أما بعد، فنلتقي مع جزء جديد من مقرر أصول الفقه في حقيبة التأهيل الفقهي لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. وهذا الدرس هو آخر مطاف هذا المقرر، بعد أن تناولنا عدداً من المباحث والمسائل التي -كما صنفناها في أول درس من هذه الدروس- تندرج تحت محاور علم أصول الفقه: المدلول، والدليل، والدلالة، والمستدل. تناولنا المدلول؛ وهو الحكم بأقسامه المختلفة، وتناولنا الدليل وما يعتبر دليلاً من أدلة المذهب، وكذلك ما يتعلق بالدلالة في وضوحها وخفائها وأنواعها من منطوق ومفهوم وعام وخاص ومطلق ومقيد.
ونختم هذا المطاف بالمستدل، وهو ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد، أي المجتهد من هو وكذلك المقلد، وما يتعلق بالتعارض والترجيح الذي هو متعلق كذلك باستثمار هذه الأدلة. حينما عرفنا أيضاً في أول درس تعريف أصول الفقه -الذي يعرف العلماء به علم الأصول باعتباره لقباً على هذا الفن- بأنه: أدلة الفقه الإجمالية، وطرق الاستفادة منها، وحال المستفيد. إذاً، هذا نختم به إن شاء الله تعالى هذا المقرر في عرضنا، وتعرفنا لما يتعلق بمباحث هذين الشقين: الاجتهاد والتقليد، وكذلك التعارض والترجيح.
أما الشق الأول، وهو الاجتهاد والتقليد؛ الاجتهاد تعريفه مأخوذ من الجهد أو الجهد، بضم الجيم وفتحها كما يقول اللغويون، هو استفراغ الفقيه جهده لدرك حكم شرعي. يعني هذه الكلمة أو هذا المصطلح المأخوذ من الجهد، فهذا يشعرنا بأن الفقيه لابد أن يبذل جهده، وأن يستفرغ على وجه يكون فيه غاية ما يمكن أن يكون من بذل الجهد في النظر في الأدلة أولاً، في البحث في الأدلة التي يستنبط منها الحكم، ثم بعد ذلك في التمييز بينها والنظر في مدلولها إذا كان له دلالة لفظية. فهذا هو المقصود باستفراغ الفقيه جهده لدرك حكم شرعي؛ لأننا -كما سنرى بعد قليل حتى في التعارض والترجيح، وكما رأينا قبل ذلك فيما يتعلق بمثال العلة والبحث عن العلة ثم بعد ذلك القياس- هي عملية شاقة، ليست عملية يسيرة، كما بين ذلك المولى تبارك وتعالى في كتابه حينما قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فالاستنباط عملية فيها غوص في المعاني، غوص في دلالات الأحكام.
هذا هو الاجتهاد، وهو الرتبة الأولى. الرتبة الثانية المقابلة له هي رتبة التقليد. الرتبة الأولى هي التي تهم حقيقة في أصول الفقه؛ لأننا نتحدث عن أصول الفقه التي تستنبط منها الأحكام، التي هي الأحكام الشرعية عموماً مصدر الفقه هي الأصول، فلذلك نتحدث عن المجتهد الذي سيتولى هذه العملية. لكن في المقابل، لما كان الاجتهاد يقابله رتبة أخرى لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد، تحدث الأصوليون عن التقليد؛ ولأن التقليد أيضاً يتعلق به حكم شرعي، فمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد وجب عليه تقليد: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 7]، فهذا أمر إن كنتم لا تعلمون. التقليد مأخوذ من القلادة، القلادة التي توضع في العنق، وكأن المقلد أخذ قول مقلده، أي المجتهد الذي بذل جهده في بحث مسألة من المسائل، وأخذها المقلد، كما نصنع نحن الآن.
ونحن رتبتنا في رتبة المقلدين، نذهب إلى أحد المختصرات الفقهية التي بذل فيها أحد الفقهاء جهده في تحرير -وكما سنتعرف، هذا الفقيه ليس مجتهداً مطلقاً، وإنما مجتهد داخل المذهب- في تحرير أقوال المذهب؛ كما سنرى بعد قليل وككما رأينا حتى ممن معنا المقررات السابقة في الفقه، وهو يميز بين أقوال الإمام رحمه الله تعالى ورواياته. وأمامنا مالك نفسه هو مجتهد مطلق، هو الذي تصدر لبيان لدرك الحكم الشرعي، أي باستفراغ جهده في دراسة تلك المسألة. فنحن نأخذ الأحكام مجردة، بعد الصلاة: النية، تكبيرة الإحرام، والقيام لها، والفاتحة في كل الركعات، والقيام له، وهكذا. كيف وصلتنا هذه الأحكام؟ كيف تقررت لدينا هذه المسائل؟ لماذا صارت الفاتحة واجباً؟ ولماذا كانت السورة سنة؟ هذا هو دور الفقيه الذي بذل جهده في درك هذا الحكم، ونحن مقلدون أخذنا مذهب الغير بلا معرفة دليله.
