حين يعود للذاكرة ويفتش في نعم الله تبارك وتعالى عليه، فإني واثق أن من أجل نعم الله تبارك وتعالى عليه ومن أعظمها؛ منة تبارك وتعالى عليّ أن حببني في مسألة القراءة. وعندما أعود بالذاكرة إلى المدخل الذي أفضى بي إلى محبة القراءة، فإني واجد أن من الكتب العظيمة التي أثرت في أبناء جيلي وخلقت علاقة ودودة جداً بالكتاب، كان بعنوان: صور من حياة الصحابة للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا عليه رحمة الله تبارك وتعالى. وكان هذا الكتاب يوزع علينا ونحن أبناء المرحلة المتوسطة كمادة رديفة موازية لمادة القراءة والمطالعة. قال عنه: كان حجم الانتفاع بالتعلق بالكتاب كبيراً، وكان حجم الانتفاع بالتعلق بجيل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك كبيراً.
في ظل هذا الكتاب نشأت علاقة شديدة الود مع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الإنسان يستشعر وهو يطالع كلمات عبد الرحمن رأفت الباشا عليه رحمة الله تبارك وتعالى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعظمتهم، بجلالهم، من فضائلهم، وكان مع كل حرف وكلمة تزداد أواصر المحبة تنعقد في القلب لصحابة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه بالمناسبة سنة سلفية كريمة؛ الإمام مالك بن أنس عليه رحمة الله وتعالى يقول: كانوا يعلموننا حب أبي بكر وعمر كما يعلموننا السورة من القرآن. فأحد المكونات في العملية التربوية السنية هي تربية النشء على محبة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد ذلك أفضى الإنسان إلى مطالعة تفصيلية متعلقة بسير صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الإنسان فعلاً يستشعر عظمة ذلك الجيل الرباني الذي رباه الله تبارك وتعالى على هذه الفضائل ورباهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كان بالنسبة لي من أكثر المشاهد إبهاراً في جيل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حين وقعت لحظة الارتطام الأولى بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الفارسية والرومانية، أن ما حصل عند صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس نوعاً من الانبهار الذي جعلهم يذوبون في المعطى الحضاري لحضارة فارس والروم. يعني لما يريد الإنسان أن يعقد المقارنة بين طبيعة المدينة النبوية بعفويتها وبساطتها، وبين القصر الأبيض عند فارس أو القصور عند الروم، ويعقد مقارنة بين طبيعة الحضارة المادية بين مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وكلتا الحضارتين، فلا شك أن المعطيات الحضارية المادية المتعلقة بفارس والروم تعتبر متقدمة جداً جداً بالمقارنة مع المدينة النبوية في تلك اللحظة.
يعني خذوا هذه اللقطة التاريخية التي يسمع الإنسان دوي عبارات ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه حين حصلت لحظة التماس المباشرة بين الصحابة وبين الحضارة الفارسية في معركة القادسية. رستم يجمع حوله حشمه، يهيئ المجلس على هيئة من البهرجة ليوقع في نفس ربعي بن عامر استشعار الفرق الحضاري بين الأمتين. يدخل ربعي بن عامر مجلسه بأسيافه البالية، بثوبه المرقع، يسأله رستم ويطرح عليه سؤال: ما الذي أخرجكم؟ ما الذي أخرجكم أيها العرب من جزيرة العرب؟ يا من كنتم تأكلون الجعلان، إيش اللي أخرجكم؟ العرب! يقول له ربعي بن عامر معتزاً بالقيم الشرعية: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
لما يشاهد الإنسان هذه اللقطة ويعقد المقارنة بين الطرفين على مستوى الماديات؛ يعني لو قدر الإنسان يستطيع مشاهدة ذلك المشهد عن طريق التلفاز وخفض الصوت لئلا يدرك طبيعة الحوار الدائر بين الطرفين، فلا شك أنه سينظر بعين الإكبار إلى طرف رستم وفارس، وسينظر بعين الازدراء والاحتقار إلى الطرف الإسلامي. ارفع الصوت، اسمع الكلمات، تجد أن موازين القوى تتبدل جذرياً. كان دائماً يلح عليه السؤال: ما الذي ولد هذه الحالة عند صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ما هو المعنى الذي انعقد في نفوس الصحابة حتى لما وقعت لحظة التماس الحضاري بين الطرفين لم نجد منهم ذوباناً في المعطيات الحضارية للآخر؟
وحتى يدرك الإنسان هذه المسألة، ترى عندنا لقطات كثيرة جداً تعبر عن حالة من حالات الفرق الحضاري المادي بين الطرفين. يعني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها لما شاهدت المناخل لما استجلبت من أرض الشام، كانت تقول واصفة شأنها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما كنا ندري قضية الطحين الأبيض هذا، ما كنا نعرفه، كنا نأخذ البر نلقيه في الهواء، فالقشر كما يقال الذي يذهب يذهب، والذي يبقى يعجن ويخبز. يعني الفرق كبير جداً. هذا السؤال كان يلح عليّ دائماً وأنا أقرأ هذه اللقطات العجيبة من مواقف الصحابة وهي كثيرة بالمناسبة جداً.
وكان دائماً يلح عليّ سؤال: لماذا نجد من أبناء المسلمين اليوم عندهم حالة من حالات الانبهار الحقيقي بمعطى حضاري للغرب؟ وعندنا حالة من حالات القابلية الكبيرة لإعادة ترتيب المنظومة العقدية والدينية والشرعية لتتوافق مع المعطيات الحضارية الغربية؟ لماذا نجد من أبناء المسلمين اليوم حالة من حالات الحرج مع كثير من المقررات الشرعية؟ لماذا حالة الحرج التي تعصف بأبناء المسلمين اليوم في ظل هيمنة النموذج الثقافي الغربي ما كانت حاضرة عند صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ عندما وقعت لحظة التماس -يعني أنا استطيع أني أبهَر أو استطيع أن أتفهم انبهار الصحابة بالقيم الشرعية لمكانة نبيهم وفي مدينتهم- لكن لما حصل الانتقال إلى ذلك الفضاء الآخر، ليش ما وقع من بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم نوع من الانبهار بالمعطى الحضاري الفارسي أو الرومي بحيث قالوا: لعل النص الشرعي يحتاج إلى إعادة قراءة، لعلنا نحتاج إلى قراءة تأويلية حديثة للنص الشرعي، لعلنا نحتاج إلى نظرة مقاصدية للمقررات والأحكام الشرعية؟ لماذا لم تقع هذه القضية؟
وبالمناسبة، هذه الإشكالية -إشكالية الرضوخ للنماذج الثقافية المهيمنة- هي إشكالية الكل كما يقال. يعني الكل في زماننا يشتكي من هيمنة النموذج الثقافي الأمريكي على وجه التحديد، حتى الفرنسيين يتحدثون عن أزمتهم المتعلقة بهذه القضية، حتى اليابانيين يتحدثون عن القضية، ودعاتنا يتحدثون بألم عن واقع كثير من الشباب عندما يجدون منهم نوعاً من أنواع الانبهار بالمعطى الحضاري للآخر، ثم الذوبان في ذلك المعطى الحضاري للآخر، ثم الشعور بنوع من أنواع العيب فيما يتعلق ببعض المقررات وبعض الأحكام القطعية، وهي منطقة الإشكال القائم والحقيقي.
يعني حتى من الأشياء الطريفة عندما يرجع الإنسان للحظة تاريخية سابقة، سيجد أنه كما يقال سنة الله عز وجل ماضية على الأمم، وأن تمثل عبارة ابن خلدون حاضر عند الكل، عندما يقول ابن خلدون: إن الأمة المغلوبة مولعة دائماً بتقليد الغالب. هذه سنة ماضية في أحوال البشرية وأحوال المجتمعات. حتى عندما يرجع الإنسان إلى لحظة العلو الحضاري للأمة المسلمة، ستجد أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى عندهم قابلية كبيرة لإعادة ترتيب منظوماتهم العقدية لتتوافق مع معطيات الحضارة الإسلامية.
يعني من أغرب الالتقاطات التي كنت ألقطها وأنا أقرأ كتاب في بداية الحيارى للإمام ابن القيم، أو الجواب الصحيح للإمام ابن تيمية عليه رحمة الله تبارك وتعالى، هذه اللقطة المعبرة والغريبة والعجيبة والتي لا تجد لها تمثلاً في المشهد العقدي في عالمنا اليوم؛ يحصل مناظرة بين ابن تيمية أو ابن القيم مع أهل الكتاب من اليهود أو من النصارى، ويجري بينهم الحديث والمحاورة في محاولة إقناع الطرف الإسلامي للطرف الكتابي بأن محمد بن عبد الله هو رسول من عند الله وأن الإسلام دين حق، فللعجب وأنا أقرأ، يعترف الطرف الكتابي بأن نبيكم نبي مرسل من عند الله تبارك وتعالى، وأنكم على خير في اتباعه، وأنكم تفضون بإذن الله عز وجل إلى الجنة إن التزمتم بهديه. هذا الكلام لا يقوله الآن ابن تيمية وابن القيم، يقوله الطرف اليهودي، يقوله الطرف النصراني.
يقول: لكن موضع الخلاف بيننا وبينكم أيها المسلمون هو في اعتقادكم أن الرسول مبعوث إلى الناس كافة، ونحن نعتقد أنه نبي أرسل إلى العرب، وأن لكم نبيكم الذي يتعين عليكم اتباعه، ولنا أنبياؤنا الذين نتبعهم. هذه منطقة الفرق العقدي في تلك اللحظة بين الأمة المسلمة وأمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ثم يأتي بطبيعة الحال ابن تيمية وابن القيم في إقناع في المقابل أنكم إن أسلمتم وأقررتم بنبوته، لزمكم الإقرار بأنه قد بعث إلى الناس كافة، لأنه أتى في القرآن ما يدل على ذلك، وأتى في سنته ما يدل على ذلك.
لما يفتش الإنسان في طبيعة الموقف العقلي لأهل الكتاب في عالمنا اليوم، لن يجد من أهل الكتاب من يعترف للنبي صلى الله عليه وسلم بصحة دعوته وصدق رسالته. طيب ما الذي حمل بعض أهل الكتاب بل بتعبير ابن تيمية: فضلاء أهل الكتاب، وهو كثير منهم، إلى الاعتقاد بهذه القضية؟ ما الذي حملهم على إعادة ترتيب منظوماتهم العقدية التي كانت لها موقف سلبي من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، لقناعة بأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى؟ أنا أتصور أن المشاعر التي كانت تعصف بأهل الكتاب في تلك اللحظة؛ أن هذه الأمة العظيمة، هذه الأمة الجليلة، هذه الأمة المتحضرة، يستحيل أنهم يتبعون رجلاً كاذباً، لا شك أن دينهم كما يقال وراءه سنع أكيد، النبي الذي أتى به حق، يستحيل أن هذه الأمة العاقلة الكبيرة الجليلة يتبعون رجلاً كاذباً.
طيب إيش المعالجة؟ نوجد حل وسط ونعيد ترتيب منظوماتنا العقدية، نعترف للرجل هذا بالنبوة والرسالة ولصدق دين الاسلام، لكن نعتقد بعقائدنا في ضوء اعتقاد أنه رسول بعث إلى العرب. طيب ليش لما تبدلت موازين القوى الحضارية ما عدنا نسمع هذا الخطاب من أهل الكتاب في عالم اليوم؟ تجد أن موازين القوى تتبدل وتتغير.
