بسم الله الرحمن الرحيم. نتناول في هذا الدرس عدداً من أصول المذهب أو من أدلة المذهب الأخرى، بعدما تعرفنا في الدرس السابق على بعض آخر؛ كذلك بعدما تعرفنا على الأدلة المتفق عليها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. هذا الجزء نتناول فيه دليل الاستصحاب، وشرع من قبلنا، والمصلحة المرسلة، ومراعاة الخلاف، والاستقراء من بين الأدلة.
وهو من الأدلة المتفق عليها في الجملة الاستصحاب، وهو ينقسم أو يتنوع إلى نوعين: الاستصحاب المرتب، والاستصحاب المقلوب الذي سنراه بعد قليل. لكن الاستصحاب المرتب هو الذي يقصد عند الإطلاق، أو هو الذي ينصرف إليه الذهن عندما يقال بكتب الأصول والفقه الاستصحاب، فهو الذي ينصرف إليه الذهن. يعني الاستصحاب المرتب، ما هو تعريفه؟ ثبوت أمر في الزمن الثاني؛ بناءً على ثبوته في الزمن الأول. يعني الزمن الثاني الذي نحن فيه الآن الحال، أو يعني الذي نحن فيه؛ بناءً على ثبوته في الزمن الأول، وهو الزمن الماضي، أو بتعريف آخر وبتعبير آخر: هو استدامة نفي ما كان منفياً، أو استدامة ثبوت ما كان ثابتاً.
الفضلاء الذين يستمعون إلى هذا الدرس، إن كانوا ممن أدركوا أو شاهدوا دروس القواعد الفقهية، وكان من بين تلك الدروس: اليقين لا يزول بالشك، وتعرفنا على قاعدتين مهمتين هنالك: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل براءة الذمة، فإن تلك المسائل أيضاً مما تتعلق بهذا الأصل؛ أصل الاستصحاب.
فالاستصحاب المرتب له عدة أنواع، أي الاستصحاب الشرع ها هنا له عدة أنواع من أولها: استصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية. يعني استصحاب العدم الأصلي، أي العدم الذي كان سابقاً في الزمن الماضي يستصحب في الزمن الثاني؛ الزمن الحاضر، الذي يعبر عنه بالبراءة الأصلية، أو استصحاب حكم العقل، أي أن العقل هو الذي يحكم بأن براءة الذمة أو العدل هو المستصحب بناءً على وجوده في الزمن الأول. أمثلته كثيرة، من بينها: عدم وجوب صلاة سادسة، ومن بينها: عدم بدء صوم آخر غير شهر رمضان، ومن بينها كذلك براءة الذمة، الأصل براءة الذمة مما يتعلق بها من ديون من التزامات. فهذا هو المقصود باستصحاب العدم الأصلي، وهو الذي يلجأ إليه القاضي حينما مثلاً يحكم بين المدعي والمدعى عليه، كما تعرفنا على ذلك في مقرر القضاء والجنايات، أن المدعي من كان مخالفا للأصل أو لم يكن معه معهود شرعي، فهذا هو المقصود بهذا النوع الأول؛ استصحاب العدم الأصلي.
ومن بين أنواعه كذلك: استصحاب العموم حتى يرد تخصيص، أي إذا ثبت حكم شرعي بدليل على جهة العموم، فإن هذا العموم يستصحب حتى يرد تخصيصه، يعني أن الحكم المترتب على ذلك الدليل العام ينبغي أن يترتب عليه استغراق أفراده، حتى يرد التخصيص. يعني من بين الأمثلة، وإن كان مثالاً خلافياً بيننا وبين غيرنا، غير المالكية، قول المالكية بعدم حرمة أكل ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير، هذان النوعان ليس محرمين؛ أحدهما ذو الناب من السباع مكروه، وذو المخلب من الطير مباح، هذا استصحابا للعموم الوارد في قول المولى تبارك وتعالى الذي استدل به إمامنا فيما جاء في قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. لفظة ما: قل لا أجد فيما أوحي إلي، هذه من ألفاظ العموم الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليس فيه محرم إلا هذه الأصناف المخصوصة أو المنصوص عليها.
