دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم إنا نحمدك ونشكرك ونثني عليك.

اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

نستعين بالله ونستفتح الدرس السابع عشر من دروس غيث الساري. هذا الحديث ضمن كتاب الإيمان، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] فسماهم المؤمنين.

قال حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».

كلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول في الكلام على إسناده وما يتعلق بالصنعة الحديثية. هذا الحديث من المفترض أنكم تعرفون من إسناده عدا من الرواة، المفترض أنكم تعرفون حماد بن زيد أو على الأقل مر عليكم الاسم، وأيوب السختياني تكلمت عنه سابقاً، والحسن هو الحسن البصري معروف طبعا المفترض معروف للجميع. وهذا الذي يهمنا الآن من الإسناد.

أيوب السختياني سبق أني ذكرت أنه من سادات الفقهاء، بل قيل فيه: سيد الفقهاء، وهو من أئمة المسلمين. وأنا لما أقول من أئمة المسلمين ترى أنا ما استعمل هذا اللفظ هكذا، إذا سمعتموه مكرراً ليس من باب الألقاب التي تجدونها في كتب السير. تعرفون في كثير من كتب السير: الإمام، والعلامة، والجهبذ، والفرد، والأوحد، وأوحد زمانه، وفريد عصره، وكذا. أنا بالنسبة لي ما أقول من أئمة المسلمين لا أقصده الألفاظ أو الألقاب التي تلقى جزافاً، وإنما حين أقول مثلاً: أيوب السختياني من أئمة المسلمين، سعيد بن المسيب من أئمة المسلمين، سفيان الثوري من أئمة المسلمين، فأنَا أعني ما أقول وأقصد هذه الألقاب تحديداً. وهذي الألقاب بالنسبة لي لا أقولها إلا لناس بالفعل هم من أئمة المسلمين حقاً.

أيوب بن أبي تميم السختياني من أئمة المسلمين، ومن عبادهم، وزهادهم، وعلمائهم، وفقهائهم، من أهل الحديث والرواية، بل وهو مكثر جداً من الرواية. وأيوب بن أبي تميم السختياني هو بصري كان يعيش في البصرة، وهو من تلاميذ شيخ بصري آخر من أئمة المسلمين أيضاً، وهو محمد بن سيرين. محمد بن سيرين رحمه الله تعالى ورضي عنه، وتذكر تكلمت عنه سابقاً لما واحد منكم سألني: هل هو مفسر الرؤى؟ وقلت: نعم هو المشهور بذلك، وإن كان الكتاب المنسوب إليه ليس صحيح الطريقة من جهة النسبة إليه.

وكذلك أيوب بن أبي تميم السختياني يروي أيضاً عن نافع، يروي عن نافع مو يروي يعني مرة، لا، يكثر عن نافع. نافع من هو؟ تلميذ ابن عمر. احنا اخذنا سابقاً أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه يروي عنه عدد من الرواة، من أشهرهم نافع وسالم وعبد الله بن دينار. نافع هذا مركزي جداً في الرواية عن ابن عمر، من أكثر من يروي عنه مالك الإمام مشهور، مالك عن نافع عن ابن عمر، وأيوب عن نافع عن ابن عمر.

المهم، أيوب السختياني كما قلت هو من أئمة المسلمين ومن الأثبات، وربما ذكرت عنه سابقاً أنه كان من مدرسة التوقي، يعني أنه إذا شك في الحديث ينزل به، يعني إذا تردد الحديث مرفوعاً ولا موقوفاً يأتي به موقوفاً حتى ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً. وهو الذي قيل فيه: شكك أحب إلي من يقين غيرك، لأن أيوب كان من الحفاظ الكبار ومن المتثبتين.

هذا أيوب الذي هو من أئمة المسلمين ومن السادة ومن علماء البصرة الكبار، حري به أن يكون له تلاميذ كبار، حري به أن يكون له طلاب عظماء اخذوا عنه واشتهروا بالرواية وبثوا علوم أيوب السختياني الذي اخذ عن محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين اخذ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من اخذ عن أيوب السختياني؟ هناك عدد كبير، من أشهرهم وأعظمهم علماً وأثبتهم حفظاً ورواية حماد بن زيد، وهو الذي قال فيه ابن المبارك: أيها الراغب علماً أتي حماد بن زيد، أو القصيدة الأبيات المشهورة.

حماد بن زيد كان من العباد ومن الصلحاء، لا أريد أن أقول كان من أئمة المسلمين لأنه لم يشتهر في الأبواب الفقهية كثيراً، وإن كان من العلماء، وهو من أئمة الحديث حفظاً، حافظ من الحفاظ الكبار جداً حماد بن زيد، وهو أحفظ وأضبط من قرينه حماد بن سلمة. وهناك تلاميذ آخرون لأيوب، منهم إسماعيل بن علية شيخ الإمام أحمد، ومنهم عبد الوهاب الثقفي مر معنا في البخاري، ومنهم وهيب المفروض أنه مر معنا. عموماً يكفينا الآن أخذ حماد بن زيد وإسماعيل بن علية.

