السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم أسلمنا، وعليك توكلنا، وبك آمنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، أنت ربنا وإليك المصير. واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.
أهلاً وسهلاً ومرحباً بطلبة العلم الكرام، الدفعة الثالثة من برنامج البناء المنهجي، أدعو الله تبارك وتعالى لنا ولكم بالهداية والسداد والتوفيق والإخلاص والقبول، وأدعو لكل من شارك في هذه الدورات وهذا البرنامج، وأدعو للقائمين عليه بالهداية والسداد والإخلاص والقبول. هذه هي محاضرتي الثانية معكم في المقدمات لتهيئة طالب العلم للحياة الدراسية، واخترت أن يكون موضوعها: كيف يرتب طالب العلم يومه؟ أو يوم في حياة طالب العلم. لابد أن تعلم أن حياتك الدراسية ما هي إلا أيام، وإذا ضاع منك يوم فقد اعتادت نفسك على تضييع الوقت، فأحببت أن أقدم لك مقترحات أرى بإذن الله تبارك وتعالى أنها ستنفعك في إنجاز ما تطلب.
في البداية أحب أن أتكلم عن مجموعة من القدرات يحتاجها طالب العلم، ومن القدرات المهمة التي يحتاجها طالب العلم أو الاستعداد للحياة الدراسية أن يكون لديه أهداف واضحة. الفارق الأصلي بين الإنسان الذي يعيش يلعب ويلهو ويفعل كل ما تشتهيه نفسه وبين الإنسان الجاد، أن الإنسان الجاد له أهداف واضحة، يكون طول الليل يفكر في سبلها وأسبابها ويهيئها، وفي الصباح يسعى فيها. فبالتالي قبل أن تتكلم عن تنظيم الوقت، وقبل أن تتكلم عن علو الهمة، وقبل أن تتكلم عن سبل تقوية الإرادة، وقبل أن تتكلم عن القدرات أو المهارات، لا بد أولاً أن تحدد ما هي أهدافك، وكلما قلت الأهداف وعلت كان الإنسان أوضح له كل ما بعده بإذن الله تبارك وتعالى.
أنت عندك مجموعة من الأمور المهمة سأحاول أن أذكرها نقطة نقطة إن شاء الله تبارك وتعالى، الفصل الأول في هذه المحاضرة خاص باستعدادك لأمور معينة، قلنا الأمر الأول منها أن يكون لديك أهداف واضحة. الأمر الثاني أن هذه الأهداف لا بد أن تتحول إلى أعمال، لا يصح مثلاً أن تقول: أنا هدفي أن أحفظ القرآن، أو هدفي أن أكون محدثاً، أو هدفي أن أتقن اللغة الإنجليزية، أو هدفي أن أبني جسمي، أو هدفي أن أربي أبنائي؛ هذه أهداف عامة. لا بد أن تتحول هذه الأهداف إلى أعمال واضحة، وتقول مثلاً: أنا أريد يومياً أن أقرأ نصف ساعة في المصحف، أو أريد أن أدرس ساعة مثلاً في كتاب موطأ مالك، أو أريد أن أكلم ولدي عن قصة مثلاً آدم وإبليس؛ فلا بد أن تحدد أعمالاً واضحة، فهذا هو الأمر الثاني.
هناك فرق رئيس بين الهدف -مثلاً أنت تريد أن تكون طالب علم في علوم الشريعة، طيب جميل- لكن هذا الهدف أو هذه الغاية لا بد أن يكون لها وسائل وأعمال واضحة. أنت من أجل هذه الوسائل اشتركت في برنامج البناء المنهجي، تحول هذا الهدف لعمل، لكن نفس هذا البرنامج ما هو إلا مجموعة أعمال: محاضرات ودروس وتكليفات وواجبات واختبارات، هناك مواد مرئية ومواد مسموعة وكتب تقرأها وتلخيص يراد منك وإجابة على أسئلة. فكلما كنت قادراً -أريد أن تركز في هذا- على تحديد الأهداف وتعيين الأعمال التي تحت الأهداف، كلما استطعت أن تسأل عن باقي التفاصيل، التي هي الكلام عن الوقت: كيف أنظم وقتي؟ كيف أحفظ وقتي؟ كيف أعلي همتي؟ ونحو ذلك.
الأمر الثالث الذي يجب أن تعتني به هو تحديد أوقات الأعمال، لا يمكن أن تقوم بها إلا في الوقت، فأنت تحتاج بعد تحديد الأهداف والأعمال إلى تحديد الأوقات التي تنفذ فيها هذه الأعمال. تحديد الأوقات هذا مهم جداً لأننا هنا لن نتكلم فقط عن مجرد الحفاظ على الوقت، وإنما نتكلم عن حسن استثمار الوقت أو الحكمة في استثمار الوقت، فكل عمل له وقته، وكل وقت له عمله. أنت عندك العمل قد يكون مرتبطاً بزمن مثل قيام الليل، ومثل أذكار الصباح والمساء، ومثل صلاة الجنازة أو عيادة المريض. وهناك أوقات كذلك لا بد أن يكون فيها عمل، مثل بالضبط مثلاً أنت تذاكر وأذن المؤذن للصلاة، أو أنت مثلاً تقرأ قرآناً وعلمت أن أحد إخوانك عنده مشكلة وأنت تستطيع أن تحلها معه.
سأحاول أن أتكلم عن مجموعة من النقاط المهمة في الوقت إن شاء الله، ولكن قبل أن نتكلم عن الوقت أنت تحتاج في رأيي إلى أمرين رئيسين، الأمر الأول أن تحرص على كل ما تحفظ به وقتك، هذا أمر مهم جداً، فلا بد أن تخرج من يومك كل ما يمكن أن يأخذ وقتك، مثلاً كثير من الناس يضيع وقته في الجدال والتعليقات في فيسبوك أو في أي برنامج، أو يضيع وقته ويشترك في برامج كثيرة، أو يدخل في دورات كثيرة. لذلك أنا أحب هنا أن أتكلم عن أمور أرجو أن هذه الأمور الأربعة أو الخمسة هي أكثر الأمور التي تضيع وقت الإنسان. وخذ بالك أن كل وقت تملؤه بشيء فارغ كان حقه أن تملأه بالعمل، وبالتالي نحن هنا كأننا نحاول أشبهها لك بالألعاب التي تكون فيها فراغات وأنت تضع في كل فراغ قطعة، قطعة بلاستيك مثلاً في شكل الفواكه؛ فإذا كلما ملأت يومك بشيء تافه خرج منه الشيء النافع، فالشيء التافه يأتي في مساحات الفراغ من نفسه.
هناك خمس أمور أظن أنها تحرق يوم الإنسان، سأذكرها إجمالاً وبعدين تفصيلاً: التكلف، والتكثر، والجدال والمراء -وهذان أمر واحد-، وتعقيد الحياة، والانغماس في المباحات. هذه الأمور في رأيي من أهم الأمور التي تحرق وقت ونفس الإنسان. أنت لا بد أن تفهم أن المشكلة ليست في كونك متفرغاً، يمكن أن تكون لا تعمل، أنت جالس في البيت طول النهار، الحمد لله عندك مصدر رزق مثلاً، أو والدك ينفق عليك، أو أنت في الجامعة، المهم أنك لست محتاجاً إلى العمل أو لا تعمل؛ هل تظن أن مجرد كونك متفرغاً -يعني عندك وقت- يدل على أنك متفرغ لطلب العلم؟ لا، ليس كذلك، إن في فرق بين الفراغ والتفرغ، في إنسان عنده فراغ، لكن معنى التفرغ أنك تفرغت لشيء؛ فليس كل من كان فارغاً يكون متفرغاً للعمل النافع، لا، يمكن أن يكون فارغاً بمعنى أنه عنده وقت لكنه يضيع وقته في أمور من هذه الأمور.
التكلف: أن يهتم بإظهار وادعاء والتجمل والتزين، كأنه يتكلف أو يطلب شيئاً، يعني يهتم بأن يعلم الناس عنه أنه مجد ومجتهد، يهتم جداً مثلاً أن ينزل صورة ويقرأ التعليقات ويشوف ردود فعل الناس، يهتم مثلاً أنه راح الجيم بيلعب رياضة فيبدأ ينزل صورته ومستني الناس تقول له: ما شاء الله ده أنت وزنك نقص، العضلات ظهرت. ففكرة التكلف في إظهار ما عندك أو ما تقوم به من الأعمال هذا من أعظم ما تحرق به وقتك وتركيزك ويشتت عملك، فضلاً عما يكون فيه من شيء من الرياء وإرادة الثناء من الناس، وحتى تفتح على نفسك باباً من أبواب الحسد، كثير من الناس يفعل هذا.
الأمر الثاني التكثر: عندنا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1]، كلمة ألهاكم فيها معنى أشغلكم، يعني كأن هذا التكثر أشغلكم عما كان ينبغي أن تشتغلوا به. التكثر يدخل فيه بالمناسبة أن تتكثر من البرامج العلمية، يعني أحياناً مثلاً أنا أعرف عدداً من الشباب مشترك في برنامج مثلاً آفاق، وبرنامج البناء المنهجي، وصناعة المحاور، ومثلاً ممكن معهد المفسر، وعشر برامج! طيب جميل، هل أنت أساساً عندك وقت لكل هذا؟ لا. طب هل أنت عندك قدرة على التميز في كل هذا؟ لا. طب هل أنت أصلاً من الصنف الذي يحفظ وقته بحيث ينجز كل هذا؟ لا. طب ما الذي أدخلك؟ التكثر، هو يظن بذلك أنه لا يريد أن يفوت الفرصة، بالعكس هو يضيع الفرصة. إذاً أنا أنصح كل طالب، إذا كنت على برنامج لا تنتقل منه إلى غيره قبل أن تتقنه، ولا تفتح على نفسك أبواباً كثيرة حتى في البرامج العلمية. أنت الآن في برنامج البناء المنهجي ورأيت أن هذا البرنامج بالفعل أنت تحتاجه في هذه الفترة، يبقى ركز فيه.
إذا علمت أن هذا البرنامج أنت تحتاجه فعلاً في هذه المرحلة، خلاص لماذا تدخل في غيره؟ أنت لما يكون عندك عشر برامج وأنت لا تتقن واحداً فيها، أنا قابلت عدداً من الشباب كثير، كل ما أقول له: هل أنت مشترك في برامج علمية؟ يقول: مشترك في كذا وكذا وكذا، لكن بكل صراحة يا شيخ ولا نافع في ولا واحد فيهم. طب لماذا؟ الإنسان ليس من اجتمع همه على أمر واحد كمن تشتت همه في أعمال متنوعة، يبقى الإنسان لازم يركز، اجمع قلبك على عمل واحد حتى تتقنه. فأنت الآن مثلاً في برنامج آفاق، في أكاديمية الحديث، في دراسة صحيح البخاري، في دراسة كتب السنة، في أي برنامج؛ حاول أن تركز في هذا البرنامج حتى تتقنه، فليس الاعتبار بكثرة الأعمال، وإنما بما تتقن منها.
يبقى هذا هو الأمر الثاني الذي هو التكثر، والأمر الأول التكلف، أنك تتكلف أن تظهر وتنتظر ردود فعل الناس تجاه تطورات حياتك. الأمر الثالث التكثر، أنك تريد أن تتكثر من أشياء مثلاً تشترك في قنوات كثيرة، تتابع مئات الناشطين، ماذا؟ أنا أسأل سؤالاً: لماذا تتابع مئات الناشطين؟ هل أنت فعلاً تحتاج إلى كل هؤلاء؟ لا أبداً، ولذلك لا بد أن تختبر كل من تستمع إليه وتتابع منشوراته وتتابع فيديوهاته، ليست العبرة بالتكثر على فكرة، أنت اختر من تقوم من مجلسه وأنت تنوي خيراً تفعله، فاختر من يعطيك خبراً صادقاً أو يعطيك عملاً نافعاً تعمل به، بس غير كده يبقى أنت بتلعب وتضيع وقتك. ولذلك في قول الله تبارك وتعالى لما قال الكفار من قوم إبراهيم: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 55]، اللاعب هو الذي يخبر بالكذب أو يأمر بما لا ينفع، إنما الإنسان الذي تتابعه هو الذي إما يعطيك خبراً صادقاً أو يأمرك بعمل نافع ويعينك عليه.
إذاً من الأمور الدقيقة جداً في برنامجك اليومي أن تستخرج من هذا البرنامج كل ما يمكن أن يؤثر على نفسيتك وكل ما يؤثر على وقتك. الأمر الثالث هو الجدال، الجدال ليس هو النقاش، وإنما الجدال أن تبقى تناقش شخصاً بغير فائدة، أما مثلاً تناقشه لمجرد الإفحام، أو تناقشه لمجرد تخطئته، بمعنى أنك تماري أو تجادل في الحق بعد ما تبين، أو تناقش شخصاً تعلم أنه يجادل من أجل الجدال، أو شخصاً جاهلاً، أو جادل وقال أنت بغير علم وغير ذلك. فالمراء والجدال من أكثر ما يفسد قلبك ويستخرج منك سوء الأخلاق وكذلك يضيع وقتك، أنت تكتب تعليقاً وتنتظر هو يكتب، ممكن هو يتأخر تبقى طول النهار تنتظر متى سيرى أو سيكتب، تظل أنت تتغيظ وتيجي تنام بالليل ما تقدرش تنام. فأنت لازم تفهم أنك لا تفكر فقط في مجرد وجود الوقت، وإنما لا بد أن يشغلك أن يكون صدرك منشرحاً، لذلك موسى عليه السلام أول ما دعا به ربه تبارك وتعالى حينما أمره أن يذهب إلى فرعون قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: 25]. هذا أمر أساسي أنك تطلب انشراح الصدر، فإذا لم يكن صدرك منشرحاً والله لو اجتمعت معك كل الأدوات والكتب والوقت والمشايخ وتوفر لديك اللابتوب والبرامج لا، فأكثر من دعاء أن يشرح الله تبارك وتعالى صدرك.
أيضاً من الأمور التي تضيع عمرك تعقيد الحياة، يعني إيه تعقيد الحياة؟ تعقيد الحياة أنك تفتح على نفسك أبواباً تستنزف وقتك وجهدك، جماليات في البيت مثلاً، واحد عايش عمال يشتري في ملابس وماركات، وسافر يتفسح هنا وهنا وهنا، يعمل صدقات كثيرة وعلاقات كثيرة وزيارات كثيرة ومكالمات، يدخل في قنوات وأخبار وحوادث لا تخصه يعيش عليها، ويبقى يترقب ويشوف الأخبار والأحداث ويتابع التعليقات.
يدخل في ذلك مقارنات لحاله بحال غيره في الأكل والملبس والمسكن والأدوات. كذلك مثلا يفتح على نفسه أبواباً من أبواب الحسد وشح النفس؛ أن هو يقيس نفسه بغيره.
كذلك من الأمور المهمة جداً في هذا الأمر، أو التي تعتبر من صور هذا الشيء: الدين. إن الإنسان يستدين، كثير من الشباب أعرفهم كانوا طلبة علم كانوا معنا، وكان عنده مشكلة أن هو يمكن أن يستدين لأمور تافهة بمعنى الكلمة. يعني ممكن يستلف من ناس فلوس عشان يروح يشتري نظارة أو يشتري حذاء، تمام، أو يشتري ساعة. طيب هو بيقول إيه المشكلة؟ ما أنا هشتغل وأجيبها. لأ، ما هو المشكلة أنك أنت تحتاج إلى هذا الوقت، أنت تريد أن تضاعف وقتك في العمل حتى تسد دينك. طب أنت ما الذي أدخلك في الدين أصلاً؟ يبقى أنت عندك أبواب لابد أن تسد هذه الأبواب على نفسك.
