دخولتسجيل الدخول

ننتقل بعد ذلك إلى مسائل الجهاد. وكتاب الجهاد يختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في موضعهم؛ بعضهم يجعله في أبواب العبادات وهو مذهب الحنابلة، طريقة الحنابلة المستقرة أنهم يجعلون الجهاد في أبواب العبادات، قالوا: لأنه أفضل العبادات، الجهاد عند الحنابلة هو أفضل ما يتطوع به. وبعض العلماء يرى أن أفضل ما يتطوع به طلب العلم، وبعضهم يقول: أفضل ما يتطوع به هو الصلاة، وهذه مسألة خلافية.

ما حكم الجهاد؟ الجهاد يكون تارة فرض عين، ويكون تارة فرض كفاية. متى يكون فرض عين؟ إذا حصر العدو بلداً من بلدان المسلمين فيجب على أهل ذلك البلد أن يدفعوا الحصار عن أنفسهم. الثاني: إذا صال العدو على بلد من بلدان المسلمين وجب على أهل ذلك البلد أن يدفعوا عن أنفسهم. الثالث: إذا استنفر الإمام أو السلطان ولي الأمر استنفر شخصاً أو استنفر المسلمين فانهم يجب عليهم أن ينفروا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا». الرابع: إذا حضر الصف، حضر صف الجهاد الشرعي ولما بدأت المعركة وهو راح تطوعاً يعني رأى الرؤوس تتطاير والدماء تسيل، قال: والله أنا باخذ بالقول الثاني؛ أفضل ما يتطوع به الصلاة ولا طلب العلم! نقول: إذا حضر الصف فإنه لا يجوز له أن يفر؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. ما سوى ذلك يكون الجهاد فيه فرض كفاية وليس فرض عين.

الجهاد له شروط، وهذا شأن العبادات جميعاً. فالإنسان قد يأتي ويصلي لكن تكون صلاته آثماً، كما لو صلى من غير وضوء! يقول: أنا بصلي من غير وضوء، نقول: هذا يأثم بذلك ويفسق بذلك، بل بعض أهل العلم يذهب إلى أبعد من هذا. فكذلك الجهاد له شروط، ليس كل من أراد الجهاد أصابه، فنقول: الجهاد له شروط، والصلاة لها شروط، والزكاة لها شروط، والحج له شروط إلى آخره.

ما هي شروط الجهاد؟ عندنا شروط تتعلق بالمقاتل: لا يجب القتال إلا على المسلم البالغ (خرج به الصبي)، العاقل (خرج به المجنون)، الذكر (خرجت به المرأة، فالمرأة لا يجب عليها الجهاد)، الحر (خرج به العبد)، المستطيع (خرج به العاجز)، قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61]. ويشترط أيضاً، وهو شرط لجواز الإذن: وهو إذن الإمام وإذن الوالدين، أن يكون مأذوناً من الإمام ومأذوناً له من الوالدين، ما لم يتعين الجهاد عليه، فإذا كان الجهاد غير الجهاد المتعين فإنه لا بد من إذن الإمام وأذن الوالدين. يقول صاحب الزاد: ولا يجوز الغزو إلا بإذنه، إلا أن يفجاه عدو يخافون كلبه. جاءه الكافر، حط المسدس في رأسه يريد أن يقتله، فحينئذ يدفع عن نفسه، ولا يقول: اصبر بروح أستأذن من أمي وأبوي وأجيك! نعم، فنقول: إذا تعين عليه أن يدفع عن نفسه فيدفع.