فإذاً سيبقى هذا العموم؛ عموم الإباحة أو عدم النهي، ينبغي أن يكون شاملاً لجميع الأصناف أو لجميع الحيوانات والمطعومات من غير هذه الأصناف. هذا من بين الأمثلة التي استدل بها، وإن كان طبعاً اختلف في قول الإمام فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، فهناها لم خصص جزءاً من هذا الحديث، وخصض به جزءاً من الحكم، ولم يخصص بالجزء الآخر. وغالباً، كما ذكر العلماء، أن ذلك مبني على عمل أهل المدينة. وهذا يجرنا للحديث وربطه بما تعرفنا عليه سابقا، من أن الجمهور ومن بينهم المالكية يجوزون تخصيص العام الذي ورد في القرآن بالخاص الذي ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن دلالة العام عندهم ظنية. إذا كنتم تذكرون هذه المسألة وهذه القاعدة، فليس الاشكال عند الإمام مالك رحمه الله تعالى في كون هذا العموم ثبت بدليل قطعي، وإنما هذا العموم ظني، لكن ليس كل ما ورد كذلك في السنة يخصص به إمامنا مالك، فقد خصص جزءاً منه بما عضده عمل أهل المدينة الذي تعرفنا عليه قبل قليل.
ومن بين الأمثلة كذلك: استصحاب النص حتى يرد نسخ، هذا أيضاً مما يستصحب، فالاصل هو ثبوت النص وأحكامه حتى يرد ناسخ. من الأمثلة التي تمثل لذلك، وهي وإن كانت ليست موافقة لرأي المذهب، لكن فيما يستدل به الإمام أحمد من وجوب أو إيجاب النبي صلى الله عليه وسلم للوضوء من أكل لحم الجزور، فهو يرى أن هذا الحديث ليس منسوخاً، في حين أن الجمهور يرون أنه منسوخ، فهو استصحب النص غيره يرى بأنه منسوخ.
من بين أنواع الاستصحاب المرتب: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، دل الشرع على ثبوته، مثل ماذا؟ مثل الملك. الشرع ألم يجوز نقل الملك السلعة بطريق العقد عن طريق البيع والشراء من البائع إلى المشتري؟ فإذا جرى العقد فهذا إذا ترتب عليه أن يستصحب المشتري ما دل الشرع على ثبوته له، وهو ملكه لهذه السلعة، حتى يأتي ما يقطع هذا الاستصحاب. كذلك مثلاً: حل المرأة بالنكاح، إذا ثبت النكاح فإن الأصل استمرار النكاح حتى يثبت ما يقطع هذا الحكم، أو ما يقطع هذا الاستصحاب وهو الطلاق، وغير ذلك، وهو المقارب لقاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان. هذا تعبير آخر لهذه لهذا النوع. استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه هو تعبير للقاعدة الفقهية الأصل بقاء ما كان على ما كان.
من بين أنواع الاستصحاب المرتب: الاستصحاب الأصلي أو الاستصحاب المطلق الذي يقصد عند الإطلاق؛ استصحاب الإجماع، هذا يعني استصحاب حكم الإجماع، وهذا عند التحقيق، كما ذكر الأصوليون، أنه ضعيف ولا يستدل به، ولكن أتي به ها هنا لأجل القسمة، ويمثل له الفقهاء بوجود الماء بعد التيمم. يعني الآن الذي عدم الماء أو فقد الماء، وقارب الوقت على خروجه، على خروج الوقت فسيخرج وقت الصلاة، فهذا يجوز له إجماعاً أن يتيمم ويتوضأ، هذا محل اجماع. طيب، بعد أن كبر ماذا؟ إذا وجد الماء، هذا هو المقصود، أنه يستصحب حكم الإجماع الذي قبل قليل، أنه يجوز له أن يدخل الصلاة بالتيمم لأنه فقد الماء، فيستصحب هذا الاجماع. وهو عند التحقيق أصولي، طبعا عند التحقيق الأصولي لا يستصحب حكمه الإجماعي، وإن كان المثال ها هنا عندنا في المذهب أنه لا تجب عليه أو لا يجب عليه قطع الصلاة؛ بناءً على أنه دخل الصلاة بوجه شرعي صحيح، وربما يكون ذلك لأجل دليل آخر ليس لأجل استصحاب الاجماع، وإنما لأجل دليل آخر هو الذي يقوي جانب الاستدلال في مثل هذا الفرع.