فيبقى إحنا إلى الآن تكلمنا عن أمور أربعة: لابد من الأهداف الواضحة، لابد من الأعمال المحددة، لابد في الوقت من أمرين أن تحرص على الحفاظ على الوقت، والابتعاد عن كل ما يضيع الوقت ويشتت الذهن.
عندنا أمر رابع مهم، تكلمنا عن الأهداف والأعمال والأوقات، عندنا أمر مهم جداً وهو العادات. يومك ما هو إلا مجموعة عادات. فهذه العادات، في عادة تريد أن تتخلص منها، في إنسان خلينا نحصرها أولاً، في عندك عادة سيئة، وفي عندك عادة تريد أن تضيفها، يعني شيء نافع، وفي عندك عادة موجودة عندك لكن أحياناً تتركها وهذه تريد أن تثبتها، وفي عندك عادة موجودة عندك ولكن هي التي تريد أن تتقنها.
إحنا يمكن أن نجعلها أربعة أمور: أمور سيئة في يومك تريد أن تتخلص منها، مثلاً مثل إدمان الهاتف. فيه إنسان لا يستطيع أن يجلس خمس دقائق بغير الهاتف، يبقى دي عادة سيئة يجب إذا كنت تنوي أن تفلح في أي باب من أبواب الحياة لابد أن تتخلص من هذه العادة، فضلاً عن أن تكون طالب علم. فيه إنسان لا يستطيع أن يجلس مع الكتاب دقيقة إلا ما ينظر فيه، يدور بقى الواتساب وكل البرامج.
كذلك مثلاً من العادات السيئة السهر، أنا في رأيي أن هذا من أكبر العادات السيئة. عدد من الناس بيقول: لأ ليس مشكلة، أنا متعود على السهر. أنا عن نفسي لا أرى أن السهر يكون نافعاً بحال، إلا في الاضطرار مثل هذا الدرس. أنا لو لم يكن عندي علم أن أغلبكم يستطيع أن هو يأخذ الدرس بعد الفجر والله ما كنت أعطيه بعد العشاء أبداً، أنا دروسي كلها بعد الفجر. فالسهر بالنسبة لي في رأيي هو شيء من العادات التي ينبغي أن تحولها.
أيضاً من العادات التي يجب أن تتخلص منها طول الكلام في الهاتف. في إنسان مثلاً يكون لطيفاً مع الناس، اتصل به صاحبه وبيحب يرغي مثلاً ويكثر الكلام ويسأله عن الكرة الأرضية: أخبارك؟ الحمد لله. أخبار زوجتك والأولاد؟ الحمد لله. عمتك؟ الحمد لله. أخوك وبنات الأخ وهكذا، يبدأ بقى معك تسلسل لحد ما يسألك عن الكرة الأرضية كلها وأنت مستمر معه. لأ، لا تكن لطيفاً فتجني على نفسك. في شخص مثلاً عنده خجل، يأتي صاحبه يقول له: أنا رايح مشوار تيجي معي؟ يلا، يسيب البرنامج الذي بين يديه. لا، إذا كان يسهل عليك أن تفرط في وقتك وأنت لا تلتزم به البرنامج؛ انس أن تكون طالب علم، بل انس أنك تنجح في أي شيء.
زي ما أنت عندك عادات أول شيء تريد أن تتخلص منها، من هذه العادات مثلاً كثرة الأكل، من هذه العادات الكسل. في واحد عايز طول النهار يفضل قاعد، حتى لو بيذاكر لا يتحرك. كان عندنا شاب مثلاً يذاكر في المكتبة والكتاب كان أحياناً يكون موجود في الرف الأخير فوق في المكتبة، فعندنا فيه كرسي كده صغير كنا بنجيبه ونقف عليه ونجيب الكتاب. تتصوروا أنه كان بيكسل يضع الكرسي عشان يجيب الكتاب، فكان يقول لك: هات أي كتاب موجود وخلاص. إلى هذا الحد يمكن أن يبلغ به الكسل.
أنت عندك أكثر من أمر، منها مثلاً زيادة الوزن، هذه من الأمور الخطيرة جداً التي تؤثر على حياتك كلها، وزيادة الوزن أقل ضرر فيها الشكل. أقل ضرر في زيادة الوزن هو الشكل، إنما باقي أمور نفسية وصحية وغير الأمراض وغير ذلك. هناك عادات كثيرة جداً منها النوم الزائد، في شخص مثلاً بيقول: أنا طبيعي بنام اثنا عشر ساعة في اليوم. أنا قابلت عدد من الناس، أنا والله أتعجب كيف ينام هؤلاء هذا العدد؟ الواحد لو نام له مثلاً خمس ساعات أو ست ساعات بيحس كده أن هو عايز يستغفر طول النهار، لأ، ده مقضيها نوم. هذا من العادات السيئة. أنا الآن يا شباب أكلم شخصاً يريد أن يكون من أهل العلم، يعني يريد أن يكون طلب العلم والرسوخ في العلم قربة إلى الله، ويريد أن يحسن في هذا العمل. لأن لا يأتي شخص يقول لي: يا عم احنا ما لناش دعوة بالطريق ده، أنا فقط رجل أريد أن أقرأ كده وأتثقف في ديني. لا، أنا الآن أخاطب شخصاً المفروض أنه اشترك في برنامج علمي، هذا البرنامج هو خطوة ومقدمة للبناء العلمي، فأنا أكلم شخصاً المفروض أن طلب العلم هو القيمة المركزية في حياته بعد الفرائض.
طيب من العادات أو الصنف الثاني من العادات: عادة تريد أن تدخلها يومك. كثير من الناس عنده هذه المشكلة، أنه لا يستطيع أن يضيف عادة إلى يومه، يومك عنده روتين. أنا قابلت شخصاً قبل أيام برنامجه كالتالي: هو طبعاً بينام بعد الفجر، وما كانش بيصلي طبعاً، بينام بعد الفجر على الساعة ستة كده سبعة، ويصحى قبل المغرب، يروح الشغل شغال في مكتب ويفضل شغال لحد ثاني يوم، ما بيعملش أي شيء في حياته نافع، يا إما نايم يا إما في الشغل، لا صلاة ولا.. أنا لا أفهم كيف يعيش هؤلاء، لا أفهم كيف يمكن أن يعيش إنسان ويكون راضياً عن نفسه وعايش زي الفل ما عندوش أي مشكلة.
فلابد أن تدخل عادات حسنة إلى يومك، وهذه العادات لا يشترط فيها أبداً أنها تكون شاقة أو تستغرق جهداً من وقتك، بل هذه العادات في رأيي تحتاج إلى أمور الشمول والمواظبة. مثل ماذا؟ بحيث أنك أنت تعتاد على أن تصلي ركعتين مثلاً قبل النوم، أو تعتاد على أن تستيقظ قبل الفجر بعشر دقائق فقط، أو تعتاد على أن تبقى في أذكار الصباح ولو خمس دقائق، أو تعتاد على ممارسة الرياضة ولو عشر دقائق، أو تعتاد على السؤال على أصحابك وأحبابك مثلاً في اليوم خمس دقائق، تبعت رسائل لفلان وفلان.
ففكرة إضافة العادة الجديدة دي علامة على إرادتك للحق والخير، وهذا معنى من معاني قول الله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. لماذا؟ لأنهم كلما علموا شيئاً من الحق أضافوه إلى يومهم. كأني مثلاً أذكر أني قرأت هذا الحديث مع شاب هو دعاء النبي ﷺ حينما كان يستيقظ قبل الفجر، وكان يقوم من الليل في آخر الليل وأنه كان يقوم يمسح النوم عن وجهه، ثم يتلو الآيات من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. أول ما استمع إلى هذا الحديث هو حديث في الصحيحين، والله العظيم كاد قلبه أن يطير، قال: سبحان الله الذي رزقني هذا الحديث، وأرجو أنه من يومها إلى الآن لم يترك هذا. يستيقظ قبيل الفجر ولو بعشر دقائق ويتلو هذه الآيات ويستحضر معانيها التي تختم بقول الله تبارك وتعالى الذي جمع بين الغاية والوسيلة، أعظم غاية وأعظم وسيلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].
كذلك مثلاً أعرف كثيراً من الشباب كلما يعلم حديثاً، مثلاً ذكراً من أذكار النبي ﷺ، يكتبه أمامه ويضيفه إلى يومه. مثلاً سمع محاضرة عن قيام الليل أو عن شهود الجنازة، يتواصل مع أصحابه بأن يوصوه كلما جاء وقت الجنازة أن يخبروه، عاملين زي جروب كده على واتساب وغيره، في عيادة المرضى وهكذا. يبقى مهم جداً أن تضيف الأمور الحسنة إلى يومك.
فقلنا الاعتبار فيها بالشمول والتنوع والمواظبة. ما معنى الشمول؟ الشمول أن يغطي جوانب النفس، يعني أن يكون فيه جانب علمي، وفي جانب ديني، وفي جانب من لياقة بدنية، وفي جانب مع الأسرة وأنت متزوج. هذا التنوع جميل جداً؛ لأن ممكن واحد مثلاً يبقى طول النهار يجلس مع الكتاب، هذا جيد في شيء، لكنه مقصر في أشياء أخرى. لازم يكون في وقتك رياضة، لازم يكون في وقتك المحافظة على العبادات في المسجد، هذا أصل المحافظة على السنن.
التنوع في الأمر الواحد، يعني إيه؟ يعني أنا مثلاً الآن أدرس علوم الحديث وليكن مثلاً، فعلوم الحديث هذا أمر أدخلته إلى برنامجي. أنا مثلاً كنت أدرس الفقه أو العقيدة والآن بدأت في علوم الحديث، جيد، هذا عنصر جميل أدخلته وأضفته إلى اليوم. طيب كيف أدخل فيه التنويع؟ يعني أدخله من أكثر من باب، مثلاً الاستماع، نستمع إلى دروس، وأقرأ كتباً، وأقرأ أبحاثاً ودراسات معاصرة، وألخص بعض الكتب، وأتدارس مع أصدقائي مدارسة جماعية، وأدرس، وهذا من أعظم الأمور سنتكلم عنها إن شاء الله التي هي تثبيت العلم. إن شاء الله هذا سيأتي.
طيب يبقى احنا عندنا عادات نريد أن نتخلص منها في اليوم، منها مثلاً عادات نريد أن ندخلها في اليوم، منها عادات نريد أن نثبتها، وهو المواظبة. النبي ﷺ قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وقالت عائشة رضي الله عنها: «كان عمل النبي ﷺ ديمة»، وديمة كأنها قطرات المطر المستمرة. نلاحظ أنها قطرات ليست كثيرة، ليس مطراً غزيراً، لكنها قطرات مستمرة. الناس في رأيي لا ينقسمون إلى إنسان ناجح وإنسان فاشل، إنما الفرق أن في إنسان سريع الملل، وفي إنسان مواظب. إنسان عنده رغبة، نفسه يتعلم، نفسه يحفظ قرآن، نفسه ينقص وزنه، نفسه يلعب لياقة بدنية، نفسه يربي ابنه، نفسه، عنده رغبة وتمنٍ لكن ليس عنده حركة، أو أنه عنده حركة لكن ليس عنده ثبات في الأمر، يعني هو يبدأ مدة ثم ينقطع.
إذاً الكلمة الفارقة بين الناجح والفاشل هي المجاهدة والمواظبة. كم من طالب علم أعرفه كانت إمكانياته العقلية ضعيفة جداً، بل لو اعتبرت أن أنا طالب علم كويس، لو اعتبرت أن أنا ماشي حالي، أنا خير مثال لهذا الأمر، يعني إمكاناتي الأصلية لا أحب القراءة أبداً، أنا إلى سن اثنين وعشرين سنة ما كنت أقرأ ربع صفحة. يعني كنت بدخل الامتحانات بالفهلوة وبمشي الدنيا بتمشي. فدي من الأمور المهمة أن أولاً لا أحب القراءة، عندي سرعة ملل من أن أجلس على كتاب فيه درس حتى عشر دقائق، لو كان خطيب الجمعة طول مثلاً عن عشر دقائق كنت أزهق، كنت أبحث عن المسجد الذي نسميه أهل السرعة والجماعة، المسجد السريع، الراجل نفسه لما بيجي يصلي ركعتين ممكن هو نفسه يخلص في ركعة، الإمام من سرعته، والحفظ ما كانش عندي حفظ نهائي، أحاول حتى قديماً أني أحفظ سورة من قصار السور ما كنت أحفظ، لكن حاولت واستعنت بالله تبارك وتعالى وصبرت. والله سبحانه وتعالى فتح علي، أصبحت أحب القراءة، أحب المدارسة، من فضل الله وحده.
أنا هنا أكلمك عن أمر واقعي أنا أعيشه، لا أكلمك عن شيء خيالي تقرؤه في كتب التنمية البشرية، لا، أنا بكلمك عن شخص كان لا علاقة له بالعلم مطلقاً، ولا عنده أدنى ذرة صبر على القراءة، ولا عنده أدنى ملكة للحفظ، ما فيش الكلام ده، لكن الاستعانة بالله والدعاء والمجاهدة، الله سبحانه وتعالى يزيد الذين اهتدوا هدى. لابد أن تعلم يقيناً أنك قادر على إصلاح نفسك وقادر على تغيير نفسك.
هنا أنا سأتكلم عن أمر بعد ما خلينا نتكلم عن آخر عادة وهي العادة التي عندك وتريد أن تتقنها. يعني إنسان مثلاً كان يتعلم القرآن وكل يوم مواظب على الحفظ، عايز ينتقل من مجرد أنه إنسان هاوٍ إلى إنسان ماهر بالقرآن، تمام؟ فهذه العادات الأربعة: عادات تريد أن تتخلص منها، عادات تريد أن تدخلها يومك، عادات هي موجودة في يومك لكنك مقصر فيها مثل قيام الليل مثلاً وتريد أن تثبتها، وعندك عادات تريد أن تطور نفسك فيها وأن تبلغ فيها ما تستطيع من الكمال. الآن أنا سأتكلم عن فكرة مهمة جداً وأرجو أنك أنت تركز في هذه الفكرة.
نعم، بارك الله فيك.
هناك فكرة يا شباب من خلال تجربة عدد كبير من الشباب الذين التقيت بهم حينما كنت أحدثهم عن تغيير النفس، مثل: بطل كسل، استعن بالله، العب رياضة، ذاكر واجتهد، أتقن القرآن، اترك الإنترنت والألعاب الإلكترونية، فوق لنفسك؛ أستغرب أنه يقول لي ماذا؟ تتصورون؟ يقول: لا، أنا أشعر أن الأشخاص الناجحين أشخاص استثنائيون لهم قدرات خاصة أو محظوظون.
تصور أن يكون الشخص يتصور عمن يراهم ناجحين حوله في أي مجال، في الرياضة، في طلب العلم، في علوم الحديث، في الفقه، في أي شيء، واحد عمل دكتوراه، واحد طبيب، واحد مهندس، يتصور أن الشخص الناجح شخص استثنائي أو شخص له قدرات خاصة أو شخص محظوظ أو شخص توفرت له الإمكانيات التي ليست عنده هو؛ فيبرر لنفسه قعوده وكسله. يقول: لا، أنا لست مثلكم. لابد أن تفهم أن كل شخص ناجح حولك في أي مجال حقه ليس أن تحسده، ولا أن تتصور أنه شخص استثنائي أو له قدرات خاصة أو محظوظ أو مدعوم أو عنده واسطة، ولا أن تتعجب منه وتنبهر بشخص يقول: أنا منبهر بفلان.