وهذا يجعلنا الآن نتحدث عن هاتين الرتبتين بشيء من التفصيل؛ فالمكلف نوعان: إما أن يكون مجتهداً، وإما أن يكون مقلداً، لا توجد رتبة ثالثة بين الرتبتين. نعم، كل مرتبة من هاتين المرتبتين أو من هذين النوعين، المجتهد والمقلد، هي مراتب؛ فهنالك مجتهد في رتبة عليا وهو المجتهد المطلق، وهنالك مجتهد في مسألة كما سنتعرف بعد قليل، وهنالك مقلد كان لديه نوع من التبصر في أدلة إمامه، قرأ كيف استنبط الإمام مالك هذه المسألة، كما قرأ أو كما نقرأ الآن نحن هذا جزء من التبصر، والذي أكرمنا الله سبحانه وتعالى به أننا بعدما أتممنا مقررات الفقه الآن نقرأ أصول الفقه حتى نستوعب كيف وصلتنا هذه الأحكام؟ كيف استنبطت هذه الأحكام؟ كما قال الإمام ابن جزي: وحسبك من علم يرتقي به المقلد عن حظيظ رتبة المقلدين. فهذا هو هذه هي رتبتنا، كما قالوا: حظيظ رتبة المقلدين؛ أي هنالك مقلدون ربما يكونون عوام لا يقرؤون ولا يكتبون، وربما يكون هنالك من يقرأ ويكتب لكنه لا يتأمل، هنالك من يتأمل لكن ربما لا يفهم، وهنالك من يقرأ كلام الإمام ويفهم كيف استنبظ الإمام هذه الأحكام.
لكن في النهاية -وهذا الذي دعاني لأن أؤكد أنه لا توجد رتبة بين هاتين الرتبتين- أنه في النهاية أنا حينما أقرأ بأن الإمام مالك كان من أصوله عمل أهل المدينة، أنا فهمت الآن أن من أصوله عمل أهل المدينة، لكنني مع ذلك بقيت في رتبة المقلدين. الذي أخبرني أو أوصل إلي أن أمامنا مالكاً كان من أصوله مثلاً تقديم القياس على خبر الآحاد، أو أنه يقدم كذا على كذا، أو أنه في التعامل مع المنطوق والمفهوم، من؟ أئمة المذهب الذين جاءوا بعده من أصوليين، من الفقهاء الحذاق. في النهاية أنا قلدتهم في الإشارة إلى مثل ذلك، ففي النهاية نعم أنا تبصرت، لكنني لا أعدو أن أكون في رتبة؛ لأن هنالك من يستحي من هذه الرتبة لأن كلمة التقليد وردت في عدد من نصوص الشريعة في معاني مذمومة، لكن هذا التقليد الأعمى، هذا التقليد الذي يكون في الكفر، الذي يكون في الشرك، كما كان يرد الكفار على دعوى الأنبياء بالإيمان بأنهم وجدوا آباءهم على أمة. أما التقليد الشرعي فهذه رتبة واجبة، كما قال المولى تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 7]. هذا هو المقصود، بمعنى أننا نبقى مقلدين مهما اختلفت رتبنا، نعم، من ارتقى إلى رتبة المجتهدين هذا شأن آخر.
هاتان المرتبتان لا توجد مرتبة بينهما، ممن سميتها مرتبة المتبصر، المتبصر يبقى مقلداً ولو تبصر في أدلة إمامه وفهمها. نعم، أكرر مرة أخرى بأن طالب العلم، بأن المكلف إذا كان في مقدوره أن يتبصر في أدلة إمامه وأن يفهمها فهذه نعمة كبرى يحمد الله سبحانه وتعالى عليها، وهذا أمر لابد منه، لكن كذلك في النهاية يبقى مقلداً. إذن يأتينا رتبتان أو قسمان: المجتهد والمقلد. والمجتهد كذلك له أقسام: إما أن يكون مجتهداً مطلقاً، وإما أن يكون مجتهداً مقيداً، لنسميه مجتهد مطلق ومجتهد جزئي. المجتهد المطلق؛ أي مطلق من القيود، ما معنى ذلك؟ وهذا فارق بينها وبين ما تحتها، أي المجتهد المقيد؛ المقيد يعني هنالك لفظ يتبع كلمة المجتهد، فإما أن يكون مجتهد مسألة وإما أن يكون مجتهد مذهب، وربما يسميه غيرنا -كغير المالكية كالشافعية- مجتهد الوجوه أو من أصحاب الوجوه، فهذا مجتهد في رتبة أقل من المجتهد المطلق.
المجتهد المطلق؛ يعني مثل الأئمة الأربعة، مثل أمامنا مالك ومثل الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي والإمام أحمد. فيهم أمران: أولاً، أنه هو من اخترع الأصول؛ أي هو أسس لنفسه أصولاً يستنبط بها أحكامه، ثم بعد ذلك هو له مطلق النظر في جميع المسائل، في جميع الأبواب، في جميع الفتاوى. فهذا هو المقصود بالمطلق، أي أنه مجتهد مطلق عن التقييد، أي أنه مجتهد له أصول، وكذلك يستنبط -كما رأينا: استفراغ الفقيه جهده لدرك حكم شرعي- في مسألة من المسائل.
المجتهد الجزئي هذا ينظر في أحد أميرين، هذا أيضاً له رتب؛ إما أن يكون مجتهداً في المذهب كرتبة طلبة مالك؛ أصحابه وتلاميذه كابن القاسم وابن وهب وغيرهما، والرتبة كذلك التي كانت لمن كان بعدهما من أئمة المذهب: سحنون وابن رشد وابن يونس واللخمي، وغيرهم كذلك من نظار المذهب، الإمام المازري، القاضي عبد الوهاب، هؤلاء هم الذين كانوا يستنبطون أصول الإمام، ثم بعد ذلك تكون أعمالهم داخل المذهب في ضمن دائرة أصول الإمام. هم لا يعدون كونهم مقلدين كذلك، لكن هم في رتبة يعتبرون مجتهدي مذهب. ما معنى ذلك؟ لا أقول مقلدين يعني أنه في رتبة المقلد، لكن أقصي أنهم يقلدون الإمام مالكاً في أصوله؛ أي أنهم -كما نرى- يتناولون الأقوال والروايات والمسائل والأحكام والفتاوى التي نقلت عن الإمام، ثم بعد ذلك من خلال أصوله، من خلال أدلة استنباطه وقواعد الاستنباط التي رويت عن الإمام والتي فهمت منها، والتي كذلك استنبطها أو خرجها الفقهاء رحمهم الله تعالى المتقدمون من اصول المذهب، فهم يميزون ما بين الأقوال، يرجحون بين الروايات، يضعفون بعض الأحكام بناءً على أصول الإمام. فهو لا يعدو إذاً أن يكون يعمل في عملية الاجتهاد وفق ماذا؟ وفق أصول الإمام، فهذا هو المجتهد المقيد، أي أنه مقيد بأصول إمامه.
وهنالك مرتبة أقل، هي من لم يبلغ هذه رتبة ممن كان لديه رتبة الاجتهاد لكن في داخل المذهب في التمييز والتضعيف والترجيح بين الأقوال؛ هي مجتهد المسألة، وهذه لمن كان من فقهاء المذهب النظار الحذاق ممن أتقن أصول الإمام كذلك وميز بين مراتب أقواله، يكون مجتهدا في مسألة واحدة، ويمكن ذلك أن يكون حتى للمعاصرين من الفقهاء المعاصرين ممن تنزل لهم النوازل، يكون مجتهداً في مسألة من المسائل لو كانت مسألة واحدة. هذا هو المقصود بالاجتهاد في مسألة واحدة.
كل هذه الرتب، بالمطلق وكذلك الجزئي، لها شروط. فمن شروط المجتهد المطلق: الملكة؛ الملكة هي الهيئة الراسخة في النفس، أن يكون فقيه النفس، هذا هو المقصود بالملكة، أي أن يكون فقيهاً نفساً راسخاً في العلم. فهذا شرط لابد منه. وهذه الشروط التي ستذكر الآن في المجتهد المطلق هي أمور لابد أن تكون أصلاً توفرت في هذا الإمام، فحتى من الشروط كما نرى أنه يكون لديه علم في عدد من العلوم؛ فمن بين تلك العلوم: علم أصول الفقه، أي أن يكون المجتهد المطلق عالماً بأصول الفقه، هو الآن هو أصلاً هو الذي ستكون له استنباطات خاصة، له أصول خاصة سيستنبط بها، لكن هذا من باب التأكيد أن المجتهد المطلق لابد أن يكون عالماً بأصول الفقه. لماذا؟ كما رأينا في هذا المقرر، حتى لا يقدم دليلاً حقه التأخير على دليل حقه التقديم، يعرف مراتب الترجيح كما سنرى بعد قليل.
يكون لديه علم في أصول الفقه، وكذلك لديه علم في النحو، النحو واللغة عموماً، اللغة أي في متنها، في معرفة دلالات ألفاظها، وكذلك فيما يتعلق بالنحو، مما يتعلق بالتقديم والتأخير في الفاعل والمفعول والمرفوع، فهذه كلها مما تلزم المجتهد؛ لأنه يتعامل مع ماذا؟ يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة التي كانت بلسان عربي مبين، أو كانت من أفصح الخلق صلى الله عليه وسلم، وهذه لها دلالات كما رأينا في نماذج كثيرة.
كذلك أن يكون لديه علم بأدلة الأحكام مع مرتبتها ثبوتاً وعدماً، هل هذا الحديث أصلاً ثابت أو غير ثابت؟ وكذلك هل هو منسوخ أو غير منسوخ، محكم أو غير محكم؟ هذا أيضاً من الشروط. وكذلك أن يكون عالماً بأسباب النزول؛ فإن ذلك معين على فهم المسألة، وكذلك لما سنراه مما يتعلق بمعرفة زمانه، ذلك تمييز محل الإجماع من محل الخلاف؛ لماذا؟ لأنه إذا كان هنالك إجماع لا يجوز له أن يخالفه إذا كان إجماعاً قطعياً، وإذا كانت مسألة خلافية فيسوغ له حينئذ الاجتهاد. فلابد أن يكون أيضاً مميزاً لمحل الاجماع.
أما المجتهد الذي هو مجتهد جزئي أو مجتهد مقيد، فايضاً تشترط فيه الملكة كذلك، أن يكون فقيه النفس، وكذلك يشترط فيه شرط خاص دون السابقة: أي في أصول الفقه وفي النحو. النحو واللغة بالمناسبة؛ هذه العلوم التي يشترط أن يكون عالماً بها، من الأصوليين من اشترط أن يكون أيضاً مجتهداً فيها. الأصول هذا أمر مفروغ منه، لأنه إذا لم يكن أصلاً مأصلاً لقواعده فهذا ليس مجتهداً مطلقاً. لكن حتى في النحو واللغة، وحتى في معرفة الحديث ومراتب الحديث من التصحيح والتضعيف، بعض الأصوليين اشترط أن يكون مجتهداً، كالامام مالك والامام أحمد والامام الشافعي وكذلك الإمام أبو حنيفة، فهم كانت لديهم شروط في قبول الحديث وفي التصحيح وفي التضعيف، ليسوا مقلدين لغيرهم، وإنما كانوا هم من يضعفون وأيضاً يوثقون الرجال ويردون رواياتهم. ومن الأصوليين من قال بأنه لا يشترط ذلك، وإنما يكفي أن يقلد من كان موثوقاً من أهل العلم. فالنحو واللغة أيضاً، أن يكون إماماً في اللغة وإماماً في هذه العلوم.
أما في المجتهد الجزئي أو المجتهد المقيد، فيشترط فيه فقط أن يكون بما يحتاج إليه في الباب أو المسألة التي يجتهد فيها؛ إن كان مجتهداً في أبواب البيوع أن يكون متقناً لأبواب البيوع وما يتعلق بها من مسائل، وإن كان مجتهداً في مسألة واحدة كمسألة طلاق أو الآن في هذه المسائل المعاصرة.
ننتقل للحديث عن التعارض والترجيح، أو التعادل والتراجيح كما يعبر عنها بعض الأصوليين. التعارض مأخوذ من العرض، والعرض كما قال الإمام ابن فارس في مقاييس اللغة هو ضد الطول. يعني حتى نتصور المقصود من الناحية اللغوية؛ كأن دليلاً من الأدلة، آية أو حديثاً، كان فيه دلالة على حكم معين، وكان سائراً في دلالته كأنه في طريق في طول، ثم بعد ذلك جاء دليل آخر فعارضه، أي قطع هذا الطول، أي أوقفه أو منعه من استمرار دلالة على ذلك الحكم، فهذا هو المقصود بالتعارض؛ أي تقابل دليلين على سبيل الممانعة.
فهنالك تعارض، هنالك تقابل بينهما، ولكن هل كل تقابل يعتبر تعارضاً؟ قد يكون هنالك تقابلاً بين دليلين، لكن ليس على سبيل الممانعة، وإنما هذا يدل مثلاً على الوجوب في حالة معينة، والدليل الآخر يدل على التحريم مثلاً في حالة معينة، فهذا لا تعارض بينهما. أو مثلاً هذا يدل على نقض الوضوء، وهذا يدل على أن هذا الفعل لا يدل على نقض الوضوء، ولا يكون ذلك في حالتين مختفيتين. فهنا المقصود بالتعارض بين الأدلة، أو كما ذكرت أنه يسميه بعض الأصوليين التعادل، أي التساوي بينهما، والترجيح تقوية أحدهما على الآخر. يعني كما ذكر الإمام سيدي عبد الله العلوي في مرقى السُّعود: تقوية الشُّق هي الترجيح. والترجيح لدينا الآن، كما تبين معنا من معنى التعارض، لدينا دليلان متقابلان، فسنقوي أحدهما ونقوي شق أحدهما.
رجحان الدليل هو كون الظن المستفاد منه أقوى، والمرجحات لا حصر لها كما ذكر الأصوليون. لكن هذا يعيدنا للحديث عن أن حالات التعارض لا تكون إلا في الظنيات. فرجحان الدليل إنما يكون في كون الظن المستفاد منه أقوى، يعني أن التعارض لا يكون في القطعيات؛ لأن القطعيات إذا كانت قد جاءت من طريق قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، كالكتاب المتواتر، وكذلك السنة المتواترة (فالقرآن كله متواتر، وكذلك السنة المتواترة)، فهذا قطعي الثبوت، وكذلك إذا كانت دلالته قطعية، فهذا لا تعارض فيه.
فإذاً، الحالات التي يكون فيها تعارض إنما تكون في الظنيات. فحينما يكون هنالك تعارض بين قطعيات، فمباشرة ينتقل الأصوليون في هذه الحالة إلى القول بكون أحدهما ناسخاً للآخر في بحث عن المتأخر. فإذاً، حالات التعارض إنما تكون في الظنيات، كلامنا هاهنا في الظنيات؛ لأن الظنيات هي التي يكون فيها التعارض. والتعارض أين يكون؟ يكون في فهم المجتهد لهذين الدليلين.
