دخولتسجيل الدخول

باب الاجتهاد والتقليد

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة. ايش يعني بلا حجة؟ لما يأتي المقلد فيستفتي مفتياً، يكفيه فتواه أن يقول له: هذا حلال وهذا حرام. بلا حجة بمعنى أنه لم يفهم الدليل ولا يلزمه. لكن هل يلزم المفتي أن يذكر الدليل؟ هذا من المستحسنات التي يتأدب بها أهل العلم في الفتوى، ذكر الدليل وإن لم يستوعبه المستفتي؛ لكن ربطاً بالدليل وتربيةً لهم على التعامل مع الدليل وسماعه وفهمه، يورث عندهم تعظيماً للنصوص وإقبالاً على تمييز الفتوى المستندة إلى دليل من التي تصدر عن هوى.

فعلى هذا، قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً. ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله. فإن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً. هذه مسائل يخوضون فيها وليس لها أثر في الثمار الفقهية والفروع المترتبة عليها: هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعمل القياس لتعليم الناس أحكام الشريعة؟ إن قلت نعم أو قلت لا، في النهاية ما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ديناً وتشريعاً للأمة هو الذي ثبت، الله عز وجل لا يقره على شيء تخالف فيه أحكام الشريعة، وينزل الوحي في استدراك بعض المواقف كما حصل في عدد من الوقائع النبوية. فسواء تقول استعمل القياس، لنا نحن أن الحكم ثبت من سنته عليه الصلاة والسلام.

وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض. فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. هذا مستند إلى ما رواه الحاكم في المستدرك: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». وهذا فيه رفع الحرج، لكنه مشروط بأن يكون الباذل لهذا الاجتهاد أهلاً للاجتهاد. ومتى يكون أهلاً؟ إذا كان قد حصل آلة الاجتهاد وقام بها، فإذا امتلك الآلة وبذل الوسع ونظر في الأدلة، فعندئذ هو الذي يقال فيه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.

لكن يأتي مبتدئ في طلب العلم ناقص الآلة غير أهل للفتوى، كما ضربت المثال قبل قليل، يتسلق الأسوار ويتجشأ على حدود الشريعة، ثم يكون عذره إن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر واحد! هذا لا يمكن أن يقال. ولهذا قال: إن كان كامل الآلة في الاجتهاد في الفروع فله أجران حال الصواب، أجر على الاجتهاد وأجر على الإصابة، وإن أخطأ فاته أجر الصواب وبقي له أجر الاجتهاد.

يقول أهل العلم: هذا من أفضل النصوص والادلة التي تشكر أهل العلم صنيعهم في الأمة، وما نفعوا به العباد من دلالتهم على أحكام الله عز وجل وما يؤجرون به، ثم هو حث لهم على أن يواصلوا في هذا الطريق وألا يشعر أحدهم بالحرج إن أخطأ فيأتيه الشيطان فيكف عن نفع الناس؛ لأن الناس إن لم يجدوا من أهل العلم ما يدلهم فسيركنون إلى أهوائهم، وإذا ركنت الأمة إلى الهوى ضاعت. لكن يبقى أهل العلم يدلون الناس ويصيبون ويخطئون.

فيه ملحظ آخر لطيف، وهو أنك لا تفترض الصواب أو العصمة في أهل العلم. لماذا يستكثر بعض الناس على عالم من العلماء إذا أخطأ في مسألة، ويشنعون عليه ويسقط من أعينهم، ربما حرضوا الناس عليه وقالوا: شوف فلان ايش يقول في مسألة كذا وماذا يقول في مسألة كذا؟ يا اخي بالعكس، هو مأجور على هذا طالما وثقنا بعلمه وديانته وركنا إليه في الدلالة على حكم الله، فمثل هذا ليس محل تشنيع، وقد نصت الشريعة على ثبوت الأجر له.

ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين. طيب، هذه مسألة أخيره: هل كل مجتهد مصيب؟ نحن قلنا الآن كل مجتهد مأجور، صح؟ لكن هذه مسألة أخرى: هل كل مجتهد مصيب، يعني على صواب؟ يقول: فرق بين أن تسألني في العقيدة أو تسألني في الفقه.

إذا كنت تسألني في العقيدة فليس كل مجتهد مصيباً؛ لأنه يلزم من هذا أن يكون النصارى على صواب والكفار على صواب والملحدون إذا اجتهدوا في عقائدهم الباطلة ورأوا أن هذا هو الحق، وهذا ليس صحيحاً؛ يؤدي إلى تصويب العقائد الكفرية. طيب، وفي الفقه؟ منهم من تأول فقال: نعم مصيب بمعنى أنه على صواب فيما أداه إليه اجتهاده. واضح؟ يعني خلاف الحنفية والشافعية في مسألة النكاح بلا ولي، خلاف الحنابلة مع غيره في نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، فالكل مجتهد مصيب.

أجب: هل كل القولين صواب؟ الصواب واحد. أيهما هو الصواب؟ طيب، هل كل مجتهد مصيب؟ إن كنت تقصد إصابة الحكم الشرعي عند الله فليس كل مجتهد مصيباً، الحكم كم؟ واحد. ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد فأصاب... إذا اجتهد فأخطأ»، إذاً هو يقصد بالصواب إصابة الحكم، ويتفاوت المجتهدون في إصابة الحكم عند الله، إذن ليس كل مجتهد مصيباً. لكن لو قال قائل: أنا أصدق كل مجتهد مصيب، يعني صواب رأيه عند نفسه فيما أداه إليه اجتهاده، هذا لا خلاف فيه؛ الصواب عند الحنابلة كذا ولهذا افتوا به، والصواب عند الحنفية كذا ولهذا افتوا به، حسب ما ظهر لهم من الأدلة وبقدر ما أداهم إليه اجتهادهم فهو صواب عندهم وليس عندي، وصواب عندك وليس عند غيرك.

هذا موجز ما ذكره رحمه الله، قال: ومن الناس من يقول: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية -يقصد الأصول الكلامية العقائد- لا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة والمجوس والكفار والنصارى والملحدين. قال أخيراً: ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً، قوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله اجر واحد». نعم، وجه الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة وصوبه أخرى. والله سبحانه أعلم، والله سبحانه أعلى وأعلم وأجل وأحكم.

ونحمده سبحانه جل وعلا على ما منّ به علينا بالتوفيق والسداد في دراسة متن الورقات لإمام الحرمين رحمه الله، ثم على ما وفقني الله وإياكم أن ما تدارسناه في الأيام الستة الماضية هو محض توفيق وفضل من الله جل جلاله، يستحق الحمد والشكر والثناء عليه فهو أهل لذلك كله، ثم هو لا يعدو أن يكون محاولة يسيرة لدراسة هذا العلم الجليل علم الأصول.

ولعلكم في الأيام الستة التي قضيتموها في رحاب هذا المتن الموجز الصغير شممنا سويا رائحة الفقه وعرفنا عظيم ما يشتغل به الفقهاء في هذا الباب الكبير والعلم الضخم علم الأصول، وهو أنه يحتاج إلى عناية متتابعة ويحتاج إلى جهد متواصل في بذل المساعي يرقى طلاب العلم مراقي أفضل. هي ممارسة يا إخوة، وباب كبير ودربة وجهاد يحتاج إلى طول نفس وصبر.

عدد من الأسئلة هنا ورد عن: ما المقترح بعد متن الورقات ككتاب يسير عليه طالب العلم؟ هذا يتفاوت بتفاوت السائلين، المتخصص والمتصدي لطلب الفقه وعلم الشريعة يترقى إلى كتاب أعلى منه، فإن كان قد درس قبل أو بعد شيئا آخر يرتقي إلى كتب أكبر فيها توسيع المسائل لقضايا أكبر منها. وإن كان الدارس أو السائل ممن درس في مدارس شرعية كالمعاهد والكليات والجامعات ومتخصص، فيقال له: اشتغل بما بين يديك إذا كان طالباً في قسم الشريعة أو طالباً في بعض المعاهد العلمية، أنه كتاب يدرس فيقال اشتغل بالكتاب الذي بين يديك، فانه وضع ليكون عونا لك ويرتقي فيه الإنسان.

وإذا كان متقدماً في مراحل عليا، دراسات عليا وبحوث متخصصة عميقة، فيكون شأنه أيضاً الدلالة على مستوى أكبر وأعلى. لكن في النهاية هي ثلاثة مراتب: أولها المداخل والأسس في مثل هذه المتون، والمرتبة المتوسطة الكتب التي تستوعب المسائل وهذه لا حدود لها ولا يقترح منها كتاب على حساب كتاب، والدرجة الثالثة هي الممارسة والتطبيق وإدمان النظر.

حاول بعد ذلك إن وجدت شيئاً من الإتقان لهذه المسائل في الأدلة والدلالات، حاول أن تكون قراءتك بعد اليوم لمثل شروح أحاديث الأحكام كسبل السلام مثلاً أو شروح عمدة الأحكام أو شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر. حاول أن تقرأ وأنت تستصحب تلك القواعد، فستكتشف أنه تطبيق ثري وهذا ينمي الملكة. كذلك لو قرأت في تفسير آيات الأحكام إن قرأت للقرطبي أو قرأت لابن العربي، أو قرأت مثلاً للجصاص وغيره ممن كتب في تفسير آيات الأحكام، حاول أن تقرأ مستصحباً تلك القواعد. لما تقرأ المغني لابن قدامة ستجد تطبيقا ثرياً لقواعد فقهية وأخرى أصولية، فهذا كله مما ينمي الملكة ويكسب صاحبها قدراً كبيراً من العناية.

أيهما أولى بالدراسة، الأصول أم الفقه؟ لا، السؤال لا ينبغي أن يكون هكذا، كلاهما مهم وكلاهما يحتاج إليه طالب العلم. إن قلت الأصول وحده فليس مغنياً، وإن قلت الفقه وحده أيضاً ليس مغنياً. لكن أيهما يقدم على الآخر؟ هي مسألة نسبية، سيكون تعين الجواب فيها كالقضية الفلسفية: أيهما سبق، البيضة أم الدجاجة؟

يقول: هل يوجد كتاب أو شرح فيه أمثلة أصولية كثيرة؟ متفاوت، وبعضها يعتني بهذا. بعض الشروح المعاصرة مثلاً في كتب أو دورات أو لقاءات يعتنون بالأمثلة، يمكن أن يكون فيها شيء مما يحقق طلب السائل. هل يكون القياس قويا كالمنصوص عليه؟ لا، هو لن يكون القياس في درجة النص، لكن عند عدم الدليل سيكون قوة القياس بقدر قوة اجتماعه للشروط التي مر ذكرها.

إذا أردت البحث في المسائل المشتركة بين الأصول وبين النحو أو اللغة أو مصطلح الحديث، هل أحرر البحث من كتب الأصول أم من كتب اللغة أو الحديث؟ إذا كانت المسألة اصطلاحية متخصصة، طبعا اللغة المباحث الموجودة فيها في علم الأصول ليست لغوية خالصة بل لغوية بالقدر الذي اشتملت عليه النصوص الشرعية، وكانت عناية الأصوليين في مباحث دلالات الألفاظ أعمق وأكثر عناية من عناية أهل اللغة. ولذلك بعض كبار أئمة اللغة ممن مارسوا الأصول من المتأخرين كالكمال بن همام مثلاً الحنفي الإسكندراني أو القرافي المالكي رحمه الله المصري أيضاً، كان هؤلاء أئمة نحو ولغة وهم في الوقت نفسه أئمة فقه وأصول.

كذلك السبكي وهو العلامة المتفنن. فمن الصواب أن ما يذكره أهل اللغة في تلك المباحث لا يساوي عمق ما تناوله الأصوليون في تلك القضايا. يعني مثلاً: لا النافية للجنس، هل تقتضي العموم نصاً أو ظاهراً؟ ما الصورة التي تستثنى من هذا العموم؟ حتى ما لا يذكره اللغويون فهو عمق في تناول المسألة، ينصون على أن أهل اللغة لا يصلون درجته؛ لأنهم يكتفون عند حد يحقق لهم الغرض من المعنى.

هذا لا يعني عدم العناية بالعلوم الأخرى، كلا، ثمة بحوث معاصرة أيضاً حاولت أن تجمع المباحث المشتركة بين الأصول والحديث، بين الأصول واللغة، وإلى أي قدر يكون بينهما التداخل. للسائل: هذا يطلب كل علم في مظنته مع العناية بما ذكره أهل الأصول. هل مبحث قوادح القياس ضروري لدارس الأصول؟ ضروري لحد ما، هي يذكرونها وفائدتها في مقام المناظرات وعلم الجدل، تذكر هناك.

يقول: أئمة الحديث المتقدمون يقصدون بالمرسل المنقطع مطلقا مثل الأصوليين. ألا يقدم ذلك على الاصطلاح المتأخر من كونه مرفوع التابعي؟ ليس كذلك لسبب واحد، وهو أن الاصطلاح استقر مؤخراً على التفريق بين المرسل باصطلاحه المتقرر عند المتأخرين أو عند عامة من كتب في الحديث، على خلاف المصطلح المتقدم، فضلاً عن أن هذا المصطلح -والمرسل والذي يفيد الانقطاع بكل صوره- مصطلح أقرب إلى اللغوي. فإن وجد في كلام بعض أئمة الحديث المتقدمين فليس على سبيل تقرير المسألة والتقعيد لها، تماما يعني ماذا ضربته مثالا أولاً؟

لما تكلمنا على مصطلح الكراهة والتحريم والفرق بينهما، قلنا لا ينبغي أن يفسر هذا ما ورد في النصوص: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: 38]. هل معنى ذلك أن نلغي مصطلح التفريق بين الكراهة والتحريم؟ لا، لكن ينبغي العناية في أن نفهم هذا، وألا ننزل عليه تفسير كلام بعض السلف المتقدم على تقرير الاصطلاح. ورد عن الأئمة كأحمد وغيرهم في بعض المحرمات وصفه بالكراهة، يقول: أكره كذا ولا يعجبني كذا، ووصفه بالكراهة لا يقتضي الكراهة الاصطلاحية. فهل يقول قائل: طيب سنعود إلى هذا الاصطلاح المتقدم عن الأئمة ونلغي هذا؟ الجواب: لا.

كذلك الشأن في المرسل والمنقطع بأنواع، يحافظ فيه على ما تقرر عند الأصوليين مؤخراً، مع البقاء على العناية بعدم تفسيره أو تنزيل كلام بعض المتقدمين؛ ولأنه قلة وأفراد فيسهل التفريق وعدم الخلط بينه. أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجمعنا وإياكم دوماً في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في مستقر رحمته وواسع جنته. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.