قلت له: لماذا لا تكون مثله؟ تقول: لا يا عم، أنا رجل بتاع نوم، أنا يا عم ماليش في الحاجات دي. الأشخاص الناجحون حولك هم وقود محرك لك لتعلم أن النجاح ممكن. القصص التي تسمعها، الشخص الذي تراه ناجحاً، أنت متصور أنه ولد ناجحاً؟ لا، هو شخص حاول؛ الفرق بينك وبينه فقط المجاهدة، لم يتميز عنك بأي شيء إلا بالمجاهدة، وهذه الأمور من أنه عنده هدف وعنده عمل وعنده وقت وعنده عادات أضافها إلى يومه. تصوروا شخصاً مثلاً يقول لي: أنا أريد أطلب العلم ولكن ليس عندي استعداد أن أقرأ في الكتاب نصف ساعة، ماذا أقول له هذا الشخص؟ أنا لا أستطيع أن أكلم هؤلاء، فيجب أن يكون عندك إرادة لتغيير يومك، وإلا إذا كان يومك سيبقى كما هو فنصيحتي لك اترك هذا الطريق.
أيضاً من الأمور المهمة التي أحب أن أتكلم فيها هنا مجموعة نصائح في الكلام عن الوقت. أول نصيحة في الكلام عن الوقت هي معلومة لابد أن تعلم أن اليوم طويل على عكس ما يدعي كثير من الناس أن اليوم قصير. طبعاً أنا عارف أن فيه عدداً من الشباب يحضر الدرس وهو يعمل، وأعرف أن معنا ربات بيوت، وأعرف أن معنا طلاب جامعة، كل هذا أنا أدركه تماماً، وأنا هنا بالمناسبة لا أتكلم عن الطالب المتفرغ، ولو تكلمت عن الطالب المتفرغ لكان الكلام يختلف تماماً.
أنا أتكلم الآن عن شخص أريد منه شيئاً واحداً أن يغلق على نفسه الأبواب؛ في فرق بين أن يكون في شيء واجب في اليوم، في أشياء ضرورية ما فيهاش كلام، امرأة متزوجة تصنع طعاماً لزوجها ولأبنائها، امرأة عندها أولاد تربيهم، واحد عنده شغل ثماني ساعات فبيروح الشغل. الفكرة التي أريدها منك، وركز بقى دي الفكرة المركزية في المحاضرة، أن ما تبقى لك من الوقت اجعله كله للعلم. يعني كأنك تقول: أنا والله بنام مثلاً ست ساعات، وأذهب إلى العمل مثلاً ثماني ساعات، وبرجع أجلس مع الأولاد مثلاً ساعة، جميل يا عم الحاج، زي الفل، ما تبقى لك بقى من الوقت بتعمل إيه؟ تمسك الهاتف؟ تروح تجلس على المقهى؟ بتخرج مع أصحابك تضيع وقتاً؟ لا. فيبقى كل المراد منك كطالب علم ليس أن تترك الواجبات والفرائض لتطلب العلم، أبداً، وإنما أن تدخر كل فراغ لطلب العلم.
يبقى ده الوقت، لكن بعد ذلك سنتكلم عن الحكمة، كيف أذاكر؟ أين أذاكر؟ متى أذاكر؟ كيف أضبط الدرس؟ كيف أثبت المعلومة؟ كيف أتقن هذه المادة؟ إن شاء الله كل هذا سيأتي معنا بإذن الله. الفكرة الأولى عندنا أن اليوم أربعة وعشرين ساعة وهذا طويل جداً، ونفس هذا اليوم الذي يمر عليك بغير عمل، كثير من الناس بيقول: والله اليوم طاير، لا ليس كذلك، نفس هذا اليوم الذي أنت تقول فيه طاير، فيه شخص يكون حفظ فيه جزءاً كاملاً في اليوم، أو مثلاً اشترك في صالة رياضة وراح لعب رياضة، أو يكون مثلاً راعى أبناءه، أو زار مريضاً. أريد أن أقول إن نفس هذا اليوم سيمر على كل حال، أنت بقى يجب عليك أن تملأه بالأعمال النافعة.
من ضمن الآيات التي يصلح أن نستشهد بها هنا قول الله تبارك وتعالى لمن أرادوا أن يرجعهم الله تبارك وتعالى إلى الدنيا ليعملوا صالحاً: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: 37]. لاحظ، هذه ملاحظة دقيقة: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، يعني هم في الدنيا كانوا يعملون؛ لأن حتى الذي يلعب ويلهو يعمل، كل إنسان في هذه الدنيا يعمل، وأقسم بالله أن كثيراً من الكفار والفساق ليبذلون أضعاف أضعاف ما يبذله كثير من المؤمنين، ممكن إنسان كافر ملحد يبذل في إعداد برنامج لنشر الإلحاد ويتعب فيه أكثر مما يبذله المسلم في طلب العلم أضعاف أضعاف ذلك. وأنا رأيت بعيني عدداً كبيراً من النساء كباراً وصغاراً يدورون على البيوت ينشرون النصرانية في أوروبا، امرأة تكون كما نقول لرجليها والقبر، ومع ذلك عندها تفاني في نشر دينها الباطل، في حين حينما تقول للطالب أن عندك تكليفاً أن تقرأ شرح الأربعين النووية لأحد المشايخ، وهذا الشرح أقسم بالذي يعلم السر وأخفى أنا آخذه فيه يوم واحد، يعني مش بتكلم على شخصي لأ، يعني الإنسان العادي، شرح عادي كل حديث يأخذ عشر دقائق أو مثلاً خمس دقائق وأحياناً نصف ساعة بالكثير، فلما أنا أعطيك هذا في شهر كامل وتيجي تقول لي لا ده تكليف صعب، أنت ماذا تريد أن تفعل؟ أنت تريد أن تكون مكان البطل وقت الاستلام فقط، لا تريد أن تتعب، لا تريد أن تتحرك، لا تريد أن تغير عادات يومك. أصل أنا واخد أن أنا بنام بعد الفجر، وأنت بتعمل الدرس بعد الفجر؛ طب أنا المفروض أن أنا أعمل الدرس بما يناسبني وليس بما يناسبك.
أنت لماذا تنام بعد الفجر؟ لماذا تسهر أصلاً؟ كثير من الناس يسألون، مثلاً شخص جاء البيت عنده يقول: كيف تعيش بلا تلفزيون؟ كيف تعيش بلا سيارة؟ كيف تعيش بلا كذا؟ هو متصور الحياة تعقيد، يظن أن الإنسان بغير هذا مشكلة. أحياناً الإنسان بيتوهم شيئاً ضرورياً في بيته ويومه، بينما الضروري أن يتخلص منه. وفيه واحد مثلاً قابلني قال: اجتمع مش عارف خبراء الطب في أن الإنسان الذي ينام أقل من مش عارف ثماني ساعات يتجنن أو يصيبه مش عارف إيه، قلت لهم مين اللي قال الكلام ده؟ هي دي المشكلة أن واحداً بيتوهم شيئاً مثلاً، وأنت بنفسك جربت أنك بتنام ست خمس ساعات أو ست ساعات بالكثير وتقوم زي الفل، ويكون يومك كله بركة ونشيط. فهذه المشكلة أنك أنت أحياناً تتصور أن العادات الخطأ التي أنت نشأت عليها، واحد يقول: أنا متعود مثلاً أن أنا آكل عدد وجبات معينة أو آكل نوعيات أكل معينة؛ لا، لازم تدرب نفسك على التخلص من كل ما تأكدت من كونه يضرك.
من الأمور المهمة جداً التي اتفقنا عليها، ليس في اليوم أهداف ولكن في اليوم أعمال، هذه فكرة مركزية في يومك. نحن الآن نتكلم عن أعمال اليوم وكيف نرتب هذه الأعمال، نحن الآن نتكلم عن الأعمال اليومية. الأعمال اليومية فيها أعمال ثابتة، مثل الصلوات الخمس والسنن، مثل مثلاً الرجل إذا كان عنده عمل، والمرأة عندها ترتيب في المنزل، الأشياء التي هي الأساسية في اليوم لن نتكلم عنها، لكننا سنتكلم عن الأعمال التي هي صورة اليوم التي تريد أن تعيش عليها.
تعرفوا زمان لما كنا مثلاً في بداية الصلاة كنا بنعمل ورقة اسمها ورقة محاسبة النفس، الورقة دي بالمناسبة كانت جميلة جداً، بس أحياناً تكون مشكلة هذه الورقة في أمرين: إما أنك تضغط على نفسك جداً فيها بحيث تجعل فيها أعمالاً كثيرة جداً، والأمر الثاني أنك لا تواظب عليها، هذه الفكرة جميلة، فكرة أنك عندك أعمال واضحة، هذه الأعمال تربطها بأوقات اليوم، وهذا يرجع إلى علمك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كان مثلاً في مهنة أهله كما في الحديث الصحيح، فإذا كان في مهنة أهله، يعني يخدم نفسه ويراعي أهله ويعينهم، فإذا سمع المؤذن خرج للصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم هنا يعلمنا واجب الوقت، أن ما دخل وقته وجب عمله.
يعني لما الطالب مثلاً يتصور أن ذهابه إلى المسجد يضيع عليه الوقت، كيف يمكن أن يكون هذا الطالب يتصور معنى العلم؟ طلب العلم هو طلب ما عند الله على هدى من الله، نحن نتعلم لنحسن عبادتنا لا لننصرف عن العبادة، واحد يقول: أنا لسة هروح أزور أمي وهي في البيت؟ يا عم دي تضييع وقت، أنا لسة هروح أصلي في المسجد، لسة هقوم أصلي ركعتين السنة، لا يا عم، وهذا وهم حتى من الناحية العملية التطبيقية هذا وهم، وأي إنسان جرب هذا، لازم تفهم أن قانون الوقت أن الوقت بركة وليس مدة زمنية، افهم هذا؛ الوقت بركة، ليس الاعتبار بأنك جالس على الكتاب عشرين ساعة أو متفرغ في اليوم أربعة وعشرين ساعة، لا، الاعتبار أن يهدي الله، ركز في دي معلش أنا أريد أن تكتب هذه الأفكار، الاعتبار في الوقت أن يصرف الله عنك ما يضيع وقتك، ما أنت ممكن تكون جالساً تذاكر وتقرأ رسالة تسد نفسك، تخنقك، تقرأ تعليقاً يجعلك مخنوقاً، مش عارف تقرأ كتاباً؛ يبقى افهم الوقت، الاعتبار في الوقت أن يصرف الله عنك ما يشتت ذهنك وما يضيع وقتك، ثانياً أن يهديك الله لخير العمل في الوقت، ثالثاً أن ينفعك الله تبارك وتعالى بما تعلمت.
ما أنت ممكن تتعلم مائة سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنت لم تعمل بواحدة منها، كم من إنسان يعرف أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم المحافظة على الصلاة في جماعة والسنن والأذكار وقيام الليل والدعاء وكثرة الاستغفار في المجالس، وأنه لم يكن يغتاب، وغير ذلك من السنن، مئات السنن بل آلاف السنن يعلمها، ومع ذلك لم يفكر يوماً أن يقوم بها؟ كم من طالب علم يعلم أن ربه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ويقول: هل من داع فاستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو لم يعمل ذلك، ولا يفكر ولا يكترث ولا ينشغل ولا يهمه ذلك، يعني مثلاً ما بيزعلش أنه صحي وثاني يوم نام من العشاء مثلاً الفجر أو مثلاً نام الساعة ثلاثة بالليل وضاع عليه قيام الليل والذكر وغيره، عادي، ما عندوش أي مشكلة.
فيبقى الوقت بركة من أكثر من جهة، لا أريد أن أعيد هذه الجهات مرة أخرى، من الأمور العظيمة جداً في برنامجك اليومي، ركز في هذه الفكرة، لا تتعامل أبداً مع البرنامج اليومي على أنه أمر مستحب تتركه وقت ما شئت، بعض الشباب مثلاً أيام ما كنا نتدرب في النادي، كنت أقول له مثلاً: تعال بعد الفجر نجري شوية قبل التمرين، فيقول لي: المدرب ما فرضش علينا أننا نجري، مش كفاية التمرين؟ التمرين مثلاً الساعة ثمانية الصبح، أنا مثلاً باصحيه الساعة ستة نجري، فيقول: لا هذا أمر ما فيش حد طلب مني كذا، ولا المدرب هيسأل عنه، ولا أحد يكافئني عليه؛ هي دي مشكلة، أن مثلاً واحداً بنطلبه عشان يعطينا درساً فيقول: والله أنتم لكم حاجة عندي؟ أنت ما لكش حاجة عندي، هذا مش أمر واجب. أي إنسان يتعامل مع عمله أو هدفه على أنه مستحب لا يمكن أن يبدع فيه، لا يمكن بل لا يمكن أن يستمر عليه، إذا تعاملت مع أعمالك اليومية على أنها واجبة وليست مجرد مستحبة.
الأمر الذي بعد ذلك في الوقت، الأمر السادس: الوقت هو اليوم، بمعنى يجب أن تعود نفسك على استغلال كل ثانية من يومك. كيف هذا؟ أنت عندك أوقات يمكن أن نقسم الأوقات إلى صنفين، الصنف الأول الوقت الخالص، له وقت كده بقى طويل، وأعظم وقت عندي على الإطلاق من خلال تجربة طويلة.
أرجو أن يتقبل الله سبحانه وتعالى؛ أعظم وقت من صلاة الفجر إلى الظهر هذا كنزك في اليوم. نعتبر أنني أتكلم عن شخص متفرغ لهذا، مش بتكلم عن شخص عنده عمل. اللي عنده عمل ربنا يفتح عليه ويوفقه، نستطيع إن شاء الله وسأكلمه كيف يستثمر يومه، لكن أتكلم عن الطالب الذي عنده فعلاً من الفجر إلى الظهر؛ لا تعادل بهذه الفترة أي فترة أخرى فهذا مهم. يبقى عندنا وقت صافٍ؛ وقت طويل مثلاً بين الظهر والعصر، بين العصر والمغرب، ومهم جداً عندي أن ترتب يومك بحسب الصلوات، هذا جميل جداً أنك ترتب يومك بحسب الصلوات.
في الوقت الآخر، هي الأوقات التي بعض الناس يسميها الأوقات الضائعة؛ المواصلات، المشي، أنت واقف على فرن العيش مثلاً، أو أنت مثلاً راكب قطار، أو أنت مثلاً بترتب المنزل، أو بتنظف المكتبة؛ من الأمور الأساسية التي أنصحك بها أن يكون عندك برنامج لهذا الصنف من الوقت، وهذا البرنامج أنا عملت عنه منشورات كثيرة، وهو استغلال الوقت الضائع. أنت مثلاً ماشي بتلعب رياضة، اعتبر أنك بتقول أنا هتمشى في اليوم خمسة كيلو؛ طيب وبعدين؟ مشي كده من غير حاجة؟ لا، اسمع درساً؛ ياما سلاسل سمعناها ونحن نتمشى، ونحن في القطار، ونحن واقفون مستنيين فرن العيش، طابور الخبز وهكذا.