النوع الثاني من أنواع الاستصحاب، وهو الاستصحاب المقلوب، أي معكوس الاستصحاب، أي معكوس النوع الأول الأشهر، وهو الذي يقصد عند الإطلاق؛ وهو إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال. هو العكس، قبل قليل الاستصحاب المرتب إثباته متى؟ في الزمن الحاضر بناءً على الزمن الماضي، فاستصحاب العدم أو استصحاب براءة الذمة كانت موجودة في الزمن الماضي، فلذلك أثبتناها في الزمن الحاضر. الاستصحاب المقلوب عكسه، يعني إثبات أمر متى؟ في الزمن الماضي لثبوته في الحال، وهذا اختلف فيه أصلاً عند الأصوليين في اعتبار حجيته وما المقصود منه. أقرب الأقوال أنه هو قريب من استصحاب الحال، يمثلون له بأمثلة قد تكون في بعض قد تكون بعض الأمثلة نظرية، والامام ابن السبكي ذكر أن أمثلته عزيزة، لكن مثلاً بين الأمثلة التي يمكن أن يستدل أو يستشهد بها لهذا النوع، ما ينسب للمذهب من أنه إذا وجد وقف على حالة معينة، الآن ربما يكون هنالك وقف منذ عدة قرون، ووجد على حالة معينة من كون مصرفه مثلاً لجهة معينة، أو كونه مثلاً بهذا الحجم، أو أي شيء من متعلقات الوقف، فانه حينئذ بناءً على ثبوت هذا الشيء في الزمن الحاضر، نستصحب أن هذا هو الموجود في الزمان الماضي، لذلك صار استصحابا مقلوباً أو استصحابا معكوس الاستصحاب.
يمثل مثلاً الفقهاء الأصوليون لهذا بمثال، يقولون المكيال الآن الموجود في زماننا هذا هو الموجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه حينما ثبت أن هذا المكيال الآن الذي وجد عندنا لو لم يكن موجوداً الآن لما كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قلت بعض الأمثلة التي يمثلون بها قد تكون نظرية، لكن هذا من الأمثلة، مثال الوقف ربما يكون من الأمثلة القريبة لهذا النوع من الاستصحاب المقلوب، وهو إثبات أمر في الزمن الحاضر، إثبات ما كان في الزمن الحاضر يثبت به ما كان في الزمن الماضي، إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال، يعني في الزمن الحاضر.
من الأدلة الشرعية كذلك ومن الأصول: دليل أو شرع من قبلنا، وهو مناسب كذلك للأصل الذي سبقه، وهو الاستصحاب؛ لأنه فيه إثبات حكم كان في الأمم السابقة، وإثبات حكم كان في الزمان السابق. شرع من قبلنا فيه عدة مباحث، من بين المباحث التي يبحثها الأصوليون رحمهم الله تعالى في هذا الدليل أو في هذا الموضع: أولاً: هل كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم متعبداً بشريعة من شرائع الأمم السابقة؟ أي أنه كما وردنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعبد قبل البعثة، وكان يتحنث، وكان قد حبب إليه الخلاء، كما في قصة الغار المعروفة، ولم يردنا تفصيل عن تحنثه صلى الله عليه وسلم وعن خلائه وعن عبادته، فهل كان متعبداً بشريعة قبل ذلك؟ وبناءً على هذا، هل نحن متعبدون؟ نحن تبعا لذلك، هل نحن متعبدون بشرائع الأمم السابقة؟
شرع من قبلنا له عدة حالات، لدينا عدة جوانب نتناولها منها ما هو محل اتفاق بين الأصوليين؛ لأن هذا الدليل دليل خاص بالمالكية ومن كان أيضاً موافقاً للمالكية. أنا أؤكد مرة أخرى أننا نتناول الآن أصول المذهب، أي أننا قد نجد في هذه الأصول خلافا كبيراً، بل ربما يعدها بعض الأصوليين من الأدلة المردودة أو غير المعتبرة.
إذاً هنالك محل، هنالك مسائل هي محل اتفاق بين الأصوليين، وهنالك محل البحث ها هنا في هذا الأصل. أولاً: ما ثبت أنه شر لنا، أي ما ثبت أنه كان شرعاً للأمم السابقة وثبت كذلك في شريعتنا نحن، ورد في القرآن أو في السنة أنه شرع لنا، فهذا حجة بلا خلاف، كما في الآيات المختلفة، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]، وآيات القصاص وغير ذلك، فهذا حجة بلا خلاف؛ لأنه ثبت في شرعنا أنه شرع لنا.
