دخولتسجيل الدخول

المداخل الأولية إلى علم الحديث (الجزء الأول)

تركي الغميزالشيخ د. تركي الغميز
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فهذا الدرس ضمن دورة تكوين في هذه الليلة المباركة، في يوم الأحد، الموافق الثلاثين من شهر جمادى الآخرة من عام 1436، وهو أول الدروس المتعلقة بعلم الحديث. وقد جعل الإخوة المنظمون لهذه الدوره وفقهم الله عنوان هذا الدرس -والذي يليه في هذه الليلة- المداخل الأولية إلى علم الحديث، وجعلوا محاور أساسية لهذين الدرسين وللدروس الآتية بعدها. وسألتزم فيما أذكره الآن إن شاء الله بالمحاور التي ذكرها أو التي وضعها الإخوة؛ لأن هناك محاور أخرى ستاتي إن شاء الله في دروس أصحاب الفضيلة في الليالي القادمة، فما أحب أن يكون هناك تداخل في الموضوعات التي يطرحها والتي سيطرحها أصحاب الفضيلة باذن الله.

في هذا الدرس، أول محور بعنوان: نشأة علم الحديث وتطوره. لا شك أن نشأة هذا العلم -علم الحديث- مرتبطة بالبعثة النبوية؛ فمنذ أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد بدأت نشأة علم الحديث، لأن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]. والحكمة هي السنة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً، نشأة هذا العلم مرتبطة بالبعثة النبوية؛ فمنذ أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يقوله ويبلغه عن ربه -سواء كان من القرآن فهو القرآن الكريم المعروف، أو كان من السنة فهو وحي أيضاً-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. واما نريد بالنشأة هنا التدوين -تدوين السنة- فقد جاء على مراحل، واظنه سيكون ضمن درس يوم غدٍ فلا أحب أن استعجل الكلام فيما ليس من نصيبي في هذا الباب.

لكن نشأة العلم -علم الحديث، يعني وجود الحديث- مرتبطة بالبعثة. العلوم الأخرى المحتفة به، كل علم له نشأة، ولكن هي ليست محل الحديث الآن، إنما محل الحديث السنة والحديث نفسه، متى نشأ؟ متى بدأ؟ منذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن الحديث هو أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقراراته، وأوصافه الخلقية والخلقية عليه الصلاة والسلام. هذا هو الحديث، وهذه هي السنة، وهذا كما تعلمون منذ بدأت البعثة، فأقوال النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضمن الأحاديث المروية، وكذلك أفعاله عليه الصلاة والسلام، وتقراراته، وأيضاً ما جاء في وصفه. ولذا نجد في الأحاديث قصة نزول الوحي أول ما نزل؛ هذا واحد من الأحاديث، هذا بداية الأحاديث، ونجد فيها ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وماذا قال، وماذا قيل له، بالتدريج، كل هذا داخل في السنة.

المحور الثاني الذي ذكره الإخوة: أهمية دراسة علم الحديث. أهمية دراسة هذا العلم تنبع من قيمته ومنزلته وثمرته، والسنة هي المصدر الثاني من مصادر الشريعة، وهي وحي الله الى رسوله صلى الله عليه وسلم، كذا في الآية السابقة: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. فأقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي هي من سنته هي وحي من الله عز وجل أوحاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والفرق بين القرآن والسنة معلوم في هذا الباب، لكن كلها وحي من الله عز وجل. وثمرة السنة ظاهرة جداً، حيث هي المصدر الثاني، فهذا يبين أهمية هذا العلم، سواء كان ذلك بالأحاديث والسنة الواردة بالأحكام أو بالأخبار أو بالاعتقادات، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً.

فالسنة هي المبينة للقرآن الكريم، مبينة لمجمله ومخصصة لعمومه وشارحه لمبهمه، وفيها أحكام تفصيلية لم يأت تفصيلها في القرآن، وإنما هي تندرج تحت قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. والتفصيل الموجود في الأحاديث لا شك أنه بني عليه من الأحكام الشيء الكثير مما هو في القرآن مجمل غير مفصل؛ فإن الله عز وجل أمرنا بإقامة الصلاة، ثم جاءت صفة الصلاة وتفاصيلها وشروطها في السنة.

أين في القرآن عدد ركعات الظهر وعدد ركعات العصر وعدد ركعات المغرب؟ وأين في القرآن البداية الدقيقة للوقت والنهاية للوقت؟ وأين في القرآن كثير من الشروط، وإنما في دلائل استدل بها على بعض الأشياء، لكن التفصيل جاء في السنة. وأين في القرآن تفاصيل أنصبة الزكاة وما تجب فيه الزكاة وبقية الأحكام التفصيلية في باب الزكاة؟ وأين في القرآن تفاصيل مناسك الحج؟ وأين في القرآن تفاصيل البيوع والمعاملات ما يجوز منها وما لا يجوز؟ كل هذه التفاصيل في السنة.

إذاً، السنة الحديث مبنى عظيم، أصل أصيل أخذت منه هذه الشريعة، فلا شك هي بعد القرآن الكريم، ومن هذا يعرف منزله علم الحديث الذي هو علم السنة، ما دمنا نتكلم عن الحديث كحديث، فلسنا نتكلم الآن عن علوم الحديث مصطلحة ولا عن علم الجرح والتعديل ولا عن علل الحديث، لا، الكلام عن الحديث ذاته، فهذا مقامه، فهو المصدر الثاني لمصادر الشريعة.

النقطة الثالثة: أهم الكتب في هذا العلم وكيف يتدرج فيها طالب العلم. المقصود بالكتب هنا كتب الحديث، يعني التي ألفت في جمع الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن أعظمها وأهمها الكتب الستة، وأهم هذين الكتابين الصحيحان، وأفضلهما صحيح البخاري كما هو معلوم، فمن أهم وأولى ما ينبغي أن يبذل فيه طالب العلم وقته الصحيحان.

فلا يغلبن أحد منكم على هذين الكتابين، فهما أصح كتب السنة على الإطلاق، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. فلا يغلبن طالب علم على أن يأخذ نصيبه من هذين الكتابين الصحيحين؛ صحيح البخاري وصحيح مسلم. ثم الناس بعد ذلك يتفاوتون فيما يبدأون به في كيفية بدايتهم في هذين الكتابين، ولا شك أن هذا يختلف باختلاف الطلبة وباختلاف القدرات والسن والمنهج الذي يرسل.

فمنهم من يروم أحاديث الأحكام فحسب، فينبغي له أن يركز جهده على دراسة أحاديث الأحكام من الصحيحين. ولا شك هنا قاعدة مشهورة متداولة سبقت لديكم في الدورات، وهي أحاديث عمدة الأحكام فهي من الصحيحين وفي الأحكام خاصة لكنها غير مستوعبة، فمن حفظ هذا الكتاب وألم به فقد ألم بشيء طيب من أحاديث الأحكام الواقعة في الصحيحين.

ومن أراد أن يزيد فلينظر فكرة أخرى، ومن المناهج والأفكار المطروحة في هذا: حفظ المتفق عليه وقراءته ودراسته والنظر فيه، وقد كتب في هذا مؤلفات متعدده، من أشهرها وأحسنها وأوفاها اللؤلؤ والمرجان في متفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله، هو كتاب جيد في بابه. ومن الناس من يروم الحفظ والإلمام في الصحيحين جميعاً ولا يكتفي بهذا، فيروم منهجاً يحفظ فيه الصحيحين ويطلع فيه عليهما، وكثير من هذه المناهج تبنى على تأصيل مسلم أولاً ثم يبنى عليه البخاري بعد ذلك.

وأيما كان، فحفظ الصحيحين بأي منهج كان، وإدمان النظر فيهما، والقراءة في شروحهما، وكثرة الاطلاع على ما يدور حولهما سيبني من طالب العلم قوة وإدراكاً في الحديث ينتفع به بإذن الله كثيراً. ولا يغلبن أحد منكم على أن يدلي بدلوه في هذا الباب؛ فيحفظ ما استطاع من أحاديث الصحيحين، ويطلع على شروحها، ويعيد النظر فيها كثيراً، ويدمن الاطلاع على ما يحوم حولها، فإن هذا سيبني منه بنية جيدة متعلقة بالسنة.

فإن هذين الكتابين ألما بأصح الأحاديث وأصول الأحاديث الصحيحة. لا أقول إنه ليس ثمه صحيح خارج الصحيحين، لا، هنا صحيح خارج الصحيحين، لكن كل ما كان خارج الصحيحين مما تركاه فلسبب ما تركه أو عنده ما يقوم مقامه، ولا يترك البخاري ومسلم حديثاً أصلاً في بابه وهو على شرطهما أبدا، لا يتركانه وهو على شرطهما، ولا يلزم من عدم كونه على شرطهما ألا يكون صحيحاً، فقد يكون صحيحاً لكن ليس على الشرط الذي اشتراطاه، وقد يصححه البخاري خارج الصحيح، لكنه لا يدخله في صحيحه، فشرطه في الصحيح يعني أرفع من مطلق الصحة، وهذا بين مما يصححه ولا يضمنه في كتابه الصحيح.

فالصحيحان اشتملا على أصول الأحاديث الصحيحة وأصح الأحاديث الصحيحة هذا في الجملة. نعم، قد يكون ثمة أحاديث في الصحيحين نازع البخاري ومسلماً غيرهما فيها، هذا باب آخر ليس هو محل الحديث، لكن هذان الكتابان اشتملا على أصح الصحيح، والأمة متفقة على تقديم هذين الكتابين وعلى أن ما فيهما صحيح إلا من تقد، وهذا أمر عظيم ومنزلة جليلة لهذين الكتابين العظيمين، فطالب العلم لابد أن يكون له نصيبه من هذين الكتابين بالأسلوب أو الطريقة التي تتناسب مع قدرته ومع وقته ومع إدراكه ونحو ذلك، فيختار أحسن منهج يرى أنه يناسب الوضع الذي هو فيه فيتقنه ويتمسك به.

ثم إذا زاد زاده الله، بعد الصحيحين تأتي السنن، وأعظم هؤلاء سنن أبي داود، ثم سنن النسائي من حيث القوة، وقد تقدم النسائي من حيث القوة على أبو داود. وللترمذي مزية من حيث ما اشتمل عليه من العلوم والفنون المتعلقة بالسنه، فقد جمع عشرة فنون متعلقة بالسنة، وابن ماجه يأتي بعد ذلك فدرجة نازلة عنها.

ولا يفوتن طالب العلم كتاب الموطأ للإمام مالك، فهو أصل هذه الكتب وأولها وعليه بنى من جاء بعده، ولا يكاد البخاري ومسلم يتركان حديثاً لمالك في موطئه إذا كان على شرطهما أبداً، بل كثيراً ما يصدر به مسلم الأحاديث التي ذكرها في الباب لمقام مالك رحمه الله، ولصحة كثير من أحاديثه في أعلى درجات الصحة، لكن إن لم يكن على شرطيهما فقد تركه.

وقد شرح الموطأ واعتني به وبذلت جهود عظيمة في خدمة هذا الكتاب النفيس وهو يستحق، وأرى أنه أيضاً يستحق من المتخصصين أن يكون فيه متخصص؛ لأنه بحر في علم مالك، علم واسع، والموطات لها روايات كثيرة وليس حديثي الآن عنها، لكن الموطات هما يتعلق بها واختلاف الموطأ والاختلاف على مالك والنظر في الأحاديث والشروح التي جاءت الكتاب والنفائس اللي فيه هذا لوحده فن مستقل قد يستهلك على الباحث عامه وقته إذا أراد أن يتخصص فيه.

ثم كتب الحديث متنوعة، وكل كلام هذا في الكتب الأصول الأولى التي ينبغي أن تصرف لها العناية، وطالب الحديث عليه ألا يفوت شيئاً من كتب الحديث التي تقع له، الكتب المسندة خاصة ما كان في الصدر الأول في القرون الثلاثة الأولى لا يفوت شيئاً منها فيجمع ما استطاع منها. وقد جاء بعد ذلك كتب مهمة في بابها كالكبرى للبيهقي فإنها قد حوت كنوزاً عظيمة وهي باب عظيم للمتفقهين في السنة، فكتاب السنن الكبير للبيهقي احتوى كثيراً مما سبقه، احتوى ما في الصحيحين وسنن أبي داود وغيرها في باب الأحكام، وهو في عموم مسائل الأحكام ليس في عموم -يعني ليس جامعاً لعموم أبواب الدين-.

أما إذا سلك طالب العلم مسلك الكتب الأخرى، أما المختصرة وأما الجامعة مع حذف الأساميد، فهذا فن آخر وقد سبق الكلام عن شيء من هذا في دروس سابقة دارت حول شيء من مناهج المحدثين. لكن ما اشتهر الآن الكلام -اشتهر في المتأخرين كثيراً الاعتناء باحاديث الأحكام- سبقت الإشارة إلى العمدة وهناك كتب قبلها وبعدها، لكن من الكتب التي كان يعتنى بها كتاب الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي والصغرى والوسطى كلها كان يعتنى بها وهي كتب جميلة، ثم المنتقى للمجد بن تيمية أيضاً يعني به.

ثم بعد ذلك جاءت كتب أقصر، وكتب ابن دقيق العيد كتابين في الباب: أحدهما الإمام، الثاني الإلزام، إلى أن جاء ابن عبد الهادي فلخص الإلزام ونقح فيه بالكتاب المحرر، ثم جاء ابن حجر فكتب البلوغ الذي ذاع وصار له الصيت الذي تعرفونه، هذه متعلقة في كل في أبواب الأحكام. ثم تأتي كتب أخرى في باب الأذكار وعلى رأسها كتاب الأذكار للنووي، ثم تأتي كتب أخرى جامعة مثل رياض الصالحين، وتأتي أشياء في باب الترغيب والترهيب، الترغيب والترهيب للمنذري وتنوعات متعددة.

هذا مسلك، ومن سلك النظر في الأصول من أولها اكتفى بها عن هذه المسالك المتنوعة، فإن الأصول تجمع هذا كله، تجمع الحلال والحرام والأذكار والترغيب والترهيب والفضائل ونحو ذلك، إذا استوعب في الأصول فانه بإذن الله يكون له باع في جمع هذه الأبواب في جملتها.

وعلى كل حال ما يبدا به الطالب وما يتدرج فيه يطول فيه الكلام؛ الاختلاف في مقامات الطلاب والمناهج التي ينبغي أن ترسم لهم، والمدة الزمنية التي ينبغي أن تكون للطالب وما يتعلق بذلك، يستوقفني عدة أشياء في هذا وهي مبنية على تجربة سابقه مع جملة من الطلاب أسأل الله لهم التوفيق.

من أولها أنني رايت أن بعض الطلاب ينشغل في البحث عن منهج مناسب حتى يضيع عليه الوقت، فلا هو جمع الناس ولا هو وجد المنهج الذي يطلبه، وإنما ديدنه السؤال عن المنهج حتى يضيع عليه وقته وتذهب يذهب نشاطه، اصنع شيئاً وهذا أظنه مدخل من مداخل الشيطان على بعض الطلاب، ولو أنه سلك أي مسلك وليكن مسلكاً غيره أفضل منه لحصل خيراً كثيراً بدل ما يكون يدور.

امر آخر، بعض الإخوة يبدأ بمنهج معين في الطلب في هذا الباب ثم يسير في فترة فيحدثه أحد زملائه أن منهجاً آخر أحسن من المنهج الذي هو عليه، فينتقل ويترك الأول، ثم فترة وينتقل، ويكون نقله بين هذه المناهج لم ينتفع بشيء منه. هذا أقوله في باب تعلم الحديث، أما حفظاً أو شرحاً أو غير ذلك أو حتى قراءه، وهو في غيره من الفنون أيضاً يبتلى به بعض الطلاب. ورايت بعض الطلاب ياخذه الشرح فيريد أن يبتلع العلم مرة واحدة.

فأجد بعضهم يريد أن يبدأ بكتاب طويل بأسانيده محررة؛ كمن يروم أن يبدأ بالبخاري من أول قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، باب بدء الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا يسيراً حتى يتوقف. ولو أنه أتى الأمر من بابه لكان أنفع له.

وكمن يريد الآن أن يقرأ فتح الباري مرة واحدة ويقول: يريد شرحاً متيناً، ويخصص وقتاً ثم يقرأ ثلاثين صفحة أربعين صفحة ثم يتوقف. ولو كان بدل أن جاء ليقرا هذا الكتاب الكبير وهو لم يتهأ له، قرأ شرحاً مختصراً لعمدة الأحكام لكان الآن أتمه واستوعبه، وكان أنفع له. ثم يبحث عن شيء أحسن أو أكبر أو أقوى.

ولا أقول إنه يظل في تدرج لا، ليس هذا مسلكاً جيداً أيضاً. التدرج الزائد هذا يضيع الوقت وهو لا يزال في العتبات، لا يقفز، لكن لا يقفز قفزة واحدة فيسقط وتتكسر رجلاه، وإنما يقفز باتزان فيكون يعني يعرف أين يضع قدمه فلا تزل به فيهوي. فيوازن قدراته ويوازن الوقت الذي هو فيه، ولا يأخذ شيئاً أكبر مما يمكن أن يستطيع. الكلام في هذا يطول، لكن بما أن الإخوة -جزاهم الله خيراً- ذكروا هذا فأنا أبدي فيه هذا الرأي. وسبق في محاضرة سابقة موجودة على النت الكلام على مسالك الحفظ بخصوصه وما الذي ينبغي أن يسلكه المعتني بهذا الباب وهذا الجانب، وما لهذا وما لهذا المسلك.

والأمر في هذا واسع، وأنا ذكرت الحفظ لأنه أساس في هذا الباب، وإلا فليس الكلام في هذا المقام محصورا على الحفظ، لا، حتى الاطلاع العام، القراءة، الشروح، يعني القراءة مع قراءة الشرح، التدبر، التمعن، البحث، كل هذا باب يشمله ما نتكلم نحن فيه، لكن البحث يربطه الهدف الذي يريده الباحث والأمر الذي يسعى إليه. فباحث يريد أن يعتني بجمع أحاديث معينة ليخطب بها خطبة الجمعة هذا شأنه على السريع، وسيجد الأحاديث وإذا أشكال عليه حديث من الأحاديث تركه وانتقل إلى غيره لأنه لم يلزم بأن يبحث هذا البحث. وباحث آخر يريد أن يكتب بحثاً علمياً، فهو الآن لا بد أن ندقق فيما يكتبه ولا بد أن يستوعب فلا يترك شيئاً مما هو فيه.

النقطه الرابعة: العلوم المرتبطه بالحديث كالعقيدة والفقه والتفسير وأثر الحديث فيها. هذا موضوع واسع، لأن الأصل في العلوم الشرعية -كما سبق يعني- الأصل في العلوم الشرعية إنما هي مترابطة، والأصل فيها الامتزاج، وفصل العلوم الشرعية عن بعضها فصلاً تاما غير ممكن.

ولا يصح تعلم أحد العلوم الشرعية مع الجهل المطبق بالفن الآخر، هذه حقائق ما دام هذه العلوم كلها شرعية، ما يمكن ما يمكن أن يكون مفسراً بارعاً وهو لا يعرف شيئاً في الفنون الشرعية، ولن يكون محدثاً وهو لا يفهم شيئاً في القرآن وفي الفقه وفي العقيدة أبدا ما يجي هذا، ولم يكن السلف على هذا.

لكن هناك تخصص، وهو أن يكون الباحث العالم طالب العلم متميزاً بفن عن غيره من الفنون، وهذا موجود في السلف خاصة بعد الاستقرار. لو أردنا أن ننظر في التابعين ربما لا يتضح هذا، طبقة اتباع التابعين في أثراها فنعرف الفرق بين أبي حنيفة وشعبة بن الحجاج متضح جداً خاصة بعد بروز مدرسة الرأي، برزت فروق قوية. قبلهما كان ثمه فرق بين إبراهيم والشعبي لكن ما هو بالبروز الواضح، في فرق لكن كل منهما يروي ويحدث بما يروي ولا نجد فرقا كبيرا في طبقة صغار الصحابة رضي الله عنهم.

بعد ذلك اتضح الفرق وكبر، ثم بعده صار الفرق ظاهراً. فان اخذنا مدرسة الرأي فهذه لها شأن آخر، لكن لو تجنبناها سنجد أهل الحديث بينهم فروق في التخصصات، فكلنا نعرف علي بن المديني والشافعي، والشافعي محدث ثقة لكن لا يمكن أن يقاس بعلي بن المديني، وعلي بن المديني فقيه لكن لا يمكن أن يقاس بالشافعي. وليس معنى أن يققال إن عليا ليس بفقيه يعني أنه لا يفقه، لا، هو فقيه ولو سئل ما سئل أفتى بما روى وهو شيء كثير، لكنه في الفقه لا يقارن بحق الإامام الشافعي رحمه الله. وفي ذلك الزمن قلما يجتمع الحزق في الفنين جميعاً، لم يكتمل إلا لأفذاذ منهم أحمد بن حنبل رحمه الله، ومنهم البخاري ومنهم أبو داود وقله قليلة، هؤلاء يسمون فقهاء المحدثين، جمعوا هذا وهذا بقوة وعمق.

والإ بعدهم صار التمايز، فإما أن يكون محدثاً يعني غلب عليه الحديث، وإما أن يغلب عليه الفقه، وإما أن يغلب عليه شيء آخر يكون جامعاً لكن دون أن يكون مذكوراً في أهل بعض الفنون يعني ملزوزا بهم في الدرجة. فابن جرير رحمه الله إمام في التاريخ، في التفسير، في الحديث، في الفقه، هو له ماذا؟ فقه مشهور، له أتباع يتبعونه، لكن إذا جاء لأقرانه من المحدثين لا، تميزوا عليه.

وهكذا يقال في الطحاوي محدث شهيد، لكن إذا قارنته بأقرانه المشهورين لا، حتى ممن بعده إذا قارنته بالدارقطني والدارقطني فقيه شافعي مشهور، لكنه ممتاز، صار تميزه في هذا الباب، ويقل البروز في أكثر من جانب بروزاً يعني أعني بالبروز التام، أما أن يكون عالماً فيه مشهورا فهذا موجود.

وحتى لو جئنا لمن بعدهم من المتأخرين عنهم نجد الأئمة ينشغلون ببعض الفنون حتى الأئمة المشاهير يغلب على بعضهم جانب دون جانب، فعبد الغني المقدسي كان صاحب النبي محمد بن قدامة وكان ابن خال بينهما قرابه، ولكن غلب على عبد الغني الحديث، صاحب العمدة وهو صاحب الكمال في أسامي الرجال هذبه المزي بتهذيب الكمال، غلب عليه علم الحديث. وغلب على أبي محمد بن قدامة الفقه، فهو صاحب المغني والكافي والمقنع والعمدة في الفقه، وهذه الفنون الكتب المشهورة فيه، فكل منهما غلب عليه فن على حساب الفن الآخر.

وقديماً قيل: تبغي الحديث والفقه هيهات. يعني تبغي العلو والبروز فيهما في آن واحد هذا من النوادر. ويقول يعني بعض أهل العلم يعني إنه ما يقبل الشركة وسياتي الكلام عليه بعد قليل إن شاء الله، لكن المقصود هنا أن هذه العلوم مترابطة وأن الذي يأخذ منها لا يمكن أن يهمل الآخر، لكن قد يغلب عليه فن على فن.

أنبل الأشياء في هذا المقام أولها: أن الحديث أصل في استمداد هذه العلوم كلها، علوم الشريعة المذكورة العقيدة والفقه والتفسير وغيرها، لا يمكن أن يستغنى عنه قطعا. ما يمكن أن يستغني المفسر عن رواية الحديث مطلقاً أبدا، ثمة أحاديث كثيرة يفسر بها القرآن لا يمكن استغنى عنها، ولا يمكن أن يستغني الفقيه عن السنة هذا أصل من اصول التشريع، هذا مجمع عليه ولا إشكال فيه.

الأمر الثاني: تمييز صحيح الحديث من سقيمه أمر حتم لا مفر منه، فلا يصح الاعتماد على الأحاديث دون نظر في صحتها وهذا في جميع هذه الفنون، سواء في الاعتقاد أو في التفسير أو في الفقه لا يمكن الاعتماد عليها هكذا. ومعنى هذا أنه لا يمكن تحرير المسائل في هذه الفنون والاجتهاد فيها والترجيح في موارد الاختلاف مطلقاً إلا بعد المعرفة التامة بآلة تمييز الحديث ومعرفة صحيحه من ضعيفه.

لا يمكن أن يكون مجتهداً في الفقه -خاصة الفقه لشده الارتباط بين الحديث الفقه- ما يمكن يكون مجتهداً في الفقه وهو لا يملك الآلة التي يميز بها صحيح حديثكم ضعيفه يملكها يعني يتفهمها ويتشربها ويدركها إدراكاً حقيقياً. فإن كان مجرد نقل فهو ليس له آلة، ليس له معرفة، ولا يمكن أن يكون مجتهدا في هذا الباب لأنه مجرد ناقل لصحه الحديث أو ضعفه.

ولا يمكن أن يبرع المفسر وهو لا معرفة له، لأنه سياتي أحاديث متعددة في أسانيد اختلاف ينبني عليها أثر في تفسير الآية وتوجيهها فما الذي سيَفصِله فيها إلا أن يكون مجرد النقل؟ وهذا ليس هو محل الحديث. وكذلك ثمة أحاديث في الاعتقاد وغيره هي محل كلام بين أهل العلم وأهل الحديث لابد للمستدل والناظر أن يكون له فيها باع، ولذا سلمت هذه العلوم لأهلها المتميزين فيها أو الذين لهم نوع باع على غيرهم إلا أن يكون الناظر ناظراً إلى مجال إلى جانب فقط كالتفسير الذي يكون العناية فيه بالناحية اللغوية فقط ولا يتعرض للروايات فهذا جانب من جوانب التفسير وليس هو التفسير بكليته. وكالذي يكون همه نقل المذهب الفقهي ويبين مذهب الأصحاب فقط فهذا ناقل لمذهبهم ليس هو محل التحرير في هذا الجانب.

النقطة الثالثة: الاختلاف في صحة الحديث وفي تحرير ألفاظه سوف يعني ينجر حتى على هذه العلوم ويكون سبباً لاختلاف في جملة من المسائل وهذا ظاهر جداً في الفقه. يعني الاختلاف في صحة الحديث أو الاختلاف في صحة لفظه منه سينبني عليه الاختلاف الاختلاف في الفنون الأخرى ينبني عليه اختلاف في التفسير اختلاف في الفرق اختلاف في مسائل فرعية مما جرى فيها الاختلاف في باب الاعتقاد ينبني عليها نقاش ينبني عليها إقامة حجة على المخالف على أشياء كثيرة، فهذا بهذا.

وإذا تبين الأمر بهذه الصورة علم أن هذه العلوم لا يمكن أن ينفك بعضها عن بعض، وأنه لا يمكن أن يكون العالم متبحرا في فن من هذه الفنون الشرعية مجتهداً فيه وهو لم يحصل البتة هنا هي معرفة هذه الأحاديث ومعرفة صحيحها من ضعيفها، لا يتأتى هذا إلا بهذا.

طبعاً في القرون الأولى في الصدر الأول كان هذا أمراً طبيعياً أن يكون العالم ملماً بهذا، ولذا ابن جرير سبق ذكره هو كما قلت قبل قليل هو باعه في الحديث معروف وتفسيره الآن مليء بالروايات التي يسوقها ويتكلم عليها. وكذلك ابن أبي حاتم هو أحد الأئمة النقاد وهو صاحب التفسير المشهور، وأيضاً عدد من الأئمة الذين كتبوا في التفسير في الصدر الأول هم أئمة حديث؛ لأن الباب واحد، فأهل الحديث يجمعون الرواية كلها بكل فنون يوم يتعلق بها.

حتى لما جاء التاريخ مرأة ابن جرير في تاريخ من الروايات، وحتى لما تأخرنا الذي يقرأ في البداية والنهاية يلمس أثر الثقافة الحديثية العظيمة التي كان يتميز بها الحافظ ابن كثير رحمه الله. فالارتباط بين هذه العلوم لا يمكن أن يعني يجهله طالب علم من طالب علم شرعي.

النقطة الخامسة والمحور الخامس الذي ذكره الإخوة كيفية استمداد قواعد علم الحديث من العقل والنقل وتصرفات السلف وأئمة الحديث.

قواعد علم الحديث طبعاً القواعد بشكل عام منها قواعد متعلقة بالإسناد، ومنها قواعد متعلقة بالمتن، ولا شك بينها ارتباط وثيق، لا نفك هذه من هذه فكاً تاما بين ارتباط، وما يتعلق بالإسناد له كلام مستقل وليس هو من ضمن الأمور التي أتكلم عليها في هذا الباب، لأن الكلام على الجرح والتعديل والكلام على الصحة والضعف والعلل ونحو ذلك كل سياتي فليس من المناسب أن نتكلم عنه الآن.

لكن الذي أتكلم عنها الآن أن القواعد التي قعدها أهل الحديث في هذا الباب مبنية على النقل وهي أيضا مبنية على العقل ومعروفة عن السلف، وتصرفات الأئمة تنساق في هذا السياق. فمثلاً لو أردنا أن نعرف أول شيء من شروط الحديث الصحيح وجدناه العدالة، وهذا أمر معلوم شرعا وقد دل عليه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].

فشرط العدالة في الراوي شرط دل عليه الشرع والعقل يدل عليه، فإن الفاسق لا يصدق في أمور الدنيا وفي خصومة بين الناس، وإذا جاء للمحكمة طرده القاضي ولا يقبل حكمه، أفنقبل شهادته في دين الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا ونحن نرد شهادته في ريال أو ريالين؟! لا يمكن أن يكون هذا. فهذا شرع وعقل، وأئمة السلف -رحمهم الله- كان هذا الأمر عندهم ظاهر ظاهر جداً، فما كانوا يقبلون في هذا الباب إلا من أهل السلف، ولذلك يقول أيوب يقول محمد بن سيرين يعني كنا نقبل الحديث فلما وقعت الفتنة قلنا سموا لنا رجالكم فمن كان من أهل العدالة أخذ عنه، من كان من أهل الفتنة لم يؤخذ عنه كما جاء عنه.

وكان نوف البكالي يحدث عند ابن عباس رضي الله عنه فلم يلتفت إليه ابن عباس، فقال ابن عباس: ما لي يحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تبالي فيه؟ قال: إنك إن أتاك الرجل فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شرابه. أما وقد ركب الناس الصعب والذلول فلا نأخذ إلا ما نعرف. بدأ ابن عباس يميز في هذا.

فهذه القواعد التي وضعها النقاد استمدادها من أصل الشارع، ومن حيث العقل ما من قاعدة وضعها النقاد ولو كانت من القواعد التفصيلية الدقيقة إلا نجد أن هذه القاعده لو كان لأحدنا شيء لكان يستعملها. ولو أردت أوضح لكم ضرب الأخبار بعضها ببعض الموازنة الآن بعض الناس بداها لما يسمع قصة من خمسة أطراف يبدا يوازن يشوف أيها اللي ضبط القصة ويوم اللي ما ضبطها.

لما يقع حادث مروري ويكون عندنا عشرة كلهم شاهدوا، فيأتي اللي يريد يحكم الآن: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ ليش يريده كذا؟ يريد أن يعرف كيف جاء الحادث بالضبط، لا ممكن واحد يتكلم ما يضبط وهذا ما يضبط، فيعرف اللي ضبطه هكذا.

كان الحديث كل واحد إذا نقل ينظرون كيف نقله، ويعرضون نقله على نقل الآخر ثم يوازنون بينها أمور بديهية من حيث العقل، أمور مستقيمة ذهنياً وتطبقوها ببراعه وبمهاره رحمه الله عليهم فأتت أكلها وبان نفعها وظهرت ثمرتها على أحكامهم الدقيقة جداً في هذا الفن. ولو أن أحداً أراد أن يطبق هذا العمق في أشياء تخصه لما كان يجد أدق من هذا العمق الذي صنعه أهل الحديث، وهو يتمشى مع الذهن السليم. كل القواعد هذه التي وضعها تتمشى عقليا مع الذهن السليم السديد وتصرفات كثيرة في هذا الباب ولو أردنا.

نرجع للصحابة رضي الله عنهم لو وجدناهم هم اللبنة الأولى في هذا. في باب المغارة، عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع خبراً من واحد فيقبله، ويسمع خبراً من واحد فيتردد فيه؛ لما حدث أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الاستئذان ثلاثاً»، ماذا قال؟ قال: تأتيني على هذا بشهيد وإلا فعلت وفعلت، ولما وقع اختلاف بينه وبين عمار بن ياسر رضي الله عنه في التيمم تيمم الجنب ذكره، وقد تذكر أنا وانت يوم كنا كذا وكذا، وعمر ما ذكر، فقال عمار: إن شئت ما أحدث به. قال: لا بل نوليه كما توليت.

حدث. طيب، الآن هذا يقول أنا وأنت وعمر ناسي، ومع ذلك يقبل! وأبو موسى ما قال أنا وأنت يقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعت أنا ولا يقبل! لماذا؟ هو هذا معيار دقيق أنه ليس كل حديث فرد يرد كذا، لا الغرائب والأفراد فيها وفيها. وعائشة رضي الله عنها لما تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأشياء تعرضه على القرآن؛ لما حدثوها أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أهل القليب، قالت: حسبكم القرآن، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80] وعندنا نصوص واضحة في الباب، لكن هذا استثناء خصوصي لم يبلغ عائشة رضي الله عنها، وقد حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: «ما أنتم باسمع لما أقول منهم». هذا خاص من القرآن.

ولما حدثوها أن الميت يعذب ببكاء الحي أنكرته، وقالت: حسبكم القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وقالت: إنما مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيَهُودية وهم يبكون عليها، فقال: «إنهم لا يبكون عليها وتعذب في قبرها». انظروا الربط اللي ربطته عائشة؛ هذه عائشة ربطت كيف وقع الغلط عندهم هم غلطة، لكن الربط الدقيق عند عائشة هذا هو البراعة. استعمل المحدثون، عائشة فتحت الطريق رضي الله عنها، عمر فتح الطريق، هذا الشيء واضح تقبله الأذهان السليمة، وهذا الآن أثر من السلف رحمهم الله، ولعائشة قصص في هذا الباب، ولا يلزم أن تكون هي دائماً المصيبة رضي الله عنها وأرضاها، لا لا.

استعمال هذه البراعة في النقد هو الذي استعمله المحدثون بعد ذلك، واستعمله أئمة السلف، وعرضوا النصوص على القرآن، وعرضوها على النصوص الأخرى، وعرضوا الروايات بعضها على بعض، وتفقدوا أحوال الرواة، وعرفوا الذين يضبطون من الذين لا يضبطون، وعرفوا أشياء كثيرة من هذا. وكلها، ورايت بعض الباحثين خص هذه المسألة بكتاب ضخم في الاستدلال لقواعد المحدثين، وهو موضوع يستحق العناية أكثر.

وأما القواعد المتعلقة بالمتن فهي أيضاً قواعد عندهم كثيرة، وقد كتب فيها غير واحد من الأئمة؛ مثل القواعد المتعلقة مختلف الحديث، والقواعد المتعلقة وما ذكره في الغريب، وما ذكروه من القواعد من العام والخاص، هذا كله يندرج عامته في أصول الفقه، وفيه أجزاء هي متعلقة بالرواية كرواية ومقارنة الألفاظ بعضها ببعض، ومعرفة من أخطأ في اللفظ ومن أصاب، ومن عبر بالمعنى ومن اختصر ومن زاد ومن نقص، هذا كله متعلق بالرواية.

ثم إذا انتهينا على حالة الرواية جئنا القواعد الأصولية المشهورة لتعرفونها، العامة الخاصة والموجب، كل هذه قواعد حديثية متعلقة بالحديث وإن كانت تتعلق بغيره، ولذا يقول الإمام أحمد يثني على الشافعي: ما عرفنا المجمل من المبين والعام من الخاص إلا لما قرأنا كتب الشافعي، أو إلا لما جاء الإمام الشافعي رحمه الله. هذه الفنون كانت معروفة عند السلف رحمهم الله وهذه العلوم، لكن الشافعي رحمه الله جمعها وأوضح قواعدها وبينها فلذلك نسبت له رحمه الله رحمة واسعة.

الاستدلال لهذه القواعد كل قاعدة لها استدلالها الخاص، ومن أعظم ما فيها يعني من أعظم ما يستدل بها أنه يرفع بها التناقض الظاهر أو التعارض الظاهر الذي يظنه الظان تعارضا، ومن المقطوع به أن النصوص الشرعية ليس فيها تعارض وتناقض تام لا، لكن هذه النصوص التي العام والخاص والمطلق والمجمل والمطلق والمقيد والمجمل المبين يرتفع فيها كثير من هذا الذي نظنه تعارضا مع صحة هذه النصوص، هذا بحد ذاته دليل على هذه القواعد وصحتها. وثمة قواعد تفصيلية داخل هذا، كل قاعدة لها نظرها الخاص ولها استدلالها الخاص بها.

هذا كلام كلام سريع ومجمل لا أظنه يعطي هذا الموضوع عشرة معشار ما يستحق أن يوضح، فمثل هذه الأشياء يعني على أقل الأحوال تكون المحاضرة أو الدرس كامل لها مع ضرب الأمثلة التفصيلية التي تبين هذا، لكن هذا مقدار الوقت الذي سمح به لهذه الكلمات. أسأل الله عز وجل أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.