حدد مثلاً في الهاتف وقل: سأستمع مثلاً إلى دروس الشيخ يوسف الغفيص في شرح كتاب حديث الافتراق، أو سأستمع إلى الشيخ ابن عثيمين في شرح الأربعين النووية، وأنا في رحلتي مثلاً من القاهرة إلى الإسكندرية، أو سأستمع إلى دروس في تفسير القرآن. شيخ أحب أن أستمع إليه، ودائماً أنصح الشباب أن يستمعوا إليه، دروسه خفيفة وميسرة وجميلة، اسمه عويد العطوي، وأنا كثيراً ما أنشر قناته بحمد الله وأرى أن درس التفسير عنده ممتع، له تفسير جزء عم وسورة الكهف وسورة يوسف، وله بعض المقاطع القصيرة الجميلة جداً حول القرآن، وهذا أيضاً ممن أدعوك أن تستمع إليه. وهكذا، في علوم الحديث مثلاً الشيخ طارق عوض الله، أو البرامج الخفيفة؛ أنا لا أتكلم هنا عن الدراسة، أتكلم عن البرنامج الخفيف، مثلاً أنتِ تطبخين في البيت، أو واحدة ست تطبخ في البيت تستمع للدروس؛ تمام، أنتِ إزاي تطبخين من غير ما تستمعي لشيء؟ لماذا؟ أنا والله لا أتصور أن فيه شخصاً يكون جالساً أو منشغلاً بشيء من غير ما يستغله في السماع؛ عندك مثلاً شروح لشرح البخاري أو شرح مسلم، تفسير القرآن، كتب في الإيمان، حتى إن تشاغلت بقرآن لو بتراجع أو بتحفظ سورة، يبقى مهم جداً أن الأوقات لا يبقى عندك فيها شيء؛ ذكر الله تبارك وتعالى، مراجعة القرآن وأنت ماشي؛ المهم تصور كده وضع قاعدة عندك: الوقت فرصة تغتنم وليس عيباً أن تتخلص منه، ما يجيش واحد يقول أنا مسافر في المواصلات بضيع الوقت وعاوز ينام، لأ، ما دام مش جاي لك نوم، بتنام ليه؟ اذكر الله سبحانه وتعالى، راجع، اقرأ في المصحف، استمع إلى درس وهكذا.
لابد أن تفهم -وهذا من قوانين الكلام عن الوقت- أن أعظم عمل في الوقت ما فرضه الله تبارك وتعالى عليك، ضع هذا هو الأصل وفكر في أي أمر آخر، فأعظم ما خلقت له هو ما فرضه الله تبارك وتعالى عليك؛ وكل من أراد أن يبارك الله له في وقته -فضلاً عن أن هذا فرض، أنا بتكلم عن أثري وإلا فهو فرض- وكل من أراد أن يبارك الله له في وقته وأن يهديه بخير العمل وأن ينفعه بما تعلم، لابد أن يتقن ما فرضه الله تبارك وتعالى عليه، الصلوات والسنن وغير ذلك من الواجبات. من أهم الأمور بقى أن خلينا نتكلم في الجانب التطبيقي والعملي؛ اعتبر أنك عندك برنامج علمي واحد، هذا أفضل، خصوصاً للشاب الذي يعمل أو في جامعة أو لربة المنزل، لا أنصحك بأن تشترك في أكثر من برنامج؛ ليس الاعتبار بكثرة البرامج وإنما الاعتبار بما تتقن؛ الإتقان والإحسان، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾، الإحسان لا يمكن أبداً أن يأتي وأنت مشتت الذهن بين أكثر من عمل أو مطلوب منك أكثر من شيء، ينتهي بك إلى ولا شيء، وكثير من الناس يضيع الممكن بطلب الكمال، يريد كل ما يفتح برنامجاً يشترك فيه.
لأ، نحن نريد أن نتكلم عن أمر تطبيقي عملي؛ وليكن أنا أريد أن أحفظ القرآن، هذا هدف، أو أريد أن أكون من المهرة بالقرآن؛ طيب المهارة بالقرآن هذه أبواب، منها إتقان التلاوة، منها إتقان الحفظ، تثبيت القرآن، منها العلم بمعاني القرآن، منها التخلق بالقرآن، منها تعليم القرآن؛ في أكثر من باب جميل. طيب، يبقى هذا الهدف، الأمر الثاني أن يتحول هذا الهدف إلى مجموعة أعمال، وليكن عندي في البرنامج أن أحفظ سورة الفرقان على حسب ما يتيسر لك؛ نصيحتي لك اجعل -ركز بقى- اجعل الأعمال مؤقتة بوقت وليس مؤقتة بحد؛ بمعنى لا تقل أنا سأحفظ اليوم ربعاً من القرآن، لأ قل أنا سأحفظ نصف ساعة، والله حسب ما تكون، ممكن النصف ساعة دي تحفظ فيها ربعاً، وممكن ربنا يفتح عليك وتحفظ فيها ربعين، أو ممكن تحفظ فيها سورة، هذا فتح من الله، يبقى ركز لا تقل مثلاً أنا اليوم سأقرأ مائة صفحة من كتاب منهاج السنة النبوية، أو اليوم سأقرأ تفسير سورة البقرة، أو خلينا نجيب شيئاً واقعياً، مثلاً تقول هقرأ تفسير سورة تبارك، لأ، قل أنا سأقرأ نصف ساعة في التفسير أو ساعة؛ إذاً اربط العمل بوقت وليس بقدر؛ ليه بقى؟
ده سؤال مهم، ممكن واحد يقول لي أنا والله أحب أن أقرأ في اليوم مئة صفحة، أقول لك لأن اليوم أصلاً هو وقت، هو ساعات ودقائق، فأنت لما يكون عندك برنامج بتقول مثلاً أنا أحفظ القرآن نصف ساعة في اليوم، وأراجع نصف ساعة، وأقرأ المواد التي عندي في خمس ساعات، خلاص هذا شيء واضح محدد معروف، يبقى أنا متعود أنني بين المغرب والعشاء هذا للحفظ؛ لكن لو أنت قلت أنا سأحفظ ربعاً ما معنى الربع؟ أنك ممكن هذا الربع يكون صعباً عليك فيدخل في وقت الأمر الآخر؛ أنا أكلمك عن تجربة، وممكن هذه -كل هذه الأمور يا شباب هي مجرد اقتراحات- ما يجيش واحد يقول: هل معنى ذلك أن اللي له برنامج آخر لا ينجح؟ لا أبداً، الحمد لله طرق النجاح كثيرة، ولكن أعطيك تجربة أرجو أن تعيش معها، فأن أُعطيك تجربة ممكن أنت تأخذ منها ما تراه حقاً وتبقى على ما عندك مما تراه أفضل.
حينما تأتي إلى عمل محدد خلينا نضرب أمثلة واقعية، وليكن حفظ سورة تبارك، أنا عندي واجب اليوم أن أحفظ سورة تبارك، أو عندي أن أستمع إلى أول عشرة أحاديث شرحاً من صحيح البخاري، أو عندي مثلاً ورد فيه قراءة كتاب في الإيمان؛ عندي مجموعة أسئلة يا شباب هنا، عندي ماذا؟ ومن؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ وكم؟ في ناس تحب الترتيب هذا، في ناس تحب أن تقول اذكر لنا عناصر أحسن ما يكون الكلام مسترسلاً، فأنا حاولت أن أعمل لك عناصر؛ ماذا؟ هذا شيء مهم جداً، يبقى أنا عندي وقت، ماذا سأفعل في هذا الوقت؟ خدوا بالكم ما ينفعش أسيب نفسي كده بظروفها، واحد يقول لي إيه رأيك تتكلم معنا النهاردة في السيرة؟ شوية في الحديث؟ إيه رأيك نستمع درس النهاردة لكذا؟ لا، لازم يكون عندك برنامج هو القبلة التي تطلبها وتتحراها.
السؤال الثاني: من؟ هذا مهم لأن ممكن تكون فيه أعمال أنت تحتاجها وغيرك يقوم بها؛ مثلاً أنا ما بعرفش أعمل باور بوينت، وأنا عندي محاضرة في جامعة أو مع الشباب في معسكر أو مخيم وحبوا أن أعمل لهم باور بوينت مثلاً، أنا ما بعرفش أعمل بس هذا أمر ضروري للمحاضرة، فأبعث لأي حد من الشباب اللي معانا يقول لي أنا ممكن أعمل لك الباور بوينت، يبقى ده مهم أن هناك جزءاً من أعمالك يمكن أن يقوم به غيرك ويكون سعيداً؛ يعني في بعض الشباب مثلاً كنت أقول له والله ممكن تعمل لي باور بوينت؟ يقول: يا شيخ ما تقولش معلش، ده قربتي إلى الله، ده أنا فرحان؛ يعني أنت بتعمل مثلاً درس، بعض الشباب هو وزوجته اجتمعوا على درس كنت عملته عن تأسيس الأبناء، هذا الدرس تقريباً أخذه أكثر من أربعين ألف شخص بحمد الله تبارك وتعالى، يقول: هذا قربتي إلى الله؛ فالشاهد الذي أريد أن أقوله: إن كل ما تستطيع أن يقوم به غيرك، إذا كان في واحد غيرك ممكن يعمل كده يبقى أنت حاول أن توفر وقتك، ليس معنى ذلك أنك تجني على وقته، أنا أتكلم عن شخص يكون سعيداً بهذا العمل؛ مثلاً ابنك، أنت بتنظف المكتبة، فابنك يقول لأ أنا اللي عايز أنظفها، خلاص، يبقى أنت احفظ وقتك، وهذا هو المفروض، فده مهم.
السؤال الثالث: متى؟ تحديد متى هذا مهم جداً؛ لأن الأعمال تختلف صعوبة وسهولة، أنا مثلاً سأضيف لكم مثلاً حينما أقرأ في الكتب النقدية، في كتب نقدية مثلاً كتب الشافعي رحمه الله، هذه الكتب تحتاج إلى صفاء الذهن، أنا أحب دائماً أن تكون هذه الكتب بعد الفجر، في البداية اصطبح بها بعد أذكار الصباح والقرآن والرياضة أو كده، يبقى لازم هذه الكتب النقدية مثلاً في أصول الفقه، في علوم اللغة، في مصطلح الحديث؛ لكن افرض أنا مثلاً عايز أقرأ قصة في التاريخ، في السيرة، في التراجم، ممكن أقرأها وأنا مسافر، ممكن أقرأها مثلاً بالليل بعد ما كنت تعبت طول اليوم، يبقى سؤال متى هذا مهم جداً، قدم -اجعل- أعظم أو أقوى فترة أنت فيها في اليوم اجعلها لأصعب شيء عندك، هذا مهم جداً. بعض الناس مثلاً كان يعمل إيه؟ كنت أستغرب منه، يأتي في الصباح ونحن نشيطون، وألاقيه مثلاً ماسك قصة كده خفيفة وبيقرأ فيها، أو ترجمة راوٍ مثلاً، أو فصلاً من فصول السيرة، هذا ليس استهانة بهذه الأمور أبداً، ولكن هذه الأمور ممكن تقرأها وأنت متعب، وأنت مش مركز، وأنت مثلاً في السفر، أو مثلاً تلاقيه جالس في مكان مهيأ للدراسة وتلاقيه بيستمع إلى موعظة؛ هل نحن نقلل من الموعظة؟ بالعكس هذا من أهم الأمور، هذا الحمد لله درس من أوله لآخره موعظة، ولكن حاول أن تدخر الكتب المهمة في الأوقات التي تكون أكثر قوة ونشاطاً فيها وحضوراً.
من الأمور المهمة جداً في كلمة متى؛ ركزوا معي هذه تنفع معنا طلاب البناء المنهجي وغيره من البرامج، لا تنظر إلى العمل متى بقي على تسليم هذا العمل، ولكن أول ما يجب عليك العمل بادر به؛ يعني إيه؟ في بعض الطلاب مثلاً قابلتهم، قال لي والله نحن في برنامج البناء المنهجي أو أكاديمية الحديث أو آفاق أو مثلاً برنامج مساق أو أي واحد من البرامج -نسأل الله أن يبارك في القائمين عليها- بيقول والله الشيخ إدانا برنامج، أنا على فكرة ممكن أخلصه في أسبوع، بس الامتحان لسة بعد ثلاث شهور فانا مش بذاكر دلوقتي؛ قلت له خطأ، بالعكس لا تؤجل ما وجب عمله أبداً؛ يعني مثلاً أنا لو عندي دورة، أنا أخطط مثلاً لدورة للشباب في أي مخيم مثلاً وليكن السنة القادمة، عايز أجمع كل الطلاب في بعض المدن في بعض البلدان من مختلف المدن وأعمل لهم معسكر كبير مثلاً في شرح كتب الإيمان من البخاري ومسلم؛ ليه مثلاً بدء الوحي والعلم والإيمان والرقاق والدعوات والاعتصام بالسنة وخبر الواحد، مثلاً خطرت في بالي الفكرة الآن؛ طيب متى أريد أن أنفذ هذا؟ بعد سنة من الآن، ابدأ فوراً؛ يبقى بادروا بالأعمال، المبادرة، وعندنا قانون آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، يُثبته، يُدخله يومه ولا يخرجه، فكلمة المبادرة هذه كلمة أصل في الإنسان الناجح، أول ما يسمع بالمعلومة لا يفكر إلا في كيف أفعلها، بس، هكذا كان.
الصحابي أول ما نزل قول الله: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، أول شيء فكر فيه: ما هو أعظم شيء أحبه حتى أبذله لله فوراً؟ المبادرة بالأعمال، طبعاً عندنا فكرة المماطلة والتسويف، وهذا من أكبر العوائق في النجاح. والمماطلة والتسويف معناها أن عملاً كنت قادراً عليه ووجب عليك فأخرته إلى غير وقته. ممكن واحد يقول: ما أنا كده كده أعمله، خرج وقته! يبقى لا بد أن تفهم أن العمل بمجرد أن يخطر ببالك بادر في تنفيذه، ليس معنى ذلك أنك تتعجل، لا، أقصد أنك تبدأ في العمل فيه وليس تبدأ بإخراجه للناس، تمام؟
يأتي السؤال الذي بعد ذلك: كيف؟ وهذا يحتاجه كثير من الطلاب؛ أن يقول: أنا معك جميل، اخترت أنني اليوم سأذاكر كتاب الرسالة مثلاً للشافعي، وحددت الوقت، وحددت المكان، لأن هذا أين؟ سنتكلم عنه. خلينا نتكلم عن أين قبل كيف؛ يعني المكان الذي سأقوم فيه بالعمل. طبعاً ستتكلم هنا عن طلب العلم؛ عشان يكون الفكرة تطبيقية لأننا معنا طلبة. أنا أحب أن أي طالب يتمكن من البقاء في المسجد لا يفرط في ذلك، وهذه نصيحة أخيك، كل من توفر له مسجد وكان ممكناً عليه أن يجلس فيه ويدرس لا يبغي به بدلاً، لا تفوت هذه الفرصة. المسجد، ثم بعد ذلك الحديقة أو لو كان مثلاً مكاناً، كلما كنت أبعد عن الناس وفي مكان تكون أقرب إلى الله كان هذا من أعظم الأمور.
هل معنى ذلك أن الإنسان يجب أن واحد يقول: لا ده أنا عيال أختي ساكنين معي وجيراني مش عارف بيشغلوا أغاني؟ يا حبيبي، عوّد نفسك أن تعمل تحت كل ظرف، في فرق بين أن أكلمك عن الصورة المثلى وبين أنك أنت تعمل بالمتاح، وأنا في رأيي أن كل من يعمل بالمتاح يعينه الله تبارك وتعالى على ما لم يكن متاحاً، وهذا من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66-68]. فأنت اعمل بالمتاح لكني فقط أذكر لك الأفضل.
خلينا في سؤال أين؛ أنت جالس مثلاً في البيت، من الأمور المشكلة شوية في موضوع الدراسة في البيت أن واحداً يدرس وهو بجواره الهاتف، سواء كان في البيت أو في غيره، دي مشكلة عامة، أو مثلاً يدرس وجنبه شخص رغاي يقعد يتكلم معه ويقاطعه. لا، أنا في رأيي كن صادقاً مع نفسك، إذا كنت تقرأ فتقرأ، إذا كنت تحفظ تحفظ، إذا كنت تقرأ قرآن خلاص؛ فأنت لماذا تقرأ القرآن وأنت جنبك الهاتف؟ لماذا تقرأ في كتاب وأنت مثلاً جنبك شخص بيقعد يرغي ويقاطعه كل شوية؟ لا، فسؤال أين سؤال مهم جداً.
ندخل بقى على سؤال كيف؛ سؤال كيف عندي قاعدة مهمة جداً: كلما كثرت الحواس في المذاكرة كلما كان أثبت للمعلومة وأدعى إلى عدم الملل، يعني دافع للملل. يعني كلما تنوعت الأمور أثناء المذاكرة؛ قراءة واستماع وكتابة فوائد، لا أتصور أبداً شخصاً يقرأ كتاباً أو يستمع إلى شرح دون أن يكتب الفوائد. كيف هذا؟ الفوائد دي زي ما يكون واحد بيديك كنز، كيف تأخذ هذا الكنز وتفرط فيه؟ أنا كنت أستغرب أحياناً كنا نحضر دروساً لبعض أهل العلم ويقول معلومة -أقسم بالله لولا أن الشيخ بيكره هذا كنت أقبل يده بعد هذه المعلومة- وأفاجأ أن في بعض الشباب لم يحفل بهذه المعلومة فضلاً أن يكتبها، لم يخطر بباله معلومة عادية. لذلك أنا أقول لك إن من هداية الله تبارك وتعالى لك أن يجعلك تقدر ما يقال لك. القرآن مثلاً لما كان بيسمعه أبو بكر هل كما كان يسمعه أبو لهب أو أبو جهل؟ لا، فمن هداية الله سبحانه وتعالى لك أن يجعلك تقدر الأمر، ومن تقدير الأمر أن تحفظه. يبقى نعتبر الآن أنك أنت بتستمع مثلاً إلى شرح البخاري، يبقى أنت عندك الاستماع والأذن تعمل، والعين ترى، واليد تكتب، تمام؟ فيبقى الكيف كلما كنت بتتفاعل مع الكتاب وكنت جزءاً من الدرس كلما كان هذا أدعى أن تثبت عليه ودافعاً للملل.
بعض الشباب بيقول: طيب أنا عندي مشكلة أني بصراحة ليس عندي صبر على القراءة، أو بيكبس عليّ النوم وأنا بذاكر، بفتح الكتاب أول ما أفتح الكتاب.. أحياناً كنا ندرس مثلاً في دورة ويأتي شخص يقول يجلس معنا خمس دقائق ويروح بسرعة ينام، هو أصلاً ما كانش جاي يحضر معنا الدورة. قلت له: طب أنت بتعمل ليه كده؟ قال لي: أصل بصراحة أول ما أقعد في الدرس بيكبس عليّ النوم فبنام. طيب السؤال هنا: هل فعلاً أنك أنت دخل عليك النوم؟ هل أنت فعلاً محتاج أنك تنام؟ أبداً، ولكن أنت لم تجاهد نفسك على طرد هذا الأمر. نصيحتي لك بقى أن تغير وضعك، آخر شيء تفكر فيه أن تغلق الكتاب وتنام، والله هذا النوم لن يزيدك إلا كسلاً، إذا هجم عليك النوم في غير وقته لن يزيدك إلا كسلاً، وسيعتاد جسمك على هذا شيئاً فشيئاً، تخلد إلى الراحة والنوم.
طيب ماذا أفعل؟ أول شيء عندي طريقة في المذاكرة: ما تجيش تذاكر لي تحت اللحاف، يبقى أنت دافس نفسك تحت البطانية في الدفا ونايم فارد جسمك، أنت مستعد للنوم، يبقى شيء واحد أنك تغمض عينيك. لا، لازم تذاكر وأنت جالس. الأمر الثاني أنك إذا هاجم عليك النوم، أنت طبعاً تستعمل إيدك في كتابة الفوائد وهكذا، بعد ذلك إذا هجم عليك النوم تعمل إيه؟ تقوم تلعب رياضة، تلعب شوية ضغط، شوية بطن، تتوضأ، تصلي ركعتين، تتمشى في الشقة وهكذا، تروح تنزل تتمشى خمس دقائق وترجع، والله ستجد نفسك تجددت طاقتك. وخذ بالك هذا الأمر لن يطول معك؛ لأنك بإذن الله تبارك وتعالى سيعتاد جسمك على العمل، بل ستكون راحتك في هذا العمل، صدقني.
الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]. وكلمة آتَاهم تقواهم ده فضل من الله، وإن كان أيضاً زيادة الهدى فضل، ولكن شف كأنه اهتدى وزاده موضع تشعر أن إيه؟ مقابلة. طب وبعدين؟ ربك شكور، آتَاهم تقواهم أعانهم على ما يطلبون وصرفهم عما يرجون الانصراف عنه. ده أمر مهم جداً يا شباب، أن أنا مع المجاهدة سيصير هدفي الذي هو صعب عليّ سيكون سهلاً بإذن الله تبارك وتعالى. يبقى شبابنا نريد أن نتكلم هنا عن فكرة كيف يتحول الهدف من مرحلة المجاهدة والصعوبة والتكلف إلى التلقائية، شف التلقائية دي كلمة جميلة، بتفعله بتلقائية، بسهولة، بإحسان، هذا يا شباب لا يأتي إلا بالاستعانة بالله والمجاهدة. كلمة المجاهدة اكتبها أمامك، وأنت قاعد بتذاكر حط واكتب كده أمام المكتب: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: 69]. مجاهدة دي معناها أن إنساناً يتكلف الجهد، من يتصبّر يصبّره الله. واحد قاعد لوحده والموبايل معه، الشيطان بيقول له: افتح اتفرج على فيلم، نتفرج على صورة، نتفرج على الإعلان الفلاني، والنفس تتمنى وتشتهي، وهو بيغلب نفسه، بيتعب، وقلبه بيتقطع، بس ربنا سبحانه وتعالى معه. لازم تفهم أن كل شيء له ضريبة؛ التطنيش له ضريبة، والكسل له ضريبة، وكذلك المجاهدة لها ضريبة. لكن والله العظيم لن تجد لنفسك إكراماً إلا أن تحملها على ما يرضي الله، وأن تطلب بها معالي الأمور.
من القواعد المهمة جداً في الوقت، خلينا نقول إن دي رقم عشرة، تهيئة البيئة المناسبة للعمل. يعني أنا مثلاً سأذاكر اليوم في كتاب، هذا الكتاب يتطلب شيئاً معيناً، يتطلب مثلاً أنني أكون حملت الدروس على الهاتف، ويتطلب أن يكون معي سماعة لأني سأستمع إلى الدروس في الأتوبيس، ويتطلب أن يكون معنا دفتر عشان أكتب فيه الفوائد، كل هذا لا بد أن تجهزه. يجي واحد عنده محاضرة مثلاً وقبلها بنصف ساعة يقول: إيه ده احنا عايزين نجهز السماعة، الميكروفون، اللابتوب! لا، لازم تهيئ الجو حولك. طيب خلينا نضرب مثالاً واقعياً لو معنا بعض ربات البيوت ممن يطلبن العلم، أسأل الله أن يبارك فيهن، وأنا أحترم كل امرأة تستغل وقتها. في امرأة وهي بتطبخ، بتنظف البيت، دائماً الدروس لا تخلو من بيتها أو القرآن أو الحديث، أعرف نساء ليلاً نهاراً في أي شيء، بتحضر الأكل، بتنظف البيت، بتغسل الأطباق، دائماً مشغلة إما صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو بتراجع القرآن أو تستمع إلى الدروس، هي دي حياتها؛ امرأة عاقلة، في الوقت الذي عدد من النساء ممكن تقعد تتفرج على عشرين حلقة في اليوم من مسلسل أو عشر حلقات، أو رجال ممكن يتفرجوا على مباراة خمس ساعات. وهذا رزق من الله، وأنا قلت لكم قبل ذلك: الوقت بركة، رزق، وإذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر ماذا تعمل.
واحد بيقول لي: يا أخي ساعات الواحد بيكون عايز يعرف ربنا بيحبه ولا لأ؟ قلت له: يا حبيبي شف أنت بتعمل إيه في اليوم، انظر ماذا تعمل، إذا كان الله سبحانه وتعالى يشغلك بما ينفعك فهذه علامة من أهم علامات أن يحبك الله، إنما إذا كان أمرك فرطاً فكيف ترجو أن يكون الله يحبك وأنت لا تسعى في مرضاته ولا تسعى فيما يحبه؟ إذاً تهيئة الجو مهم جداً؛ المكان يكون نظيفاً. أنا رحت لبعض طلبة العلم كنت أبات معه مثلاً، ألاقي البيت الغرفة التي يذاكر فيها أنا آسف يعني ممكن تكون مثلاً ما اتنظفتش من شهرين ولا حاجة، الرائحة كريهة والمكان مش نظيف، وعامل لي فيها أنه طالب علم! الكتب كده في الأرض، قلت له: لا يا حبيبي، نظف المكان حولك، حط عطر، نظف إيه؟ حط الكتب بشياكة. أنت مثلاً خلصت المذاكرة رجع الكتب في مكانها، ما تعمليش فيها أفلاطون، واحد كده دائماً يقول: لا أصل أنا حياتي كده بقى، المكتب بقى متبهدل وكده هي حياتي كده، تلاقيه مثلاً منعكش في شعره ولبسه مش كويس، يقول لك: أصل أنا مش مهتم بالحاجات دي. من الذي قال ذلك؟ إن الله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال. أنك تجلس في مكان نظيف ومكان مهيأ ومرتب، تصحى تكون أنت نفسك نظيف، تكون بتغتسل، رائحتك نظيفة، تكون بتلبس لبس جميل -ما قلتش لبس غالي بس يكون لبسك جميل- تجلس في مكتبة نظيفة، وهكذا، كل هذه الأمور تعينك بإذن الله تبارك وتعالى.
طبعاً من الأمور المهمة جداً في الوقت لصوص الوقت، هذه كثيرة: الإنترنت، التلفزيون، الأخبار. من لم يكن حازماً مع الأخبار التي تذاع؛ يعني مثلاً عرفنا في الأيام اللي فاتت أن في ولد صغير سقط في بئر، جميل، طيب هنعمل إيه؟ ندعو له، ممكن نكتب منشوراً وندعو، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجيه وينجي أبناء المسلمين، طيب وبعدين؟ أنا أعرف من قعد أربع أيام ليل نهار يتابع لحظة بلحظة حال الولد، هل أنت تتصور أن ممكن يكون هذا صحيحاً؟ أبداً ده تضييع عمر تضييع وقت، أنا ممكن أعرف الخبر في آخر اليوم مثلاً، ممكن أدخل على الفيسبوك أو مثلاً يوتيوب وأكتب لو أنا مهتم بهذا الأمر وأكتب وخلاص انتهى الأمر. لكن أنا عايز أسألك سؤال: أنت حينما تجلس في بيتك لمدة أربع أيام وأنت تتابع لحظة بلحظة الطفل فلاناً وهو في البئر، ماذا استفاد الطفل نفسه؟ والله لم يستفد شيئاً، لو أنك عملت عملاً صالحاً ودعوت لهذا الطفل والله لكان أبرك.
فاحنا أحياناً يا شباب نخدع أنفسنا بهذا، نظن أننا على عمل صالح واحنا في الواقع نبرر لأنفسنا الكسل. في شاب مثلاً بيقول لي: على فكرة كل المنشورات التي أنت بتكتبها عن العمل والجد أنا بنشرها وبعمل لها إعجاب. قلت له: يا حبيبي أنا لم أكتبها لتنشرها ولا تعمل لها إعجاب، أنا كتبت حتى ترى ما فيها من الخير وتقوم به أنت. قال: لا، أصل أنا مش هعمل، أنا بقول حد غيري يعمل. شوفوا يا شباب، الفكرة دي أن الإنسان يتصور أنه مش هيعمل، يتصور الشخص بيأقلم نفسه أنه ليس من أهل العمل، دي مشكلة كبيرة يا شباب، لذلك أنا أرى من أعظم فتن هذا الجيل -لا أقول كل الجيل أبداً، أنا على يقين بأن من هذا الجيل وروداً أمثالكم، أنتم عندي ورود- المسلم الذي يقتطع جزءاً من يومه ليتابع درساً يقربه إلى الله تبارك وتعالى ويعلمه دينه وكتاب ربه وحديث رسوله وفقه الإسلام، هذا شاب مثل الورد، لا بد أن تعرف قيمة نفسك.
حتى لو كنت مقصراً في بعض الأبواب، لا بد أن تدرك نعمة الله عليك بأن وجهك لمثل هذه البرامج. أريد أن أقول يا شباب إن أكبر مشكلة في رأيي هي سرعة الملل عند هذا الجيل؛ فلا يستطيع أحدهم أن يبقى مدة على العمل، ولا يستطيع أن يقرأ كتاباً من الجلدة إلى الجلدة، ولا يستطيع أن يستمع إلى سلسلة ويتمها. بعض الناس يقول لي: استمعت إلى شرح الأربعين النووية للشيخ صالح آل الشيخ، وأعجبني جداً أول شريط، لكن ما أكملت. لماذا لم تكمل؟ إذا فتح لك باب من الخير فالزمه. أنا أذكر أول شريط استمعته للدكتور يوسف الغفيص حفظه الله، كان تقريباً شرح حديث الافتراق لابن تيمية؛ أول ما استمعت لهذا الشريط قلت: إن شاء الله لن أقوم من مكاني إلا لما أنهي كل السلسلة المتاحة، وما كنت أقوم إلا للصلاة بفضل الله تبارك وتعالى.
قلت هذا باب فتح أمامي، كيف أفوته؟ واحد يقول لي: استمعت إلى حلقة من برنامج كذا وأعجبتني جداً، لكن ما أكملت. إذا فتح لك باب من الخير فالزمه لأنك لا تدري متى يغلق. بعض الشباب الذين كانوا معنا في دورات كنا نجتمع وندرس، كانوا يقولون: يا عم نحن بعد كذا نبقى نحضر، قلت له: من الذي قال لك؟ من أدري لعله ﴿فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [الأنبياء: 111]. في لحظة معينة ستسحب منك ورقة الامتحان؛ فمهم جداً إذا فتح لك باب من الخير وعلمت نفع هذا الباب لك، إياك أن تفرط فيه. لا تكن مثل هؤلاء الذين ليس عندهم صبر، وسرعة الملل وسرعة التنقل آفة كبيرة.
من الأمور المهمة جداً، دعنا نتكلم عن برنامج اليوم. قبيل الفجر يا شباب وصية وأحب منك أن تكتب هذا بالذات؛ وصية أخيك لك، اعتبرني أخاك الكبير أو الصغير، لا أعرف سنك، لكن هذه أخصك بها وأحثك عليها: قبيل الفجر لا تضيعه، والله هو زادك في اليوم. قبل صلاة الفجر اضبط المنبه قبله بنصف ساعة، يا عم بعشر دقائق؛ هذا الوقت هو زادك. كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يفوت هذا الوقت، وكان يقوم فيه لله تبارك وتعالى تالياً كتاب الله، يتوضأ ويقف بين يدي الله ويصلي ويدعو؛ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]. أرجو من هذه الليلة أن نبدأ فيه، هذه وصيتي لك؛ بادر هذا الوقت، ينزل الله سبحانه وتعالى فيه ويقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟». والله أظن أن المسلم الذي عنده أي مطلب في الدنيا أو الدين، كيف يغفل عن هذا الوقت؟
هذا الوقت زادك، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. والله لو قمت عشر دقائق وتواظب عليها يومياً، تنظمها وتقوم تتلو العشر آيات الأخيرة من سورة آل عمران وتتوضأ؛ أو تتوضأ وبعدين تقرأها، ينفع هذا وينفع هذا. وتقوم بين يدي الله، والله لو أحببت أن تصلي ركعتين مثلاً بربع من القرآن وتدعو؛ ترفع يدك وتدعو، وأعظم الدعاء دعاء القرآن والسنة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. وتبدأ تدعو وتستغفر، سل الله تبارك وتعالى كل شيء؛ سل الله أن يرزقك الصبر، وأن يفرغ عليك صبراً لما تطلبه، ويثبت قدمك، سل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك الصدق والإخلاص، سل الله أن ينزع من قلبك الغل والحسد وشح النفس، سل الله سبحانه وتعالى أن يفهمك؛ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]، سل الله تبارك وتعالى الهداية والسداد.