فالحالة الأولى في حالة التعارض: إن أمكن الجمع بينهما؛ الجمع بمعنى أن يكون أحد الدليلين له دلالة -يعني له أو هو متعلق بدلالة العام- والدليل الآخر متعلق بدلالة الخاص، فكما رأينا سابقاً يُخصص العام بالدليل الخاص. أو أن أحدهما مطلق والاخر مقيد، وكان قد استوفى شروط الإطلاق والتقييد من اتفاق في الحكم والسبب، فيُقيد المطلق، فهذا هو المقصود بالجمع بينهما. يعني هذا هو الأصل، الجمع دائماً أولى؛ لأن فيه إعمالاً للدليلين، ليس فيه ترك لأحد الدليلين، كلاهما نص شرعي فيجمع بينهما. وهذا هو المقصود بالجمع، بمعنى أن هذا يحمل على شيء وهذا يحمل على شيء، إما متعلقاً بالدلالات في الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص، أو حتى يجمع بينهما باعتبار أن هذا يدل على حالة معينة وهذا يدل على حالة معينة.
من أمثلة ذلك مما يمثله الأصوليون: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الشهداء الذي يشهد قبل أن يستشهد». هذا خير الشهداء الآن، أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر كذلك في حديث آخر: «شر الشهداء من شهد قبل أن يستشهد». إذاً هذه فيها إثبات خيرية، وهذه فيها إثبات أنه من شر الشهداء. فيحمل الأول، كما حمله الفقهاء، على حقوق الله تعالى، أنه هو خير الشهداء الذي يشهد في حقوق الله تعالى. وهذا أيضاً تعرفنا عليه في باب الجنايات حينما تحدثنا عن الشهادة، وما حكم أدائها بعد تحملها؟ فهذا تناولناه وعلمنا الآن ما يقوله الأصوليون في مثل هذه الحالة، فيحمل الأول -في بيان النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير الشهداء- على حقوق الله، والثاني على حقوق الآدمي، أو من كان المستشهد له عالماً بوجود الشهادة (ربما في الحالة الأولى أيضاً يكون يشهد قبل أن يستشهد إذا كان المشهود له لا يعلم أن هنالك شاهداً).
يميل لتقوية جانب مثل ذلك أيضاً في الجمع بين دليلين: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». ما حكم غسل الجمعة عندنا في المذهب المالكي؟ سنة، يعني سنة مؤكدة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». إذاً هو واجب، هذا هو الدليل الآن الذي يدل على أنه واجب. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم الآخر: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أحسن» أو «الغسل أفضل»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. الآن هذان دليلان، فيحمل الأول في الحالة الأولى (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) على الندب، والثاني على نفي الحرج. أو يحمل الأول، كما حمله بعض الفقهاء، على أن من كان به رائحة كريهة فهذا هو الذي يجب عليه أن يغتسل، والثاني أن من كانت ليست به رائحة كريهة فلا يجب عليه الغسل. وهذا يؤيده ما كان من كلام أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أن الصحابة كانوا يخدمون أنفسهم، فلذلك كانت توجد منهم رائحة ثقيلة، فقيل لهم: لو اغتسلتم! إذاً هذا هو المقصود الآن بالحالة الأولى والمرتبة الأولى، أنه إن أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين جُمِعَ بينهما.
إن لم يمكن الجمع، فما الذي يصنعه؟ إن عُلم التاريخ، فالثاني ناسخ، حديثان ولا يمكن الجمع بينهما، كما رأينا في حالة أو في دلالة من الدلالات، فإن عُلم الثاني فالثاني ناسخ. كما قال في مرقى السُّعود: (جمع واجب متى ما أمكن إلا فلاُخِيرٌ نسخٌ بَيّنْ). فإذاً، إذا عُلم التاريخ فالثاني ناسخ.
طيب، إذا لم يُعلم التاريخ؟ الآن نأتي إلى الترجيح، إن أمكن الترجيح فيرجح الأقوى كما سنتعرف بعد قليل. وإن لم يمكن الترجيح بينهما فيتوقف، ولا يُعمل أحد الدليلين في الآخر؛ لأنه لا يمكن الترجيح. كيف يمكن ترجيح؟ وجوه الترجيح ستأتي بعد قليل، أعني أنه مثلاً يقدم النص على الظاهر، يقدم الظاهر على دلالة الاقتضاء، تقدم دلالة الاقتضاء على الإشارة والتنبيه، أو الإشارة والإيماء والتنبيه، يقدم مفهوم الموافقة على المخالفة، هذا هو المقصود بالترجيح ووجوه الترجيح الأخرى.
فإذاً، إما أن يُجمع بينهما وهي (الجمع أولى، وهو الأولى والمقدم)، ثم بعد ذلك النسخ، ثم بعد ذلك الترجيح، ثم بعد ذلك -إذا لم يمكن الترجيح بين الدليلين المتعارضين- يُصار إلى التوقف؛ أي التوقف عن الاجتهاد في المسألة أو في إعمال الدليلين في المسألة الواحدة. تقوية الشق هي الترجيح. إذاً ننتقل الآن للرتبة التي تكون بعد عدم إمكان الجمع وبعد عدم معرفة الناسخ إلى الترجيح بين الدليلين المتعارضين.
وهذا الترجيح إما أن يكون في جنس الدليل، وهذا يعني أننا تعرفنا على أن الأدلة ليست في رتبة واحدة، فهنالك أدلة قطعية وهنالك أدلة متفق عليها، ولذلك تقدم الحديث عنها فيقدم الإجماع على القرآن؛ أي الإجماع الذي هو اتفاق كافة المجتهدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فاتفاقهم هذا أخذ رتبة قطعية، يُقدم على عدد من المجتهدين، وفهم مجتهد واحد للقرآن. والقرآن يقدم على السنة، والسنة كذلك في مراتبها، القولية تقدم على الفعلية، والفعلية تقدم على التقريرية، هذا هو ترتيب الجمهور، في حين أن الإام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يرى تقديم الفعلية على القولية. هذا إذاً من حيث جنس الدليل. وكذلك السنة تقدم على قول الصحابي، وقول الصحابي يقدم على القياس.
أما من حيث السند -فنرجع مرة أخرى إذاً هذا هو الترجيح في جنس الدليل- فرأينا كذلك حتى في مراتب الأدلة بعضها فيه كلام، حتى داخل المذهب، فيما يتعلق بالأدلة التي كانت مختلفاً فيها، فهذا هو المقصود بجنس الدليل، هنالك أدلة أقوى من الأدلة الأخرى.
وهنالك ترجيح متعلق بالسند. ما هو السند؟ هو سلسلة الرواة التي تكون في الحديث، يعني مثلاً رواية الإام مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا هو السند، فهذا السند أيضاً يتعلق به ترجيح. وهذا إذا كان في جهة السند، الترجيح يكون إما فيما يتعلق بالراوي، وهذا يكون الترجيح فيه إما بكثرة الرواة (نحن الآن حتى نرتب الأفكار نتحدث عن التعارض الذي يكون أين؟ الترجيح في ماذا؟ في تعارض دليلين ظنيين، الأخبار، أخبار الآحاد كلها ظنية مهما كثر الرواة فيها طالما لم يبلغوا حد التواتر، فيبقى هذا الخبر في ثبوته ظنياً)، فإذا جاءنا حديث فيه رواة كثر وحديث آخر يعارضه ورواته أقل، أيهما يقدم؟ يقدم ما كان رواته أكثر، لماذا؟ لأن كثرة الرواة ستكون معينة على نفي الغلط، أو أن غلبة الظن في ذلك تجعل احتمال وقوع الغلط في الرواية أو الوهم سيكون أقل، الكثرة ستكون مرجحة هاهنا.
فإذن، أما إذا كان يتعلق بالراوي فيكون الترجيح بكثرة الرواة، أو بكون الراوي أوثق، يعني أنه وثقه العلماء والمحدثون (كرواية إمامنا سلسلة الذهاب مثلاً: إمامنا مالك عن نافع عن ابن عمر، عن كبار المحدثين الذين كان يروي عنهم كابن شهاب وغيرهما)، فايضاً لذات العلة؛ لأنه أغلب للظن من قلة وقوع الغلط.
وكذلك فيما يتعلق بالراوي بكون الراوي أقرب، يعني أقرب في مجلس المحدث الذي سمع منه، إما صحابي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم كذلك من كان بعد الصحابة من التابعين وتابعي التابعين، بمعنى أنه جالس المحدث سمع منه مباشرة، أو لم يكن بينه وبين المحدث حجاب، فهذا أيضاً يكون من وسائل الترجيح في جهة السند فيما يتعلق بالراوي.
وهنالك ترجيح في السند يتعلق بالمروي، يعني الحديث نفسه، فيقدم المسند على المرسل. ما هو الحديث المسند؟ المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاتصل سنده من الراوي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أما المرسل فهو الذي يرويه غير الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان التابعي يروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسنده إلى صحابي، فهذا يجعلنا نجزم أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ لأنه ليس صحابياً. فإذاً هنالك احتمال، كما يقال، بأنه -طبعاً لو كان الساقط من السند صحابياً فهذا لا شك في قبوله؛ لأن الصحابة كلهم عدول- لكن أيضاً هنالك احتمال أنه يكون قد يروي عن تابعي آخر، وهذا التابعي يحتاج إلى توثيق، فلذلك يقدم المسند على المرسل. والمرسل كذلك يقدم على المنقطع. ويقدم كذلك السند العالي على النازل، نحن تحدثنا عن المسند، وحتى المسند نفسه قد يكون هنالك إسناد عالي وهنالك إسناد نازل، كالإسناد الذي مثلاً يرويه الإمام البخاري وفيه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة رجال، وهنالك حديث يرويه وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال، وهذا يظل لما يتعلق بغلبة الظن.
ومما يتعلق أيضاً بالمروي في السند من جهة الترجيح: المشتمل على زيادة على غيره، هنالك دليلان وهذا الدليل فيه زيادة، قال العلماء: الزيادة فيها علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فهذا أيضاً يكون من أسباب الترجيح. وكذلك ما كان خبره ذا قصة مشهور؛ كالققص التي تروى في الحج، الأحاديث التي تروى في بعض القصص المشهورة، هذا أيضاً يكون فيه ترجيح على الحديث الذي يكون في قصة أخرى أو في غير قصة مشهورة، فهذا يعتبر كذلك ترجيحاً.
يُقدم كذلك المدني على المكي، لماذا المدني على المكي؟ لأن الغالب في المكيات أنها وردت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، نعم هنالك أحاديث مكية رويت بعد الهجرة، لكن طالما كان هذا القليل مقارنة بالكثير الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، فهذا يعني أنه سيكون مقدماً على المتقدم -عفوًا- المكي مقدماً على المدني؟ لا، المدني مقدماً على المكي. هذا الاحتمال الذي يجعلنا أن نقول: إن الغالب من المكي أنه روي قبل الهجرة، فيجعلنا نجعل القليل الذي يكون في مقابل الغالب من المكي الذي قد يكون رُوي بعد الهجرة نجعله في حكم الكثير، كما يقول الأصوليون. هذا ما يتعلق بالترجيح بالسند بجهتيه: بجهة ما يتعلق بالراوي، وما يتعلق بالمروي.
هنالك ترجيح كذلك في المتن، والمتن هو الحديث النبوي، اللفظ النبوي الشريف الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم، هذا هو المقصود بالمتن، يعني لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، السند هو سلسلة الرجال، والمتن ما انتهى إليه السند من اللفظ. فهذا، كما يقول الأصوليون وكما يقول المحدثون، يعني أن يكون فيه سلامة من الاضطراب، سلامة من الاختلاف، خلاف ألفاظ الحديث، فهذا من وسائل الترجيح، أن إمامنا مالك رحمه الله تعالى ترك التدريب أو رواية التدريب فيما ولغ فيه كلب بسبب اضطراب الرواية في كونها أولاهن أو إحداهن، فهذا هو المقصود بالترجيح من جهة المتن. وكذلك هنالك ترجيح في جهة الدلالة.
وهذا الذي تعرفنا عليه سابقا؛ إذا كان أحدهما نصا والآخر ظاهرا، أحدهما دليل هو مفهوم الموافقة والآخر استفيد من مفهوم المخالفة، فهذا كله مما يتعلق بالدلالة. وهنالك ترجيح بأمر خارج؛ يعني بين دليلين، وهذا له صور كثيرة يذكرها الأصوليون، من بينها مثلا عندنا في المذهب أن يكون عمل بمقتضاه أهل المدينة، فهذا يعتبر ترجيحا بأمر خارج.
أن يكون مثلا أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة، أن يكون أحدهما مثلا في روايتين، الرواية التي لا تستلزم غضا من الصحابي أو حتى من منصب النبوة، فهذا يقدم على الدليل أو على الحديث الآخر. أن يقترن مثلا بإحدى الروايتين تفسير الصحابي نفسه أو فعله، أو أن يكون مثلا أحدهما ورد بسبب فيه قصة وفيه تعليل، أيضا هذا يقدم، وهذا كله من الأمور الخارجة.
أيضا أن يكون الصحابي ممن باشر القصة، كما رأينا قبل قليل فيما يتعلق بالراوي، أن يكون الراوي أقرب، إن اردنا أن نعتبرها في هذا الشق أو نعتبرها بأمر خارج كما يقال في أم المؤمنين ميمونة رضي الله تعالى عنها؛ فسيدنا ابن عباس كان يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها وهي محرم، وهي تقول إنه عقد عليها وهو غير محرم، فمن كان قد باشر القصة نفسه؛ هي أم المؤمنين، وأخذوا كما يذكر أصولهم في مثل هذا الجانب.
كذلك أن يكون مثلا أحد الدليلين موافقا لأصل عام موافقا لأصول الشريعة وقواعده، هذه بعض صور ما يمكن أن يكون فيه الترجيح بأمر خارج.
خاتمة ختم الله لنا بالحسنى. خاتمة هذا المقرر وكذلك خاتمة هذا البرنامج المبارك بكم وبصحبتكم. أما خاتمة هذا المقرر مقرر أصول الفقه، هو أن نرى كيف أن عملية الاجتهاد عملية صعبة وذات قواعد دقيقة وذات منهج رصين.
منهج متعلق بالدلالة ومنهج متعلق بالدليل، ما يتعلق بمراتب الأدلة وما يتعلق كذلك بتقديم بعضها على بعض وما يتعلق بها عند تعارضها. نرى كذلك الاختلاف بين المذاهب عموما وبين أرباب المذهب الواحد خصوصا، ولعلي أشرت حين تناول بعض المسائل أن المسألة ذاتها فيما يتعلق بالدلالة في المطلق المقيد في قبول المفاهيم، بعض المسائل يختلف فيها فقهاء المذهب الواحد في قبولها وعدم قبولها.
هذا يجعلنا نعرف أن الخلاف الذي كان بين العلماء والخلاف الذي كان بين الفقهاء، فقهاء المذاهب الأربعة وفقهاء المذهب الواحد، ليس خلافا لاجل الخلاف، وإنما كل واحد منهم ينشد الحق ويبتغي أصابة وجه الدليل الشرعي الذي يجب عليه أن يتبعه هو إن كان مجتهدا مطلقا، وإن كان كذلك مجتهدا رتبته متعلقة بالمذهب، فهذا لابد أن نقر به لكي لا يسري إلى أذهاننا؛ لماذا اختلف العلماء؟ ولماذا لا تجتمع الأمة على واحد؟ هذا لا يمكن كما رأينا الخلاف في جهات الدلالة في جهة القبول في جهات مختلفة من جهات أصول الفقه.
وأيضا فإن هذا الخلاف رحمة، كما نرى الآن إذا كان هنالك ضيق وحرج في مذهب من المذاهب، فإن المكلف الذي في ضرورة يمكنه أن يقلد مذهبا آخر، كما ينص على ذلك الأصوليون بشروط متعلقة بجواز تقليد غير المذهب. والذي يهمنا هنا هو أننا الآن بعدما تعرفنا على هذه القواعد الأصولية، أن كل مذهب من المذاهب كان فقهاؤه يسيرون وفق هذه القواعد، وهذا ذكرته في أول درس من هذه الدروس حينما يقولون مثلا إن المذهب المالكي مذهب؛ مثلا هذه المسألة ليست راجحة لمخالفتها الدليل.
وما هو الدليل؟ هذا أنت الذي استشهدت به أنت وفهمته أنت، أو أنك أصلا قلدت فيه فهم غيرك من الأئمة. العملية شاقة والعملية دقيقة ذات معايير دقيقة جدا، فهذا لابد أن نعرف هذا الأمر حتى لا يسري إلينا حينما نقرأ بعض المختصرات التي ليس فيها دليل أن المذهب المالكي خلو من الدليل، أو أن مثلا حتى كما يتهم المذهب الحنفي بأنه مذهب بعيد عن الكتاب والسنة. هذه مذاهب منضبطة، هذه مذاهب تتعاقب على تحرير مسائلها فحول العلماء.
دعوني أتحدث فقط عن واحد جاء في منتصف هذه المسيرة العلمية كابن الحاجب الذي له مؤلف في الأصول كان يعتبر من أمهات كتب أصول الفقه، وهو مختصره منتهى السؤل والأمل. وفي الفقه كذلك كان مختصره عمدة مختصر خليل وهو كتابه الجامع بين الأمهات، وكذلك كانت له الكافية في اللغة، فهو إمام متبحر كان من أذكى العالم كما يقال. هذا الذي جاء في هذه المرحلة بعدما استقر المذهب، وهو عالم بالأصول وعالم فقهي وعالم باللغة في نحوها وصرفها، هل يمكنه أن يمرر مسائل هكذا تقليدا؟ كما نقول بالنسخ واللصق، وجدها عند من طبقه من الفقهاء ثم بعد ذلك أدخلها في كتب الفقه؟
نعم، قد يكون ذلك في مسألتين أو ثلاث مما يكون فيه الإنسان متعرضا للنقص البشري، لكن الذين جاءوا بعده هل سيقرونه على ذلك؟ لنسلم أن ذلك يقع لفقيه أو اثنين أو ثلاثة، ما هو دور الذين جاءوا بعده كما رأينا في أدوار المذهب المتعاقبة؟ لا أستطرد ولا أود الإطالة في مثل ذلك، لكن هذا يؤكد لنا أهمية أولا تعرفنا على علم أصول الفقه، وكذلك أن نقر لفقهائنا السابقين الفضل. الآن ما الذي صنعته معكم؟ إنما كان مدارسة، وغاية ما كنت أصنعه إنما كنت أنقل من كلام السابقين ما يتعلق بالقاعدة وما يتعلق ببيانها وما يتعلق بأمثلتها.
هذا الجهد الكبير الذي بذله علماؤنا يستحقون له الدعاء: «نضر الله امرأ سمع مقالة فوعاها»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، يكفي تعديله لهم صلى الله عليه وسلم بإثباته العدالة لهم.
والخاتمة الثانية هي خاتمة هذا البرنامج المبارك بصحبتكم في هذه المرحلة أو المراحل المتعددة من المدخل والمقرر الفقهية وكذلك القواعد الفقهية وأصول الفقه. بارك الله في جهدكم وبارك في علمكم وعملكم وهمتكم، كانت هذه خطوات مباركة، كانت هذه أوقات مباركة ثمينة سلكتم فيها سبيل طلب العلم. نسأل الله أن يسلك بنا بهذا السلوك طريقا إلى الجنة، وأن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأعتذر عن كل تقصير كان مني قد وقع مني في عدم توضيح مسألة أو قصور عن شيء من المسائل السابقة، أو كذلك فيما لم أتمكن فيه من تلبية رغبتي أو تلبية دعوة أو تلبية سؤال أو إجابة سؤال ممن كان مما وردني من المشاركين.
فأعتذر منكم جميعا وأحث نفسي وإياكم مواصلة طلب العلم؛ فهذا هو أول الطريق فقط، هذه الآن كما يقال أولى خطوات طلب العلم ممن كان مستجدا ويسلك طريق العلم في أول خطواته، أو ممن كان محسنا للظن وكان متقدما في طلب العلم انضم الينا في هذا البرنامج. إنما أححث نفسي وإياكم على مواصلة طلب العلم وعلى مزيد البحث فيه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن يزيدنا علما وفقها وحرصا في الدين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الشيخ نايف آل الشيخ مبارك