كذلك بالنسبة للشروط المتعلقة بالمقاتل، ليس كل من يقاتل يكون قتاله جهاداً، إنما يكون ذلك إذا تحققت شروط: الأول: أن يكون كافراً، أما قتال المسلم فليس من الجهاد، حتى لو كان قتال المسلم قتالاً مشروعاً؛ لأنه فيه قتال للمسلمين مشروع ولا ما فيه؟ قتال أهل البغي، البغاة الذين يخرجون على الإمام يقاتلهم الإمام أهل البغي، لكن هذا لا يأخذ أحكام الجهاد من جهة الغنيمة ومن جهة مسائل أخرى كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله في أبواب الجنايات ما يتعلق بقتال أهل البغي، لا يكون جهاداً بالمعنى الاصطلاحي الخاص؛ لأن الجهاد له إطلاق، إطلاق عام فيطلق على كل التعبدات التي فيها مجاهدة للنفس، وإطلاق خاص ويطلق على جهاد الكفار وقتال الكفار خاصة. الثاني من شروط المقاتل: أن يكون حربياً، والمقصود بالحربي هنا أن لا يكون مستأمناً (المستأمن ليس جهاداً وليس بجائز أصلاً)، الثاني: أن لا يكون معاهداً، الثالث: أن لا يكون ذمياً. الحربي هو غير المعاهد، من ليس بينه وبين المسلمين ذمة ولا عهد ولا أمان. فلو كان مثلاً -وسياتي تفصيل هذه المسائل: المعاهد والمستأمن والذمي سياتي تفصيله-. الثالث: أن يكون بالغاً، أما قتل الصبي فهذا لا يجوز. الرابع: أن يكون عاقلاً، فلا يجوز قصد المجانين بالقتل. الخامس: أن يكون ذكراً، فلا يجوز قتل المرأة في الجهاد. السادس: أن يكون من أهل القتال، أما العاجز عن القتال كالزمن والمريض والمقعد فهذا لا يجوز قتاله في الجهاد.

طيب، الذين لا يجوز قتلهم هم من لم تتحقق فيهم الشروط السابقة، ومنهم: الصبي فلا يجوز قصد الصبي بالقتل. الثاني: المرأة، فلا يجوز قصد المرأة الكافرة الحربية (امرأة كافرة حربية يعني ليست ذمية ولا مستأمنة)، هل يجوز قصدها بالقتل؟ لا يجوز ذلك واضح. كذلك الأعمى، وكذلك الشيخ الفاني الكبير الذي ليس له قدرة على القتال، وكذلك الراهب المعتزل للأمور كلها ويتعبد في صومعته لا يجوز قصده بالقتل، وكذلك الزمن وهو المقعد المشلول ونحوه فلا يجوز قصده بالقتل إلا في حالة إذا قاتلوا أو أعانوا. لو حملت المرأة السلاح في جيش الكفار وصارت تحارب المسلمين وتقاتلهم، فهنا حينئذ يسقط تحريم قتلها. الأمر الثاني: إذا أعان شيخ مقعد، لكنه هو الذي يضع خطة الحرب لقتال المسلمين وجهادهم (هو مقعد ما يستطيع من السلاح)، فهذا أعان على الأمر. الأمر الثالث: إذا كان قتلهم على سبيل التبع، فوجد مثلاً في الجهاد قتلهم تبعاَ وقد جاء هذا في حديث الصعب بن جثامة في مسألة التبييت أو في الأشياء التي يعم القتل بها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رمي الطائف بالمنجنيق، فمثل هذه الأشياء لا يمكن أن تميز امرأة عن صبي فيحصل أحياناً فيها قتل النساء والأطفال تبعاً لا قصداً، واضح هذا بالنسبة للمقاتل.

بالنسبة للغنيمة: إذا أخذ المسلمون أسرى من الكفار، فإن كان هؤلاء الأسرى ممن يجوز قتلهم فإن الإمام يخير فيهم بين أربعة خيارات. بالنسبة للغنيمة إذا أخذ المسلمون أسرى من الكفار، فإن كان هؤلاء الأسرى ممن يجوز قتلهم فإن الإمام يخير فيهم بين أربعة خيارات: الأول: قتلهم فيجوز قتل الأسير إذا رأى الإمام المصلحة في قتله. الثاني: أن يمن عليه ويقول: اذهب فأنتم الطلقاء. الثالث: أن يطلب منه فدية لفداء نفسه. والرابع: الاسترقاق، فيخير (يجعله عبداً رقيقاً). يتخير الإمام الأصلح من هذه الأمور الأربعة، والتخيير هنا تخيير مصلحة ينظر في الأصلح من ذلك. وأما من يحرم قتله فيحرم أسره.

قد تحصل الغنيمة للأموال المنقولة (يعني ايش المنقولة؟ ما سوى العقارات عندنا منقولات مثل الدنانير والدراهم والأسلحة، وعندنا أراضي). بالنسبة للأموال المنقولة: أول شيء تخرج منها الأسلاب، ما معنى الأسلاب؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه». فالذي قتل هذا القتيل هو الأحق بسلبه نعم. ثم بعد ذلك يخرج الخمس، والخمس هذا يخرج من الغنيمة ويخمس أيضاً خمسة أخماس تمام، على الذي ذكر في الآية في سورة الأنفال. ثم بعد ذلك نفل، وهو أعطاء الزيادة على السهم نعم. ثم بعد ذلك يقسم الباقي على من شهد الوقعة، على كل من شهد الوقعة من أهل القتال. وأما الأراضي أيها الاخوه الكرام، فيخير فيها الإمام بين قسمها، مثل ما سبق: تقسم خمس يخرج، ثم بعد ذلك تقسم أربع أخماسه على المقاتلين (هذا الخيار الأول)، وقد يختار أن لا يقسمها وإنما يجعلها وقفاَ على المسلمين يجعل عليها خراجاً يأخذونه من أهلها الذي بيده.

وأما المصالحة للكفار، فقد يتصالح المسلمون مع الكفار على ترك الجهاد مدة، وقد يكون الصلح هذا على صور: الصورة الأولى وهي صورة مؤبدة ليست عقداً مؤقتاً وإنما هو مؤبد وهو عقد الذمة، فعقد الذمة لا يجوز إلا من الإمام أو نائبه هذا واحد. الثاني أن الذمة لا تكون إلا لأهل الكتاب والمجوس، والذمة عقد الذمة يعني بالمصطلح المعاصر يشبه ما إعطاء الجنسية بحيث يكون هذا الذمي مواطناً في الدولة الإسلامية يدفع الجزية ويحرم التعرض له بالقتال ويكون مواطناً بالتعبير العصري يعني. الأمر الثاني: هذه صورة الذمة، إذا المسلمون فتحوا بلداً أهلها من أهل الكتاب مجوس (من أهل الكتاب أو من المجوس يعني يهود أو نصارى أو مجوس) يقال لهم: تدخلون بالاسلام؟ قالوا: لا نحن ندفع الجزية ونبقى على ديننا، فيقبل منهم ذلك وجوباً، فيجب على الإمام قبولها متى بذلوا الجزية وجب قبولها وحرم قتالهم.

الصورة الثانية: صورة الهدنه وهي معاهدة دولية بين دولتين، يأتي إمام المسلمين فيتعاهد من الدول غير المسلمين الكفار، يقول والله نتعاهد على ترك القتال بيننا مدة عشر سنوات، عشرين سنة، خمسة عشر سنة، فهذه تسمى الهدنة وهي معاهدة دولية بين الدولتين. يشترط أولاً: أن يكون الذي يعقدها هو الإمام لأن هذه معاهدة بين دولتين. الأمر الثاني: أن لا تكون مؤبدة (يعني لا يقال يترك القتال خلاص أبد الآبدين ودهر الداهرين بين المسلمين وكفار لا يحدد له مدة)، ولا يشترط أن تكون هذه المدة عشر سنوات أو أقل، لكن تشترط عشر سنوات في الأمان وهو الصورة الثالثة.

وصورة الأمان كالاتي: كافر يريد أن يدخل إلى بلاد المسلمين لتجارة أو ليسمع كلام الله أو أراد يدخل بلاد المسلمين لزيارته، فيعطيه شخص من المسلمين يقول: هذا فلان في جواري أعطيه الأمان، فحينئذ لا يجوز التعرض له. ويشبه اليوم التأشيرة، يعطى تأشيرة دخول وسماح بالدخول على أنه آمن في نفسه، فهذا لا يجوز التعرض له ولو كان الذي أعطاه الأمان فرداً من أفراد المسلمين على المذهب! المذهب يقولون: إن الأمان يصح من كل مسلم واضح طيب، فيشترط أن يكون الذي أعطاه الأمان مسلماً عاقلاً، والشرط الثاني: أن تكون مدة الأمان لا تزيد عن عشر سنوات.

هذا ما يتعلق بمسائل فقه العبادات، ونسأل الله جل وعلا أن يجعله علماً نافعاً وأن يجعله لوجهه خالصاً وأن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح. هذا ما يتعلق بمسائل الجهاد، ناخذ التمارين، اللي يحب أنه يجلس للتمارين يجلس واللي يحب أنه مرة مستعد ينصرف.

السؤال الثامن: ما حكم القتال في الحالات الآتية؟ إذا حصر العدو بلده: فرض عين. إذا صال العدو على بلده: فرض عين. إذا استنفر الإمام: فرض عين. إذا حضر صف القتال: فرض عين. إذا كان الجهاد جهاد طلب للعدو ولم يستنفر الإمام: فرض كفاية، ولا يكون إلا بإذن الإمام. إذا كان الجهاد جهاد طلب للعدو فما حكمه على المرأة؟ لا يجب ولا يجوز. إذا كان الجهاد غير متعين ولم يأذن له والداه (نحن نذكر الأسبوع الماضي نبدا الساعة خمسة ها طيب): إذا كان الجهاد غير متعين ولم يأذن له والداه لا يجوز. وهنا تنبيه للإخوة والأخوات من لديه نقص في النسخة، بعض النسخ صار فيها نقص صفحات وكذا يقولون في نسخ ممكن يستبدلها.

السؤال التاسع: مميز من يجوز قتله من الحربيين ومن لا يجوز؟ امرأة مشاركة في القتال ضد المسلمين: يجوز. رجل أعمى لم يشارك في القتال: لا يجوز. امرأة شارك أبنائها في القتال نقتلها عشان أولادها شاركوا (بعض الناس عنده عجائب)! لا، لا يجوز قتله. رجل أعمى شارك في القتال: يجوز (كيف شارك؟ مثلاً كان هو صاحب الخطة وكذا). طفل شارك أبوه في القتال، قال: هذا أبوه مشارك في نقتل الطفل؟ لا ما يجوز.

ما الفرق بين المنقولات والعقار في الغنيمة؟ العقارات: يخير الإمام بين قسمها ووقفها على الغانمين. أما المنقولات: فإنها تقسم على الغانمين ولا توقف.

ميّز بين أحكام الذمة والهدنة والأمان: عقد مؤبد: هذا الذمة. لا يجوز أن يكون أكثر من عشر سنوات: الأمان. يصح من كل مسلم مميز عاقل: الأمان. لا يصح إلا من الإمام أو نائبه: الذمة والهدنة. يختص بأهل الكتاب والمجوس: الذمة (أما بقية مثلاً الأمان لا بأس أن يعطى الأمان لغير المجوس ولا غير أهل الكتاب).

انتهى المقرر، نسأل الله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم أن يجعل ما تعلمناه علماً نافعاً ولوجهه خالصاً. وغداً الأسبوع القادم إن شاء الله موعدنا مع فقه المعاملات. وحقيقة أنا أعتذر أني الباب الأخير أبواب الجهاد أني سرعت فيها لكن أشو ف الإخوة مستعجلين والوقت انتهى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.