الوجه الثاني من الكلام عن الحديث هو في توضيح أو بيان الغريب وتوضيح المشكل. الحديث من جهة الألفاظ الغريبة ربما فيه: انصر هذا الرجل، هنا في إبهام، المقصود بهذا الرجل هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وذلك في الفتنة التي حصلت بين الصحابة. الأحنف بن قيس كان يريد أن يذهب في جيش علي رضي الله تعالى عنه، انصر هذا الرجل. قال: ارجع فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحديث. هذا من جهة الغريب واضح.

أما توضيح المشكل فهو الذي سيأخذ معظم الدرس اليوم، وليس الفوائد، وإن كان سأذكره قليلاً من الفوائد بإذن الله تعالى. لكن توضيح المشكل سيأخذ جملة وقت الدرس.

هذا الحديث نموذج على الأحاديث التي إذا لم تجمع بقية النصوص الواردة في نفس الموضوع فإنه يفهم بشكل خاطئ. هذا الحديث يمكن أن يستدل به إنسان وحده دون أن ينظر إلى بقية النصوص، ويقول: إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان يؤاخذ بالهم والنية. لأن الصحابة حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن المقتول يكون في النار، لماذا يكون المقتول في النار؟ القاتل مفهوم قتل مسلما، لكن المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه». وممكن يقول قائل: إن هذا الحديث يدل على أن من يهم بالمعصية فإنه يحاسب على هذا الهم وعلى هذه الإرادة الداخلية.

كما قلت هذا أنموذج على الاختزال الذي يمكن أن يحدث، ويحدث كثيراً جداً، ليس في هذا النص فقط، وإنما في نصوص أخرى كثيرة، أن يأتي إنسان إلى نص من نصوص الشريعة فيهمل بقية النصوص وينظر إلى نص واحد ويبني عليه الحكم كاملاً.

دعونا الآن نسير في رحلة مع النصوص الواردة في هذه المسألة، حتى ندرك أهمية أن نجمع بين النصوص وأن نحللها جميعاً لنخرج بالنتيجة النهائية. ونظراً لأن الأئمة تناولوا التفاصيل المتعلقة بهذه النصوص، فقد اخترت لكم أو اخترت في هذا الدرس أن أتلخص كلاماً لأحد العلماء الذين ابدعوا وأجادوا وأفادوا في الكلام على هذه المسألة، وهي مسألة النية، نية المعصية، النية الحسنة، النية بشكل عام، هل يجازى عليه الإنسان أو لا يجازى إذا لم يعمل بموجبها ومقتضاها؟ وهو الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه جامع العلوم والحكم عند شرحه لحديث: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، ومن هم بسيئة فلم يعملها...» وفي حديث من عمل بالحسنة ومن عمل بالسيئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

فقسم الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى الحالات إلى أربع حالات: الحالة الأولى: من هم بالحسنة وعمل بها. الحالة الثانية: من هم بالسيئة وعمل بها. الحالة الثالثة: من هم بالحسنة ولم يعمل بها. الحالة الرابعة: من هم بالسيئة ولم يعمل بها.

حديث أبي بكرة يتنزل على أي حالة من الأربعة؟ الحالة الرابعة، واضح، اللي هي من هم بسيئة فلم يعمل بها. جميل.

دعونا الآن نسير مع ملخص كلام ابن رجب في كل حالة من هذه الحالات، وهو حقيقة كلام جميل جداً. وترى أنه أخذ النصوص وكأنه معه إبرة وينسج حتى يخرج لك النصوص في ثوب متكامل ملون جميل، لو نظرت إلى جزء منه لم تكن تفهم أنه ثوب، ولكن حين تنظر إليه بشموليته ستفهم بشكل جيد أنه ثوب متكامل مفصل.

الحالة الأولى: الهم بالحسنة والعمل بها. نأتي لمن هم بها وعمل، الآن عمل بالحسنة، هناك قاعدة شرعية تقول إن من عمل الحسنة فإن الله سبحانه وتعالى يكتبها له مضاعفة مباشرة إلى عشر حسنات. يعني الإنسان يأتي يوم القيامة توزن أعماله الحسنات والسيئات، الحسنة الواحدة تأتي بعشر حسنات، والسيئة الواحدة تأتي بسيئة واحدة. وهذا أول شيء في مسألة الحسنات والسيئات، أول نقطة أنه تضاعف إلى عشر حسنات.

والدليل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160].

هل يمكن أن تضاعف الحسنات لما هو أكثر من ذلك؟ لما هو أكثر من عشر حسنات أو عشر أمثال؟ نعم، يمكن أن تضاعف لما هو أكثر من ذلك. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261].

وأيضاً حديث أبي مسعود: جاء رجل بناقة خطومة يتصدق بها في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة».

الان هذه المضاعفة إلى سبعمائة ضعف، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيضاً: «إذا أسلم أحدكم فحسن إسلامه فكل حسنة يعملها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً هناك مجال للتفاضل بين من يعمل الحسنة الواحدة نفسها، وهناك مجال للتفاضل بين الحسنات بشكل عام، فليس كل حسنة تسجل أو تكتب بنفس الدرجة.

هذي الآن الحالة الأولى، وهذي حالة غير مشكلة، حالة واضحة.

الحالة الثانية: حالة العمل بالسيئة. إذا هم بالسيئة وعمل بها، تكتب واحدة، كما في الحديث الصحيح: «ومن هم بسيئة فلم يعملها»، أو «من هم بها فعملها، بالسيئة كتبها الله سيئة واحدة».

حسناً، هل تضاعف السيئة أو لا تضاعف؟ هل يمكن أن تضاعف السيئات أو لا تضاعف، فقط التي تضاعف الحسنات؟ الأصل أن الحسنات هي التي تضاعف، والسيئات لا تضاعف، هذا هو الأصل.

ولكن قد تضاعف السيئات في حال ارتكابها في زمان معظم، أو في مكان معظم. هذا أما مطلقاً وإما قد ينزل على حالة خاصة. وأنت ترى أن من ارتكب خطيئة في المسجد، وأنت تستبشع منه هذه الخطيئة ما لا تستبشعه أو بالقدر الذي لا تستبشعه في خارج المسجد، وإن كانت هي نفس الخطيئة. فلو قدر أن إنساناً أعماه الله سبحانه وتعالى وخذله حتى مثلاً فعل فاحشة في المسجد، لكان مقدار ما تصدم به جراء هذه المعصية أضعاف أضعاف ما لو سمعت بأنه عملها خارج المسجد. فأنت ترى أنه لم يعملها في داخل المسجد إلا وقد هانت شعائر الله في قلبه، ولم يكن عنده من التعظيم لله سبحانه وتعالى ما يمنعه على الأقل من أن لا يرتكب مثل هذه المعصية في المسجد. واضح؟

ولذلك استدل العلماء بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، ومن يرد فيه، اللي هو في الحرم. ولذلك أيضاً، وهذا ذكره ابن رجب، أن عدداً من الصحابة كانوا يفضلون عمداً ألا يسكنوا في مكة خوفاً من مضاعفة الذنب الذي يعملوه في الحرم، لأن هذا المكان معظم. وهو ذكر عن مجموعة من الصحابة هذا المعنى، ونقل كلاماً عن الإمام أحمد من مسائل إسحاق بن منصور.

وبالمناسبة، المسائل التي يسألها الإمام أحمد المتعلقة بالأحاديث مسائل جليلة جداً جداً جداً، وهناك عدد من أصحابه سألوه هذه المسائل. فهناك كتاب مثلاً مطبوع بعنوان مسائل أبي داود الإمام أحمد، أبو داود صاحب السنن نفسه تجده يسأله أسئلة كثيرة، هذه الأسئلة تجد فيها فوائد جميلة. يعني من العظيم جداً والجميل جداً أن الإمام أحمد حين يُسأل بعض الأسئلة: هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا؟ يقول لك: لا. نعم. هو السنة، كل السنة أمام عيني الإمام أحمد. هو كان حافظاً ليس فقط لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان حافظاً جل كلام الصحابة بالأسانيد. أغلب ما نقل عن الصحابة في العلم والدين يحفظه الإمام أحمد، بالإضافة إلى حفظه للسنة. جيد، حفظي للسنة ما أتكلم عن ما بعد ذلك، أخرجه البخاري أو مسلم لا، هو يحفظ حتى يعني المفترض أنه يحفظ كل ما يصح أن يقال فيه مقبول من السنة، سواء مما ضعف إسناده مقبول، أقصد قبول الاعتبار وليس قبول الاحتجاج.

استوقفتني حقيقة هذه الجملة؛ لما سأل إسحاق بن منصور أحمد قال: هل في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ فقال: لا.

قوله لا؛ ليس جزافاً، وإنما قول الإمام أحمد لا ليس في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة، هو يقول لك: ترى أنا يا إسحاق بن منصور أنا أعرف أنه لا يوجد شيء من الحديث في هذا، ثم قال: ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد، ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد. هنا لا أدري هل يقصد شيئاً وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء وارد عن الصحابة؟ قد يكون وارد عن، عفواً، عفواً، يقصد وارد عن الصحابة، يقصد شيئاً وارداً عن ابن مسعود، وهم كانوا يقولون في كلام الصحابة يسمونه حديثاً، وحتى كلام غيرهم، هذا مصطلح معروف عند المحدثين.

إذاً السيئة لا تضاعف، ولكن يخشى من مضاعفتها في المكان الشريف أو في الزمان الشريف. ومن المضاعفة في المكان الشريف كما قلنا الحرم، هذه الصورة الأشهر عند العلماء، بل ربما لا يحملونها على غيرها، لكن أنا اقول إنه يعني لا شك أن ارتكاب الذنب في المسجد ليس مثل غيره، هذا يعني أكيد. وفي الزمان أيضاً قالوا الأشهر الحرم، الله سبحانه وتعالى قال بعد أن ذكر قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

السؤال: هل ظلم النفس في غير الأشهر الحرم جائز؟ الجواب بالطبع لا، الظلم منهي عنه في كل وقت. لكن حين يؤكد الله سبحانه وتعالى فيقول: لا تظلموا فيهن أنفسكم، معناه انتبه أكثر، فهناك أمر مؤكد، هناك أمر مؤكد. وهناك نص أنا قرأت سريعاً كلام ابن رجب لم أقف عليه، أظنه لم يذكره لكنه الآن طرأ في ذهني حقيقة.

دعوني أبحث عن نصي سريعاً، وهو دليل على مضاعفة أو على تغليظ الذنب في الأوقات الفاضلة، مين يقدر يعرف؟ اسمعوا الحديث في صحيح البخاري، في صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي، ولم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر، أقام سلعته بعد العصر وقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا، أو أعطيت بها كذا وكذا، فصدقه رجل» ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77].

هذا بعد العصر، من العلماء من قال لأنه وقت معظم. دعوني أقرأ إذا كنت وجدت سريعاً كلام ابن حجر رحمه الله. طيب، قال الخطابي: خص وقت العصر أو خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً، فإن من تجرؤ عليها فيه اعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر وجاء ذلك في الحديث أيضاً، إلى آخر الكلام.

الآن هذا دليل أيضاً على أن الزمن المعظم تغلب فيه المعصية، فعندنا ورد صريحاً في بعد العصر، وفي الأشهر الحرم يفهم من الآية ذلك. الآن هاتان الحالتان كلاهما في العمل، كلاهما في العمل. الآن ننتقل إلى المقصود ابتداءً وهو في الهم والإرادة دون عمل.

الحالة الثالثة هي الهم بالحسنات دون العمل بها، هذه من كريم فضل الله علينا، أن الله سبحانه وتعالى يكتبها حسنة كاملة، إذا هم الإنسان بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة. وهذا الهم وضحه العلماء بأنه ليس الخاطر الوارد، يعني مو كأنها فكرة مرت سريعاً وانطلقت، وإنما الهم الذي يخامر القلب فيصير عزماً، ويصير عزماً. يعني مثلاً كما قال أبو الدرداء، وهذا أيضاً نقله ابن رجب وهو روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصححه بعض العلماء ولكن الأصح أنه موقوف على أبي الدرداء وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الدرداء: من أتى فراشه وهو ينوي أن يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى.

الآن واحد نائم، ما جاءت فكرة أنه إيش رايك نصلي الليل والله صلاة الليل حلوة، بس ولا عالج هذه الفكرة ولا استقرت في نفسي ولا شيء ونام، هذا ما تكتب له حسنة. وواحد نام وهو عازم أنه يصلي في آخر الليل فلم يستيقظ، هذه تكتب له حسنة، واضح؟ هنا الآن في فرق بين الخاطر الوارد السريع هذا الذي لم يستقر، وبين الاستقرار والهم الحقيقي المسحوب بالعزيمة.

طيب إذا صاحب هذا الهم والعزم، إذا صاحبه شيء فعلي يدل عليه، مثلاً أن يتكلم الإنسان بكلام متعلق بهذا العمل، فهنا قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: يقول التحق بصاحب العمل، تأكد الجزاء والتحق بصاحب العمل. إيش تأكد الجزاء والتحق بصاحب العمل؟ إيش الفرق إذاً بين الذي عمل وتعب وقام واجتهد وصلى، وبين إنسان نوى أنه يصلي وحاول وحصل منه عمل ووقت الساعة واستيقظ ولكن الهم غلب، آخر شيء غلب؟ إيش الفرق بين الاثنين بين واحد عمل وبين واحد لم يعمل؟ أو نأتي بالحديث أو بالصورة التي في الحديث، حديث أبي كبشة المعروف وسأقرأه بعد قليل: واحد عنده مال كثير يتصدق به ليلاً ونهاراً، والآخر ليس عنده مال ولكن عنده نية صادقة مصحوبة بعمل بقول: لو كان لي من المال مثل فلان لتصدقت به والله يعلم أنه صادق. حين يقول هذا الكلام، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن هذه الحالة تحديدا أو نصاً: وهو بنيته فأجرهما سواء.

أول شيء الله أكبر، يعني ما أعظم هذا! ما أجمل هذا! يعني أن تفتح لك أبواب من الحسنات لمجرد أنك فقط تكون صادق النية. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». الإنسان يؤجر، ويكون أجره مثل اجر من عمل بالعمل إذا كان صادق النية وصحب نيته شيء من العمل.

حسناً، ما الفرق بينه وبين من يتعب وينصب؟ ما الفرق؟ نعم، كما تفضلت أستاذة عائشة، قضية المضاعفة، قضية المضاعفة. يضاعف العمل للعامل ولا يضاعف للذي نوى وتكلم وقال أنا أتمنى أن أفعل. أصل الأجر يكون سواء، لكن الأول الذي عمل يضاعف له ما لا يضاعف للثاني.

من أين استدلوا على ذلك؟ من لطائف ما استدل به، تعليق ابن عباس رضي الله تعالى عنه على قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 95-96]. مرة قال درجة ومرة قال درجات، إيش الفرق؟ يقول حبسهم العذر، اللي حبسهم العذر إيش؟ هؤلاء هم الذي هو فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، مع أنهم بنيتهم، تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أقواماً بالمدينة خلفنا، ما سلكتم وادياً ولا شعباً إلا كانوا معكم فيه»، وفي رواية: «إلا شركوكم الأجر حبسهم العذر». ومع ذلك هؤلاء الذين حبسهم العذر وكانوا صادقين، مع أنهم ينالون أجر الجهاد في سبيل الله، ولكن الذي جاهد بنفسه هو أفضل درجة، فضل الله المجاهدين على القاعدين المعذورين درجة، والقاعدون الآخرون هم غير المعذورين، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات. القاعدين الثانيين هذول هم القاعدون بدون عذر، أما القاعدون الأولون فالقاعدون بعذر.

القاعدون الأولون بعذر، والقاعدون الآخرون بدون عذر. الفرق بين المجاهد في سبيل الله بالمال والنفس وبين القاعد بعذر وكان ينوي أن يكون معهم هو أنه يففضل عليه درجة، وبين بين المجاهد وبين القاعد بدون عذر -ولو كان من أهل الجنة- أنه الفرق درجات. هذا من الأقوال طبعا في تفسير الآية، وليس بالضرورة أن يكون هو الأرجح مطلقاً، وإنما هذا من الأقوال الأساسية أو المشهورة في تفسير الآية.

احنا الآن إذا نتكلم عن الحالة الثالثة اللي هي الهم بالحسنات وتكلمت عن التفاصيل المرتبطة بها، الآن بقيت الحالة الأخيرة التي منها ومن جملتها وفرع منها الحديث الذي معنا اليوم، حديث البخاري: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، وقال عن المقتول إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.

هنا الهم بالسيئة حالات وليس حالة واحدة، والسيئات التي يهم بها أنواع وليست نوعاً واحداً، وفيها تفاصيل، ولكل جزء حكم، ولكل مقام حكم، وتكتمل صورة النظر بهذا التكامل وهذا الجمع. حسناً، ما هي الحالات؟

الحالة الأولى أن يعزم على السيئة ثم يتركها لأجل الله، يتركها لأجل الله. مثلاً إنسان وجد مالاً لشخص يعرف أنه ماله ومال كثير، وبسحبة يد واحدة يمكن أن يحصل على عشرة آلاف دولار مثلاً، فيهم فيهم بذلك ويعزم، ثم يتذكر الآخرة والنار والحساب والموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وينزع ولا يأخذ، هذا الآن لا نقول ليس له ولا عليه، ولا نقول بطبيعة الحال من باب أولى تكتب له سيئة، هذا تكتب له حسنة، هذه حالة واضحة وواردة في الحديث، لأنه ورد في الحديث: «فإن تركها من جراي» أو «فإن تركها من أجلي»، قال الله سبحانه وتعالى.

حسناً، إذا قد تركها خوفاً من المخلوقين، واحد يبغى يسرق العشرة آلاف دولار هذه وهم وعزم، فجأة انتبه صاحب المال للمال، فذاك هرب أو التفت وعمل أنه ما شاف شي ومشى. الآن هذا هم بسيئة ولم يعملها، أليس كذلك؟ في وصف الحالة تقول هو هم بسيئة ولم يعملها، ولكن تكتب عليه سيئة ويعاقب عليها، لأن الذي منعه من عمل السيئة هو الخوف من الناس.

هم بسيئة، هاي حالة ثالثة الآن، هم بسيئة ولم يتركها خوفاً من الناس ولا خوفاً من الله، وإنما فترت همته عنها. ما رأيكم؟ الآن هم بسيئة، أما بسيئة مو هم خاطر، الآن دعونا بس أوضح شيئاً، دعوني أوضح شيئاً: الخاطر بالسيئة لا سيئة فيه، لا سيئة فيه، مثلاً إنسان رأى امرأة جميلة، رجل رأى امرأة جميلة، الخاطر له خاطر سوء ثم صرفه مباشرة، هذا لا تكتب عليه سيئة، لا تكتب عليه سيئة. جيد، نفس الشيء إنسان رأى مالاً بإمكانه أن يسرقه، خطر له في خاطره أن يأخذه على طول مباشرة، صرف الخاطر، لا استقر في قلبه ولا صار عزيمة، هذا لا يحاسب على ذنبه، لا تحاسب على هذا الخاطر.

حسناً، إنسان قرأ آية من القرآن وورد عليه خاطر شك في الآية، خاطر شك في الآية، هذا لا يكفر، ولا يكون شكاً إذا دفع هذا الخاطر، دفعه لم يستقر، مر عليه مروراً كأن شيطاناً قذف في نفسه شيئاً، أو نفسه عالجت فكرة ولم تستقر فدفعها وقال: استغفر الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانصرف، هذا لا تكتب عليه سيئة، وهذا الذي يتنزل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»، أو «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».

طيب، لكن إذا لم نكن نتكلم عن هذه الحالة الخاطرة، عن حالة الخاطرة العابرة، نتكلم عن إيش؟ نتكلم عن إنسان استقرت في نفسه السيئة وهم بها وعزم عليها، ثم انشغل، جاء شيء آخر صرفه ونسي الموضوع، إيش الموضوع؟ لم يتركها لأجل الله، ولم يتركها رياء ولا خوفاً من الناس، وإنما مثل ما قلت لكم يعني انشغل، جاء شي صرفه، صار له حادث، تزحلق، صار له شي، أي حاجة في الحياة، ما قدر يعمل هذه المعصية، إيش يكون عليه؟

هذه المسألة طبعاً فيها تفصيل أيضاً، فيها تفصيل. القسم الأول أن تكون هذه المعصية من أعمال القلوب. القسم الثاني أن تكون من أعمال الجوارح.

من أعمال القلوب مثل ايش؟ من أعمال القلوب مثل الاعتقاد، مثل التصديق، التصديق بالله، التصديق بلا إله إلا الله بمحمد رسول الله، مثل الاعمال القلبية المتعلقة بالناس، اللي هي مثلاً الحسد، الغل، سوء الظن، إلى آخره، هذا إذا استقر في النفس وثبت فيها ولو لم يتبعه عمل وصار ساكناً مستقراً واضحاً، فهذا تترتب عليه آثاره من الكفر ومن النفاق ومن الذنوب والسيئات، جيد، لأنه أصلاً هذا محل القلب، وسينتج عنه العمل من لازم استقراره في القلب، ونحن نتكلم عن وجوده في القلب قبل ظهور اللازم، لأنه أصلاً إذا وجد في القلب واستقر فلا بد أن يظهر عليه، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30] إلى آخره.

إذاً إذا كان من أعمال القلوب واستقر وصار عزماً وسكن في النفس ولو لم يظهر أثر، فانه يكون محاسباً به. وأما إن كان من أعمال الجوارح

كالسرقة والزنا وما إلى ذلك من أعمال الجوارح التي هي أصلاً لا تكون بالقلب، وإنما تكون بالجوارح. ولكن تكون خاطرة ثم هم ثم عزيمة، واستقرت العزيمة ونوى فعلاً، وكان صادق النية في أن يعمل هذا العمل السيئ، ثم كما قلت حصل شيء جعله ينسى الموضوع أو ينشغل بشيء آخر.

هنا هناك قولان لأهل العلم في هذه المسألة. ونقل ابن رجب رحمه الله عن كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أن هذا مما يؤاخذ به الإنسان، وبعض العلماء نقله قال وهو منسوب إلى نص الشافعي، ونقله عن بعض العلماء أنه لا يؤاخذ به استدلالاً بعموم أحاديث الذي هم فلم يعمل، ولكن نسب إلى الأكثر من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه يؤاخذ عليه؛ لأنه استقر في نفسه وصار ساكناً في قلبه، ولم يتركه لأجل الله، وكأنهم حملوا من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة -أو كتبت له حسنة- أن هذا ينحصر فيما لو تركها لأجل الله سبحانه وتعالى، استدلالاً برواية في الحديث: إنما تركها من جرايا، إنما تركها من جرايا حسناً.

طبعا مما استدلوا به أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235]. ومما استدلوا به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس».

بقيت حالة أخرى، وهي أن يهم الإنسان بالمعصية ويعزم عليها، ثم يشرع في العمل المؤدي إلى المعصية ولكن لا يصل. هنا يكتب له السيئة ويؤاخذ عليها. وهنا يتنزل حديث الباب: «إذا التقى المسلم ان بسيفيهما» هذا اخذ سيفه -اخذ سيفه- ووقف أمام المسلم الآخر وأراد أن يقتله، ولكن لم يستطع، حيل بينه وبين قتله، هذا في النار، عليه ذنب، عليه هذا الذنب، القاتل والمقتول في النار.

لماذا هو هم بالسيئة؟ هم بالسيئة وسعى فيها، سعى عمل، بدأ شرع، ولكن لم يحقق، هو أراد القتل وما استطاع. واحد أراد أن -مثلاً- أراد أن يزني، رآه أبوه ولا قريبه منعه، وهذا ذهب في الطريق، هذه تكتب له السيئة. طبعا من باب أولى في الحسنة: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].

المهم أن السيئة إذا عملها الإنسان وشرع فيها، فانه يحاسب عليها. هذه الآن هذه حالات تجعل الحديث يفهم في سياقه وفي محله الذي ينتمي إليه من دائرة هذه النصوص التي تتحدث عن هذا الباب وهذا المعنى.

هذا ما يتعلق بالوجه الثاني، ولعله تبين معنا كيف أن الإنسان يحتاج إلى ألا ينظر أو يحكم على مسألة من خلال نص واحد، وإنما يرسم صورة كامل المسألة من خلال مجموع النصوص.

الوجه الثالث من الكلام على هذا الحديث هو في ذكر شيء من الفوائد التربوية أو المنهجية والإيمانية وحتى العلمية التي يمكن أن تستخرج من الحديث. عندنا من الأشياء التي يمكن أن نستفيدها من هذا الحديث هو أن الإسلام يركز على الدوافع، وعلى خلنا نقول المبادرات والمحركات والبدايات أكثر من التركيز على النتائج. الإسلام يهتم بالمحركات والبواعث والانطلاقات والأدوات والأسباب والظروف المحيطة أكثر من التركيز على النتائج.

فلو كان القضية معلقة بالقتل فقط، لما كان هذا الرجل الذي أراد أن يقتل صاحبه فلم يصبه بخدشة، لما كان معاقباً بالنار؛ لأن الإسلام لا يعلق القضية على النتيجة التي هي القتل، لا يعلق القضية على النتيجة، وإن كان بلا شك الذي قتل أعظم وزراً، أو هكذا يعني يفهم من النصوص أنه أعظم وزراً بالتغليظ الشديد الذي حصل أو الذي قاله الله سبحانه وتعالى في القرآن عن من يقتل مؤمناً متعمداً. لكن حتى هذا الذي لم يقتل هو في النار؛ لأنه كان حريصاً، سعى، بذل.

بعكس ذلك: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر». النتيجة لصاحب الأجر خاطئة، وفيها مخالفة لحكم الله في حقيقة الأمر، ولكنه مأجور وإن خالف حكم الله في حقيقة الأمر لأنه اجتهد وامتلك الأدوات المبررة للاجتهاد. العبرة بالمحرك والباعث والظروف المحيطة، إذا أكمل الإنسان الشروط فالأجر يتحقق له. هذه قضية مهمة جداً، مهمة للغاية، نستفيدها من هذا الحديث أن الإسلام يركز على البوائث والمحركات، يركز على البدايات، على الظروف المحيطة، على الأسباب، ولا يحصر القضية في النتائج.

وهذا من الفروق بين القوانين الظاهرة التي تتعامل مع التصرفات الإنسانية بالنتائج. وإنما هنا الإسلام ليس فقط في هذا الحديث، يعني هنا قد تجد بعض القوانين تتكلم عن مثل هذا، لكن أقصد بشكل عام الذي يتأمل في نصوص الشريعة بشكل عام سيجد الفرق في ذلك.

الفائدة الثانية هي فيما يتعلق بفهم هذا النص من جهة معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في النار: المقتول في النار، حتى القاتل في النار، هل المقصود أنه قطعا في النار؟ الجواب: لا. وإنما معنى هذا الحديث أنه فعل فعلاً من الأفعال التي توجب له النار. هناك نصوص أخرى تقول مثلاً: «فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». نحتاج نجمع بينها وبين نصوص كثيرة، لكن ليس هذا مقام الجمع سيأتي، وذكرناه سابقاً في مدارج السالكين لو تذكرون، الإام ابن القيم ذكره طويلاً، والإمام ابن رجب في جامع علوم الحكم لمن أراد أن يرجع سريعاً للمسألة يعني سيجده تكلم عنها طويلاً. لا أذكر الآن في أي حديث حقيقة، لكن من السهل الإنسان يرجع إليه.

لكن إيش المقصود؟ المقصود أن كما فعلنا في الجمع بين النصوص وفي تصور المسألة عن طريق كل الاحاديث أو مجموعة من الأحاديث المتعلقة بالنية والهم، وهم الحسنة والهم بالسيئة، والفرق بين هم السيئة إذا كانت عمل قلبي أو لا، إذا استقرت أو لا، إذا كانت خاطرة أو لا، إذا تكلم بها أو لا إلى آخره. وكذلك وبلوى من باب أولى في النصوص التي تتكلم عن موجبات العذاب وموجبات الرحمة، هذه من يجتزئ شيئاً منها يضل.

ومن ذلك ما ضل به الخوارج، الخوارج ضلوا لاجتزائهم -أو من أسباب ضلالهم- اجتزائهم الأخذ بالنصوص بنصوص الوعيد. والمرجئة ضلوا باجتزائهم النظر وحصرهم إياه في نصوص الرجاء والرحمة. والمطلوب النظر بالعينيين إلى البوابتين أو إلى الحزمتين، ومن ثم التأليف بينها أي الجمع، النظر التكاملي بينها. ولأن الكلام عنها طويل أو عليها طويل جداً ولانه مر أيضاً معنا فلن أطوله، أجعل الحديث عنه هذا اليوم، خاصة أنه سيأتي إن شاء الله يعني هناك أحاديث كثيرة في البخاري متعلقة بهذه المسألة مثل: «لا يدخل الجنة قاطع»، ومثل حق الله على العباد حديث معاذ المشهور، وأحاديث أخرى يعني مشهورة أيضاً في هذا الباب.

لكن فقط أردت أن أنبه تنبيهاً سريعاً ومختصراً أنه القاتل والمقتول في النار المقصود أنهم فعلوا فعلاً مما يوجب دخول النار، وكأن هناك بمجموع النصوص الأخرى نأخذ الاستثناء فنقول ما لم يكن، أو إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، ومن الموانع ألا تكن هناك حسنات أكثر منها، ومن الموانع وأن وأن وأن إلى آخره، هذا بالإضافة إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. إلى آخر الكلام، لا أريد أن أختزلهم هنا لاني لو ذكرت أكثر سأذكر فقط أطرافاً من المسألة فيكون الكلام ناقصاً، لكن فقط أردت الإشارة بشكل سريع.

الفائدة الثالثة والأخيرة هي أن هذا الحديث يكشف لنا شيئاً من حالة الالتباس التي كانت موجودة في وقت الفتنة التي حدثت بين الصحابة، وأن القضية لم تكن كما يصورها بعض المعادين للصحابة أنها قضية دنيوية خالصة واضح فيها الظلم والجور والاعتداء والبَطْش من جهة، وإرادة سحق الإسلام وإرادة إفناء أهل بيت رسول الله والحق، وفي المقابل الجهة الأخرى لا، وإنما كانت القضية وإن كان فيها صواب وخطأ، وإن كان فيها من بغى على الآخر، ولكن القضية كان فيها فتنة والتباس.

ولذلك هذا موقف أبي بكرة مثلاً لما التقى بالأحنف بن قيس وهو ذاهب إلى هناك، ويقول له أبو بكرة: أنا أنصحك ألا تذهب لا إلى هذا الطرف ولا إلى هذا الطرف. طيب أبو بكر ليس مع أي منهما، وهذا ليس موقفا خاصا به. هناك موقف من هو أكبر وأجل من أبي بكرة من أئمة الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، ومثل عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد، هؤلاء من كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

فهذا الحديث من المصادر والمراجع التي نفهم منها شيئاً من حالة الالتباس، اللي هو موقف أبي بكر لما قال لا تروح هنا ولا هنا، ترى القضية فتنة، واحذر من الدخول في فتنة قد يلحقك فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القاتل والمقتول في النار». طبعا هذا من جهة نظر أبي بكرة رضي الله تعالى عنه وأنا أتكلم هنا من هذه الزاوية فقط، وإلا أيضاً لو نظرت إلى النصوص الأخرى ستجد أن هناك من النصوص ما يبين صواب موقف علي رضي الله تعالى عنه، وإن لم يكن الأفضل، وإن لم يكن بالضرورة أن الأفضل هو القتال، ولكن في القتال الذي حصل أيهما أصوب وأيهما الذي بغى؟ وهذا موضعه أو موضع التفصيل فيه في مقام آخر. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.