دخولتسجيل الدخول

تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد.

فقد وقف بنا الحديث في درس البارحة بفضل الله وتوفيقه عند بدايات كلام إمام الحرمين رحمة الله تعالى عليه في كتابه الموجز المختصر الموسوم بالورقات. ورقات إمام الحرمين رحمه الله، كما تقدم معكم البارحة، هي نبذة يسيرة من علم الأصول في أول مسائله ومجمل أبوابه التي يحتاج إليها المبتدئ في دراسة علم أصول الفقه. وقد أبان رحمه الله تعالى عما يريد بهذا المتن الصغير، عما يريد بورقاته، أبانا في السطرين القادمين الآتيين الآن.

مجلس البارحة اشتمل بعد تعريفه لأصول الفقه على تعريفه للحكم الشرعي، انطلاقاً من تعريفه للفقه، ثم عرف كلا من الحرام والمكروه والمباح والواجب والمندوب والصحيح والباطل، وفرق بين العلم والظن، وذكر مراتب العلم وأنها ضروري ونظري؛ وذلك استدعاه للحديث عن الشك والوهم ومراتب النظر والاستدلال. وقف بنا الحديث عند كلامه رحمه الله تعالى وهو يشرع في تعريف أصول الفقه باعتباره علماً.

نعم، وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها. وأبواب أصول الفقه أقسام الكلام، طيب. هذا تعريف لأصول الفقه، وذكر لأبوابه المجملة التي صنفها رحمه الله تعالى في متن الورقات. قال: وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها. تضمن تعريفه جملتين اثنتين: الأولى قوله: طرق الفقه على سبيل الإجمال. والثانية قوله: وكيفية الاستفادة أو الاستدلال بها. هذان الركنان الواردان في هذه الجملة في تعريف إمام الحرمين رحمه الله، هذان الركنان هما صلب علم أصول الفقه؛ لأن علم أصول الفقه قائم على هذين الجانبين. علم أصول الفقه علم يقودك إلى أن تتعلم أدلة الفقه الإجمالية، أو على سبيل الإجمال كما قال وسياتي بيانه الآن، والركن الثاني هو كيفية الاستفادة.

بعيدا عن ألفاظ التعريف وكيف يمكن أن تفهمه؟ اريدك أن تتصور معي الآن أن الفقه -الذي هو معرفة الحلال والحرام وما تدرسونه جميعا في أبواب الفقه، بدءا من الطهارة والصلاة وانتهاء بالجنايات والحدود، وما بينهما من أبواب متنوعة واقعة في العبادات والمعاملات- كل تلك المسائل الفقهية، ولو بلغت ألفا أو عشرات الألوف أو مئات الملايين في المجلدات الضخمة الكبار أو في المتون الفقهية الصغيرة، كل تلك المسائل يحتاج فيها الفقيه إلى شيئين، هما أصول الفقه. أليس فقهاً؟ بلى، إذا هذه أصوله. حتى يصل الفقيه إلى تلك الأحكام المبثوثة في كتب الفقه فإنه يحتاج إلى أمرين: الأمر الأول يحتاج إلى الدليل الذي يجد فيه الحكم الفقهي. الفقه أحكام شرعية، وبناء على ذلك فلا يمكن أن تستنبط الحكم إلا من دليل، فالخطوة الأولى التي يحتاجها الفقيه هي معرفة الدليل. أين يكون الدليل الذي يشتمل على الحكم الذي يقرره في الطهارة، في التيمم، في الحيض، في النفاس، في القصاص، في البيع، في الإجارة، في الرهن، في الكفالة؟ كل تلك الأبواب هو بصدد تقرير حكم، يحتاج أولاً إلى دليل، ويحتاج ثانياً إلى بيان الوجه الذي فهم منه الحكم من ذلك الدليل، الطريقة التي استنبط بها الحكم من ذلك الدليل، وكيف أصبح ذلك الدليل دليلاً على المسألة؟ هذان الأمران هما ما يتعلمه طالب العلم في علم أصول الفقه، بحيث إذا أتقن هذين الجانبين يصلح أن يكون فقيهاً.

إذا تعلم أدلة الفقه الإجمالية، وإذا تعلم كيفية الاستفادة من هذه الأدلة والوصول منها إلى الحكم واستنباطه، إذا حصل له ذلك فهو كفيل له بإذن الله أن يغدو فقيهاً، طالب علم يستطيع أن يبني بنياناً فقهياً بطريقة صحيحة. هذان الركنان هما أبواب ومسائل علم أصول الفقه في كل كتب الأصول صغيرة كانت أو كبيرة، لكن الكتب بين متوسع فيها وبين موجز مختصر، ورقات إمام الحرمين واحدة من هذه الكتب الموجزة المختصرة، فأتى على الأدلة الإجمالية وعلى كيفية الاستفادة.

إذا فهمت هذا المدخل العام سانتقل بك إلى الخطوة التالية: ما أدلة الفقه الإجمالية؟ وما المقصود بها؟ المقصود جنس الأدلة التي يستعملها الفقيه في بحثه عن الحكم. الان لو جاء الفقيه يبحث عن حكم مسألة ما في التيمم مثلاً، أو حكم مسألة ما في الغسل، أو حكم مسألة ما في صلاة تتعلق بالمسافر مثلاً أو بالصيام، أو مسألة تتعلق بنسك الحج؛ هذه المسألة تحتاج إلى دليل. أين يبحث الفقيه عن دليل يجد فيه حكم المسألة؟ أصول الفقه تعلمك أولاً أدلة الفقه. ليس المقصود أنك في أصول الفقه ستجد دليلاً على حكم المبيت في مزدلفة، ودليلاً على جواز التيمم بالتراب الذي لا غبار له، ودليلاً على حكم مسألة تتعلق بالحيض وثالثة تتعلق بالغسل؛ لا، هو لا يريد لك الأدلة أتى على المسائل دليلاً دليلاً، تلك تسمى أدلة تفصيلية، وهو هنا يقول في تعريف الأصول: أدلة الفقه. ماذا يقصدون بقولهم الإجمالية؟ يقصدون بها أنه يدلك أو يعلمك الأدلة على سبيل الإجمال؛ بمعنى أنه يعلمك ما يصلح أن يكون دليلاً وما لا يصلح أن يكون.

يعني مثلهم يذكرون الحديث عن دليل القرآن، ودليل السنة، ودليل الإجماع، ودليل القياس. لو فتحت أي كتاب في الأصول على دليل السنة أو على دليل الإجماع ماذا ستجد؟ هل تجد فيه حكاية على كل المسائل التي نقل فيها الإجماع؟ لا. ماذا تجد فيه؟ تجد تعريفا للإجماع وبيانا لأنواعه؛ إجماع صريح وإجماع سكوتي، هذا قطعي وهذا ظني، شروط تحقق الإجماع. هو ماذا يفعل؟ يعلم متى يصلح أن يكون الإجماع دليلاً، هذا معنى قولهم: أدلة الفقه على سبيل الإجمال. أبحث في كتب الأصول عن دليل السنة، أتتصور أنك ستجد الأحاديث التي تدل على مسائل الطهارة والحيض والنفاس والغسل والصلاة وشروطها وأركانها وصلاة العيدين والجمعة والكسوف؟ لا، ولا يريد لك أدلة المسائل، هو يعلمك الأدلة إجمالاً. لما تبحث في دليل السنة في كتب الأصول تجدهم يذكرون لك السنة وتعريفها وأقسامها باعتبار نقلها متواتر وآحاد، وشروط قبول الحديث، وبعض المسائل المتعلقة بالاحتجاج بالحديث؛ ما حكم الحديث إذا ضعفت أسانيده؟ ما حكم الحديث إذا كان مرسلاً؟ هل هو حجة، هل هو دليل؟ إذاً هو هكذا فقط يقرر لك في الجملة ما الذي يصلح أن يكون دليلاً، ثم يخرج لك قواعد. واحد: القرآن حجة، هذا دليل. اثنين: القراءة الشاذة أيضاً حجة، هذه قاعدة وهي دليل، دليل مجمل، يعني يعطيك القاعدة ثم أنت تطبقها على مسائل تحتاجها. ثلاثة: السنة حجة بنوعيها المتواتر والآحاد إذا صح السند. أربعة: الأحاديث حجة حتى في العقائد، مثلاً حديث الآحاد حجة فيما تعم به البلوى، حديث الآحاد حجة ولو خالف القياس، وهكذا. فهو يعطيك أدلة على سبيل الإجمال. للمرة الأخيرة أقول: على سبيل الإجمال المقصود به ما يصلح أن يكون دليلاً في الجملة وما لا يصلح. فإذا جئت للسنة مثلاً قال لك: الحديث إذا ضعف لا يصلح أن يكون دليلاً. السنة أو الحديث إذا ضعف سنده أو انقطع أو كان عند أهل الحديث لا يصح فهو لا يصلح أن يكون دليلاً. فهو هذا المقصود، يعلمك أدلة الفقه على سبيل الإجمال.

هذا الركن هو الأول، وتدرس فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وفي كل واحدة التعريف والشروط ومتى يطبق ومتى يصح أن يكون دليلاً، وما عوامل الضعف فيه إذا تطرقت إليه، حتى للادلة المختلفة، السلف فيها يتكلم لك عن قول الصحابي ومدى حجيته، عن شرع من قبلنا ومدى حجيته، عن الاستحسان ومدى حجيته، عن المصالح المرسلة ومدى حجيتها، عن الاستصحاب ومدى حجيته، وهكذا. فهو يقرر لك الأدلة على سبيل الإجمال، على سبيل الإجمال يعني جملة ما يصلح أن يكون دليلاً وما لا يصلح.

المحور الثاني، النقطة الثانية في علم الأصول: وكيفية الاستدلال بها. كيفية الاستدلال عرفت أن القرآن دليل وأن السنة دليل، الآن كيف تستدل بهذا الدليل للوصول إلى الحكم؟ ها هنا قواعد لغوية، دلالات لفظية؛ الحديث أو الآية فيها صيغ، فيها أمر، فيها نهي، فيها عام، فيها خاص، فيها مبين، فيها مجمل، فيها مطلق وفيها مقيد. ممتاز، إذاً هذه ثروة في علم أصول الفقه تكشف لك أنواع هذه الألفاظ في النصوص الشرعية، وكل لفظ كيف تتعامل معه، وعلى ماذا يدل، وما الحكم الذي يمكن أن يكون موجوداً في هذا اللفظ؟ هو يعطيك الممارسة التي تعلمك على شكل قواعد؛ الأمر إذا جاء مطلقاً يدل على الوجوب، قاعدة. الأمر هذا الذي قلنا عنه قبل قليل إنه يدل على الوجوب، قد لا يدل على الوجوب في بعض الحالات؛ إذا جاء بعد حظر، إذا فجاء عقب سؤال سأله سائل فأجابه بصيغة الأمر، إذا جاء بعد استئذان. هي قواعد من خلالها يعلمك أن هذا الأمر بأحد صيغه المعروفة إذا جاء في الدليل كيف تستدل به. هذا هو الركن الثاني في العلم: كيفية الاستدلال بعد أن عرفت الأدلة، الخطوة الثانية كيف تستخدم هذا الدليل للوصول إلى الحكم وهي المسماة بالاستدلال.

إذاً الركنان كبيران يدرسهما الطالب في علم الأصول: الركن الأول أدلة الفقه الإجمالية، والركن الثاني كيفية الاستدلال أو كيفية الاستفادة منها. لم يذكر إمام الحرمين رحمه الله -وإن كان ذكر في بعض النسخ أنه ذكر جملة أخيره وأحوال المجتهدين- وبعض الأصوليين يزيد في التعريف وحال المستفيد. المقصود بها الأبواب الأخيرة التي ترد عادة في كتب الأصول؛ أبواب الاجتهاد والتقليد ومسائل المفتي والمستفتي، هذه تأتي في ذيل كتب الأصول وهي تتمة وتبع، وليس من صلب علم أصول الفقه، ويؤتى بها تباعاً، والنسخة التي بين أيدينا لم يردها إمام الحرمين رحمه الله تعالى. فهنا ركنان بهما يتكون علم أصول الفقه.

هي وقفة فقط مع تعريفه، قال رحمه الله: وأصول الفقه طرقه. ما قال: الأدلة، قال: الطرق. ولفظة طرق أعم من أن يكون دليلاً أو يكون قاعدة. قولك: الأمر للوجوب قاعدة وليس دليلاً، لكنها أيضاً طريق للفقه، بمعنى أنها تنتج لك حكماً فقهياً تستعمله في بحثك عن الأحكام من خلال الأدلة.

سؤال أخير، قال رحمه الله: أصول الفقه طرقه. وقد قال هناك في البرهان: الأدلة، فقال هنا: الطرق، وقال هناك: الأدلة. سؤالي هو: نحن نعرف ماذا الآن؟ أصول الفقه، أصول الفقه هي أدلة الفقه أم هو العلم بأدلة الفقه؟ أعطوا أنفسكم فرصة كذا وتأملوا: أصول الفقه هو أدلة الفقه، أو هو العلم بأدلة الفقه؟ العلم. فإذا ما علمته لم يصبح أصولاً، هكذا.

طيب، هما مسلكان للأصوليين لما يعرفون الأصول؛ بعضهم يصر على أن يبتدأ التعريف بقولك: معرفة أو العلم بالأدلة. وبعضهم يقول: لا، أصول الفقه هي المسائل الموجودة في هذا الكتاب، المسائل الموجودة هي أدلة وطرق استدلال، عرفتها أو ما عرفتها هو هذا العلم، هذا أصول الفقه. وعلى كل فالخلاف يعني قد يصبح أن يكون لفظياً أو إن شئت فقل لا يتوارد على محل واحد، فالمسألة فقط أشرت إليها لبيان أن الأصوليين يعتنون كثيراً بدقة الألفاظ وأثرها في السياق إذا أوردوه. نعم.