ولذا كان الإنسان يفتش دائماً وهو يقرأ ويطالع في سيرة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو المعامل الإيماني؟ ما هو المكون العقدي؟ ما هو الشيء الذي وجد عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم غائب عند كثير من أبناء المسلمين بحيث لو قطعنا أن نغرس هذه القيمة في نفوسنا، استطعنا أن نخلق حالة من حالات الحصانة من الذوبان في المعطى الحضاري الغربي؟ كيف يستطيع الإنسان أن يحصن نفسه من ضغط هيمنة النموذج الثقافي الغربي؟ ولا شك أننا نعيش اليوم في عالم تغلب عليه الأمزجة الليبرالية، هذه إشكالية حقيقية وإشكالية عميقة.
من خلال المطالعة ومن خلال القراءة في هذا الملف، وجدت المعنى الإيماني العميق الذي وجد عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي السمة المركزية المميزة لجيل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سائر أجيال المسلمين التالية، هو أن حجم اعتزازهم، حجم انقيادهم، حجم إذعانهم، حجم خضوعهم، حجم تسليمهم لله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، كان يمثل مستوى إيمانياً شديداً. كان عندهم قدر عالٍ من تعظيم الوحي، كان عندهم قدر عالٍ من الإذعان والخضوع والتسليم لمعطيات الوحي كتاباً وسنة.
كانوا يعني موقفهم واضح في ضوء التصور السلفي من الله عز وجل الرسالة، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم البيان وعلينا التسليم. كان هذا هو الوظيفة المنهجية التي تصورها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن ذواتهم؛ لأن الله عز وجل عليه أن يرسل رسولاً، على أن هذا الرسول أن يبين لنا، الله تبارك وتعالى الدور المناط بنا نسلمه لهذا الرسول. القضية كانت معادلة لمن يقال، كانت واضحة شديد الوضوح.
خلونا نأخذ سريعاً بعض الالتقاطات المعبرة عن هذه الفكرة عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حتى نقتنع فعلاً بمركزية هذه القضايا في الجيل الأول في جيل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يستيقن أن هذا المكون العقدي هو المكون المميز لصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقارنة بكل أجيال، وهو المكون الذي حصن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من الذوبان في المعطيات الحضارية للأمم السابقة في زمانهم.
خلنا نبدأ بسيد صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أفضلهم، صديقهم، تاج صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. وتبدأ الحكاية بطبيعة الحال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه الله تبارك وتعالى بالإسراء إلى بيت المقدس، المعراج إلى السماء، ثم يعود إلى مكة، يروي حديث عبد الله بن عباس ويروي مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم ومقولاته الأولى، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: عندما أسرِي بي إلى بيت المقدس وعريَ بي إلى السماء وأصبحت بمكة، ففزعت بأمري وعلمت أن الناس مكذبي. ويحكي عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصبح بمكة مهموماً حزيناً.
أنا ما أقصيكم، كلما قرأت هذا الشق من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أتعجب من ردة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الكرامة الإلهية المذهلة التي أجراها الله عز وجل لنبيك؛ يعني كان المظنون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أكرم بهذه النعمة، أُسري به إلى بيت المقدس، صلى بالأنبياء والمرسلين، عُرج به إلى السماء، يقابل الأنبياء والمرسلين، يفضي إلى آبائه إبراهيم وآدم عليه الصلاة والسلام، يحاول أولي العزم من الرسل، يفضي إلى الله تبارك وتعالى مباشرة، يخاطبه الله سبحانه وتعالى، يفرض عليه الصلوات، يرى من آيات ربه الكبرى، كان المتوقع أن مشاعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه النعمة مشاعر فرح، ابتهاج، مشاعر السرور بعظيم منة الله تبارك وتعالى عليها. العلماء أصلاً يتحدثون أن جزءاً من حكمة الله تبارك وتعالى في حدث الإسراء والمعراج هو التسرية والتسلية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد عام الحزن، وبعد أن كذبه أهل الطائف -يتحدثون العلماء، ومع ذلك لكمال شفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالناس، لكمال رحمته بالناس، يعلم أنه رسول الله تبارك وتعالى، وأنه متعين عليه واجب أن يبلغ الناس هذا الخبر المهول الكبير، ويعلم أن الناس سيكذبونه- فرحمة بالناس أصبح مهموماً حزيناً من تكذيبهم له.
يقدر الله تبارك وتعالى على عبده ونبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن أول رجل يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في هذه الحال الهم والحزن أبو جهل، أول رجل يمر على النبي أبو جهل.
العجيب تقول الرواية: قال له أبو جهل كهيئة الساخر به -يعني بيورد عليه سؤالاً، وليس مقصود هذا السؤال نوع من أنواع الجدية في تطلب جواب النبي صلى الله عليه وسلم، لا، قال له كهيئة الساخر به-: يا محمد، هل كان من شيء؟ يعني عندك خبر جديد، في قصة جديدة، في وحي جديد، عندك بين قوسين أكذوبة جديدة؟ تهيئة الساخر.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: أسري بي الليلة إلى بيت المقدس.
كم مل أبو جهل؟ كما يقال الجواب، وقال: وأصبحت بين ظهرانينا؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأسري بي إلى بيت المقدس، ما أبو جهل يكمل الجملة، قال له: وأصبحت بين ظهرانينا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم. قال: يا ابن أخي -ولاحظ الحين تبدل النغمة، لاحظوا خبث أبو جهل، قال في البداية كهيئة الساخر به هل كان من شيء الآن، ويا محمد-: يا ابن أخي، إن جمعت لك قومك تحدثهم بالذي حدثتني به؟ إن جمعتك الآن قريش هل تخبرهم بهذا الخبر اللي أخبرتني إياه؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم.
فبدأ ينادي -طبعا أبو جهل- في قريش: يا معشر قريش، يا معشر كعب بن لؤي، وبدأ يلملمهم ويجمعهم حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال بخبثه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن أخي، حدثهم بالذي حدثتني به. طبعا واضح أن أبو جهل يعني مستشرف لتسجيل نقاط لصالح الكفر في مقابل صالح الإيمان. حدثهم بالذي حدثتني به. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد أسري بي الليلة إلى بيت المقدس. نفس اللي وقع من أبو جهل الجماعة اللي حول النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: وأصبحت بين ظهرانينا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم.
يقول الراوي -تأملوا في اللقطة العجيبة- يقول: فما بين ضارب كفا بكف، وما بين واضع كفيه على رأسه. اللي ضارب كف بكف لسان حاله يقول إيش؟ الله المستعان، واضح أن الرجال جن، الرجال مهوي. واللي واضع كفيه على رأسه يقول الدارجة -ما أدري مستعمل عندكم يا أهل حايل- وضع كفين الوقت يا كبرها من فَلْعَة، يعني كذبة كما يقال لا تطاق، كذبة عظيمة توضع اليدين على الرأس. يقول طبعا الراوي لها تتميم القصة في مجادلة الجَرْف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكرامة الله عز وجل بجملة من المعجزات فارق العادات اللي أجراها الله تبارك وتعالى في تلك اللحظة من اطلاع قريش على تفاصيل ما يتعلق ببيت المقدس، آيات أخر، لكن الشاهد ونحن قصتنا متعلقة بأبي بكر.
وذهب سرعان من الناس إلى أبي بكر، وقالوا له: أما دريت ما يقول صاحبك؟ قال: وما قال؟ قال: يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وأصبح بين ظهرانينا. العجيب في الرواية أن ترى قصة المعراج إلى الحين النبي صلى الله عليه وسلم يبلغني إياها، يعني كل القصة أسري ببيت المقدس وأصبحت بين ظهرانينا، إلى الحين قضية المعراج ما نوقشت، لكن نقلوا الخبر: يزعم أنه أسري به ليلة المقدس وأصبح بين ظهرانينا.
فقال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه عبارة منهجية شديدة التعبير عن روح دين الإسلام، بل شديدة التعبير عن منهج أهل السنة والجماعة. يعني لو أراد الإنسان أهم اقتباس سلفي معبر عن روح منهج أهل السنة والجماعة، أعتقد أن هذه العبارة اللي ينبغي أن تكتب بماء العيون بماء الذهب، هي المعبر الأعمق لهذا الدين، وعن رؤية أهل السنة والجماعة في التعاطي مع النص الشرعي. قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: لئن كان قاله لقد صدق. فقالوا له متعجبين: عجباً يا لك يا أبا بكر! تصدقه في مثل هذا! في عاقل يصدق بمثل هذا الخبر؟ قال: إني أصدقه بأعظم من ذلك، أصدقه بخبر السماء يأتيه في لحظة، أصدقه بأن الوحي يأتي من الله عز وجل إليه في لحظة واحدة.
ترى هذه العبارة اللي أطلقها أبو بكر في شكله الأول شق منهج: لئن كان قاله لقد صدق، هي تعبر عن فكرة أساسية في منهج أهل السنة والجماعة، أن المسلم قصارة تعاطيه مع ما يتعلق بخطاب الله وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم هو ثبوته عن الله ورسوله، ثبت الخبر عن الله عز وجل ورسوله فهو خبر يجب أن يصدق. يعني أبو بكر لو أراد الإنسان أن يفكك ما يتعلق بموقفه العقدي في تلك اللحظة، هو لم يؤمن بحالة الإسراء والمعراج وعلق بهذه الحادثة ليس عن معطيات تتعلق بطبيعة الخبر في حد ذاته بقدر ما يتعلق الخبر بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً وكنتم صادقين في النقل عنه فما يهمني تفاصيل الخبر، اللي يهمني أن هذا الكلام خرج من شفتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذه القضية الأولى، العبارة الثانية تعبر عن فكرة عميقة في منهج أهل السنة والجماعة، وهو عقلانية موقف التسليم. بعض الناس يتوهم أننا لما ندعوه إلى تمام الإذعان والخضوع والتسليم لمعطى الوحي، يتوهم أن هذا موقف مبني على نوع من أنواع الإيمان الأعمى، قفزة إيمانية عمياء ليست موقفاً معبرة عن موقف عقلاني. لا، المعنى معنى شديد العقلانية، أبو بكر يقول لك: إني لأصدقه بأعظم من ذلك وأصدقه بخبر السماء يأتي في لحظة. لسان حال أبو بكر يقول: أنا صدقت أن هذا الرجل من عند رسول من عند الله تبارك وتعالى، وإذا كان الرسول من عند الله تبارك وتعالى فهو متصف بصفة العصمة، عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ضمانة من عدم دخول الخلل في الخبر، أوجه دخول الخلل على الخبر من جهتين؛ إما أن يكون من جهة الوهم والغلط وإما أن يكون من جهة تعمد الكذب. الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوهم والغلط، معصوم من الكذب، وبالتالي كل ما يخرج منه صلى الله عليه وسلم هو حق يجب أن يقبل، فإذا اعتقد الإنسان في ضوء الأدوات العقلية في ضوء الدلالات الشرعية أن محمداً رسول من عند الله عز وجل، فمتعين واجب عليه أن يسلم له.
هذه الروح وهذه الفكرة الأساسية اللي يريد أن يعرضها أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه في هذه العبارات المختصرة. طبعا حتى يدرك الإنسان ضخامة الحدث الإسراء والمعراج من الضروري أن يقرأ هذا الحدث لا في ظل المعطيات الفنية والتقنية للأمة اليوم. يعني الإشكالية لما يقرأ الواحد منا خبر الإسراء والمعراج في ظل وجود الطائرات، في ظل إمكانية الإنسان أن ينتقل من رقعة جغرافية إلى رقعة جغرافية ثم يصبح بين ظهراني أهله في نفس اليوم، ما عاد العقل الإنساني البشري في هذا الزمان يستبعد إمكانية أن ينتقل الإنسان إلى البيت المقدس ويصبح بين ظهرانينا، لكن أن يتعاطى الإنسان مع مثل هذا الخبر في ظل المعطيات الحضارية والفنية والتقنية لأوضاع الناس في ذلك الزمان، حتى يعرف الإنسان لماذا وقع الخبر على قريش بهذا الوقع المهول، إلى درجة وعايشة تحت هذا الخبر العجيب أن ثمة من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ارتد عن الاسلام لما وقع هذا الخبر على مسامعه، حتى يعرف الإنسان جلالة أبي بكر واستحقاقه للقب الذي لقب به على أثر هذا الحدث لقب أو فسمي بالصديق، فسمي بالصديق.
ومدرك عندنا جميعاً أن أجل المقامات الممكنة لنا جميعاً في مقامات الإيمان هي مرتبة الصديقية. أجل المقامات البشرية على الإطلاق أن يصل الإنسان في رتبة أن يكون رسولاً من عند الله عز وجل أو نبياً. طيب، هل يستطيع الإنسان أن يتوصل لمثل هذا المقام عن طريق اجتهاده الذاتي، عن طريق تعبده لله تبارك وتعالى؟ لا يستطيع الوصول، العبد مهما بذل ما في وسعه مؤقتاً لمثل هذه المقامات، هي اصطفاء إلهي. طيب، ما هو المقام اللي يستطيع الإنسان أن يحمل نفسه ويجاهدها على الوصول إليه؟ مقام الصديقين، والرتبة التالية مباشرة. طيب، كيف يفضي الإنسان إلى مقام الصديقية؟ هو بتتميم وتكميل تسليم الله تبارك وتعالى. ابن القيم في منزلة التسليم في مدارج السالكين يتكلم عن هذه الحقيقة، ويعبر بعبارة تربط بين التسليم وبين الصديقية في عبارة جميلة. يقول: وأكمل الناس أكملهم تسليماً. كل ما أردت ترتقي بمنازل الصديقية كمل تسليمك لله تبارك وتعالى.
ننتقل في قصة إلى الصديق بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها. الخبر جميل وطريف، حسن إسناده الشيخ مقبل الوادي، وصحح إسناده الشيخ شعيب، ورواه غير واحد من أهل السنة. النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدينته قبض أو قبض على أسير، دخل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسير إلى حجرة عائشة، ترك الأسير في حجرة عائشة، خاطب النبي عائشة رضي الله عنها وأرضاها وقال لها: يا عائشة، احفظي عليك هذا الأسير، الآن أنا بخرج من دار، أريدك أن تراقبوسي هذا الأسير لئلا يهرب ويفر. خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء بعض الأشغال، خرج النبي كما يقال من هنا دخلت مجموعة من النسوة على عائشة رضي الله عنها وأرضاها من هنا. بدأ حديث النسوة مع بعض، تغافل الأسير هرب وخرج من الدار.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم حجرة عائشة بعد فترة يسألها يقول لها: يا عائشة، أين أسيرك؟ يا عائشة، أين أسيرك؟ وين راح؟ فقالت له رضي الله عنها وأرضاها كما يقال بكل براءة: يا رسول الله، نسوة دخلن عليَّ فلهينني عنه حتى ذهب. الأمر بسيط، ثم يقال دخلوا حريم، سوالف حريم بعدين نسولف وكذا ما انتبهت للموضوع هذا. ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم غضب من تفريطها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم في حال غضبه: مالك، قطع الله يدك! وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً من الدار وطبعا جمع المسلمين طلب الأسير، قبض على الأسير.
عاد النبي صلى الله عليه وسلم بعد مدة داخل على زوجه ناسياً الكلمة التي جرت منه صلى الله عليه وآله وسلم، دخل على عائشة وجد عائشة تمارس ممارسة عجيبة وغريبة جداً في تصرف قاعد تسويه، غريب جداً، إيش قاعد تسوي عائشة رضي الله عنها وأرضاها؟ رافعة كفيها بهذا الشكل وجالسة تسوي تقلب في كفيها، تنظر في الكفين وتقلب فيهما. النبي صلى الله عليه وسلم تعجب من هذا المنظر وقال لها: مالك يا عائشة، أجننت؟ مالك يا عائشة أجننت؟ يعني بدأ يلاحظ أنها تنظر في الكفين، يمكن توقع النبي صلى الله عليه وسلم أن في أمر معين، لكن لاحظ أنه مستمرة في النظر للكفين بطريقة غريبة تقلب فيهما. فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: دعوت عليَّ يا رسول الله، فأنَا أنتظر أن يدي تقطع أولاً. يعني لسان حال عائشة من جنس لسان حال الصديق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، لئن كان قاله لقد صدق، دام النبي صلى الله عليه وسلم قال: قطع الله يدك، فمثل هذا الخطأ -يعني هذا الأمر- لابد أنه سيتحقق.
أنا أتعجب من مواقف الصحابة ومن مزاج عائشة وعقليتها أنه ما تخيلت الموضوع كما يقال في إطار سنن أو قانون مادي حياتي، يعني كنت استطيع أن أتعقل وأتخيل أن الإنسان لو كفئ بمثل هذا الخطاب قطع الله يده كنا نقول موضوع المطبخ ينبغي أن لا يقاربه الإنسان، قضية السكاكين واستعمالها ترى تعتبر بالنسبة للإنسان خط أحمر، لأنه لو أخذت سكين يمكن بالغلط سبحان الله بيقطع شيء معين بالغلط أقطع يدي. أما أن يصل الإنسان في حالة اليقين بهذا المقام الإيماني أن القضية لا ما تستدعي سنة وقانوناً مادياً، لا، أن ممكن أنه تسقط اليد هكذا بخارق للعادة. يعني عائشة لما كانت تنظر يقول لك: فأنَا أنتظر أي يدي تقطع أولاً بامر خارق للعادة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ومطمئناً زوجه داعياً للمؤمنين: اللهم إنّي بشر أسف كما يأسف البشر، يعني يصيبني الغضب الشديد مثل ما يغضب الناس، اللهم أي مسلم سببته أو شتمته أو دعوت عليه فاجعله له كفارة وطهوراً. نسأل الله عز وجل أن أنا قد ينتاب لشعور معين يخرج مني عبارة معينة، فاسألك يا الله أن تقلب هذه العبارة من أن تكون دعوة على ذلك الصحابي بأن تكون دعوة له وكفارة له. هذا موقف كذلك عجيب للصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها.
الموقف الثالث: موقف لأحد كما يقال أغمار الصحابة -اسم لصحابي أزعم وأظن أن في هذا الحج الكبير جمهورنا وأنا منكم قبل قراءة هذه القصة لا أعرف اسمه، لا أعرف اسمه حتى-. الصحابي هذا اسمه معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه، وله موقف أعتبره موقف مذهل في حمل النفس على كمال الإذعان والانقياد والتسليم أمر الله تبارك وتعالى، له موقف مذهل، وأسوأ كما يقال المواقف في مقامات التسليم هو حمل النفس على خلاف كما يقال الأعراف والعادات الاجتماعية، ترى سطوة العرف وخطوة العادة الاجتماعية.
كبيرة جدا على النفس الإنسانية البشرية. كيف يستطيع الإنسان أن يخترق هذه القضية؟ ويحمل نفسه حملاً على التسليم لخبر الله ولخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهما. هذا مقام إيماني رفيع جداً. هذا مقام إيماني رفيع جداً.
خذوا بس يعني هذه اللقطة من حياة معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه. يقول عن نفسه: زوجت أختي رجلاً من المسلمين. فكانت عنده مكانة، ثم وقع تطليقة لم يراجعها فيه حتى انقضت العدة. تخيلتم الموقف؟ الرجل زوج أخته من رجل معين، الرجل هذا ظل زوجة له وفية مدة من الزمن، طلقها تطليقة للزوج حقا يرتجع زوجته في فترة العدة، انقضت العدة بالكلية لم يراجع فيها الزوج، فبانت منه هذه المرأة، وبطبيعة الحال إذا أراد أن يستردها لا بد أن تسترد بعقد جديد. تقول الرواية: ثم إنه هويها وهويتها؛ يعني عادة ما يقال مجال للحب من الطرفين مرة أخرى، الرجل رجع حبه لهذه المرأة والمرأة رجع حبها للزوج إلى قلبها. لما وقعت هذه المحبة من الطرفين، إيش اللي حصل من هذا الرجل؟ يقول الراوي: ثم إنه وضع يده مع الخطاب؛ يعني الفكرة كناية أن يتقدم لخطبة هذه الأخت مرة أخرى. يعني بالله عليكم تخيلوا هذا الموقف وتخيلوا التداعيات والآثار اللي تخلقها هذه الإشكالية الاجتماعية، إشكالية الطلاق، على الأسرة، المجتمع الأسري القريب، على العائلة. يعني بالله عليكم لو علم لو لو أنت ماشي في السوق مثلاً وشاهدت أحد ممن طلق قريبة لك ماضي في السوق المظلوم بك، والوضع الطبيعي أنه لن تروح كما يقال وتقبل عليه مسلما محتفياً كأن الأمور ما تغيرت. أتوقع أن ردة الفعل الطبيعي بيتصدق الإنسان بيحاول يسوي نفسه أنه ما شاف البني آدم ولا كأنه يعرفه.
طيب، تخيل بالله إذا ابتليت أنت بمثل هذا الموقف: أن الرجل تزوج اختك ثم طلقها تطليقاً، يوم من الأيام دجرت البيت، فتحت باب البيت، فوجئت بأن الرجل المطلق طريق زوجتك موجود عند باب البيت. عندك قدر من لا زالت عندك قدر من الأدب، قال: أبغاك في موضوع مهم. قلت: تفضل يا أبو فلان. دخلته المجلس، شاي وقهوة، تفضل إيش الموضوع؟ أنتم يعني ممكن كل المواضيع اللي تتخيلها يفتحها متصورها عدا هذا الموضوع. ففجأة قال لك البني آدم باللهجة كما يقال اللبنانية الدارجة: بدي القرب، بدي القرب، أبغى أتزوج أختك. أتوقع أن اللي سيعصف في ذهنك في تلك اللحظة أنك تضرب أقمش، شو القصة؟ كيف؟ ليش؟ وين؟ جيت يعني القضية عجيبة.
ولذا كانت ردة فعل معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه على هذا الطلب لما تقدم للخطبة مرة أخرى، كانت ردة فعل كما يقال طبيعية، ردة فعل عفوية، ردة فعل بشرية إنسانية، في ظل كل الأعراف الاجتماعية: يا لكع! طبعا يا لكع هي إحدى ألفاظ كما يقال السب العربية: يا لكع! زوجتك بها وأكرمتك، ثم طلقتها والله لا ترجع أبداً! آخر ما عليك يقول لي لكع! تزوجتك بها وأكرمتك ثم طلقتها، والله لا ترجع أبداً، آخر ما إليك. يعني كما يقال مش انسى هذا الموضوع، موضوع الزواج والتقدم والقرابة مرة أخرى، أكرمناك فلم تستحق الإكرام، زين وما تدري إيش اللي حصل بعد ذلك. طرد ولا شيء؟ نقطة، توقف القصّة عند هذا الحدث.
تقول الرواية: ثم إن الله تبارك وتعالى علم حاجته إلى زوجه وحاجتها إلى بعلها، فانزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]. يقول معقل بن يسار: سمعاً لربي وطاعة! ثم دعاه وقال: أزوجك وأكرمك.
إيش حجم الإيمان اللي يحمله هذا الرجل في نفسه بحيث يتجاوز ويدوس على مشاعره دوساً من أجل أن يطبق أمر الله تبارك وتعالى؟ سبحان الله، لما أقرأ رواية الصحابة وقصصهم، يعني كما يقال، تظل القصة يا آخر قطرة في هذه القصة. يعني أنا أقدر أتخيل أنه إنسان مسلم وتمام التسليم والانقياد وأنت والله يعلم وأنتم لا تعلمون، سمعاً لربي وطاعة، أن يسر الله عز وجل أن رجع البني آدم لنا نزوجه ونكرمه. أما موضوع إني لازم أروح ثم دعاه وقال: أزوجك وأكرمك، هذا ترى تجاوز نفسي كبير جداً، يعني كان ليس مأموراً بمثل هذا. هل هو مأمور ويروح ينادي البني آدم يقول له تعال تعال؟ ولا كان كافي أن نزلت الآية القرآنية، إن كان الشخص فطناً بلغت إشاعة، سمع من أحد أنه يقول سمعاً لربه وطاعة، زين ممكن يتقدم مرة أخرى. لكن هو يذهب إلى البني آدم ويدعوه إلى عقد النكاح مرة أخرى! هذا مقام إيماني رفيع. ولاحظ أن تتكلم عن رجل كما يقال من أعراض الصحابة، إحنا ما نعرف من هو معقل بن يسار، ما نعرف على سيرة تفصيلية من جنس سيرتي أبي بكر أو عائشة.
خذوا الموقف الرابع، وموقف يعني كما يقال هو حزمة مواقف، لكن أنتقي منه موقفاً واحداً لاختصار الوقت: كيف كان يتفاعل الصحابة مع مزاح النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ مما يمازحهم النبي صلى الله عليه وسلم، يتابعهم، يداعبهم، كيف كان الصحابة يتفاعلون مع النبي؟ كان بطبيعة الحال يتلقون كل حرف وكلمة تخرج من شفتيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنها حق وهي حق، لكن كانوا يسلمون تسليماً غريباً.
وإذا ذكرنا موقف أبي بكر وعائشة ومعقل، نذكر قصة امرأة عجوز لا نعرف اسمها. يعني ليش أنا أذكر هذا المعنى؟ أن هذه روح سارية عند جمهور صحابة النبي صلى الله عليه واله وسلم، ليس يعني مختصاً بأهل المقامات الدينية الرفيعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لا، هي مقام إيماني كان يمارسه كثير من الصحابة، تستشعر بقدر من العفوية بقدر من البراءة. عجوز تأتي النبي صلى الله عليه واله وسلم، تقول له: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، ادع الله أن يدخلنا الجنة. فيقول لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعي، فإن الجنة لا يدخلها عجز». إيش ردة فعل هذه المرأة؟ أخذت تبكي رضي الله عنها وأرضاها.
أخذت تبكي رضي الله عنها وأرضاها. لما يحل الإنسان ظاهرة بكائها، واضح أنها كانت تبكي لأنها تلقت هذا الخبر النبوي باعتباره صدقاً وحقاً. العجيب في الموقف أنه لم يطرأ منها أدنى صورة من صور الاعتراض. يعني بالله عليكم لو قدر للواحد منا جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأكرمه الله عز وجل بذلك، وخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو عجوز على سبيل المثال: «إن الجنة لا يدخلها عجوز». إيش ردة الفعل الطبيعية التي تتشكل من الواحد منا؟ أتوقع ردود الأفعال الطبيعية بيقول: يا رسول الله هذا ظلم؟ يا رسول الله الله اللي قدر علينا هو اللي أطال في عمري حتى أصير عجوزاً، أنا ما لي ذنب في الموضوع هذا، أنت يا رسول الله لاحظ الإشكال اللي أوقعته علينا حرمت الانتحار، بحيث على الأقل الإنسان إذا قارب أن يصل إلى هذه اللحظة ينتحر على الأقل على أساس يكون عنده إمكانية لدخول الجنة.
لكن محرم الانتحار، وينتظر يعني مجرد فضل الله تبارك وتعالى، هل يقبضه بحيث يكون مستحق لدخول الجنة ولا يترك ليكون عجوزاً يحرم من دخول الجنة؟ يعني هذا الجواب النبوي مو كان المفترض أنه يثير شبهة؟ يصير إشكالا يطرح في نفس الصحابة أمرا، يقول: طيب إيش معنى يا رسول الله؟ يعني متفهمين أن الله عز وجل يؤاخذنا بناء على تقصيرنا في تنفيذ أوامرهم، مقارفة للمعاصي. لكن مجرد أن الله عز وجل هو اللي قدر علي أني أبلغ هذه السن، يكون موجب لعدم دخول الجنة، مو مفروض يطرح هذا السؤال؟ ومع ذلك، اللي حصل من هذه العجوز أنها لم تطرح أدنى إشكال على النبي صلى الله عليه وسلم، ما أوردت سؤالاً! طيب، عدم طرح السؤال والبكاء هو معبر عن شديد تسليمها لله تبارك وتعالى ورسوله. نقص المعنى، أبو بكر كان قال: لقد صدق الله المستعان. طيب، ما هو الخيارات المتاحة بالنسبة إلي؟ أني أبكي في هذه الحياة الدنيا، ليس محرماً علي أني أبكي. بكت رضي الله عنها وأرضاها.
طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم بين جلية الأمر حقيقة وقال كما نعلم جميعاً: «أخبروها بأنها لا تدخلها يومئذ وهي عجوز، إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً». استبان الإشكال، رفع الإشكال، الحمد لله عز وجل. لكن الغريب الموقف وغريب أن يكون هذا الموقف ليس صادراً من أفراد من الصحابة نعرف أسماءهم، لا، امرأة عجوز في الروايات إلى اليوم لا نعرف من هي رضي الله عنها وأرضاها.
طبعاً هذه المواقف كلها تعبر عن مواقف تفصيلية دقيقة لأفراد واحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. إذا ارتقى الإنسان إلى طبيعة المجتمع الإسلامي، نفس الفكرة. المجتمع الإسلامي يعبر عن مجتمع شديد المحافظة، مجتمع مسلم لله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم. يعني نعرف جميعاً مثلاً الأخبار والقصص المتعلقة بالإطار هذا: يأتي تحريم الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]. الآيات في تحريم الخمر: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]؟ انتهينا ربنا انتهينا.
طبعاً اللي يعرف السياق الجاهلي يعرف طبيعة توغل عادة شرب الخمر، ليس عند حتى عرب الجاهلية، حتى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني من القصص والأخبار الطريفة المروية في صحيح الإمام البخاري عن عم النبي صلى الله عليه وسلم حمزة: النبي صلى الله عليه وسلم، كلما تقدم لخطبة ابنته فاطمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أكرمه النبي صلى الله عليه واله وسلم بالقبول. علي بن أبي طالب يقال: يجهز جهاز فاطمة، من ضمن الجهاز ناقتان. فوجئ علي بن أبي طالب في أثناء التجهيز، فوجد الناقتين قد بقرت أسنمتهما وذبحتا والدم تخيل المنظر! يقول علي بن أبي طالب: وصل من حاله فبكيت، بدأت الدموع تنام من عينيا، وأنا أشوف منظر المال كيف ذهب؟ سألت من اللي فعل هذا؟ فقيل: عمك حمزة. وقيل إنه في بيت آل فلان.
راح علي بن أبي طالب إلى حمزة، فوجد حمزة يشرب الخمر سكران، اللي وقع منه وهو سكران ما يدري ما الذي فعله رضي الله عنه وأرضاه قبل تحريم الخمر. طبعا علي النبي صلى الله عليه وسلم يشكو عمه حمزة: ما عرفت ما فعل حمزة، فعل كذا وكذا وكذا. قام النبي صلى الله عليه وسلم مجلس، ذهب إلى تلك الدار، وقف على رأس حمزة رضي الله عنه وأرضاه، قال: «ما فعلت يا حمزة؟». يقول الراوي: فرفع حمزة بصره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان محمر العين من الخمر، يعني من شدة السكر محمر عينيه، وطالع النبي صلى الله عليه وسلم فصعد فيه النظر وخفض النظر، ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ يعني لاحظ اثر السكر برد.
لما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحال، ما في فائدة، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من الدار. أنا أذكر هذه القصة بطبيعة الحال ليس انتقاصاً، لم تكن محرمة، وليس عليه أجر مؤاخذة رضي الله عنه وأرضاه، لكن أتكلم أن هذه العادة لا يتوهم الإنسان أنها عادة لم تكن حاضرة حتى في المجتمع المدني، كانت حاضرة وموجودة، كانوا يشربون بعض الصحابة الخمر، وكانت عادة شديدة اللصوق بالحالة الجاهلية.
ردة فعل الصحابة عندما نزلت هذه الآية ردة فعل مذهلة. يعني يقول الله: فجرت سكك المدينة بالخمر، يدل على كثرة الخمر اللي كان موجود، وأن مباشرة الصحابة تحولت الحال كما يقال رأساً على عقب. أحد الصحابة يصل في الحال يقول: أنا كنت ساقي القوم! لما نزلت الآيات كنت ساقي القوم، فاتت رجل يقول: أنا علمت أن الخمر قد حرمت، وكان يسقيهم الخمر. تخيل الموقف لما يكون الإناء موجود فيه خمر والرجل كما يقال نصف شارب، يعني إلى الحين ممكن إدراك الوعي في رفع الزجاجة تبلغ الآية، فقبل ما يصل الخبر إلى الشفة يروح يسكبها! هذا موقف إيماني رفيع. وأنت لا تتكلم عن أفراد فقط، تتكلم عن الموقف الاجتماعي العام، المجتمع الإسلامي كيف كان يتفاعل ويتغير مع تنزل الآيات القرآنية.
أمهات المؤمنين وزوجات المؤمنين، صحابيات لما نزل آية الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] يعني الآيات المتعلقة بهذا، يقول لك: يعني رحم الله نساء الأنصار، لقد خرجن على رؤوسهن بالسواد، كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية. تحول المجتمع المدني بشكل مباشر تحول مباشر إلى قضية ظاهرة الحجاب، لم تكن حاضرة بهذا الشكل، ثم فوجئت لأن المسألة انقلبت رأساً على عقب في لحظات، في لحظات!
النبي صلى الله عليه وسلم تخيلوا الأخبار العجيبة اللي يحدد جمهور الصحابة، فلا تجد من واحد منهم اعتراض على خبر النبي صلى الله عليه وسلم مع غرابة الخبر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن شأن الدجال: «يلبث في الأرض أربعين يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة» كأسبوع، وساير أيامها كأيامكم. تخيلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث أن الفتر للـأربع وعشرين ساعة ستنمط، ستتجدد لتغطي سنة كاملة! مو بخبر عجيب؟ ما يستدعي يعني الصحابة أنه يسألون: يا رسول الله كيف؟ كيف؟ إيش اللي يحصل؟ يعني سؤال هذه سؤالات أنا أزعم أن كثير من أبناء المسلمين ليست تفوتهم صافية لمثل هذا الحديث النبوي. الصحابة كانت نفوسهم من الصفاء، لم نجد واحد منهم يعترض على هذا الخبر النبوي، قصارى ما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ممن يؤكد على كمال تسليمه.
سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، ذلك اليوم الذي كسل تكفينا فيه صلاة يوم؟ يعني مسلمين القضية متجاوزين مشكلة أربعة وعشرين ساعة، تتحول إلى سنة كاملة، مو بهذي المسألة، المسألة ذلك اليوم اللي مثل سنة، تكفينا في صلاة يوم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، اقدروا له قدره».
هذا المستوى الإيماني الرفيع الذي حققه الصحابة في مقام التسليم سيفرض سؤالاً آخر، وهو ما الذي ولد هذه الحالة الإيمانية الرفيعة؟ هل هو محض الصفاء الإلهي؟ هل هو معنى القذافة التي قذفها الله عز وجل في قلوب الصحابة؟ الذي وجدته من خلال الملاحظة والملاحقة والدراسة، أن المسألة عبارة عن تربية إلهية وتربية نبوية عميقة رسخت هذه القضية في نفوس الصحابة. أنا مع نظرة أجد أن بثها بين الدعاة في غاية الأهمية؛ ينبغي أن نكون أرحم بالناس، نحن أحياناً نطالب الناس بمقامات إيمانية رفيعة جداً.
المستوى التربوي الذي بذل لاستخراج هذه المقامات الإيمانية الممارسة حقيقة، إنه لما يقارن الإنسان بين الدورة التربوية التي مورست على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم التي استخرج من خلالها مثل هذه المقامات الإيمانية، يستطيع الإنسان أن يتعقل لماذا وصل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المقام الرفيع في مقام التسليم والانقياد والاذعان والخضوع لخبر الله عز وجل ولخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم.
لما يستشرف الإنسان هذه القضية، دائماً يقفز للذهن ثلاثة مواقف أساسية أقامها الله عز وجل، وكأنه لم يقمها إلا من أجل تربية الصحابة على هذه القضية؛ على قضية التسليم لله تبارك وتعالى وترسيخ هذه العبودية، ترسيخ هذه القيمة الإيمانية في نفوسهم.
الموقف الأول: موقف الإسراء والمعراج، وطبعاً تحدثت عنه تفصيلاً، والذي يكشف عن أهمية موقف الإسراء والمعراج كحدث ابتلائي في قضية التسليم لرسوله صلى الله عليه واله وسلم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]. المفسرون يقولون: وما جعلنا الرؤية التي أريناك تعني ما أري النبي صلى الله عليه وسلم في إسراه ومعراجه. يعني يكاشفنا الله عز وجل بأن جزءاً من حكمته تبارك وتعالى في الإسراء والمعراج، وما رآه وما أراه الله عز وجل لنبيه من آياته الكبرى، ترى المقصود به الابتلاء والامتحان وجعله فتنة للناس. وفعلاً، بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم صدق وبلغ الذروة إيمانيا؛ أبو بكر الصديق، وبعضهم ممن كان مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل تلك اللحظة خسر وسقط في ذلك الامتحان.
الموقف الثاني: وهو موقف عجيب وموقف يعني قد يلفت النظر بالذات إذا أقبل الإنسان ما يتعلق بها من الآيات القرآنية، هو موقف تحويل القبلة. موقف تحويل القبلة؛ أنا ما أخفيكم لما كنت أقرأ الآيات القرآنية المتعلقة بحدث تحويل القبلة، كانت دائماً هذه الآيات تصيبني بالذهول، تصيبني باستغراب، مو بآدر أفهم طبيعة هذه الآية القرآنية المتعلقة بهذا الحدث. وخلونا نستعرض سريعا ما يتعلق بهذه الآية القرآنية حتى تستشعروا ما استشعرته حين قرأت هذه الآيات. يقول الله عز وجل، أدقق معي في هذه الآية القرآنية، آيات أنا أعتبرها عجيبة وغريبة وآيات استثنائية في القرآن الكريم في مخاطبة الجيل الأول، في حدث في تقييم لا يعبر حقيقة عن مركزية التسليم، ومع ذلك بتلاحظون الآيات تعبر عن روح مختلفة في التعاطي مع هذا الحدث، وفيها نوع من أنواع التهويل لحدث كبير. لما استعرض هذه القضية يعني لا أجد نفسي متفهماً حالة التهويل الموجودة لهذه الآية القرآنية، حتى استكشف الإنسان وجه الجواب على هذا الإشكالية.
خلني أذكر لكم الآيات ونعلق عليها تعليقات يسيرة. يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة في بدء الآيات: يقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. يعني لاحظوا الملاحظة الأولى التي يرصدها الإنسان في الآيات أن في نوع من أنواع التهيئة وتوطئة النفس على استقبال نوع من أنواع الاستشكال، نوع من أنواع الاعتراض: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. يقول الله عز وجل: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. يعني يكاشفنا الله عز وجل بأن القصد من تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المقصود بها الابتلاء واختبار الناس؛ يعلم الله تبارك وتعالى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
لما كنت أقرأ هذا الشق من الآية كنت أتعجب من إيش؟ أقول بصراحة، لو أمرني النبي صلى الله عليه واله وسلم أنا بشكل مباشر أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بأن استقبل هذه القبلة في صلاتي، ثم أمرني صلى الله عليه واله وسلم بأن أتحول إلى هذه القبلة، ما أخفيكم عن المستوى الذاتي الشخصي، لا أجد كبير حرج، ما أحس أنها قضية كبيرة؛ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أفعل هذا الفعل، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتحول هذه الجهة. وأزعم أن نفوس كثير من الموجودين في هذه القضية، ما موب عارف الإنسان ما هي أوجه الاعتراض على هذه القضية؟ أوجه الاعتراض على هذه القضية يعني ثم ما قد يستشكله الإنسان من الأحاديث النبوية من الآيات القرآنية.
لكن حدث تحويل القبلة لأنه كان الصحابة يستقبلون بيت المقدس، ولاحظوا نحن نتحدث عن حادثة كانت النفوس مفترض موطأة لهذه القضية ممهد لها؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144]. إيش كان يقلب؟ كان يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول البيت إلى الكعبة، كان يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا الصحابة مدركين هذه القضية؛ البراء بن عازب كان يتحدث عن هذه القضية أنه كان يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم لو حول إلى قبلة إبراهيم، كان يعني كان المسألة الموقف بالنسبة للصحابة مدرك، ومع ذلك لاحظوا طبيعة المعالجة الإلهية؛ تهيأ للنفوس مما سيقال لكم، يبين الله عز وجل أن هذا الأمر هو ابتلاء وامتحان ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبه في حالة ارتداد عن الإسلام. تحويل القبلة تحس يعني في أحكام شرعية أكبر يعني قد تشكل الإنسان، لكن تحويل القبلة يستدعي هذا المقام الإيماني الرفيع.
تأملوا يقول الله عز وجل: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله. ترى التسليم لهذا المقام الإيماني ترى أمر كبير ولا يوفق للتسليم لهذا المقام الرفيع إلا من هدى الله. تحس الحين إلى الآن أنا أقرأ هذه الآيات والله مو بفاهم القصة، مو فاهم ما هي بواعث هذه الحالة.
طيب يقول الله عز وجل: إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قَبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]. أعدوا معي: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]. الآن بالله عليكم لما يأمر الله عز وجل نبيه ورسوله فولي وجهك شطر المسجد الحرام، أليس هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كافياً في خطاب الأمة؟ يعني إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستقبال القبلة وهو الإمام إمامنا في الدنيا وإامنا في الصلاة، ما بيفهمون الصحابة أنهم مأمورون كذلك باستقبال القبلة؟ لكن الله عز وجل يقول: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قَبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] ولي يعني يا رسول الله يا محمد وجهك. يقول الله عز وجل: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. لاحظ الحين قال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال للأمة اثنين، ثم قال الله عز وجل: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 144-145]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 146-149].
للمرة الثالثة: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149-150]. أربعة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]. خمسة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150].
تلاحظون الآيات تتنزل، ويحس الإنسان مو بفاهم لماذا يؤكد الله عز وجل على ضرورة أن يخشى الله عز وجل وحده، وضرورة أن يتحول إلى القبلة الجديدة: ولا تخشوهم؟ إيش القضية؟ ما هو الموجب لحالة التمنع من قبول هذا الحكم الشرعي؟ إيش الإشكالية الطارئة الموجودة؟ يقول: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً﴾ [البقرة: 150-151] الآيات.
تخيلوا حكم تحويل القبلة استقرء من المصحف الشريف صفحتين تقريبا، صفحتين تقريبا ويكرر الأمر الإلهي: فولي وجهك، فولي وجهك، فولي وجهك، وحيثما كنت فولوا وجوهكم، فولوا وجوهكم. تحس هذا التكرار غريب جدا، هذا التكرار غريب ليس يعني هذا النمط من التشريع الإلهي ليس له نظير في الوحي، يعني حتى الآيات القرآنية اللاحقة لن يجد الإنسان ما يدل على هذه المعالجة الإلهية التي تستدعي حالة من حالات التسليم والانقياد الرهيبة والكبيرة جدا.
الذي حل عندي اللغز أثر لعبد الله بن عباس. الآيات في أثناء قراءة القرآن يستغرب، يفتش الإنسان في كتب التفسير، لما وقفت على كتب التفسير وقفت على الجواب بحمد الله عز وجل. الجواب كما يقال باختصار شديد، عبد الله بن عباس يقول: وكان ذلك أول ما نسخ من القرآن. وكان ذلك أول ما نسخ من القرآن. يعني وين الاشكال الذي طرأ؟ فكرة النسخ ما دخلت بعد في المنظومة الأصولية عند صحابة النبي صلى الله عليه واله وسلم، يعني فكرة تبدل الأحكام الشرعية تدريجاً لحكمة إلهية للاعتبار، هذه القضية لم تكن واردة على الأذهان بتاً. وبالتالي لما حصل تغيير الحكم، طرأت الإشكاليات والشبهات المتعلقة بهذه القضية. سيأتي اليهود الذين ينكرون امتناع وعدم جواز النسخ عن الله عز وجل، سيثيرون إشكاليات وشبهات، أن كما يقال بالعفوية بالدارجة: ليش غير الله عز وجل رأيه؟ هل كان دينكم على باطل ثم حصل الحين على الدين حق؟ لما يكون الإنسان غير مهيأ بأداة استيعاب مبدأ النسخ، ستطرأ حالة الممانعة لتدعي هذه المعالجة المعمقة لهذه الظاهرة.
ولذا من الشبهات الطريفة التي أوردها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ومساءلاتهم التي أوردها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم: سؤال الآن، عندنا بعض الصحابة ممن مات كان يصلي إلى بيت المقدس، طيب ما الذي سيفعل الله عز وجل بصلاته؟ إيش حكم صلاته؟ إيش حكم صلاتنا لما كنا بيت المقدس؟ بالله أنتم هل ترى في بالكم هذه الإشكال؟ يعني لما تحولت الحين القبلة من هذه القبلة إلى هذه القبلة ما هو الانطباع السائد الموجود عندنا في حكم الصلاة؟ التي كانت هي راجحة أن الحمد لله عز وجل حسنة مقبولة، وإذا توجهنا إلى حسنة مقبولة، وأن الله عز وجل كما أخبر تبارك وتعالى: وما كان ليضيع إيمانكم. الصحابة ترى كان عندهم إشكال في هذه القضية. لماذا كان الإشكال طارئاً عند الصحابة في هذه القضية؟ لأن فكرة النسخ مبدأ النسخ لم تكن قضية حاضرة، فاستدعت هذه الحالة الإيمانية.
لكن الشاهد، منطقة الشاهد من حكاية هذه القصة، أن من أجل المواقف التي هيأت نفوس الصحابة لاستقبال الأوامر الإلهية تفصيلاً مثل هذا الحدث العظيم، ولذا أتت هذه الحادثة... لما تأتي للآيات مثلاً التي حرم الله عز وجل فيها الخمر، وهي من الشريعة المنسوخة، إيش الذي حصل في مواقف الصحابة؟ هل استدعت... الله عز وجل يقول: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] انتهوا عن الخمر، وفي الآيات: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: 90] كذا، ووجدنا استقبال الصحابة، إيش الذي حصل؟ حصل منهم قدر عالي من العفوية ومن التلقائية: انتهينا ربنا، انتهينا وسكب الخمور. طيب ليش حصل استجابة تالية؟ لأن مروا بتلك الدورة الإيمانية التربوية العميقة في ذلك المبدأ فيه مثل حادثة تحويل القبلة.
الحادثة الأخيرة وبها نختم محاضرة اليوم، الحادثة الأخيرة حادثة تعبر عن أعمق وأعوص القصص والأخبار الموجودة في سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم، المعبرة عن ترسيخ هذا المبدأ في نفوس صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني أن يستعرض الإنسان كل الحوادث النبوية فدائماً الذي يقفز في ذهني في أعمق المعالجات الشرعية لظاهرة هذه الحادثة، وآآ يعني الذي يستطيع الإنسان أن يقرأ هذه الحادثة ويخصص لها محاضرة كما يقال كاملة، يقرأها في فقط من زاوية التسليم لله عز وجل ورسوله، يعني ما هي الالتقاطات المتعلقة بهذا الموضوع؟ تسليم الله عز وجل ورسوله من هذا الخبر الهائل والعظيم والجليل؛ حادثة صلح الحديبية.
حادثة صلح الحديبية كلنا نعلم، وبطبيعة الحال لا يستطيع الإنسان أن يحكي في هذه القصة تفصيلاً لتضايق الوقت، لكن سنقفز مباشرة إلى آخر الحادث، إلى آخر الحادثة، ولابد الإنسان وهو يستحضر قراءته في هذه الحادثة المشاعر النفسية والعاطفية الموجودة عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، كما يقال.
كانت حصول الحديبية حرب أعصاب. لك أن تتخيل أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حرموا زماناً طويلاً من مكة ومن العمرة ومن الكعبة، بعضها تعبر عن وطنهم. وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل وعدهم الله تبارك وتعالى بأنهم سيدخلون مكة عماراً. أرى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم رؤيا في المنام بأنه سيدخل مكة محلقين ومقصرين، بشر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بهذه البشارة العظيمة.
يتقبل خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسليم كل ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم بحق. يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بصحابته قاصداً للعمرة، تبدأ حرب الأعصاب كما يقال، تبدأ المناوشات، يبدأ ارتفاع منسوب التوتر مع كل مفصل تاريخي علق بهذه الحادثة. يأتي خالد بن الوليد على رأس الجيش يريد اعتراض جيش النبي صلى الله عليه وسلم، يستشير النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة: هل نجابر؟ هل ننحرف؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يشير عليه: ما قصدنا الحرب، إننا أردنا العمرة. ينحرف النبي صلى الله عليه وسلم بطريق آخر يستطيع تجنب الصدام مع جيش خالد بن الوليد يفضي إلى مكة بالحديبية.
خلعت القصوى، وما خلعت القصوى وما ذاك بها بخلق. يعسكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تبدأ المفاوضات بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وتحصل المفاوضات والمراسلات، تحصل المناوشات، يحصل الاقتتال، يحصل الأسر وتبادل الأسرى، وترتفع مع كل لقطة ومع كل حدث منسوب التوتر. تخيل وصلنا إلى لحظة معينة أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرض على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أن يخرج كمفاوض لجيش المسلمين، يقول -كما يقال- عمر بن الخطاب: بيني وبينهم مصانع الحداد، ترى بيني وبين قريش خصومات وبين بلاوي، لكن أخرج لهم عثمان؛ يحبون عثمان بن عفان، هو من كبرائهم من قبيلة بني أمية محبوب. تخيل الأم كانت تهدد طفلها تلاعبه وتقول: أحبك الرحمن ومحبة قريش عثمان؛ حتى يدرك الإنسان محبة قريش عثمان بن عفان.
اقتنع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرأي، أرسل عثمان بن عفان. عثمان بن عفان فعلاً تلقى حفاوة كبيرة عند قريش، استقبلوه استقبالاً كريماً، عرضوا عليه ليطوف بالكعبة، وقالوا: والله لا أطوف بها حتى يطوف بها النبي صلى الله عليه وسلم. بدأت المفاوضات بين عثمان بن عفان وقريش، طال شأن عثمان مع قريش، خرجت إشاعة أن قريشاً قد قتلت عثمان. تخيلوا منسوب التوتر، إيش اللي حصل في الصحابة؟ النبي صلى الله عليه وسلم يجمع صحابته ألف وأربعمائة صحابة تحت شجرة الرضوان، يبايع النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على الصبر، على الموت، على ألا يفروا.
بمعنى آخر، أنه وصل الصحابة من حالة الشحن النفسي أنهم سيدخلون مكة، سيدخلون بالطيب بالغصب بندخل مكة، وصلت المسألة إلى قتال. النبي صلى الله عليه وسلم يبايعهم على الموت، على الصبر، على ألا يفروا. تخيلوا المسألة، ثم تبلغ الشاعة، طبعا قريش يخرجون عثمان من عندهم حتى لا تتطور الأحداث إلى ما يمكن أن تتطور إليه.
ويتبع عثمان رضي الله عنه وأرضاه مفاوض الطرف القرشي وهو سهيل بن عمرو رضي الله عنه وأرضاه، تالياً أسلم بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه ووقف موقفاً ثبت فيه المؤمن من أهل مكة وأرضى الله عز وجل عنه سهيل بن عمرو. تخيلوا بالله عليكم ما هي المشاعر اللي عصفت بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم لما جاهم ابن عمر ويقول لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي وصحابته: سهل عليكم أمركم؟
إيش اللي يتوقع الآن من المشاعر اللي عصفت بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟ مشاعر البهجة، الفرح، التفاؤل أن الحمد لله سهل عليكم أمركم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سهل عليكم أمركم؛ يعني بإذن الله عز وجل الذي وعدنا إياه من دخول مكة والعمرة إن شاء الله، ثم قاب قوسين يا عمرة أو أدنى. سهل عليكم أمركم، تبدأ المفاوضات بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو، يتفقون على الخطوط العامة العريضة للاتفاقية.
يسجل بدوي مطالب أمام محضر من المؤمنين ومن المشركين، يبدأ بمطالب يكتب صياغة الصلح بين الطرفين. النبي صلى الله عليه وسلم يملي صياغة الصلح، ومع كل بند من بنود، بل كل كلمة من بنود الصلح يرتفع منسوب التوتر عند الصحابة. لابد يستحضر الإنسان كيف كانت المشاعر، كيف كانت مشحونة، وكيف كان مع كل خطوة ممانعة تمارسها قريش ليرتفع منسوب التوتر عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. اللي حصل، النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب علي بن أبي طالب بحضرة سهيل بن عمرو بحضرة المشتركين، يقول: يا علي اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. يقول له سهيل بن عمرو: والله ما نعرف الرحمن الرحيم، لكن اكتب باسمك اللهم. إيش تتوقعون الحين الصحابة عندما يسمعون هذا الاعتراف: ما نعرف إنه الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم؟
يرتفع منسوب التوتر إلى هذا القدر، إيش اللي يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم؟ اكتب باسمك اللهم. يكتب النبي علي بن أبي طالب: باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. يقول له سهيل بن عمرو: رده! والله لو نعلم أنك رسوله ما قاتلناك، لكن اكتب محمد بن عبد الله. إيش اللي يحصل في نفوس الصحابة؟ التوتر زيادة. اكتب يا علي بن أبي طالب: محمد بن عبد الله. معروف بعض الروايات اعتراض علي بن أبي طالب يمسحها النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه، يكتب علي بن أبي طالب: محمد بن عبد الله، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً على أن يخلوا بيننا وبين الكعبة فنطوف.
فيقول له سهيل بن عمرو: والله لا تحدثوا العرب أنكم اخذتمونا ضغطة، إن بالغصب عليكم مع المصالحة أكرهتمونا على اخذ العمرة في هذه السفرة أبداً، لكن تعودون وتعتمرون من قابل. يعني كأنك تتكلم عن قبيلة موجودة في حي والحي المجاور، لا لا تجون الحين رجعوا إن شاء الله ترجعون. أنت تحدث عن مئات الكيلومترات، تتكلم عن جهد، تتكلم عن شحن نفسي أصلاً، هل كان الصحابة في هذه اللحظة أن ممكن تفضي هذه المصالحة إلى هذه النتيجة أن والله لا تحدثوا العرب أنكم أخذتمونا ضغطة، لكن تعتمرون من قابل، تجون السنة القادمة بإذن الله عز وجل ميسر الله عز وجل ويمكن لا ييسر لكم ما تجون؟
زين تعتمرون من قابل وأنت موجود وين؟ عند مشارف الحرم، موجود في الحديبية، على حدود الحرم موجود، ليش هذا التعنت؟ ليش هذا التعنت؟ بطبيعة الحال منسوب التوتر يرتفع بمجرد الممانعة. فاللي يطرأ في نفوس المسلمين مما كان مذهلاً بالنسبة لهم ولم يكونوا مصدقينه، ويتلمس الإنسان هذا صريحاً في ظل الروايات، أن النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى علي بن أبي طالب ويأمره بكتابة ما قال سهيل بن عمرو أنا نعتمر من قابل.
كان الحدث مذهلاً، حدثاً مزلزللًا في الجيش الإسلامي، ثم قدر الله عز وجل أمراً في غاية الخطورة. اللي حصل أن أحد الصحابة الكرام كان موجوداً في أطراف مكة، أبو جندل رضي الله عنه وأرضاه في أغلال، في أصفاد، في السلاسل، كان يعذب عذاباً شديداً. لما حصل سماع أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته موجودون على مشارف مكة في الحديبية قريبين، وضع مخطط من أجل هجرة للمدينة عملية شاقة، لكن موجودين قريبين وقريش تغافلت عنه لترتيبات الأحداث المتعلقة بصلح الحديبية.
إيش اللي فعل أبو جندل؟ أخذ الأغلال حقته، بدأ يركض يركض رضي الله عنه وأرضاه، لما أشرف على المعسكر الإسلامي القى بثقله داخل جيش المسلمين. تخيلوا حالة الارتياح اللي أصابت أبو جندل في تلك اللحظة، لما حصل حمد الله أن الله أنجحني من القوم الظالمين. تخيلوا حالة الابتهاج والفرح اللي عصفت بالمؤمنين وهم يرون أخاهم بينهم، زين؟ يفاجأ في ظل الاتفاقية التي لم تعقد بعد، ما نص على هذا البند وقع في المفاوضات الشفهية بين الطرفين: أن إذا أسلم أحد من قريش والتحق بجيش النبي صلى الله عليه وسلم فواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لرجوعه إلى قريش، وإذا ارتد أحد من المسلمين عن الإسلام إلى قريش فليس على قريش بأس من أن لا ترده. تحس أنه شرط مجحف، شرط لا معنى له، واتفاق شفهي إلى الحين ما وثق في الكتاب.
يلتفت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد شاهد المشهد، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا أول من أقاظيك عليه يا محمد، هذا أول شخص نطبق عليه هذا البند، الحين ترجعه. وأعجب من هذا إيش يفعل؟ سهيل بن عمرو يذهب إلى أبي جندل رضي الله عنه وأرضاه ليأخذ من تلابيبه، يلطم أمام الناس، موجودة في الرواية، زين؟ النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يلملم الموضوع، يحاول أن يحقق مكسباً للطرفين.
فيقول لسهيل بن عمرو: يا سهيل إنما فرغنا من كتابة الكتاب، يعني إلى الحين نحن بصدد كتابة البنود، والمفترض في ظل التعاقدات أن يكون -خلنا نقول- إنه مو بأثر رجعي، إلى الحين ما انتهينا، ما وقعت، ما وضعت التواقيع للخطاب، يعني ممكن هذا يطبق على ما هو مستقبل، أما الآن فرغنا من كتابة الكتاب الحين ما يطبق عليه.
فقال: إذاً لا صلح بيننا. تشوف التعنت؟ سهيل بن عمرو يقول: إذاً لا صلح بيننا، إذا كنت مقتنع بهذا الجواب خلاص انفضها، انفض الصلح. والنبي صلى الله عليه وسلم حريص على إمضاء الصلح بأمر ربي تبارك وتعالى، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً مروءة وشهامة العرب، يقول لسهيل بن عمرو: فهبه لي، خلاص بنمشي الموضوع أنه فعلاً ينطبق عليه، نبي نشوف كرمك، نبي نشوف شهامتك مروءتك، باللغة الدارجة: طالبك، فهبه لي.
يقول سهيل بن عمرو للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لا أفعل. يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لحظة تودد: بلى، لا تفعلن، إن شاء الله الله عز وجل وتراضيني إن شاء الله. يقول سهيل بن عمرو: والله لا أفعل، لا صلح بيننا. تخيل، يعني حتى أحد موقف المشركين الذي موجود في الرواية وكما يقال لم يعطه أحد وجهاً، قال: قد فعلنا يا محمد، ما أعجبه الموقف، فيه توتر يعني الموضوع ما يسوى، الموضوع ما يسوى، وأصر سهيل بن عمرو على موقفه حتى إلى درجة أن قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو وجلس. إيش يفعل؟ يطمئنه ويثبته، ويقول: عسى الله عز وجل أن يجعل لك فرجاً، فإن عهدنا القوم وإن لا نفز بعهدنا، يحاول يطمن.
تخيلوا سهيل بن عمرو لما جر أبو جندل، أبو جندل لما جر سهيل بن عمرو، يصرخ أبو جندل في المؤمنين، يقول: يا معشر المسلمين، أما ترون ما بي من العذاب؟ أما تخشون أن أرتد عن ديني؟ بالله عليكم لو أنت تشاهد المشهد هذا، إيش المشاعر الروحانية التي أصيبت في هذه اللقطة؟ إيش مستوى التوتر الذي عصر في الصحابة تلك اللحظة؟ الروايات ترصد حالة التوتر، يعني أحد الرواة يقول: فلما رأى الناس أبا جندل زادهم شراً إلى ما بهم. لاحظ هذا مصرح به الروايات، ما قاعد يتلاحقها استنباطه، الراوي يقول لك: فزاد الناس شراً إلى ما به.
تبي تعرف ذروة هذا الشر؟ لاحظ موقف عمر رضي الله عنه وأرضاه، عمر بن الخطاب حالة التوتر عنده مرتفعة إلى درجة راح ذهب إلى أبي جندل وبدأ يخاطب أبا جندل رضي الله عنه وأرضاه، يقول له: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فوالله ما قتل أولئك المشركين والكلب إلا شيئاً واحداً. يقول له: اصبر واحتسب، فوالله ما قتل أحد من هؤلاء المشركين والكلب إلا شيئاً واحداً، يقول لك: ويدني سيفه لأبي جندل، يتمنى عمر أن أبو جندل يأخذ السيف فينقض على سهيل بن عمرو ويقتله. طبعا بالمناسبة أبو جندل هو ابن سهيل بن عمرو رضي الله عنه وأرضاه، وكان منافراً للناس بأبيه أبو جندل، فيقول عمر: فظننت بأبيه.
بالله عليكم كيف كان سيكون تطور الأحداث لو أخذ أبو جندل السيف ونفذ ما كان يتمناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؟ إيش كان ممكن يقع؟ جيد، فعلاً انتهى الموضوع، سلم أبي جندل، انتهى التعاقد. أنا أبغاكم تستصحبون كيف كان مشاعر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة، أنا أتصور أن مشاعر ذهول، مشاعر غير مصدق باللي جرى. ما هي المصيبة التي وقفت علينا؟
تبون تعرفون هذه المشاعر؟ خذوا أجرأ أولئك الصحابة في التعبير عن هذه المكونات: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. عمر في التقاطة تاريخية استثنائية في حياته رضي الله عنه وأرضاه، وهو يحدث عن نفسه بعد ذلك يقول: فعملت لذلك أعمالاً. كان شاعر بحجم الحرج والإشكال الذي وقع فيه.
يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: بلى. قال: أليسوا على الباطل؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: بلى. قال: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ إيش المصيبة التي وقعنا فيها؟ كيف نكون نحن على الحق وحصل مثل هذه الاشتراطات المجحفة؟ يعني في إشكال في نفس عمر بن الخطاب. يقول له النبي صلى الله عليه وسلم محاولاً طمأنته:
يقول: إني رسول الله، وإنه ناصري، وإني لأعصيه. يقول له عمر، تخيل تخيل غرابة الموقف! عمر يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ألم تعدنا بأننا سنعتمر؟ موعدنا بالعمرة!
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم كاشفاً له عن الأمر، يقول له: أقلت لك أنك تعتمر في عامك هذا؟ موقف غريب، موقف غريب، موقف استثنائي في سيرة عمر رضي الله عنه وأرضاه، ولولا يعني كون المحدث الملهم قربة من النبي صلى الله عليه وسلم، كون الرجل الثاني في الإسلام، لما جرؤ أن يقوم هذا المقام.
أنا أزعم أن ترى جمهور الصحابة في تلك اللحظة ترى كان يعتمر في نفوسهم من السؤالات ما كان يعتمر في نفسه عمر بن الخطاب. لاحظوا الموقف الاستثنائي والغريب جداً، ما شاف النبي صلى الله عليه وسلم، ما في عمر بن الخطاب ذهب إلى أبي بكر! ترى هذا حدث استثنائي يعني، كان المظنون بعمر الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما لم يطمئن إلى جواب أبي بكر يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما أن يذهب إلى النبي ثم يلتحق بأبي بكر؟ يا أبا بكر يا أبا بكر، ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلما نعطي الدنية في ديننا؟
فيقول له أبو بكر: إنه رسول الله، وإنه لا يعصيه، وإن الله ناصره، فاستمسك بغرزه. الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تبارك وتعالى في روضة المحبين يتكلم عن حجم التطابق الروحاني بين شخص أبي بكر وشخص النبي صلى الله عليه وسلم، يقول لك: ما في تعظيم مسبق بين الطرفين فيجيبه ممكن الصديق بذات العبارات النبوية.
مشهد عجيب، مشهد عجيب! وهو يؤكد في كل حالة وفي كل موقف أنه أبو بكر الصديق. الصديق حتى في الحديبية هو الصديق، يقول لعمر: أما زعم النبي صلى الله عليه وسلم أن نعتمر؟ فقال: أقال لك إنه يعتمر في عامك هذا؟ نفس يعني نفس الجواب! موقف موقف مذهل في الحقيقة، موقف مذهل.
رجع النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة كما هو معروف بايش؟ بأن حكم المحصر أنهم يحرقون شعور رأسهم، يذبحون الهدي معاهم. يقول الراوي: والله ما تحرك منهم رجل واحد! موقف عجيب، النبي صلى الله عليه وسلم يدخل مغضباً على أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، ويقول تشاهد الغضب في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، تقول له أم سلمة: من أغضبك يا رسول الله؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تريني أني أمر بالأمر فلا أطاع؟ هذا حدث استثنائي حتى في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، معقولة يصل الحال بي مع الصحابة أنهم يسمعون الأمر المباشر مني فلا أطاع؟
فيقول أم سلمة النصيحة المشهورة: اخرج إلى الناس فلا تكلم أحداً منهم كلمة، وداع حلاق يحلق شعره ثم يذبح هديه. يقول الراوي: فلما شاهدوا مشهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفعل ذلك، يقول فبدأ بعضهم يحلق لبعض، وكاد بعضهم أن يقتل بعضاً من الهم! يعني معهم أموات، الوضع ترى يعني الوضع خلاص زين؟ الوضع فعلاً في حالة من حالات التوتر العاصف جيل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللحظة.
حتى عمر بن الخطاب كان شاعر بحجم الحرج والإشكال اللي وقع منه، يعني حتى كان يقول في رحلة العودة: عجيب عمر بن الخطاب يخاطب يعني سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً فما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم، سأله الثانية ما أجابه، سأله الثالثة ما أجابه. يقول: ويحك يا عمر! أجبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني أثقلت عليه، ضغطت عليه، أحرجته، طرحت سؤالات ما كان ينبغي لك أن تفعلها.
يقول عمر: ثم تقدمت بفرسي لمقدم الجيش. يعني أحب عمر بن الخطاب ويصرح بهذا المعنى أني أخلق مسافة فاصلة بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم خشية من أن يتنزل فيه وحي! يعني خايف أنه إنه ينزل فيه واحد يتهمني بالنفاق، فحاول يبتعد عن منطقة الوحي رجاء أنه ما يوحى في شيء.
يقول: بعد قليل ايش اللي حصل؟ فإذا منادي ينادي: يا عمر! يقول: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، إنه واضح أنه نزل حصل ما كنت أخشاه. قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظ كمال الرحمة النبوية لما نزلت تلك الآيات الجميلة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: 1]. أحب أن يطمئن نفسه عمر بن الخطاب، لم يعني لم ترضى بما خاطبتك به؟ اسمع كلام الله عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾. يقول لعمر: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فاطمأنت نفسي، فاطمأنت نفسي.