ادع لكل من تعلم أنه يقوم على ثغر للإسلام، ادع لكل مصلح، لكل طالب علم، لكل من ينفق في سبيل الله، لكل من يقوم على البرامج العلمية التي تربي الشباب على كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ادع الله تبارك وتعالى أن يعينك على أن تكون ذا قلب سليم، وأن تكون ذا عقل حكيم، وأن تكون ذا جسم قوي، وسل الله تبارك وتعالى أن يهديك لأحسن الأخلاق، ويصرف عنك سيئها، ويطهر قلبك من الشهوات المحرمة. كل شيء تطلبه من الله سبحانه وتعالى؛ ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
الأمر الذي بعد ذلك يا شباب صلاة الفجر؛ هذه كما قلت لك هي نورك في بداية اليوم. احرص على صلاة الفجر في جماعة، وأحسن هذه الصلاة، واصبر على الأذكار، أذكار الصلاة وأذكار الصباح؛ وهي موجودة في أي كتيب إذا لم تكن تحفظها. بعد ذلك من النصائح المهمة جداً في يومك: ممارسة الرياضة. هذه النصيحة كثيراً من الشباب يقول: يا شيخ أنت دائماً تنصحنا بها؟ أقول له: والله أنصحك بها لعلمي أن الطلاب الذين أهملوا ممارسة الرياضة، هذا أثر عليهم جداً حتى في طلب العلم، لا أقول أثر في حياته أو شكله أو جسمه أو صحته، بل حتى في طلب العلم. ممارسة الرياضة مهمة جداً بقدر الإمكان في البيت؛ حتى الإحماء والضغط والبطن، فضلاً عن أن تتمشى وتجري وتناط الحبل.
ومن الوصايا المهمة جداً يا شباب، وهذه نصيحة لك في الأكل: لا بد أن تعرف ماذا تأكل ومتى تأكل وكيف تأكل. ماذا تأكل؟ فيه واحد يأكل أي حاجة، طول ما هو ماشي في الشارع يشتري سندوتشات، لا يبقى عارف هي جاية منين أصلاً، وجبات سريعة يأكل أي حاجة، يأكل حلويات، كل حاجة متاحة أمامه يأكل منها بحسب الموجود؛ لا، لازم تعرف ماذا تأكل. وعلى فكرة الأكل الصحي ليس غالياً كما تظن، الخضروات والأشياء هذه؛ أنت تقول ما علاقة هذا بطلب العلم؟ أقسم بالله هذا في صلب طلب العلم. وكم من إنسان أهمل ذلك؟ أنا أعرف عدداً كبيراً من طلاب العلم سووا عمليات جراحية خطيرة، وكنا ننصحه قبل ذلك أن يخفف من الطعام ويمارس الرياضة، فقال: يا عم كبر دماغك، أنا رجل بتاع قعدة؛ طيب وبعدين؟ راح عمل العملية، واستلف عشان يجيب حق العملية، والآن لا يطيق شكل الأكل. فالمهم يا شباب الوقاية خير من العلاج.
من الأمور المهمة أيضاً في هذا الباب، وأنصحك به: ألا تسهر. نصيحتي لك إذا لم يكن عندك درس، لا تسهر. حاول أن تنام مبكراً، وأن تنام على وضوء، وأن تذكر ربك تبارك وتعالى بالأدعية قبل أن تنام، وكلما استيقظت من النوم توضأ وصلي، وهذا كان العمل الصالح الذي كان عليه بلال رضي الله عنه، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة بهذا العمل؛ وكان أرجى عمل له أنه ما توضأ إلا صلى ركعتين، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكون على وضوء. في الواقع عندي أشياء كثيرة جداً في الكلام عن اليوم أو البرنامج اليومي، ولكن لعلمي باختلاف الناس؛ فمثلاً شخص عنده دوام الصبح ودوام بالليل، في واحد طالب في الجامعة، في واحدة ربة بيت؛ لا أستطيع أن أقول لك بالتحديد تفعل ماذا من الساعة كذا للساعة كذا. أنا أعطيتك خطوطاً عريضة إن شاء الله تبارك وتعالى أن تكون معينة لك.
أنا عن نفسي أحب لطالب العلم خصوصاً المتفرغ الذي ليس عنده عمل، أنصحه بشدة ألا يفوت من بعد الفجر إلى صلاة الظهر؛ هذه تجعلها للكتب التي تحتاج أن تجتمع عليها؛ صحيح البخاري، الأم للشافعي، تفسير الطبري، منهاج السنة، مغني اللبيب؛ الكتب الدسمة، الكتب المهمة، تهتم وتحاول أن تأخذها في هذه الفترة.
من الأمور المهمة جداً في الدراسة -وأنا أذكر نقاطاً خفيفة وسريعة قبل أن آخذ الأسئلة-: تثبيت المعلومات. سأحاول أن أقول لك علاجاً لمشكلة؛ مثلاً أن يأتيك ضيف، أو تخرج مع ناس، أو راكب في المواصلات؛ أنا عن نفسي ماذا أفعل؟ أنا أحب أن أستثمر كل المعلومات التي أدرسها مع من حولي. كيف؟ أنا مثلاً جاءني ضيف، الضيف لو أنا لم أسبقه بالكلام سيقعد يحكي لي قصة حياته؛ طيب أنا أعمل ماذا؟ أبدأ أدخله في أمر شرعي، سبحان الله يا أخي والله قرأت تفسيراً لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]؛ والله تفسير جميل جداً، أبدأ آخذه في هذه المنطقة، لأن بعض الناس عنده مشكلة أنه يختلط بالناس؛ مثلاً زملاؤه في العمل أو في السفر، أو واحد ضيف يأتيه أضياف كثيرون؛ ماذا يفعل؟ استثمر معه علمك. كان بعض العلماء المحدثين إذا تحمل بعض الأحاديث عن مشايخه، يبقى يحدث بها الأقفال في الشارع، أنا عن نفسي أحب أعمل كذا بصراحة؛ لو أنا أحفظ في حديث أو عرفت تفسيراً أو فائدة جميلة، لا بد أن أحدث بها من حولي، وأرى في ذلك بركة علي.
ولكن أنا بصراحة وعدت الأخ الكريم المشرف على البناء المنهجي أن أعطي الشباب فترة اليوم للأسئلة، وأحب من الشباب في الأسئلة -أنا ما عندي مشكلة والله أن نفضل عشر ساعات في الأسئلة- ولكن من واجبي أن أعلمك كيف تسأل، وعن ماذا تسأل. نصيحتي يا شباب لا تسأل عن أمر تعرف جوابه، ولا تسأل عن أمر خارج إطار المحاضرة؛ لأن المفروض أن هذه المحاضرة تقصد أمراً محدداً، وهو كيف يحفظ طالب العلم يومه للعمل النافع ويحفظه عن العمل غير النافع، وكيف ينجز ما يطلب. فحاول أن تكون أسئلتك في هذا المجال، وخلينا الأخ الكريم الأستاذ محمد البخاري، أو أي أحد من الشباب عند الشيخ أحمد السيد حفظه الله، يبدأ بالإذن لمن يريد السؤال؛ تفضل.
أحسن الله إليكم شيخنا ومتابعكم يا رب، ويجزيكم كل خير ويرضى عنكم. شيخنا، هناك سؤال يقول: قمتم بذكر أمس مقولة محمد بن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». كيف أعرف أن من آخذ عنه هذا الدين ثقة ونحو هذا؟
من نعم، هذا سؤال جميل جداً. أول شيء يا شباب الدعاء؛ يعني الأمر التطبيقي لهذا أن تدعو: اللهم اهدني لشخص ثقة أتعلم عنه دينك. الدعاء هذا الأمر الأول. الأمر الثاني هو أن تستمع إليه، أن ترى خلقه، وأن ترى نفسه في العلم؛ يعني مثلاً إذا كان هذا الشخص لا يحدثك من كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يذكر حججاً على كلامه؛ أو سلوكه مثلاً، شخص يقول لي: والله أنا بدرس مع شخص طالب علم ممتاز جداً في الفقه، بس لسانه مثلاً طويل أو يشتم أو كذا؛ أنا عن نفسي بصراحة لا يمكن أن أتعلم من هؤلاء؛ أنا أعلم يقيناً أن الله أغنانا عن هؤلاء، يقيناً، وأن من يتحرى الخير يعطى. ليس حجة لك أن تقول: والله ماذا سأعمل؟ لا، لا بد أن تعلم أن خلق المعلم يؤثر فيك. لكن هل معنى ذلك أنك ستقابل شخصاً ليس فيه خطأ أبداً؟ لا، ولكن أنت قدر الإمكان حاول أن تنظر إلى العموم؛ ما دام الشخص في المجمل إنسان رجل صالح، وأنت ترى سمته وترى عنايته بالخلق، ترى رسوخه في العلم وترى حاجتك إليه، خلاص؛ فأنت لن تشق عن قلوب الناس. في الأول والآخر الحكم بالظاهر؛ فتحرَّ الخير واطلبه وانوِ خيراً، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: 70]، وإن كانت الآية ذكرت في غير ذلك المعنى، ولكن على الأقل تؤكد أن من يطلب الخير ويتحراه يهدى إليه.
من النصائح المهمة جداً -وأنا لا أريد أن أطيل في هذا الباب- تنوع المشايخ؛ من أعظم الخطأ أن تحبس نفسك على شيخ أو طالب علم، حتى لو كان أعلم الناس في نظرك؛ خطأ تماماً. لسببين: السبب الأول أن الله سبحانه وتعالى لم يجمع العلم كله في شخص. السبب الثاني أن تنوع المشايخ يكسبك ملكة نقدية، لا لتخطئ بها المشايخ، لا، ولكن ليكون عندك كما نقول "الفلتر"، الذي تستطيع أن تأخذ أحسن ما عند الشخص.
تنوع المشايخ أمر مهم جداً، ومن المهم أن تعرف أهل التخصص، وأن تعرف من هم المتميزون في باب معين، ولكن في رأيي أن ملخص الجواب في أمرين: الأمر الأول كثرة الدعاء بأن يهديك الله للثقة من أهل العلم، والأمر الثاني تنوع المشايخ، وأن تأخذ من كل شخص أحسن ما عنده مما يناسبك. إذا لم يعجبك في شخص شيء، أصل بعض الناس الآن يقول لي: كنت أستمع لفلان، ولكن بصراحة قال حاجة لن أسمع له بعدها أبداً؛ وأكتشف أنه قال حاجة عادية، مثلاً سألوه: هل النقاب واجب أو مستحب؟ قال: والله فيه خلاف وأنا أميل إلى أنه مستحب. فيقول: لا يمكن أسمع له تاني، رجل مميع! وهكذا؛ يتصور البعض أن المفتي لو أفتى بهذا يصفه بالتمييع، وواحد آخر يصف من قال النقاب واجب بالتشدد، ويترك الشيخ ويترك ما عنده لأجل هذا.
بعض الناس كان يترك الحضور لبعض المشايخ وهو من كبار أهل العلم بحجة أن زوجته محجبة وليست منتقبة، يتصور أن الرجل من أهل الفضل والدين والعلم والخلق وراسخ في العلم، ولكن رأى زوجته مرة تمشي معه في الطريق وهي تلبس حجاباً، فيقول: لا، هذا لا يؤخذ عنه العلم، نعوذ بالله من ذلك. فلذلك فرق بين أمرين: بين أن تتحرى الأخذ بالثقات، وبين أن تشق عن قلوب الناس، وبين أن تسرف في إقصاء هؤلاء أو تصيد الأخطاء لهم، وأنا ما رأيت واحداً من هؤلاء يفلح.
كيف يطبقون العلم الذي يأخذونه؟ وكيف يسألون عن بعض العلوم التي لا يرون لها فائدة مباشرة في حياتهم، مثل علم النحو وغيره؟ هذا سؤال جميل جداً. يقولون عندنا زخم في المعلومات، كيف أدخلها في حيز التفعيل المباشر؟ هل مطلوب مني أن أطبق كل شيء؟ سأضرب لكم مثالاً واقعياً؛ شاب كان صوته جميلاً بالقرآن وكان يحبه جداً، ففي مرة قلت له: ما رأيك أن تحضر معنا درس التفسير؟ قال: لا، أنا مهتم بالقرآن فقط، أنا مشغول بالقرآن. قلت له: وهل تتصور أنك مشغول بالقرآن، يعني بتلاوة القرآن فقط؟ هل هذا هو الاشتغال بالقرآن؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من حفظ القرآن»، ولا قال: «خيركم من تعلم القرآن»؟ هل تتصور أن تعلم القرآن محصور في أن تدرس أحكام التجويد وتحفظ القرآن وتثبته؟ لا. فتصور أن شخصاً ينظر إلى علم التفسير أنه من فضول العلم، هذا كيف يتكلم عن علم النحو أو مصطلح الحديث؟
خطأ الشباب أنهم لابد أن يفهموا أنهم يحتاجون إلى كل علوم الإسلام، وأن كل علم من علوم الإسلام يسهم في تكوينك؛ كأنك بالضبط في عمارة بناء، عندك نجار وسباك ومبيض وهكذا، فإنت عندك أساسات. علم النحو مثلاً، التطبيق هو التفعيل؛ فإذا درست علم النحو تفعيله أن تتكلم بالفصحى، أن تتدرب على الحوار، أن تعرب الكلام، أن تطبق ذلك في إعراب القرآن الكريم. تفعيل السنن، فكيف تقرأ مثلاً كتاب البخاري أو مسند أحمد دون أن تدون سنن النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في يومه، هديه مع أهله، مع أبنائه، مع أصهاره، هديه في الجهاد، هديه في المسجد؟ هذه السنن بحر من السنن عندك، والأدعية؛ ففي رأيي ليس هناك مادة لا تفعيل لها، لا يوجد هذا. لا يوجد في الإسلام علم لا آثار له إلا إذا كان علماً غير إسلامي، أما إذا كان علماً شرعياً فلا بد أن يكون له باب من التفعيل.
أنت كل علم له تفعيله الخاص، إما أن يكون سنة تعلمها، أو خلقاً تتخلق به، أو يكون أمراً تطبقه. مثلاً أنت درست قاعدة في النحو، أو قاعدة في أصول الفقه، أو في مصطلح الحديث؛ درست اليوم أن تراجم الرواة تدرس من كتب التاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي؛ هذه كتب الرجال لا بد أن تفعلها، فتسأل مثلاً: من هم الرواة المهمون؟ فأقول لك مثلاً: الحسن البصري؛ فتبدأ تجمع ترجمته وتطبق هذا وتفعله. درست تخريج الحديث؟ خذ بعض الأحاديث وطبقها. فالتطبيق والتفعيل في رأيي هو أعظم مكون لطالب العلم عملياً.
وأنت تذاكر قطر الندى مثلاً، كنا نجتمع أنا وأصدقائي ونتدارس الكتاب، وكان ابن هشام رحمه الله مهتماً جداً بأمثلة القرآن والسنة، ونحن جالسون نستدعي من القرآن لا يقل عن عشرين آية في الباب الذي ندرسه؛ مثلاً تكلم عن فاء السببية، تكلم عما يأتي بعد "حتى"؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة: 187]، أو ﴿حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [النور: 33]، وهكذا، كلما يأتي مثال نحاول أن نطبق هذا فعلياً على الآيات والأحاديث. التفعيل في رأيي لا يوجد علم في الشريعة لا يفعل.
بالنسبة لتدبر القرآن، كلمة "لا أستطيع" لا أحب أن تسير على لسانك؛ "لا أستطيع" معناها أنك لست مكلفاً به، أي أمر خارج عن استطاعتك لست مكلفاً به. السؤال الصواب هو: كيف؟ التدبر هو مرحلة بعد التفسير، التدبر معناه أنك تعرف؛ هل ممكن إنسان ينتظر الثمرة دون أن يبذر البذرة؟ لا؛ فبالتالي أنت عندك مرحلة التدبر كأنها أعلى من مجرد العلم بالتفسير. وكثير من الناس يضع كلمة التدبر في غير موضعها، فالخلاصة أن تتعلم الأدوات التي تعينك على العلم بالقرآن والهداية به، منها دراسة التفسير وعلوم القرآن وأصول التفسير.
من ضمن الأمور أن تقرأ بتأني، مثلاً أن تقول: سأقرأ الأوامر التي أمر الله بها النبي صلى الله عليه وسلم وأجمعها، والنواهي كذلك؛ الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: 94]، هذا نهي؛ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]، هذا أمر؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]. تطلب مطالب محددة، مثل أدعية الأنبياء من القرآن، أو أعمال المفسدين وإيراداتهم، أو أن تجمع أخلاق المؤمنين من القرآن. لابد أن يكون لك مطالب محددة من القرآن بناءً عليها تستهدي؛ تقول: سأقرأ القرآن وأطلب منه صفة البر، وتجمع الآيات التي فيها بيان البر؛ ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177]، أو سأجمع الآيات التي نهانا الله فيها أن نكون من الغافلين أو الممترين. لا يمكن أن تتدبر إلا وأنت تطلب شيئاً. في رأيي من أعظم من يعينك على هذا -وهو الذي نفعني الله به- الإمام الشافعي ثم ابن تيمية رحمهما الله، قراءتي لتراث هذين الرجلين كانت سبباً بفضل الله على أن أستهدى من القرآن.
كتاب "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور من الكتب المعاصرة المهمة، وأنا عن نفسي أراجعه دائماً في أي آية، ولكن في رأيي أن هذا الكتاب لا بد أن يسبق بمعرفة ما جاء عن الأئمة المفسرين، لأن التفسير خلاصته في اتجاهين: الاتجاه الأول ما أثر عن السلف، والاتجاه الثاني المفسرون من اللغويين. البداية في التفسير لا بد أن تبدأ بما أثر. أعظم كتب في التفسير هي كتب السنة بلا جدال، هي نفس الكتب التي جمعت سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو التفسير العملي التطبيقي. وحينما تقرأ سنن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل كتاب "الأم" للشافعي ستعرف ما أقول، وترى كيف يبني الشافعي كل فروع الباب بناء على الآية التي يستفتح بها، لترى كيف أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم لكتاب الله علماً وعملاً هو أعظم بيان. بعد ذلك عندك تفسير الطبري، وتفسير ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وبعدها اقرأ في الطاهر بن عاشور؛ لكن ابن عاشور يغلب عليه الجانب اللغوي، وتحتاج أن تحتاط أحياناً فيما يذكره، خصوصاً في أبواب أسماء الله وأفعاله، أحياناً يكون عنده مخالفة لمذهب أهل السنة، لكنه في المجمل تفسير مهم.
أدعو لكل امرأة أم، وأخصها بالدعاء، كل أم تطلب أن تتعلم دينها لنفسها ولأبنائها ولزوجها، فقد هُديت لخير ما يُهدى إليه إنسان، وكل امرأة سلمها الله من فتن هذا الزمان، سواء فتن الشهوات أو الشبهات، لم تدخل في مرض النسوية ولا العلمانية ولا هذا الهبل السائد الذي حُرقت فيه أعمار؛ أن تملأ حياتها بطاعة الله وبالعلم النافع وبالإصلاح والتربية.
أنا عملت ثلاث محاضرات للمرأة؛ المحاضرة الأولى: "كيف تتفقه المرأة في دينها؟" ذكرت جواباً مفصلاً عن هذا السؤال في ساعة ونصف، ومحاضرة أخرى: "امرأة مسلمة على بينة من ربها"، والمحاضرة الثالثة عن القرآن: "اهتداء المرأة بالقرآن". هذه الثلاثة هي التي سألت عنها، وهناك دورة عملتها قريباً من خمسة وثلاثين محاضرة، كل محاضرة تقريباً من عشر دقائق إلى نصف ساعة.
اسمع يا بني، إني معلمك؛ هذه الدورة هي ست دورات، الدورة الأولى عن القرآن، يعني خلاصة الإسلام أو صبغة الإسلام التي ينبغي أن تعلمها ولدك على مرور الأيام من المعاني. وبعد ذلك عندنا مختصر البخاري، ومختصر تفسير القرآن، وسنن، وبعض الأمور الخاصة بالنجاح والفلاح من الكتاب والسنة. لو الأخت الكريمة اشتركت في الدورة، أظن تقريبا كانت معنا سبعين ألف مشترك في هذه الدورة، وطبعا بدأت تقريبا أخذنا فيها لحد الدرس العاشر. فممكن إن شاء الله بعد ما تنتهي هذه الدورة، تنتهي بعد شهر، إن شاء الله تدخل فيها الأخت الكريمة إذا أرادت.
لكن باختصار أهم ما تفهمه المرأة: تتعلم ما بني عليه الإسلام، الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج، وكذلك الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والذنوب، تعرف أصناف الذنوب التي هي الكبائر والصغائر وتعرف منازل ذلك. هذه الثلاث في رأيي أعظم ما ينبغي أن يهتم به المسلم: الباب الذي هو الإيمان، والثاني الإسلام الذي هو فيه الفقه؛ الصلاة والطهارة والزكاة والحج، أي الفقه والأحكام، مثل الزواج والطلاق وكل الأحكام التي تخص المرأة، وكذلك الأخير الذي هو الذنوب أن تتعرف على الذنوب حتى لا تقع فيها وأن تتعرف على مراتبها، في رأيي أولى الواجبات.
تفضل يا شيخي، في سؤال جيد ذكرتموه بالأمس، وذكرتم أن الطالب النجيب هو الذي يسأل الشيخ ويحاول أن يستخرج منه مكنون كلامه ونحو هذا من المعنى. بعض الناس يقولون نحن نستمع فقط إلى الأستاذ، نحن نحسن الإنصات ولكن لا نحسن السؤال، فهل هذا طبيعي؟
أسئلة اليوم جميلة، شكلكم متغديين حلو اليوم. الأسئلة جميلة وأسئلة تطبيقية، وأنا أحب جداً مثل هذه الأسئلة التي ينوي بها السائل العمل. أنت لا بد أن تتعلم مهارة الاستخراج من المعلم، وفي فرق بين الاستخراج والسؤال. أنا لم أقل لك إنك أنت يجب أن تسأل المعلم، لا؛ أنت يمكن أن تفتح للمعلم مجالاً ليخرج ما عنده، وهذه صراحة ممكن نعمل لها محاضرة، أي فنيات أو مهارات.
فكرة أنك أول شيء تحتاج أن تكون عالماً بالمعلم وبخير ما عند المعلم. مثال: كنا نحضر درس للشيخ محمد عمرو عبد اللطيف عليه رحمة الله، فكان بعض الشباب مثلاً يستنزف الوقت أنه يسأل الشيخ عن الفتاوى، خطأ تماماً؛ لا الشيخ رجل مفتي ولا تخصصه الفقه، ولا الشيخ سيجيبك، وحتى لو أجابك سيجيبك إجابة ليست تامة. خلينا نجيب شيئاً أعمق، بعض الناس كان يسأل الشيخ في مصطلح الحديث، يقول له ما الفرق بين تعريف السيوطي للحديث الصحيح وتعريف ابن الصلاح، خطأ برضو. الشيخ ليس هذا بابه، الشيخ كان متخصصاً في جزئية محددة: علم الرجال وعلم العلل. حلو كذا؟ تمام، نحن نضيق الدائرة، فلما نسأل الشيخ نسأله في هذا.
واحد ثاني يقول طب جميل حلو قوي، طب أنا بقى سأقول للشيخ ما رأيك في أبي إسحاق السبيعي؟ خطأ برضو، خلِ السؤال منهجياً، قل له يا شيخ كيف نحكم على الراوي؟ ما هي أهم المصنفات التي يجمع فيها الكلام عن الراوي؟ تمام، ما الفرق من وجهة نظرك بين طريقة البخاري في نقد الرواة وطريقة أبي حاتم الرازي؟ وهكذا، كيف نتعامل مع الراوي المدلس؟ لاحظ كلما كان سؤالك عن القاعدة كان أنفع من السؤال الجزئي، وكلما كان سؤالك عن الوسيلة كان أهم من السؤال عن النتيجة. ما تجئ تقول لي مثلاً ما رأيك في الأعمش؟ لا، قل لي كيف نحكم على الأعمش. حلو كذا الفكرة دي؟
هذا أمر مهم، وطبعاً فيه أمر مهم عند الطالب أحياناً الخجل، أحياناً الطالب لا يفهم المعلومة ومع ذلك لا يسأل عنها. كان عندنا صنفان من الخطأ: فيه واحد أول ما يستمع إلى المعلومة يبادر بالسؤال عنها، هذا خطأ؛ لا بد أن يتدبرها. والصنف الآخر هو الذي يخجل عن السؤال، وإنما الصواب أنك تتدبر المعلومة وتفكر فيها وتحاول أن تصل إلى حلها، فإذا لم تجد تسأل عنها. في عندنا إن شاء الله نبقى نعمل درساً عن كيف أحضر الدرس وماذا بعد الدرس. إن شاء الله، طيب أكمل. ما شاء الله الله يفتح عليكم.
يا شيخي السؤال يقول: كيف لطالب العلم أن ينشر علمه أو ما تعلمه بين الناس؟ وهل هذا واجب عليه أصلاً؟ وبعض الناس عندما يأمر طالب العلم مثلاً بشيء قد تعلمه يقول له أنت لا تفعل هذا فكيف تأمرنا؟ جميل، جميل، هذا أيضاً سؤال حسن. شوفوا يا شباب، أنا نصيحتي لك إذا ضحك عليك الشيطان من هذا الباب وقال لك تعلم على سبيل النجاة ولا تفكر في الدعوة والتعليم، لا تظنن خيراً بهذا الوسواس؛ لأن هذا الوسواس خلاصته ببساطة أنك ستترك العلم يوماً ما.
لماذا يا شباب؟ لأن النية والنيات والإرادات أثناء الدرس مؤثرة في الدرس جداً، ليس في الثواب فقط، ولكن في طريقة الدرس. أضرب لك مثالاً؛ تصور أننا مثلاً اجتمعنا لنتدارس كتاب "درء تعارض العقل والنقل"، ومعنا مثلاً أسامة ومحمد حميدو والطالبة فاطمة والطالب عبد الرؤوف والطالبة أسماء والطالب محمد صادق الغفاري، نتدارس هذه المعلومات. تصور شخصاً من هؤلاء الذين ذكرت أسماءهم وضع في نيته أن يعلم هذا الكتاب، وشخصاً آخر قال والله أنا أريد فقط أن أفهم ابن تيمية ماذا يريد أن يقول، هل يستويان في الاستماع وتقييد الفوائد وضبط الدرس؟ لا.
أنا هنا لم أتكلم عن الدعوة الآن، لم يدخلوا في الدعوة والتعليم، مجرد حضورك للدرس وأنت لا تنوي أن تدرس هذه المعلومات هذا يضعف تلقيك للدرس. افهم هذا جيداً، هذا قبل أن أذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر خير مثال للمنتفعين بسنته: «وذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثت به من الهدى والعلم فعلم وعلم». فلماذا لا تطلب المعالي؟ هل معنى ذلك يا شباب أن أقول كل الناس يجب أن يكونوا دعاة على المنابر أو لهم صفحات؟ أبداً أبداً. أنا أكلمك هنا من ناحية احترافية، لا تجلس إلى درس وأنت لا تنوي أن تعلمه، نفس هذه النية تُثاب عليها، ثانياً تجعلك تركز، ثالثاً تجعلك تسأل عما أشكل عليك، رابعاً تجعلك تلخص وتضبط.
واحد يقول طيب هل معنى كذا أنني أول ما أتعلم أعلم؟ بالعكس، هذا ما أحذر منه. أنا كثيراً ما أؤكد على هذا المعنى يا شباب: اصبر على نفسك، واحمد الله تبارك وتعالى أن الساحة فيها بعض طلاب العلم يسدون عنك هذه الثغرة. قبل أيام قابلت شابين عندهم عشرين سنة يقول لك إحنا عاملين أكاديمية، أنت يا بني لسه الحمد لله سنك صغير، وعندك موهبة ومهارة وعندك وقت، لماذا تتعجل؟ والحمد لله البرامج مليانة ولله الحمد، لماذا تتعجل على نفسك؟ اصبر على نفسك، أنت الآن في مرحلة التكوين والإعداد، فإذا كان عندك إرادة للتعليم فأعد لها من الآن، بقدر اتساع القاعدة وعمقها تكون ثمرتها إن شاء الله.
لكن بقى في تتمة السؤال، سأل السائل طيب واحد يقول طب أنت نفسك لا تفعل؟ ولماذا أنت لا تفعل؟ حاول أنك تعمل بما تدعو إليه. ليس معنى ذلك أنك تفعل كل ما تدعو إليه، لا، هذا ليس صحيحاً، ولكن أن تجاهد نفسك عليه. طيب، أكمل الله يحسن إليكم.
يا شيخنا، في أسئلة كثيرة جداً جداً جداً بالذات من طلبة كلية الطب، وهو كيف نوفق بين الكلية وبين البناء المنهجي وبين أعمال تطوعية مطلوبة علينا في الكلية؟ وهناك من يشتغل في مهنة الطب يسأل كذلك.
أول حاجة يا شباب، أنا الحمد لله لي شباب كثيرة درست لهم على مدى عشرين عاماً وتدرست معهم وكانوا في كلية الطب. نحن كإنسان يكون عنده وهم معين، ما هو؟ أنه يظن أنه في أمر ليس عند الناس، يعني عنده مشكلة وعنده ابتلاءات وعنده صعوبات ليست عند الناس، هذا ليس صحيحاً يا شباب. كل إنسان في هذه الدنيا عنده ابتلاءاته الخاصة. أنا مثلاً كنت في دبي والطلاب نخرج من الدورة، كل واحد فيهم عنده سيارة أحدث موديل، فأنا الصراحة انزعجت بهذا الأمر، يكون ولد عنده سبعة عشر سنة ولا ثمانية عشر سنة عنده سيارة كذا وكذا. فالطالب قال لي باللفظ: قال يا شيخ، إن كان أنتم عندكم في مصر مشكلة الفقر تصد الطالب، نحن عندنا مشكلة الترف، وكلما أروح عند شخص في أي بلد يقول لي خد بالك يا شيخ الفتن التي عندنا غير أي فتن.
أبداً، كل واحد متوهم. هذا أول جواب عن سؤالك: لا تتوهم أن ما أنت فيه من الجامعة أو الكلية صنف من الابتلاء ليس عند الناس، لا، أنت عادي، أنت في شيء يتطلب منك مجهود، زي ما العامل بيتعب في الشغل، وزي ما ربة المنزل تتعب وهكذا، فأنت لست وحدك في هذا. الفكرة الثانية العملية: كيف أفعل وأنا عندي وقت؟ أول شيء يا شباب أن ما دخل وقته وجب عمله، خليك ذكي؛ الامتحانات قربت يبقى خلاص أركز في الامتحانات، ما تجئ تترك امتحانات الجامعة عشان تقول لي أنا في البناء المنهجي، لا، نحن مطلوب منك أن هذا يكون برنامجاً مع المهام العادية معك.
أيضاً من الأمور المهمة، ودي نصيحتي لك، تخلص من لصوص الوقت، وأنا على يقين أنك إذا كنت حازماً قوياً صارماً فيما تبقى لك من الوقت أن الله سبحانه وتعالى سيبارك لك في الوقت. معنى ذلك قلل، واحد والله لي شاب من الذين يدرسون معي ليس عنده فيسبوك ولا حاجة، والله هذا الشاب ترجم القرآن الكريم كاملاً إلى لغته، ويترجم كتاب التفسير، وعمل إنجازات والله جبارة بفضل الله. قل أنا إيش الذي جعلني أفتح الفيسبوك؟ أنا الحمد لله عندي الدروس وعندي البرامج، خلاص. فبضرب لك مثالاً على أن شخصاً نجح في أن يستخرج من يومه ما كان يضيع وقته.
نحن عندنا أمران: الأمر الأول الجد في استثمار الوقت وحسن استثمار الوقت، والأمر الثاني أغلق عليك ما يضيع وقتك. لكن هل يمكن أن تجمع بين البناء المنهجي والطب؟ طبعاً يمكن، سيد الضبط والعمل. أنت متصور أن أنت مثلاً ما تتعبش؟ أنا في طلاب معي يشتغل في السوق يحمل الأغراض ويشيل للناس ويتعب، ويطلع عينه طول النهار، والله بيدرس وبيحضر الدرس وهو عيناه تغلقان، وبرضه بيجاهد نفسه. فكل واحد له تعبه، وكذلك امرأة ربة منزل، هي ما شاء الله عليها، رغم أن عندها بيتاً وزوجاً ومسؤولية وأولاداً، ومع ذلك تدرس، فاستعن بالله سبحانه وتعالى، وكما قلت لك الوقت بركة وليس مجرد ساعات. ماشي، تفضل الله يحسن إليكم.
شيخنا، في سؤال عن ترويح طالب العلم عن نفسه، كيف يعرف طالب العلم أنه يجب أن يروح عن نفسه؟ وكم مرة ممكن أن يروح عن نفسه؟ وسبل الترويح.
هو بداية أنت خلينا نفهم كلمة الترويح عن النفس، الترويح عن النفس يا شباب معناه أنني مثلاً بحاجة إلى ترفيه. السؤال أو في رأيي الأفضل أنك تقول كيف أقلل حاجتي للترويح عن النفس؟ ليه يا شباب؟ لأن الترويح عن النفس معناه أنك مخنوق أو متضايق مما تفعل، فأنت تطلب أن تغير هذا الجو. واحد يقول لي أيوه ما الإنسان محتاج كذا، أنا قلت لك عادي، ما نحن الشباب عادي، ممكن لو بنذاكر في اليوم عشر ساعات بنلعب كورة، بننزل البحر وهكذا، بالعكس أنا كل الشباب الذين يحضرون معنا الدروس يقولون ما شفناش حد بيسالينا وبيدلعنا زي ما أنت بتعمل، الدلع والمزاح في الدرس وكل هذا جميل.
ولكن يا شباب خذ هذه قاعدة من أخيك: إذا كثرت حاجتك إلى المباحات وإلى الترفيه عن النفس هذا خطر كبير، خطر كبير أنك تكون بتحتاج كثيراً أن ترفه عن نفسك. واحد يقول لي يومياً أنا بارفه عن نفسي، أحب ألعب فيديو جيم، واحد يقول لي والله أنا أسبوعياً لازم أعمل إجازة سبعة أيام، فاهم؟ طب أنت.. لا، فافهم هذه الفكرة يا شباب، أنت السؤال الصح: كيف أقلل حاجتي إلى الترويح عن النفس؟ أنا أقول يا شباب..
هذا أصله بعد الدعاء اليقين بقيمة ما تفعل، والله من أقبل على العلم النافع والعمل الصالح، ينزل الله تبارك وتعالى على قلبه سعادة لا يحتاج معها إلى غيرها، وأنا والله على يقين من ذلك. ستكون نفس هذه الدراسة فرحه وهناءه وسعادته. الله سبحانه وتعالى شكور، ومعنى الشكور يعني المجازي، الله سبحانه وتعالى يشكر عبده.
أنت ابقَ في الفترة البداية دي براحتك، إذا وجدت ملل ممكن تلعب ماتش كورة مثلاً، تلعب تنس طاولة، تخرج تتمشى على البحر. وإن كنت أنا عايزك برضه وأنت بتعمل الحاجات دي تكون بتسمع دروس، أنا مش عارف السائل ماذا يريد مني الجواب، بس أرجو أن أكون قدمت له ما أراه جواباً لهذا السؤال وهو: كيف أقلل حاجتي إلى اللهو أو اللعب؟ تفضل.
الله يحسن إليكم، شيخنا في سؤال أظن أنه مهم يقول: هل يختبر الله عز وجل طالب العلم بنية ليميز صدق نيته وصلاحها لطلب العلم؟ وهل عندما يبدأ طالب العلم يجب أن تكون نيته صحيحة لكي يبدأ؟
في مشكلة يا شباب، كلمة طالب العلم دي أنا وددت أن أضعها في سياق. يا شباب أنت مسلم في الأول والآخر، أنت مسلم ممتحن، كل مسلم ومسلمة ممتحن ومفتتن. والأنبياء أنفسهم الله سبحانه وتعالى فتنهم: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]، ولقد فتنا سليمان، وظن داوود أن ما فتناه، والله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما بعثتك لأبتليك ولأبتلي بك. فكل إنسان ممتحن ومفتتن ومختبر من الله سبحانه وتعالى، لماذا تتصور أن طالب العلم هذا شيء خاص؟ هو مسلم في الأول والآخر، لكن أصناف الفتن مختلفة؛ واحد مثلاً عنده فتنة بالكسل، واحد عنده فتنة في النساء، واحدة عندها فتنة في الحسد، شخص عنده فتنة في الرغي، شخص عنده فتنة في الغيبة يقع في أعراض الناس. فالإنسان يجب أن يعرض نفسه على القرآن والسنة ويتصبر، قانون النجاح يا شباب: من يتصبر يصبره الله.
هذه الكلمة اكتبها أمامك: من يتصبر يصبره الله. أنا مش عايزك تصعب على نفسك الأمر، أنت في الأول والآخر مسلم وفي الأول والآخر إنسان فيك ضعف، والله سبحانه وتعالى غفور رحيم. فلا تقسُ على نفسك، فما دمت تجاهد وتتجنب الأسباب التي تقع في المعصية وتأخذ بالأسباب التي تعينك على هدفك فهذا جميل. وإن إرادة تتعثر في طريق الخير أفضل من عزيمة استحكمت في ترك طريق الخير، يبقى اثبت رغم كل شيء، اثبت لا تكن ضعيفاً.
السؤال الثاني النيات، يا شباب النيات هذه مهارة من المهارات، النية مهارة تتعلم وتكتسب، والإنسان تأتيه النيات مع كثرة الدراسة والإخلاص. أنت مثلاً كنت في الأول تتعلم فقط لترفع الجهل عن نفسك، بعد ذلك تتعلم لتعلم غيرك، تتعلم لتعمل، تتعلم لتبث الخير في الناس، فهذه النيات تأتي، ولكن سل الله سبحانه وتعالى الهداية والسداد.
هل هناك مستوى محدد يجب لطالب العلم أن يتوقف عنده؟ الموضوع مفتوح مثلاً ما لا يسع المسلم جهله؟
ده سؤال آخر، أول شيء في البداية يا شباب لازم تفهم أن الله سبحانه وتعالى خلقك لتتعلم. لو أنا أريد منك واجباً، اجمع كلمة لتعلموا أو ما يتكلم عن العلم من القرآن ستجد هي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19]. فالإنسان يعيش ليتعلم، فأنا لا أحب منك أن تدخل في طلب العلم بهذه الطريقة أنك تقول فقط أنا عايز أعرف الحاجة التي أمشي بها في حياتي، لا تكلم وقل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. أنت لماذا توهم نفسك أنك لست من طلبة العلم؟ ومن تعلم آية وعمل بها خير وبركة، لكن أنت لماذا تتصور فكرة متى أنتهي من طلب العلم؟ طلب العلم لا ينتهي، بل بالعكس كلما تدخل في علم تكتشف أن ما خفي عليك منه أعظم بكثير مما ظهر لك منه. فاطلب العلم طالما عندك فرصة.
في شخص يقول لي أنا درست كتاب ما لا يسع المسلم جهله، وبعدين قال لي خلاص تمام كده. طيب ما أنت عمال تقضيها في المباريات والأفلام والمسلسلات، ما أنت عندك وقت يا ابني! ما أنت فاضي، لا تقل خلصت، طول ما عندك فرصة للمزيد من العلم لا تضيعها.
ذكرتم وأنت جالس تتمشى وأنت جالس تسوي رياضة حاول تستمع للدروس، هل هذا كافٍ بدون ما أدوّن الفوائد؟ هل حضور الدروس بلا تقييد فوائد نافع؟
هذا سؤال جميل جداً يدل أنكم تغديتم كويس النهاردة. السؤال ده أنت مش فاهم الفكرة التي أقصدها، الفكرة هي أنك تستثمر الوقت. واحد بيقول طيب ما أنا سمعت المعلومة ونسيتها، غلط، مجرد أنك عرفت المعلومة هذا مطلب جميل جداً. أنا ممكن أستمع لقصائد، أو أستمع إلى سورة أو أراجعها، أو أستمع إلى درس من الدروس الميسرة. افرض أنا عن نفسي، لو أنا بجري وسمعت معلومة معينة حاسس أنها لازم تتكتب، ممكن أروح أستلف ورقة وقلم وأكتبها، لكن أنا أتكلم عن أنك تستغل الوقت في موعظة، أو قصة في السيرة، أو شعر أنت تحفظه، المهم أن تستغل الوقت.
واحد بيقول أنا ممكن لو حضرت درس من غير تقييد الفوائد أنتفع، أكيد ستنتفع، لكن إذا مرت بك معلومة وشعرت أنك يجب أن تكتبها اكتبها. لا تضع التفاصيل الدقيقة في الشيء، ابدأ وجرّب أن تستغل كل لحظة من حياتك في الاستماع أو في القراءة أو في المدارسة. أنت مثلاً راكب مواصلات، فتبدأ تفتح موضوع مع الذي جنبك وتتدارس، والله هذا خير ما يكون لأن الوقت كده كده سيضيع، أنت حاول تستثمره فيما ينفع.
ذكرتم بالأمس أن الإنسان يستطيع أن يعرف معدنه من خلال أن يرى حجم الاستفادة التي من قراءتي لكلامي، هل لو لم ير أثراً على خلقه هل هذا معناه أن معدنه سيء؟
لا، هذا معناه ممكن يكون ضعيف الهمة. لكن أنا أتكلم هنا عن إرادة العمل، إذا لم تجد في نفسك إرادة للعمل بخير ما تتعلم، فهذا يدل أن هذا المعدن ليس طيباً، لكن يبقى بعد ذلك التنفيذ. اضرب لك مثالاً، النهاردة تكلمنا عن قيام الليل، كل من خطر بباله هذا العمل وفكر فيه ونوى أن يبادر به الليلة، أرجو أن معدنه طيب وإن لم يقم، فهذه اسمها العزيمة على الرشد. جاء في حديث صححه بعض أهل العلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نسألك العزيمة على الرشد، والثبات في الأمر»، العزيمة على الرشد يعني بمجرد أن تستمع خيراً تنوي أن تفعله، وإن كنت بعد ذلك قد تقصر فيه أو لا تواظب عليه. فكل من سمع خيراً ولم يفرح به ولم ينوي أن يعمل به، يصعب أن يكون معدنه طيباً.
كيف يطبق الإنسان ما يتعلمه في نفسه؟ أقرأ أو أجلس في مجالس التزكية ولكن لا أرى أن نفسي تزكو أو أني لا أستطيع العمل؟
هي في أشياء أنت لا تعرف تقيسها، والتزكية كلمة عامة، ربنا سبحانه وتعالى ذكر النفس الزكية، هي النفس التي تعمل الصالحات. قياس هذا الأمر عادي جداً؛ أنا عرفت أن الله سبحانه وتعالى نهى عن إطلاق البصر، وأمر بالبر والعدل والإحسان، ونهى عن الحسد، فإذا كنت أنا أحب ما أمر الله به وأجاهد نفسي عليه، وأترك أو أجاهد نفسي في ترك ما لا يرضي الله، يبقى أنا خلاص نفسي زكية أو قابلة للتزكية. الكلمة الأساسية هي المجاهدة، مجاهدة النفس على ما يرضي الله وترك ما لا يرضي الله.
كانت هذه أبرز الأسئلة، هل هناك نصيحة أخيرة؟
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. هذه الآية يا شباب اجعلها في قلبك، الله سبحانه وتعالى بين لك أمراً، أنك بقدر ما تتقي ربك يجعل لك فرقاناً، يجعل لك نوراً، يجعل لك هداية. طلب العلم وسيلة وسبيل، أنت لازم تفهم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم، وهو الذي يفقه، وهو الذي يهدي، وهو الذي يسدد.
الله سبحانه وتعالى ذكر لك مفاتيح لنيل هداه وتسديده، من ضمن هذه المفاتيح نية الخير، اقصد الخير، انوِ خيراً، وكذلك تقوى الله، اجتهد في طاعة الله. طريق العلم يا شباب لا يصلح فيه اللف والدوران والتزين والتكلف والتجمل للناس والرياء، الطريق فيه صدق وفيه إخلاص. ما معنى الإخلاص أولاً؟ الإخلاص إرادة وجه الله، والصدق أن تتحرك لما تطلب. كذلك الحكمة، تكون عاقلاً، تعرف ماذا تطلب؟ ومن أي كتاب تطلب؟ وكيف تطلب؟ وما هي الدروس المهمة والكتب المهمة؟ وكيف أضبط؟ كل هذا سيأتيك بالشروع في الطريق، وأنت واقف برة على الشط تقول يا ترى الماية ساقعة! الماية باردة! سأعرف أعوم! ادخل جرّب، استعن بالله، التجربة، كثيراً ما أذكر بيت المتنبي: كن في اصطناعي محسناً كمجربٍ ... يد لك تقريب الجواد وشدّهُ إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعدّهُ وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجادُ
بالتجربة ستكتشف مواهبك وتكتشف نقصك، تنمي مواهبك وتعالج نقصك. ابدأ واستعن بالله تبارك وتعالى، وربك معك، وأكثر من الدعاء. كل ما تفتح الكتاب قل: يا رب، اللهم اهدني وسددني، يا رب انفعني بهذا العلم، إذا ذهبت لتستمع إلى درس قل: يا رب انفعني بخير ما أتعلم، وأهدِ المعلم. كذلك اعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك أن وفقك لهذا الباب، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. وشكر نعمة الله والاعتراف بها وتقديرها واستعمالها فيما يرضي الله، إياك أن تستعمل المعلومة في التكبر على الناس أو البغي على الناس، إياك أن تستعمل معلومة لحظ نفسك، إياك أن يكون قصدك أن تكون مشهوراً أو أن تضرب بك الأمثال، خلص علمك من حظوظ نفسك ينفعك الله تبارك وتعالى بالعلم.
آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، بارك الله فيكم يا شباب، وأسأل الله أن تكون بداية مباركة لكم، وأنا أدعو لكم كثيراً وأقدر ما أنتم عليه من الخير والهدى، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغكم من الخير ما يرضى به تبارك وتعالى عنكم، وإن شاء الله سيكون لنا لقاءات أخرى كثيرة.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق