دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونبتدأ المجلس الخامس عشر من مجالس ضيف الساري من هدايات البخاري.

قال الإام البخاري رحمه الله: باب السلام من الإسلام. وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. قال حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».

الكلام على هذا الحديث وعلى هذا الباب مع الحديث الذي فيه، من وجوه: الوجه الأول من جهة الصنعة الحديثية وعمل الإام البخاري. نلاحظ أن الإام البخاري رحمه الله قد ابتدأ الباب بأثر معلق، ومعنا التعليق كما مر سابقا أنه لم يذكر إسناده إلى قائله، وهو عمار، عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه من أجلة من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هنا يعني تأكيد على منهجية الإام البخاري رحمه الله أن كتابه الصحيح لم يكتف فيه بالأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ضمن الكتاب أمورا أخرى تكمله؛ أهمها الآيات القرآنية التي تؤكد معاني الأحاديث، أو الأحاديث أدل على نفس معانيها أو ما يدور في فلكها، وثانيا كلام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ولأن المقصود الأساس بالكتاب هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم على شرط معين من الصحة، فهو يعني إذا أخرج كلام الصحابة أو كلام التابعين فإنه لا يذكر ذلك بالإسناد، وإنما يذكره معلقا. وكما مر معنا سابقا أيضا الإام ابن حجر رحمه الله يذكر الأسانيد التي لم يذكرها الإام البخاري للمعلقات، وذكرت سابقا أن هذا في كتاب تغليق التعليق للإام الحجر رحمه الله تعالى.

الفائدة الثانية في قتيبة شيخ الإام البخاري؛ قال الإام البخاري حدثنا قتيبة. قتيبة مر معنا سابقا، قتيبة من الرواة المتأخرين المهمين جدا. أكثر الرواة الذين عرفت بهم في الدروس السابقة هم رواة متقدمون بالنسبة إلى قتيبة، يعني عرفنا بالزهري وبقتادة وبأمثالهم من هذه الطبقة، شعبة بن الحجاج وإن كان بعدهم يسيرا، لكن قتيبة من الطبقة المتأخرة نسبيا بالنسبة لهؤلاء وهو مهم جدا جدا.

وإذا كان هناك ستة من الرواة تدور عليهم أسانيد الحديث الصحيحة وهم في طبقة متقدمة، فإن من أهم الرواة الذين تدور عليهم الأحاديث في الطبقات المتأخرة قتيبة بن سعيد. هذا قتيبة بن سعيد وهو شيخ الإام البخاري، وشيخ الإام مسلم، وشيخ أبي داود والترمذي والنسائي، هؤلاء الخمسة من أصحاب الكتب الستة كلهم اخذوا وتلقوا عن قتيبة بن سعيد رحمه الله تعالى.

وهذا الإسناد من بعد قتيبة إسناد مصري. هذه الفائدة الثالثة: الليث هو ابن سعد، وقد عرفت سابقا بالليث وذكرت بعض القصص عنه، وذكرت أنه من الفقهاء الكبار وكان يقارن بمالك، بل كان بعض العلماء يفضله على الإام مالك من جهة العلم والفقه، إلا أن أصحابه أي تلاميذه لم يقوموا به، أي لم ينشروا علمه ويمدوا في أثره من جهة نقل العلم. هذه ثلاث فوائد متعلقة بالإسناد أو الصنعة الحديثية.

الوجه الثاني من الكلام على هذا الباب الكلام على الغريب أو المشكل، بيان الغريب أو شرح المشكل. كلام عمار رضي الله تعالى عنه من الكلام الجميل المفيد جدا، وهو من عيون كلام الصحابة. يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل عنهم كلام كثير، الأدب والفضل في الأدب والعلم والفتن والملاحم وغير ذلك، والذي يتتبع آثار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيجد فيها علما كثيرا. من أهم مواضع وجود آثار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب عبد الرزاق مصنف عبد الرزاق، وكتاب مصنف ابن أبي شيبة، هذان الكتابان أهم كتابين نقلا آثار الصحابة.

هذا الأثر عن عمار رضي الله تعالى عنه يتكلم فيه عن ثلاث خصال من جمعها فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، أي انك تؤدي الحق ولو كان يؤدي أو ولو كان يستلزم الإضرار بنفسك، يعني الإنصاف من نفسك أن تقول الحق ولو كان على نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. والاقتار هو الحاجة والفقر، والإكثار هو الفاقة، الحاجة والفقر الاقتار. هذا فيما يتعلق ببيان الغريب.

أما الحديث فقد سبق الكلام عنه من جهة بيان ما فيه. الوجه الثالث الاستنباطات والفوائد؛ أنا ذكرت سابقا أنه من منهجيتنا في الشرح إذا شرحت الحديث في موضع لا أعيد الشرح والفوائد والاستنباطات في موضع آخر، وهذا الحديث قد مرت معنا فوائده واستنباطاته في موضع سابق، لذلك من أراد الفوائد المستخرجة من هذا الحديث يرجع إلى الموضع السابق الذي ذكر فيه هذا الحديث، ذكر الحديث، كان الحديث رقمه من ترتيب صحيح البخاري الحديث الثاني عشر.

إذا ننتقل للحديث التالي؛ قال الإام البخاري رحمه الله: باب كفران العشير، وكفر دون كفر، فيه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن». قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأيت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط».

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول في بيان الإسناد والصنعة الحديثية. الإام البخاري رحمه الله تعالى أخرج هذا الحديث في مواضع، والإام البخاري عجيب، يعني بوب على هذا الحديث في مواضع بتبويبات عجيبة جدا وغريبة. طبعا الحديث هنا مختصر، وإنما ذكره البخاري في مواطن أخرى مطولا، وفي تلك المواطن هناك جمل وألفاظ ليست مذكورة هنا. بوب البخاري على الحديث بتبويب يناسب بعض الجمل التي لم تذكر هنا في الرواية المختصرة.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أريت النار، طبعا وفي في بعض الألفاظ أنه أيضا أري الجنة وأراد أن يتناول منها عنقودا، العجيب إيش؟ أنه البخاري بوب على هذا الحديث باب من صلى وقدامه نار أو تنور، من باب أنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي رأى النار أمامه، يعني رأى نار جهنم، طبعا ليست لم تكن أمامه فعلا وإنما رآها مما كشف للنبي صلى الله عليه وسلم.

البخاري التقط هذا المعنى وقام باب من صلى وقدامه نار أو تنور كمسألة فقهية يعني. طبعا بغض النظر عن المسألة وهل يجوز أو لا يجوز؟ هذه ستأتي في وقتها إن شاء الله عند التبويب البخاري، لكن الفكرة هي كيف التقط البخاري هذا المشهد وبوب عليه في مسألة فقهية وهي الصلاة أمام النار أو التنور.

وكذلك بخاري بوب عليه مرة أخرى: باب من رفع بصره أو من نظر ببصره في الصلاة إلى الإام أو نحو ذلك، نسيت التبويب بالضبط من جهة إيش؟ أنه النبي صلى الله عليه وسلم رأى النار ورأى الجنة، ومعناه أنه مد بصره، يعني رآها أمامه، فاستدل البخاري بها أو بوب البخاري أنه من نظر ببصره إلى الإام في الصلاة، وهذه عادة بخاري في الاستدلال الدقيق جدا جدا وانتزاع بعض الفوائد الجانبية التي لا تأتي في بال الإنسان وهو يقرأ الحديث.

أما من جهة الإسناد، طبعا هذه الفائدة الأولى اللي ذكرت اللي هي قضية تبويب البخاري. الفائدة الثانية ما يتعلق بالإسناد: تكرر معنا مرارا مرور أو رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، وقلت دائما أن الإام البخاري لم يدرك مالكا، وإنما يروي عن عبد الله بن مسلم القعنبي وعن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك وعن غيرهما أيضا.

زيد بن أسلم عطاء بن يسار هذان من كبار العلماء ومن كبار أئمة السلف. يسار من التابعين الكبار يروي عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. زيد بن أسلم من شيوخ الإام مالك الذين يكثر عنهم الإام مالك؛ الإام مالك روى عن جماعة من أهل العلم من أهمهم الزهري وأيضا منهم زيد بن أسلم، وزيد كما قلت أحد أهم شيوخ الإام مالك الذين يروي عنهم كثيرا، وهو من العلماء ومن الفقهاء، ويروى عنه ليس فقط في الحديث، يروى عنه في التفسير ويروى عنه في الفقه، ستجدون اسم زيد بن أسلم يتكرر في أبواب شرعية متعددة، وكذلك عطاء بن يسار.

الوجه الثاني من كلام الحديث هو في بيان الغريب أو توضيح المشكل. هنا ربما يحتاج قول الإام البخاري كفر دون كفر إلى شيء من البيان. الإام البخاري رحمه الله تعالى يريد أن يقول أنه ليس كل أمر ورد أو عمل ورد تسميته في الشريعة كفرا، ليس كله يكون من الكفر المخرج من الملة، بل قد تطلق الشريعة على بعض الأفعال لقب الكفر أو وصف الكفر ولا يراد بهذا الإطلاق القول بالخروج من الملة، وإنما يراد بها وبهذا الكفر أو بهذا الإطلاق درجة من درجات الكفر، أنه كفر دون الكفر الأكبر.

وهذا ورد في أحاديث متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وهنا من يأخذ هذا اللفظ على ظاهره يمكن أن يقول أن قتل المسلم يعد كفرا أكبر يخرج من الملة، بينما ينظر من ينظر إلى مجموعة من النصوص الشرعية يدرك أن هذا ليس من الكفر المخرج من الملة، وإنما هو من الكفر الأصغر.

ولكن تسمية هذا كفرا تسمية مثل هذه الأعمال كفرا لا شك أنها منفرة وأنها تدل على نوع من الكفر، نوع من الكفر أي نوع من الجحود، نوع من التنكر، نوع من التغطية، نوع من الستر، وكأن الإنسان يجحد نعمة من النعم. فهذا فيما يتعلق ببيان المشكل.

أما بالنسبة للفوائد والاستنباطات من الحديث: الفوائد من هذا الحديث كثيرة جدا، والإام البخاري كرر هذا الحديث في مواطن متعددة، لذلك أنا سأكتفي الآن ببعض الإشارات السريعة، ثم إن شاء الله في موضع آخر كرر فيه الحديث يأتي التوسع.

الفائدة الأولى التي يمكن أن تستنبط من الحديث هي أن ما يدخل الإنسان النار وما يدخل الإنسان الجنة قد يكون أهون الأشياء عليه. فليس كل فعل يستهونه الإنسان يكون عند الله هينا، وليس كل فعل يستعظمه الإنسان يكون عند الله عظيما. وقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة النور: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].

وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن المرء قد يلقي الكلمة أو يقول الكلمة لا يلقي لها بالا يخر بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. وكذلك قد يتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون سببا في سعادته ونجاحه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فالإنسان ليس هو الذي يحدد ما الذي يدخل الجنة وما الذي يدخل النار، وليس هو الذي يحدد ما قيمة هذا الذنب، ما قيمة هذا العمل الصالح وما وزر هذا الذنب. الذي يحدد ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق الخلق، وهو الذي شرع الشرائع: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]. الله خلق وأمر.

الله سبحانه وتعالى حين أمر، من يعصي هذا الأمر، الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد ما الجزاء الذي يعاقب على من عصى هذا الأمر؛ يكفي أن يكون الإنسان قد عصى، أما قيمة أو ما الذي يترتب على هذه المعصية فالله هو الذي يحدد ذلك سبحانه وتعالى، ولا مجال للإنسان أن يحدد، لكن يمكن للإنسان أن يفقه أو يتفقه أو يتطلب الحكم في تغليظ بعض الذنوب والمعاصي أو في تعظيم بعض الحسنات ومضاعفة آثارها.

ولكن المعيار الصحيح والحقيقي هو أن نستدل على مكانة العمل وعظمته بمكانة وعظمة الثواب الذي جاء فيه، ونستدل على شؤم الذنب حجمه بمقدار الوزر الذي ورد. الطريقة الصحيحة مثلا للتعامل مع رجم الزاني المحصن أن يقال: يا الله، ما عظم الزنا عند الله حتى جعل الجزاء عليه الرجم! وليس أن يقال: لماذا يجعل الرجم على شيء مثل الزنا؟ مو أنت اللي تحدد، الله هو اللي يحدد. فإذا لم يتبين لك غلظ وشؤم الزنا تستدل على غلظه وشؤمه بالعقوبة التي جعل الله عليه، والجزاء الذي جعل الله على هذا الذنب، تقول: عجبا والله، هذا ذنب عظيم، ودليل عظمة هذا الذنب وشدة شؤمه أن الله سبحانه وتعالى قد رتب عليه عقوبة الرجم.

وهكذا هنا في الحديث: هذا كفران العشير وكفران الإحسان. وهذا بلا شك ليس خاصا بالنساء، هذا ليس خاصا بالنساء وإن كان أكثر من يفعله النساء، لكن إذا فعله غير النساء، إذا فعله الرجال...

هو ذنب كما هو ذنب. حق النساء ليس إذا فعله الرجال، إذا فعله النساء يكون ذنباً وكفراً دون كفر، وإذا فعله الرجال، لا؛ الرجال لا يكون ذنباً ولا يكون كفراً دون كفر. ولكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم يلفت انتباه النساء إلى خلق شائع وفاشٍ في النساء، كما أن هناك أخلاقاً أخرى فاشية في الرجال تكون من أسباب عقوبتهم. هنا هذا الذنب هو الكفران؛ كفران الإحسان، كفران العشير، الاستجابة لدواعي الغضب ولدواعي الحنق الذي يمكن أن تشعر به المرأة لموقف، فتحرق رصيد الحسنات الكبير من الطرف الآخر جراء هذا الموقف.

هذا الشيء ربما كثير من النساء لا يعتبر هذا الأمر شيئاً يستحق الالتفات أو الوقوف، وإنما تعتبره استجابة لداعي الغضب، استجابة لداعي الطبع، أنه: نحن هكذا النساء. هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول إن هذا من أكثر أسباب دخول النساء إلى النار. إذاً، نحن نستدل على سوء وقبح على مقدار سوء وقبح هذا الذنب بالجزاء الذي رتب عليه، طبعا هو معروف أنه قبيح، وهذا مما يستقبح عقلاً أصلاً، ولكن ما مقدار قبحه؟ هذا يستدل عليه بمثل هذا النص، بمثل هذا الحديث.

وبلا شك أن هذا الحديث يتحدث عن بصورة يقابل فيها الإحسان بالإساءة، ولكن هناك من النساء الصالحات من يكون الأمر في حياتها بعكس ذلك، فتكون هي المحسنة ويكون الرجل هو المسيء، وهي التي تحسن والرجل هو الذي يجحد، هذا موجود، ليست القضية هي صفة ملازمة للنساء دائماً، وإنما هي صفة فاشية تهذب بالدين وبالفقه. لا أقول بالدين وحده، لأن أحياناً المرأة تفهم الدين فهماً خاطئاً، فتقدم ما حقه التأخير وتؤخر ما حقه التقديم ولا تفقه فقهاً حسناً ما الذي ينبغي أن يقدم وما الذي ينبغي أن يؤخر.

إذا اجتمع في المرأة الدين والفقه، جعلت مثل هذا الذنب في خانة مغلظة، اجتنبته وحاولت أن تبتعد عنه كثيراً. على أي حال، أهم فائدة برأيي تستفاد من هذا الحديث هي هذا المعنى، وهو أن الذي يعظم من قبح الذنب هو أن تنظر إلى مقدار الجزاء عليه والتغليظ فيه في الشريعة، والذي يعظم من منزلة العمل الصالح هو أن تنظر إلى مقدار ما أعد الله له من ثواب.

فإذا كان يمكن للإنسان أن يستحسن ويستقبح بعض الأعمال أو كثيراً من الأعمال قبل ورود الشرع، فإن المقدار في التحسين والتقبيح لا يستوفى إلا بالشريعة، خاصة حين ينسب الإنسان هذا الأمر إلى الشريعة. الذكر مثلاً، احنا ذكرنا الآن هنا في الحديث الذنب، لكن انظر في المقابل الفضل؛ الذكر. لو قد قدر الإنسان بعقله أن يتخيل الأجر المترتب على الذكر بدون أن ينظر في النصوص الشرعية الواردة في ذلك، لربما لا يخطر في باله ولا عسر الفضل الوارد في الذكر. حين تقرأ في النصوص الشرعية، ستجد أن للذكر منزلة خاصة جداً، وانه لا يكاد شيء من الأعمال ينافس الذكر في الفضل.

وأن ذاك الرجل الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن بسر عند الترمذي، قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام كثرت علي، أمرني بأمر أتشبث به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». هذا يعني الخلاصة يعني، إذا تبغى شي تتشبث فيه: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». سيروا هذا جمدان سبق المفردون، هذا في صحيح مسلم. جمدان جبل بين مكة والمدينة، يمكن شرحت قبل فترة موضع في الخارطة في جوجل، يعني هو قريب من منطقة ثوى الآن أو مدينة ثوان.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيروا هذا جمدان سبق المفردون». المفردون قالوا: من هم يا المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات». سبقوا، سبقوا غيرهم، تقدموا غيرهم، هم الأفضل من غيرهم. طيب، إيش اللي يجعل للذكر هذه المنزلة؟ نحن أولاً نقول: نحن نستدل على عظمة الذكر ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى من خلال ما عظم الله من أمره ورتب عليه من الثواب، ثم بعد ذلك نلتزم بهذا الذكر ونجعل له العظمة في قلوبنا وفي نفوسنا والتقديم في الالتزام بناء على ما قدم الله سبحانه وتعالى من شأنه. هذه قضية منهجية في غاية الأهمية وفي غاية الحساسية.

الفائدة الثانية التي يمكن أن تستخلص من هذا الحديث، وإن كان فيها لفظ هذه الفائدة مبنية على لفظ لم يذكر في هذه الرواية، وهي هذه الفائدة هي أن الصدقة الصدقة من أهم الأعمال التي تقي من عذاب الله سبحانه وتعالى. ومرة أخرى، وارتباطاً بالفائدة الأولى، الذي يحدد الأعمال التي تنجي من عذاب الله وتقي من غضبه هو الله سبحانه وتعالى، والذي يحدد الأعمال التي تقرب إليه سبحانه وتعالى وتفتح أبواب المحبة هو الله سبحانه وتعالى.

فالصدقة من أعظم الأعمال التي يتقى بها عذاب الله وسخطه. فالنبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر هذا الحديث وفيه أنه رأى أن أكثر أهل النار النساء بسبب هذا الفعل الذي هو كفر الإحسان وكفر العشير، لم يجعل القضية هي أشبه ما تكون بالتهديد أو لا، وإنما قال ذلك لأنه يعلم، النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الأمر فعلا كذلك، وهو أري النار، رأى فيها ما رأى، فجاء يخبر النساء شفقة عليهن ورحمة بهن وإرشاداً لهن: أنه يا نساء ترى أنا رأيت النار، أريت النار، وأريت كثيراً أو أكثر أهلها النساء، وأعلمت أن من أهم ما سبب ذلك هو كفران الإحسان، فتصدقن.

فتصدقن، يعني هو سياق الحديث كله، سياق الحديث كله هو في قضية الوقاية من النار، الأساس هذا هو في الوقاية من النار: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. هناك أحاديث متعددة تدل على أن الصدقة من أهم أسباب الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى، منها حديث عدي بن حاتم في صحيح البخاري أيضاً، وهو حديث عظيم وجليل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له. فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار. فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة».

يعني من لم يستطع أن يتقي النار في ذلك الموقف الشديد إلا بشق تمرة يتصدق بها فليفعل، وقد تتقى النار بشق تمرة يتصدق بها، فإن لم يجد فبكلمة طيبة. لماذا قال كلمة طيبة؟ لأن الكلمة الطيبة صدقة، فرجع الأمر إلى الصدقة، رجع الأمر إلى الصدقة، يعني صار من أهم أسباب الوقاية من النار الصدقة التي لو كانت بمقدار شق تمرة، نصف تمرة، فهي مجدية ونافعة، وحتى لو لم تجد هذا الشق من التمرة، أتكلم بكلام طيب، لان الكلام الطيب صدقة، لأن الكلام الطيب صدقة. فرجع الأمر كما قلت إلى أن الصدقة تنجي من العذاب وتقي من النار.

طبعا حديث عدي بن حاتم من الأحاديث العظيمة، أنا ذكرت أكثره، ذكرت أكثره باللفظ وربما بعضه بالمعنى، وهناك نصوص متعددة في الشريعة تدل على هذا المعنى، تدل على هذا المعنى. فالإنسان يتصدق. النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أهل الأموال: «هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة، إلا من قال بيده هكذا وهكذا وهكذا وهكذا». يعني أنفق من هنا ومن هنا ومن هنا ومن هنا، أنفق عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه. هذا حديث أيضاً في الصحيح في البخاري: أصحاب الأموال هم الأخسرون يوم القيامة، إلا من قال بيديه هكذا وهكذا وهكذا، كما قلت: أنفق في جهات الخير ووجوهه وعن يمينه، وكأن الإنسان بهذا الانفاق يتقي عنه عذاب الله سبحانه وتعالى.

الصدقة فضلها عجيب جداً جداً، وسيأتينا إن شاء الله في كتاب الزكاة في صحيح البخاري أحاديث في فضل الصدقة ربما لم يسمع بها، يعني نعرف بعض الأحاديث المشهورة، لكن هناك أحاديث ربما لم يسمع بها كثير من الناس وكثير حتى من طلاب العلم. فهي من الفوائد المركزية في هذا الحديث، وإن لم يذكر كما قلت اللفظ هذا في هذا الموضع: الصدقة، أن الصدقة تقي من عذاب الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر والله تعالى أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.