وين موطن الشاهد؟ وين موطن الابتلاء؟ وين موطن الاختبار؟ اللي تعلم الدرس بدقة. أعبر عن الدرس، درس الحديبية بدقة، أحد الصحابة المشاهير سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه في يوم الجمل، في يوم الجمل ينصح التابعين بالنصيحة المعبرة التالية، المعبرة عن روح الحديبية، عن اختيار ابتلاء الحديبية، عن مبدأ التسليم. يقول للصحابة يقول للتابعين: يا معشر التابعين، اتهموا الرأي! يا معشر التابعين، اتهموا الرأي! فلقد رأيت اليوم أبا جندل، ولو استطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمره لرددت.
يقول: ترى إذا أفضيت إلى موقف عندك الوحي وعندك الرأي، ترى قدم الوحي على الرأي، لماذا؟ لأننا كنا في موقف معين كنا مستيقظين من صواب رأينا، ثم استبان لنا أن الخير كله فيما رآه الله تبارك وتعالى، الخير كله فيما قدر الله عز وجل.
يعني لو سألت يعني خلنا بالنظام الديمقراطي المعاصر، لو أجريت استفتاء عاماً عند الصحابة: من اللي راضي عن الصلح؟ مين اللي راضي عن بنود الصلح؟ أظن أن بالأغلبية الساحقة سيصوتون: لا، نبي ندخل عمرة حتى لو كانت بحرب، لا نريد هذا الصلح! طيب، إيش البركات التي رتبها الله تبارك وتعالى على هذا الصلح؟
يعني ولاحظوا العجيب في الموضوع أن بعض هذه البركات مما يتعلق حتى بالجوانب الإحصائية ترى مشاكل مبكرة في حياة الأمة. يعني الإمام الزهري يتحدث في هذه الالتقاطة التاريخية العجيبة: عدد من أسلم ما بين صلح الحديبية وفتح مكة أكثر من عدد من أسلم من بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى الحديبية! لما حصل نوع من أنواع الانفتاح الإسلامي، حصل نوع من أنواع الاسترخاء والارتياح من حالة الحرب الموجودة بين طرفين، تمهد للنبي صلى الله عليه وسلم الدعوة من يدخل في دين الله تبارك وتعالى أكثر من عدد من يعني تخيل هذي هذي بركة إلهية ما كانوا يظنون الصحابة أنها ستقع.
حصل اعتراف رسمي من المعسكر القرشي معسكر الكفار بالمعسكر الآخر، معسكر النبي صلى الله عليه وسلم. قدر الله عز وجل بصنع الحديبية يجادل مبرر موضوعي نظامي قانوني لفتح مكة، لولا صلح الحديبية ترى ما فتحت مكة! لماذا؟ لأنه وقع في بنود الصلح اتفاقيات معينة، خانت قريش الاتفاقية، صار النبي صلى الله عليه وسلم معذورا عند العرب كلهم بأن يدخل مثل الفاتح.
قبل صلح الحديبية، تخيلوا لو النبي صلى الله عليه وسلم رغب أن يفتح مكة، أبيقدر؟ سيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في حرب مفتوحة مع العرب كلهم، كلهم لن يقبلوا هذا الاعتداء على حرب الله تبارك وتعالى. لما حصل الغدر من قريش، وعلمت العرب بهذا الغدر من قريش، قالوا يعني كما يقال: بيني وبينكم مستحقين الجاهم توطأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة. هذه البركات الإلهية العظيمة ما كان لها أن تقع لولا صلح الحديبية، إيش وجهك ولا فتحاً مبيناً؟ هذي البركات الإلهية.
تذكروا الشرط؟ تذكرون الشرط؟ شرط أبي جندل، إذا ترتد وإذا رجع والقصة هذي، تخيلوا من تقدير الله تبارك وتعالى أن في الصلح بين الطرفين يخرج أبي بصير رضي الله عنه وأرضاه مهاجراً إلى المدينة. يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، يفاجئ النبي صلى الله عليه وسلم بعد دخوله باثنين من قريش يطلبون أبا بصير: ما بين الاتفاق هذا ترى ملتحق بالمعسكر حقنا لا، بترجع معانا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم. رجع معهم ورجع فعلاً معهم.
راجعين وهم على مشارف المدينة، جالسْين معسكرين، يلتفت أبو بصير لأحد هؤلاء القرشيين ويقول لي ذلك القرشي: ما شاء الله، ما أجمل هذا السيف! أرني إياه. ما شاء الله سيفي جميل تفضل. عطاه السيف، أخذه وقتل ذلك القرشي، راح ذبحه!
الرجل الثاني من شاهد المشهد هذا فزع وفر مباشرة، طبعا أقرب قرية، أقرب مدينة موجودة المدينة النبوية، ركض ركض إلى ما دخل على النبي، لاحظ الرجال وهو مقبل من الباب قال: إن صاحبكم قضى رعباً! الرجال هذا واضح أنه شاف مشهد مرعب، شوي اللي يشوف وراه أبو بصير وحامل السيف. فيقول النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول أبو بصير للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوصى الله بذمتك يا رسول الله، ما حصل الاتفاق؟ رددتني لهم؟ هم اللي وقع منهم التقصير.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال! وعلم أبو بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعيده، إيش فعل؟ راح اختصر الموضوع، خرج من التحق بمنطقة سمو النسيم في البحر. تسامع المسلمون في مكة بموقع أبي بصير، ايش اللي حصل؟ صاروا ينتقلون إلى ذلك المعسكر، خلاص! أحدث معسكراً ثالثاً، لا هو المعسكر المدني ولا المعسكر المكي، معسكر ثالث عندي في البحر، هذا المعسكر لا يتركون تجارة لقريش إلا يغيرون عليه ويقطعون أهل الطريق!
تخيلوا تغيير الله عز وجل ذلك الشرط اللي كان يتوهم يقول صهيب: إني ما رأيت أني استطعت أن أضع يدي يدا مرفوعة عليهم إلا بذلك الشرط! يعني كان مفتخر عند القرشي: شفت كيف استطعت أن أوجد شرطاً يعلي كلمتنا على أولئك المسلمين؟ يقدر الله تبارك وتعالى لقريش بعد استهلاك أموالهم في تلك التجارات إيش يفعلون؟ يأتون لسهيل بن عمرو، لسان عام يقولون: هذا الشرط اللي حطيته دبر لنا حل، حل المأزق الذي أنت أوجدته وخلقته!
تخيلوا يخاطبون سهيل بن عمرو، وكان الموضوع مختلف تماماً! يذهبون وفد للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: سألناك الله والرحم يا محمد، خذ الشلة الجماعة هذول خلاص ما نبغى، ما نبغى خذهم! وفعلا يقول الصحابة ومن ضمن أبي جندل رضي الله عنه وأرضاه بمعسكر المسلمين.
يعني تخيل تخيل هذه المشاهد التاريخية، بالله عليكم كيف تشحن نفوس صحابة النبي صلى الله عليه وسلم اليقين بالخيرة فيما يختاره الله تبارك وتعالى؟ وجدوا حجم معارضة كبيرة وهائلة جداً، يقدر الله عز وجل من الأحداث أمراً يكشف لهم أن كانت تقديرات العقلية القطعية اليقينية لمتوهمين ترى هي مصالح ملغاة في مقابل المصالح المعتبرة الضخمة والكبيرة التي أحدثها الله عز وجل في مقابل هذا الصلح.
وبالتالي من الطبيعي أنه تربوا من خلال هذا الموقف التربية العظيمة، خلاص صار أي أمر يأتيه من الله عز وجل من النبي صلى الله عليه وسلم صاروا يتلقونه بكامل الدعاء وبكامل التسليم، بكامل الانقياد.
والتقط هذا الدرس العميق في عبارة معبرة جميلة سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه: يا معشر التابعين، نتهم الرأي! فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولا أستطيع أن أرد على النبي صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، لكن الخيرة فيما اختاره الله تبارك وتعالى. هذا لسان من حال العبارة هذه، فكرة العبارة.
القضية الأخيرة ومعذرة على الإطالة، وهي قصة قصيرة وجميلة ومعبرة وتعبر عن قضية أساسيتين. القضية الأولى: البركة الإلهية العظيمة التي تترتب على من يكمل مقام التسليم له تبارك وتعالى، والمقام الإيماني الرفيع جداً الذي كان يطالب به صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذا المقام الإلهي.
أحد الصحابة اسمه أبو رافع، كان عنده قدر، القدر هذه كان يطبخ فيها شاة رضي الله عنه وأرضاه. مر عليه النبي صلى الله عليه واله وسلم، يسأل أبو رافع رضي الله عنه وأرضاه: يا أبا رافع، ما في القدر يا أبا رافع، ما في القدر يا أبا رافع؟ فيقول له أبو رافع رضي الله عنه وأرضاه: شاة أهديت لنا يا رسول الله فأنا أطبخها. شاة أهديت لنا يا رسول الله فأنا أطبخها. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع، وجلس عنده، قال: ناولني ذراعاً يا أبا رافع.
خش على ذراعين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ناولني ذراعاً يا أبا رافع. فتح، كأنه اتخيل المثل، فتحها يعني رأس القدر، طلع الذراع، ناوله النبي صلى الله عليه وسلم، أكلها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أكثر ما يعجب النبي صلى الله عليه وسلم من شاة الذراع. فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من أكلها، قال لأبي رافع رضي الله عنه وأرضاه: ناولني الذراع الآخر. ناولني الذراع الآخر. أتى النبي صلى الله عليه وسلم، أكل النبي صلى الله عليه وسلم بالذراع الآخر.
فرغ النبي صلى الله عليه وسلم، جاء السؤال العجيب الغريب: ناولني الذراع الآخر يا أبا رافع! أبو رافع يقول للنبي صلى الله عليه واله وسلم: إنما للشاة ذراعان يا رسول الله! الشاة ذراعين! يعني ما حتى ما صاغ بصيغة أكثر كما يقال لباقة، ما قال: لعلك يا رسول الله كأنه ينبه النبي إلى معلومة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفها: إنما للشاة ذراعان يا رسول الله. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: لو سكت يا أبا رافع لناولتني ذراعاً بعد.
كذا ذراع ما سكت. يعني لو استطعت أن تحقق هذا المقام الإيماني استطعت تتجاوز هذا الانطباع المادي القائم الموجود في نفسك. لو استطعت تتجاوز هذا السؤال تسلم، كأن فتحت القدر ووجدت فيه ذراعاً آخر. وكانت وتناول النية وتناولني إياه حتى تتكلم. لاحظ البركة الإلهية في التأثير في الماديات يخلق حالة من حالة خوارق العادات.
ويعبر كذلك عما كان يريده النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته من مستوى إيماني. أسأل الله عز وجل لي ولكم السداد والتوفيق، أشكر لكم هذا الإنصات الطيب والحضور الطيب، وأسأل الله عز وجل أن يكون فيما ذكر نفع وإفادة، وأن يحقق لنا جميعاً تحقيق هذه المنزلة الإيمانية الرفيعة في نفوسنا تعاطينا مع كلام الله عز وجل وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والله أعلم. وصلى الله على نبيه محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري