بالإحراج، أو قياس الإحراج بالخيارين. ما معنى ذلك؟ معنى أنك حين تخاطب الشخص فإنك تضعه بين خيارين لا ثالث لهما، مع أن الخيار الثالث موجود. مثال ذلك: المشاركة السياسية، تأتي مثلاً تناقش شخصاً فتقول له: أنا عندي انتقاد على المشاركة السياسية والديمقراطية الحزبية البرلمانية في هذا العصر لأسباب كذا وكذا. يقول لك: ماذا؟ أنت إذا لم تقل بالمشاركة السياسية فهذا يعني القعود وعدم العمل وعدم السعي لنصرة دين الله وعدم وعدم، فأنت إما هذا وإما هذا. لا، أنا عندي خيار ثالث. فهذه المعضلة مشهورة جداً في النقاشات وما أكثر ما تقع، دائماً يقولون لك: لا يمكن، إما هذا وإما تجلس في بيتك. لا يمكن، هنالك خيار ثالث له تفصيل.

خامساً، من الأوهام المنطقية ما يمكن أن يسمى رجل القش. رجل القش هو اختراع دليل للمخالف الضعيف يكون دليلاً ضعيفاً، ثم ترد على هذا الدليل الضعيف وتترك الدليل القوي. كما أنك لا تستطيع أن تصرع الرجل فماذا تفعل؟ تصنع رجلاً من قش سهلاً وتصرعه بسهولة؛ أي أن تسند للمخالف برهاناً ضعيفاً تبطله. مثال ذلك: نناقش التطورِيّ، بدلاً من أن تناقشه في نظرية التطور تكتفي بأن تقول له: أنت ترضى أن يكون أبوك قرداً؟ بمعنى اختزلوا نظرية التطور في أن القردة هم آباء أو أجداد البشر، بهذا الاختزال غير صحيح. تناقش الشيعة، وهذا يحدث كثيراً في مناقشات الشيعة فتقول للشيعي: هل ترضى أنك نتاج متعة؟ هذا ليس دليلاً، أنت فقط تخترع دليلاً سهلاً تجعله كرجل القش وتصرعه بسهولة، وتظن أنك قد أتيت على دليله الأقوى في الموضوع، وهذا في الحقيقة لم تفعله.

وهم منطقي آخر أن الخطأين الاثنين يولدان صحيحاً واحداً. بمعنى ماذا؟ بمعنى أن تستدل بأخطاء الآخرين. أنت مخطئ، بدلاً من أن تكتفي بهذا الخطأ تضيف إلى هذا الخطأ خطأ الآخر وتحاول أن تنتج من المزج بين خطئك وخطأ آخر أن تنتج من ذلك صحيحاً. هذا معنى خطآن وصحيح واحد؛ بعبارة مختصرة الاستدلال بأخطاء الآخرين. مثلاً: نناقش شخصاً من الذين يتحدثون عن الحرية الجنسية فتقول له الحرية الجنسية فيها مفاسد كذا وكذا، فيكتفي بأن يقول: لا يمكن أن تكون الحرية الجنسية شيئاً سيئاً؛ ألا ترى أن الغربيين عندهم الحرية الجنسية ومع ذلك دولهم متقدمة؟ فهو ماذا يفعل؟ يستدل بخطأ الآخرين، أو كما يقع في الرشوة مثلاً: يحدث شخصاً عن الرشوة تقول الرشوة حرام أو الرشوة كذا وكذا، لا يمكن أن أترك الرشوة؛ لِمَ؟ لأن الجميع مرتشٍ، من أعلى الهرم إلى أسفله الكل يمارسون الفساد والارتشاء. سيستدل بأخطاء الآخرين، هذا أيضاً وهم منطقي وليس دليلاً.

من أهم الأوهام المنطقية ومن أخطرها الخلط بين التزامن والتسبب. بمعنى أن تزامن ظاهرتين لا يقتضي أن إحداهما سبب للأخرى. مثلاً من الأمثلة المشهورة: الغربيون تركوا الدين، الغربيون تقدموا وأسسوا حضارة. هذان متزامنان، إذاً تركهم للدين سبب لتقدمهم، والنتيجة: اتركوا أيضاً الدين لكي تتقدموا كما تقدموا. هذا كثير جداً في كلام مفكري العصر المنسوبين للإسلام أو للتنوير. التطور العلمي في الغرب سببه تبنيهم للعلمانية، أو حتى من الأمور المضحكة أني كنت أناقش شخصاً من الأشخاص وقال لي: سبب تقدم الغربيين هو درجة الحرارة المتدنية عندهم؛ لِمَ؟ لأن درجة الحرارة إذا كانت مرتفعة فهذا يساعد على الكسل. هذا لا يستقيم، لا يستقيم بدليل ماذا؟ بدليل أن أعظم الحضارات عبر التاريخ كانت في مناطق حارة، بدءاً بمصر الفرعونية، بالحضارة الإسلامية الضخمة، بحضارة العراق البابلية. لا يستقيم، تزامن الحضارة الغربية مع درجة الحرارة لا يقتضي أن ذلك هو السبب.

أخيراً في مجال الأوهام المنطقية هنالك ما يمكن أن أسميه دخان تشتيت الانتباه. تشتيت الانتباه بإثارة دخان معين، مثلاً يقع نقاش مجتمعي بين متدينين وغير المتدينين، المتدين لأن له مرجعية دينية يقول: هذا الذي تقولونه مخالف للدين. الآخر ماذا يصنع؟ يثير الدخان، كيف ذلك؟ يترك النقاش كله ويقول: أنت حين قلت هذا مخالف للدين معنى ذلك أنك أخرجتني من الدين ومعنى ذلك أنك كفرتني ومعنى ذلك أنك تسعى إلى التكفير والتفجير والداعشية وما أدري إيش، ويثير دخاناً كثيفاً يشتت انتباه السامعين ويظن الكثيرون أنه مصيب في فعله. والحق أنه لم يصنع شيئاً ولم يستدل ولم يبرهن، وإنما غاية الأمر أنه شتت انتباه الناس.

من الأوهام المنطقية برهان ما يمكن أن يسمى برهان كرة الثلج. تعرفون كرة الثلج التي تبدأ من أعلى الجبل ثم تكبر تدريجياً حتى تصل إلى أسفل الجبل وقد صارت ضخمة. مثال ذلك: تأتي في نقاش مجتمعي فكري فتقول للناس ينبغي أن نمنع الخمر، ماذا يقول؟ لا لن نسمح بمنع الخمر، لِمَ؟ لأننا إن سمحنا لكم اليوم بمنع الخمر غداً ستطالبون بمنع العري، ثم بعد ذلك التبرج، ثم بعد ذلك ستطالبون بمنع الفن عموماً، ثم ستطالبون بمنع الفكر وثم منع الثقافة، ثم كذا، ثم تقيمون دولة دينية على طريقة الدول الدينية المنسوبة إلى القرون الوسطى، وهكذا وهكذا. يعني كرة ثلج، أنت تناقش في الخمر وهو يكبر القضية حتى يصل إلى الدولة الدينية وما أدري إيش.

أخيراً من الأوهام المنطقية مهاجمة القائل، وهذا كثير جداً للأسف في الأبحاث الفكرية المعاصرة. كثير من الأقوال اليوم تنكر وتبطل ولا تقبل لأن صاحبها أو قائلها عالم سلطان مثلاً. يقول لو قال فلان كذا وكذا كلاماً طويلاً مؤصلاً مستدلاً عليه، لا، ماذا يقول؟ لا أسمع منه شيئاً لأنه عالم سلطان وكذا وكذا، مع أن كلامه قد لا يكون في موضوع السلاطين والسياسة الشرعية. في موضوع آخر لا لا أقبل منه مطلقاً. فمهاجمة القائل بقطع النظر عن قوله، يعني لا تنظر في قوله وإنما تكتفي بمهاجمة القائل نفسه.

هذه أهم الأوهام المنطقية التي تدخل في باب المزالق الفكرية التي ينبغي الحذر منها. الآن نذكر بعض المزالق الأخرى التي ربما لا تدخل في مجال الأوهام المنطقية. من المزالق رد القياس بوجود فرق غير مؤثر في صحته. أعطيكم مثالاً، أنا أسمع قول القائل يقول: لا تنكروا على المبتدعة، فما يدريك لعل قول هؤلاء المبتدعة هو الصحيح وقولك أنت هو الباطل. إذاً زيد من الناس يناقشني فيقول: لا تنكر على المبتدعة. لِمَ لا أنكر؟ لا تدري، احتمال أن قولهم هو الصحيح وقولك هو الباطل. كيف أجيبه؟ أجيبه بقياس، أقول له: هذا يقتضي أنني لا أنكر على النصارى أيضاً، لِمَ؟ لأنه يحتمل -كما قلت- يحتمل أن قول النصارى هو الصحيح وأن قولي أنا أو قولنا نحن معاشر المسلمين هو الباطل. كيف يجيب على هذا القياس؟ ماذا يقول؟ يقول: ولكن هؤلاء غير مسلمين، النصارى غير مسلمين وكلامي أنا عن المبتدعة الذين هم مسلمون. ما الذي صنع؟ حاول إبطال القياس بفارق غير مؤثر، لأنه حينئذ كيف أجيبه؟ أقول له: هذا الفرق غير مؤثر؛ لأن ما نحن بصدده ما هو؟

هو أن هنالك جامعاً يجمع بين قولك عن المبتدعة -كونك لا تنكر على المبتدعة لأجل الاحتمال دون استدلال- وبين قول القائل: لا أنكر على النصارى لأجل الاحتمال دون استدلال. هنالك جامع بين هذين الأمرين، كون هؤلاء ليسوا مسلمين وهؤلاء من المسلمين فرق صحيح هو فرق، لكنه فرق لا يؤثر لأن العبرة بالجامع الذي هو الجمع بين الأمرين، وهو إبطال إنكار قول المخالف بمجرد احتمال صحته دون استدلال على ذلك. وحينئذ فلا فرق بين أن يكون مسلماً أو كافراً أو أي شيء، يصح حتى في مسائل الاجتهاد، حتى في الأمور الاجتهادية. لا يمكن أن أقول في مسألة اجتهادية فرعية: لا أخالف فلاناً، فلان يقول بأن هذا حرام وأنا أقول بأنه حلال، لا أستطيع أن أقول حرام. لِمَ لا تستطيع؟ لأنه يحتمل أن يكون قوله صحيحاً؟ لا ما يمكن، نعم يحتمل ثم ماذا؟ حتى على فرض وجود الاحتمال ثم ماذا؟ مجرد الاحتمال لا يمنع الإنكار حين يسوغ الإنكار، وإنما لابد من الاستدلال على ذلك.

من المزالق أيضاً التصنيف على أساس القول في ذاته لا على أساس أصله الفكري. مثال ذلك: أن تقول كل من قال بعدم كفر تارك الصلاة فهو مرجئ. هذا خطأ، هذا تصنيف غلط.

من المزالق الخلط بين التأصيل النظري والتطبيق الواقعي. مثلاً قضية المعازف هذه قضية فقهية ولكن لها تعلقات فكرية، ليست من القضايا الفقهية الخالصة. بعض الناس يبيح المعازف وأنا لا إشكال عندي في أن يقول: أنا أُبيح المعازف لعموم البلوى ولأنني لا أستطيع القول بالمنع في هذا العصر لأن المعازف دخلت علينا وعمت بها البلوى وكذا. هذا قول من الناحية الفقهية أقبله، لكن هنالك من ينتقل من هذا إلى مجال آخر وهو أنه ينتقل إلى الإباحة النظرية العامة في كل وقت في كل حين في كل عصر وانطلاقاً من النصوص. بعبارة أخرى لا يفرق بين حال الضرورة وحال السعة، بل ينتقل من حالة ضرورة يصوغ فيها فقهياً -بصرف النظر عن هل هذا قول صحيح أو لا- إلى حال القول بالإباحة عموماً وفي حال السعة. فهنا التأصيل النظري شيء، وهذه الغاية التي يسعى إليها والتطبيقات الواقعية شيء آخر، فينبغي الحذر من الخلط في هذا المجال.

أيضاً من أنواع الخلل الخلط بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل. مثلاً حاكم في هذا العصر يحكم بالعلمانية، لا يمكن أن أقول لا يحكم بالعلمانية؛ إذا كان يحكم بالعلمانية فهو يحكم بالعلمانية، لكن هل هو معذور في حكمه بالعلمانية بتأول معين أو بجهل أو ما أشبه ذلك؟ هذا موضوع آخر. بعض الناس لأنه يعذر ذلك الشخص ينتقل من العذر إلى تقرير الغلط، بمعنى أنه ينتقل من الحكم على الفاعل إلى الحكم على الفعل ويخلط بين الأمرين. فلان لا يمكن أن يكون علمانياً وإذاً فلان لا يحكم بالعلمانية، لا يا أخي. مثلاً إذا رأيت شخصاً يشرب الخمر -هذا ماء لكن فرضنا أنه يشرب الخمر- أقول فلان يشرب الخمر، لكن هل فلان معذور لشرب الخمر؟ مثلاً لو غص فلم يجد إلا خمراً فشرب، أو شرب الخمر وهو لا يعلم أنه خمر يظنه عصيراً، موضوع آخر. لكن لا أحرف المعاني لا أحرف الواقع فأقول فلان يشرب الماء وهو الحال أنه يشرب الخمر. إذاً لا بد من فهم هذين الأمرين: الحكم على الفعل والحكم على الفاعل مقامان مختلفان.

من المزالق الحذر من المؤثرات النفسية، وهي كثيرة جداً، كثير من المؤثرات النفسية يعمل بها بعض الناس فتؤثر في الأحكام التي يصدرونها في مجال الفكر، مثلاً الاعتداد بعلم القائل أو بشهرته وجعل ذلك دليلاً على صحة قوله مطلقاً كما ذكرنا في استدعاء السلطة. ثانياً من المؤثرات النفسية التشتيع على المخالف والاستهزاء به.

قوله غلط، وهذا يستعملها بعض العلماء وبعض المفكرين؛ أنا مباشرة قبل أن يبدأ الكلام يبدأ بأن يشنع على المخالف، وأن قوله هذا لا يعتد به، وقول حكايته تغني عن إبطاله، وأشياء من هذا القبيل. هذا الاستهزاء حالة نفسية ومؤثر نفسي ينبغي الحذر من الوقوع في هذا المزلق.

مثلًا التكثر يدخل في باب استدعاء السلطة؛ التكثر بأقوال الفلاسفة والمفكرين والعلماء هذا لا يعني صحة الفكرة. ما يقع لبعض الناس في هذا العصر أنه يأتيك بالقول المرذول، أو بالقول على الأقل لا يكون مرذولًا لكنه يكون مبتذلًا مشهورًا جدًا، فيقول: قال نيتشه، أو قال كانط، أو قال. هذا لا يقصد به أن الفكرة صحيحة.

هنالك من يستعمل مؤثرًا نفسيًا عجيبًا جدًا، خبرناه كثيرًا في النقاشات العصرية، وهو مؤثر يمنع به الاعتراض ابتداءً، حتى قبل عرض فكرته، أو لنقل مباشرة بعد عرض فكرته؛ يعرض فكرته ثم يقول: والآن سيأتي شخص فيقول كذا وكذا وكذا. لا يرد على هذا، وإنما فقط يذكر الاعتراض. فأنت إذا كان عندك نفس هذا الاعتراض تستحي من الناحية النفسية أن تكرره. هذه مسألة نفسية لا أقل ولا أكثر، مع أن الاعتراض قد يكون صحيحًا، لكن نفسيًا تستحي أن تذكره؛ لم؟ لأنه هو ذكر هذا الاعتراض في آخر الكلام وقال هنالك أناس سيعترضون به، فتستحي أن تعترض بشيء قد ذكره وأنك ستعترض به. هذا مؤثر نفسي ينبغي الحذر منه.

أيضًا من المزالق الخوف من التصنيف؛ كثير من الناس اليوم يفرون من أي قول فيه تدين، لأنه يخشى أنك إذا قلت ذلك تُحسب على طائفة معينة. كثير من الناس الآن لا يقول بالقول التراثي؛ لأنه إذا قاله يُتهم ويُنْبز بأنه داعشي مثلًا. الخوف من التصنيف مسألة نفسية أو مؤثر نفسي، أو أيضًا من المؤثرات النفسية الأفكار الجاهزة التي تنطلق من استقراء قاصر، أن تقول مثلًا: الطائفة الفلانية كلهم علماء سلطة، ويكون ذلك مبنيًا على استقراء قاصر جدًا. إذن هذا كله في الحذر من المؤثرات النفسية.

أخيرًا، وهو من المزالق الخطيرة جدًا، الحذر من الخلل في مصادر المعلومات. مصادر المعلومات اليوم فيها مجال رحب للتحريف والخطأ والخلل، وكثير من الناس لا ينتبهون. الآن في "واتساب" تجد الناس يأخذ الفكرة أو المقال فينشره على أنه مسلم به، على أنه حقيقة واقعة، والحال أنه ليس كذلك. وهكذا ينتشر الأمر حتى يصل إلى الباحث أو المفكر فيتأثر به من حيث يدري أو من حيث لا يدري. وكثير من الناس يبحثون مباحث فكرية وتجد أنهم بنوها على معلومات مغلوطة، ما يسمى مثلًا الأخبار المغلوطة التي تسمى عند الغربيين "فيك نيوز". أخطاء؛ الرئيس الفلاني قال كذا، أو الرئيس الفلاني يفعل كذا، والحال أنه لم يفعل ذلك مطلقًا، أو المفكر الفلاني قال، والفيلسوف يفعل، وهو لم يفعل ذلك. كما تجد هذا كثيرًا جدًا: قال هتلر كذا، وهتلر أمر يومًا ما بأن يؤخذ اليهود فمجموعة من الأسرى اليهود أُخذوا وفعل بهم كذا وفعل بهم كذا، والحال أن القصة غير موجودة أصلًا، باطلة أصلًا. وهذا الذي ينقل هذه القصة المغلوطة والباطلة ينقلها ليبني عليها فكرة معينة، إما متعلقة باليهود، أو متعلقة بالنازية، أو متعلقة بالغرب، فتبنى الفكرة على لا شيء.

أو كالذين يتحدثون عما يسمونه كوكب اليابان ويبنون على ذلك أفكارًا وأجوبة على أسئلة النهضة وأشياء كثيرة، والحال أن كثيرًا مما ينقلونه غير صحيح أصلًا، كثير منه صحيح وكثير منه غير صحيح. أو بعض التصرفات التواصلية التي تقع من بعض الرؤساء أو من بعض الممثلين الغربيين، بعض الجهلة عندنا يظنون أن ذلك حقيقة. رئيس معين أو ممثل معين أو ممثلة معينة تذهب عند لاجئين أو فلان يتعامل بلين مثلًا مع طائفة المسلمين، فيبنون على ذلك أفكارًا معينة والحال أنها غير صحيحة. يقول لك مثلًا: انظر إلى الغربيين كيف يتعاملون مع الإنسان، كيف يحترمون الطوائف الأخرى، كيف يحترمون الديانة الإسلامية، فكرة مبنية على حدث أو خبر ليس مغلوطًا ويسمى قبيل "فيك نيوز"، ولكن خبر تواصلي، حدث أو تصرف تواصلي. الغربيون يسمون، الفرنسيون يقولون، يعني ليست قناعة شخصية أو ذاتية وإنما تواصل لا أقل ولا أكثر.

أو أيضًا من أهم أسباب الخلل في مصادر المعلومات ما يسمى بنظرية المؤامرة. هل تعلم أن وكالة ناسا اطلعت على كذا وكذا ولكنها أخفته؟ كيف أخفته؟ كل هذا مؤامرة، أو هنالك دراسات علمية موجودة الآن في الغرب ولكن الحكومة الأمريكية تتستر عليها. أمثلة من هذا القبيل كثيرة، ولعلي أختم بهذا؛ الوقت لا يسمح بالاستمرار أكثر. في إطار ما يسمى بنظرية المؤامرة، وهذا من أهم المزالق التي تسبب خللًا في مصادر المعلومات، ما يسمى بالوثائقيات غير الصحيحة. مثلاً أخرج بعض المخرجين وثائقيًا موثقًا في عام ثمانية وخمسين، يعني مؤامرة ثمانية وخمسين، حاول في هذا الوثائقي يبرهن على أن كأس العالم لكرة القدم الذي عقد في السويد سنة ثمانية وخمسين، والذي فازت به البرازيل، لم يحدث قط! ويأتي باستدلالات من قبيل: انظروا إلى البنايات التي تظهر خارج الملاعب، هذه البنايات موجودة في أمريكا لا يمكن أن تكون موجودة في السويد، انظروا إلى الأحذية التي يحتذيها اللاعبون، انظروا إلى كذا، ويأتي بأشياء كثيرة من هذا القبيل. إذا لم تكن متمرسًا، إن لم تكن خبيرًا، فأنت يمكن أن تسقط في هذا المطب فتقول: فعلًا هذا عنده قدر من الصحة، ربما وقع هذا.

وبطبيعة الحال سبب هذا الفعل غير بريء، هو يريد أن يقول: أنتم الذين تشككون في المحرقة النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، أنتم تشككون في ذلك فأنتم مخطئون، والدليل أن باستطاعتي أن أفعل مثلكم فأشكك في أمور ثابتة وواقعة. ولكن بغض النظر عن السبب الذي جعله يفعل هذا أو يقوله، الفكرة في ذاتها ينبغي أن نتنبه لهذا البروز الطاغي لنظرية المؤامرة وتأثيرها على أفكار كثير من المفكرين الإسلاميين. كثير من المفكرين الإسلاميين مثلًا يقررون أشياء لا أريد أن أخوض في تفاصيلها الآن، مبنية على تضخيم المؤامرة.

إذن في الجعبة أكثر من هذا، هنالك أشياء كثيرة يمكن أن تقال في منهج البحث في القضايا الفكرية المعاصرة. الذي أتمناه هو أن تكون هذه الأفكار التي طرحتها وهذا الترتيب وهذه المسائل كلها التي ذكرتها فاتحة لكم لكي تسعوا إلى بحث أكثر، إلى تعميق أكثر، إلى سؤال بحث وحوار ونقاش وأخذ ورد في هذا الموضوع. لا أدعي أنني بطبيعة الحال أصبت في جميع ما قلته، وبالتالي فالمجال مفتوح للنقاش في هذا الموضوع. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بهذه الكلمات، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس دروس