وهنالك ما ثبت أنه ليس بشرع لنا، في شرعنا أنه كان خاصاً بالأمم السابقة، أي أنها كانت شريعة لكنها خاصة بالأمم السابقة، فهذا ليس بحجة، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: 146] إلى آخره، وغير ذلك من الآيات التي تبين أن هذا الحكم كان خاصاً بالأمم السابقة، والله سبحانه وتعالى من علينا في كتابه بأنه رفع عنا الآصار والأغلال، ورفع عنا الحرج الذي كان في الأمم السابقة، فإذاً ما ثبت أنه ليس بشرع لنا فليس بحجة.
الحالة الأولى والحالة الثانية هذا ما ورد في شرعنا، أما أنه شرع لنا أو أنه ليس بشرع لنا. أما ما ورد عن طريقهم هم، ما يروونه هم عن كتبهم وعن شرائعهم، فهذا ليس بحجة اتفاقاً عند المالكية وعند غيرهم، مع خلاف يذكرونه في من أسلم من أهل الكتاب وحكى شيئاً من شرائعهم في كتبهم. محل البحث هو ما ثبت بشرعنا أنه شرع لنا ولم نؤمر به، فهذا عند المالكية حجة في المشهور، وهو محل البحث؛ محل البحث لأن هنالك عدداً من الآيات التي جاءت في كتاب المولى تبارك وتعالى التي تبين أن الشرائع مصدرها واحد، وكما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 37-38]، كذلك ما جاء في قول المولى تبارك وتعالى فيما يتعلق بامتنا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، كذلك الأمر بالاقتداء بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، وأيضاً مما ورد في غير ما موضع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه وحي.
كذلك ما استدل به الأصوليون والعلماء رحمهم الله تعالى في قصة فوات الصلاة في الوادي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح حينما أمر بلالاً أن يوقظهم رضي الله تعالى عنه. فبعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم مستشهداً بالآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. وهذه الآية كانت فيها خطاب لسيدنا موسى عليه السلام.
وكذلك أنه حينما في قصة القصاص في الجراح، وأنه ذكر أن كتاب الله القصاص، وأن كتاب الله القصاص الذي استشهد أو استدل به النبي صلى الله عليه وسلم في شرائع الأمم السابقة، وغير ذلك من الآيات. في حين أن من اعتراض على هذا الدليل أو على هذا الأصل، فقد وجه تلك الآيات السابقة التي استشهد بها المثبتون إلى أنها إما أن تكون في العقائد وليست في الشرائع.
وأن كل أمة من الأمم جاءت لها شريعة، كما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. المهم الآن نحن لا نريد الخوض في هذا الأصل والاعتراضات التي تكون بين الأصوليين. المهم الآن أن نحرر محل البحث، أن ما ثبت بشرعنا أنه شرع لهم، أي لأهل الكتاب، ولم نؤمر به، له حجة في المشهور. هذا استدل به أو استدل عليه أو من خلال هذا الأصل إمامنا مالك في عدد من المسائل، هو وغيره كذلك.
حتى من غير المالكية، ممن كان، حتى إن بعض الأصوليين كالامام القرافي أثبت أن بعض الأصول كان يقول بها غير مالك رحمه الله تعالى. من ذلك جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] في ما يتعلق بأحكام الضمان والكفالة.
كذلك ما ذكر علماؤنا رحمهم الله تعالى في استئناس أو استشهاد إمامنا مالك رحمه الله تعالى في أن البائع هو الذي يجب عليه التوفية ويجب عليه الكيل، في ما جاء في قول المولى تبارك وتعالى في قصة يوسف: ﴿فَأَوْفُ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88].
أيضاً من المسائل التي استدل بها علماؤنا، لأن إمامنا مالك رحمه الله تعالى كان يأخذ بشرع من قبلنا في مسألة التدمية، وهي أن القتيل إذا أدرك قبل موته وقال: إن دمي عند فلان، أن هذا يثبت اللوث الذي يوجب القسامة. وهذه تعرفنا عليها، تعرفنا على هذه المصطلحات في باب الجنايات. فهذه من المسائل انفرد بها إمامنا مالك دون الجمهور في هذه المسألة تحدداً.
واستدل بها من قصة بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]. لما أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذا الميت أخبر عن قاتله في قصة البقرة، فقد أخذ بذلك سيدنا موسى عليه السلام أيضاً، هذه مما يمكن أن يستدل بها.
أيضاً في الأخذ بالقرائن، كما استدل بذلك فيما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 26-27]. مسائل كثيرة ليست هذه، هنالك عدة مسائل، لكن هذا هو المقصود بشرع من قبلنا في هذا المحل تحديداً وفي هذا الجزء تحديداً. إذا ثبت بشرعنا أنه شرع لهم ولم نؤمر به فهو في مذهبنا حجة على المشهور.
من بين الأدلة كذلك المعتبرة في مذهبنا دليل المصلحة المرسلة. وكنت فيما مضى إذا كنتم تتذكرون في باب أو في أحكام القياس من هذه الدروس أو من هذا المقرر، مر معنا في مسالك العلة أن من بين تلك المسالك مسلك المناسبة والإخالة. وكنت حينئذ قد أرجعت الحديث عنها حتى يأتي موضعها ها هنا، لأنه أكثر تفصيلًا من ذلك الموضع.
المناسبة والإخالة هي الفيصل بين التعبد وبين المعقول من الأحكام، كما تعرفنا سابقاً، أي أن ما يدرك العقل المناسبة بينه وبين الحكم وبين العلة، فهذا هو المعقول، وغير ذلك هو التعبدي. هنالك تقسيمات كثيرة للمناسب حتى نرتب الأحكام ها هنا ونرتب المسائل. سنضطر إلى أن نخطو خطوة للأمام ثم نرجع مرة أخرى خطوة للخلف، ونخطو خطوة للأمام ثم نرجع مرة أخرى للخلف.
لأن الذي يهمني ها هنا أن نربط أو نضبط العلاقة بين المصلحة والمناسب، لأن المصلحة جزء من المناسبة، المناسب أعم ويندرج تحته المصلحة، وتندرج تحته المصلحة المرسلة. وكلاهما متقاربان، بعض الأصوليين يعبر بالمناسب عن المناسب بالمصلحة أو بالاستصلاح. حتى تترتب المعلومات كما يقال، ونضبط العلاقة بين المناسب وبين المصلحة المرسلة.
المناسب له عدة تقسيمات، منها ما يتعلق بكونه دنيوي أو أخروي، وما يتعلق بكونه حقيقي أو اعتباري. ومن بين تلك التقسيمات أنه ينقسم إلى مناسب مؤثر، وإلى مناسب ملائم، وإلى مناسب غريب، وإلى مناسب مرسل. المرسل هو حديثنا ها هنا في المصلحة المرسلة. والمصلحة تنقسم كذلك إلى ما شهد الشرع باعتبارها وهي المصلحة المعتبرة، وما شهد الشرع ببطلانها وهي المصلحة الملغاة، وما لم يشهد باعتبارها ولا إلغائها وهي المصلحة المرسلة.
أولاً، ما هي المصلحة؟ المصلحة بتعريفات مختلفة للعلماء رحمهم الله تعالى هي جلب منفعة أو دفع مضرة. أي جلب منفعة قد أقر الشارع كونها مصلحة، ودفع مضرة قد أقر الشارع أو أثبت الشارع أن هذا الفعل فيه مفسدة. هنالك ما شهد الشرع باعتباره مصلحة، فهذا هو المصلحة المعتبرة وهذا يعمل بها اتفاقاً.
كما مر معنا فيما يثبته الشارع من العلل، كذلك فيما يتعلق بالمناسب أن هنالك تقسيماً كما ذكرت قبل قليل، أن هنالك مناسب مؤثر وهنالك مناسب ملائم. هذا هو المناسب الملائم وهذا هو المناسب المؤثر، وهو ما اعتبر الشارع فيه نوع الوصف كما يعرفها الأصوليون. ما اعتبر الشارع فيه نوع الوصف في نوع الحكم. أنا لا أريد أن آتي بكثير من المصطلحات التي تتعلق بالمناسب حتى لا نتشتت، وكذلك لأن كل مصطلح منها يحتاج إلى تفصيل في مفرداته فيما يتعلق بالنوع والجنس في عين الحكم وجنس الحكم. لكن أنا فقط آتي بهذه المصطلحات حتى نربط بينها وبين المصلحة.
نرجع مرة أخرى، المصلحة هنالك ما شهد الشرع باعتبارها وهذه هي المصلحة المعتبرة وهذا يعمل بها اتفاقاً. وهنالك ما شهد الشرع ببطلانها وهي المصلحة الملغاة وهذه لا يعمل بها اتفاقاً. وهنالك ما لم يشهد باعتبارها ولا إلغائها وهي المصلحة المرسلة.
لماذا سميت مرسلة؟ الإرسال يعني الإطلاق، بمعنى أن الشارع لم يأتي باثباتها ولم يأتي كذلك بإلغائها. لأنه لو أتى الشارع باثباتها فهي تندرج تحت النوع الأول وهو المصلحة المعتبرة وهو ما شهد الشرع باعتباره. وإن شهد الشرع ببطلانها فهي من المصلحة الملغاة، وهذا له شواهد كثيرة، من بين تلك الشواهد التي يستدل لها العلماء رحمهم الله تعالى في المصلحة الملغاة مثل ما مر معنا حتى في سد الذرائع من منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمراً، هذا مصلحة ملغاة.
الان نتوجه مباشرة إلى المصلحة المرسلة موضع حديثنا. وهي التي لم يثبتها الشارع ولم يلغها، بمعنى آخر أو بتعبير آخر، الوصف أو المعنى الذي يدركه المجتهد أو يدرك مناسبته لحكم. هنالك وصف يدرك المجتهد مناسبة لحكم في مسألة غير منصوص عليها، ولم يدل دليل إما على اعتبارها وإما على إلغائها، هذا هو، هذه هي المصلحة المرسلة، أو هذا هو المناسب المرسل كما ذكرت قبل قليل أننا إذا أردنا أن نعبر عنه بالمناسب المرسل باعتباره في موضع مسالك العلة أو ها هنا باعتباره دليلاً مستقلاً.
إذاً الآن حتى نربط، إما أن نعبر لأنه مناسب ومرسل، لأن هنالك مناسب مؤثر كما بينت قبل قليل، وهنالك مناسب ملائم، وهنالك مناسب غريب، وهنالك مناسب مرسل كذلك. حتى في المصلحة هنالك مصلحة معتبرة وهنالك مصلحة ملغاة وهنالك مصلحة مرسلة. قد تكونون ربما ترون أن هنالك تشتيتاً للذهن كما يقال، لكن الأصوليون يستعملون المصطلحات نفسها، بمعنى يعبرون بالمناسب أو يعبرون كذلك بالمصلحة.
فإذاً مرة أخرى نرجع إلى موضعنا، المصلحة المرسلة هي التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها. فلذلك سميت مصلحة مطلقة، مطلقة من التقييد. هذه تنقسم باعتبار كونها من مقاصد الشريعة إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات. أي أن هنالك مرتبة أولى هي مرتبة الضروريات، التي إذا عدمت أو فقدت أصبح هنالك اختلال في النظام العام، نظام المجتمع أو نظام الأمة أو قوام الأمة. فهذه لذلك سميت الضروريات، لأن العقل لا يتصور عدم وجودها.
وهنالك مرتبة أقل منها وهي مرتبة الحاجيات، ليست ضرورية، لا يترتب على فقدانها اختلال للنظام، لكن يترتب على فقدانها حرج كبير ومشقة كبيرة بالمكلفين. وهنالك مرتبة أدنى من الأوليين وهي مرتبة التحسينيات أو التتميمات، وهي مرتبة مكارم الشريعة كما يقول العلماء ويعبر العلماء، هي مرتبة تتعلق بمكارم الأخلاق أو تتعلق حتى بالرخص، ما يأتي في ذلك من الرخص في الشريعة.
إذاً هذه هي مقاصد الشريعة. إذا كنا نسمع عن مصطلح مقاصد الشريعة الذي يتحدث عنه العلماء، هو مهم يتحدثون عن ذلك، فمقاصد الشريعة تابعة للضروريات. ومقاصد الشريعة التي جاءت الشريعة بل الشرائع كلها للمحافظة عليها ورعايتها، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وكذلك حفظ العقل، وكذلك حفظ المال، ويضيف بعض الأصوليين إليها حفظ العرض. وهي بهذا الترتيب على الأقل في أول رتبتين: الدين والنفس، ويختلف الأصوليون في اعتبار ما بعدها باي ترتيب يكون.
الأولى منها هذه رتبة الضروريات التي لا بد من مراعاتها بهذا الترتيب، يعني أن الضروريات مقدمة على الحاجيات، والحاجيات مقدمة على التحسينيات. بل إن الأصوليين يذكرون كذلك أن من فرط في التحسينيات فإنه يوشك أن يفرط في الحاجيات، ومن فرط في الحاجيات يوشك أن يفرط في الضروريات، كمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. بل ويمثلون لذلك بمن اعتاد أن يترك المستحبات في العبادات فإنه يوشك أن يترك السنن، ومن تهاون في السنن فإنه يوشك أن يترك الفرائض.
هذه هي الضروريات، يدرك العقل أن حفظ الدين من مقاصد الشريعة، ولذلك جاءت كثير من الأحكام لحفظ الدين فيما يتعلق بحد الردة، وما يتعلق كذلك بالحدود المتعلقة بالدين. كذلك حفظ النفس، من أجل ذلك شرع القصاص وشرع ما يتعلق بأحكام الجنايات المختلفة. حفظ النسل ولذلك شرع حد الزنا لأجل حفظ النسل. وحفظ العقل لأجل ذلك شرع حد الشرب للمسكر. وحفظ المال لأجل ذلك شرع حد السرقة وما يتعلق بأحكام الغصب وغير ذلك من الأحكام السابقة. وحفظ العرض كذلك ولأجل هذا شرع حد القذف.
أما الحاجيات، يمثل لها الأصوليون بالبيع والشراء والعقود وغير ذلك من الأحكام، أما التي لا، يمكن أن تترك أو يمكن أن تعدم، لكن إذا فقدت فيترتب على ذلك حرج شديد جداً يلحق بالمكلفين.
الآن بعد هذه المقدمات الإجمالية المتعلقة بهذه الأنواع الثلاثة للمصلحة المعتبرة والملغاة، المصلحة المرسلة هي المصلحة من التقييد كما يقولون أو كما يقول الأصوليون، بمعنى أنها لم تثبت أو لم يثبتها الشارع، لم يلغها، التي تتعلق بماذا؟ بجلب المصالح أو جلب المنافع، ودفع المضار أو دفع المفاسد. هنا حصل خلاف كبير بين الأصوليين في اعتبارها دليلاً أو عدم اعتبارها دليلاً من الشارع، أو اعتبارها دليلاً شرعياً يمكن أن يستدل به.
وأخذ بذلك إمامنا مالك رحمه الله تعالى، مستدلاً على ذلك بأدلة كثيرة جداً، أدلة استدل بها إمامنا رحمه الله على أن الصحابة أنفسهم كانوا يعملون بالمصلحة المرسلة. بمعنى أن هنالك قواعد عامة أتت الشريعة لرعايتها التي نتحدث عنها الآن، جلب المنفعة ودفع المضرة. حتى إن الإمام الطوفي مما ينسب إليه ما تلقته العقول بالقبول، نسيت عبارته رحمه الله تعالى.
ففي الشاهد أن إمامنا استدل بفعل الصحابة على كثير من المسائل التي لم تأتي الشريعة بالامر بها، لم تأتي الشريعة باثباتها ولا كذلك أمرت بالغائها. من بين ذلك مما يستشهد به قصة جمع القرآن التي كانت في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حينما جاءه سيدنا عمر بن الخطاب بعد قصة شهداء الحرة، حينما قتل عدد من القراء، وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خوفاً على القرآن من الضياع، فقال له سيدنا أبو بكر: كيف أعملاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ماذا قال له عمر رضي الله تعالى عنهما؟ قال: ذلك خير.
لذلك حينما دعي سيدنا زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال كذلك: كيف أعمل عملاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له كلاهما خير. وغير ذلك حتى مما يتعلق بتحريق سيدنا عثمان للمصاحف الأخرى بعد جمعه، كل ذلك كان من استدلالهم بالمصلحة المرسلة. مصلحة مرسلة، يعني لم يأتي الشارع لم يأمر بجمع القرآن، ولكن لم يأتي كذلك بالنهي عن ذلك، فهذه مصلحة مرسلة متعلقة بما يكون فيه منافع ودفع مضار، هذا هو المقصود بالمصلحة المرسلة.
وأدلة ذلك كثيرة متعددة مبسوطة في كتب الأصول، لا حاجة لإيرادها ها هنا، لكن على سبيل المثال دعونا نتحدث الآن في زماننا.
وفي عصرنا الحاضر مما يتعلق بالمصالح المرسلة التي يمكن أن يأتي زمان يحتاج فيه أو تحتاج فيه إلى إقرار بعض الأمور التي تتعلق بهذه الأمور الضرورية أو الحاجية أو التحسينية. بمعنى أننا الآن نتحدث عن المصلحة المرسلة بمراتبها الثلاث؛ مرتبة الضروريات المتعلقة بما يتعلق بحفظ الدين، أو حفظ النفس، أو حفظ النسل، أو حفظ العقل.
ألا ترون أن كثيراً من القوانين التي في بلاد المسلمين، بل حتى لو قلنا في بلاد غير مسلمة لكن الذي يعنينا هنا ما يكون فيه تحكيم الشريعة، أن كثيراً من القوانين جاءت لأجل مراعاة هذه الأمور؛ إما الضرورية أو الحاجيات.
تحسينية القوانين التي تسنها بعض البلدان فيما يتعلق بالنكاح أو بالتوثيق الأصل أن من أراد أن يشتري شيئاً من كالآراضي أو السيارات أنه لا يحتاج إلى توثيق، كان في السابق يذهب يشتري دابة من البائع، بعد ذلك يستحب له أن يشهد ولكن إذا لم يشهد فإن العقد صحيح. الآن الإجراءات الرسمية والقوانين في البلدان تشترط على من يبيع ويشتري مثل هذه السلع؛ السيارات، البيوت، العقارات، الدور، كل هذه الأمور يشترط فيها التوثيق في الجهات الرسمية.
ما يتعلق حتى بعقد النكاح، في السابق كان عقد النكاح يأتي فيه الولي ويزوج موليته بشاهدين ويقبل الزوج وانتهى الأمر، العقد وحل كل واحد منهما للأخر. الآن تشترط الدول أن يوثق ذلك، ولماذا يوثق؟ لأن فيه حفظاً للنسل أو حفظاً لما يتعلق بهذه الأمور، حفظاً للعرض كذلك، إذا قلنا بما أن العرض هو موضع المدح والذم للإنسان، فهذه كلها مصالح مرسلة.
قوانين المرور التي تكون في البلدان في الوقوف أو حتى في اشتراط مثلاً أن يحصل الإنسان على رخصة قيادة، هذا لم يكن واجباً في السابق ولم تأت الشريعة فيه لا أمن ولا بناء، لكن المصلحة الآن تقتضي حفظ النفس لنقل، حفظ النفس بأن نثق بأن من يقود هذه السيارة إنما يقودها وهو مدرب وهو متهيئ وهو متعلم لشروط القيادة وأنظمة المرور وقوانينها وما يتعلق بذلك. هذا كله من المصالح المرسلة.
متى تأملنا ما يتعلق بحفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل والعقل والمال والعرض من الأمور الضرورية، وكان في إقراره رعاية لهذه الضروريات، فهذا مما يدخل في المصالح المرسلة إذا لم يكن الشارع قد أمر بها بعينها أو بنوعها ولم يكن كذلك ألغاها. نص الأصوليون رحمهم الله تعالى في كتبهم على ضوابط للأخذ بالمصلحة هي مبثوثة ولكن نجمعها ونسردها سرداً.
من بين تلك الضوابط أن تكون مصلحة محققة، وهذا يشمل المقطوع بها والمظنون ظناً قوياً، فهذا الشرط احتراز من المشكوك فيها والمظنون ظناً ضعيفاً أي أنها لا تكون مصلحة متوهمة أو مصلحة غير متتحققة.
كذلك من الشروط أن تكون كلية، احترازاً من المصلحة الخاصة، فالمصلحة تكون عامة لجمع من الناس لا أن تكون مصلحة خاصة.
كذلك أن يكون الشارع اعتبر جنسها، وهذا بمعنى أنه لو لم يعتبر جنسها لكان هذا مندرجاً تحت المناسب الغريب الذي تحدثنا بأنه من اقسام المناسب قبل قليل، والعلماء ما أردوه أو الأصوليون ردوه رحمهم الله تعالى، فإن يكون الشارع اعتبر جنسها أي أن تكون لها صلة بنظائر معتبرة ولو من بعيد، هذا المقصود باعتبار جنسها.
لانه لو نص على نوعها فهي جاءت من المناسب المؤثر أو من المناسب الملائم، لكن طالما أن الشارع لم ينص عليها فالمهم اعتبار الجنس كما رأينا في بعض الأمثلة السابقة؛ اعتبار ما يتعلق بالعدالة، اعتبار ما يتعلق بحفظ النفس وغير ذلك. أي أن تكون لها صلة بنظائر معتبرة ولو من بعيد، وهذا هو الفارق بينها وبين القياس، بمعنى أنه لو كان هنالك اعتبار لنوعها فهذا مندرج تحت القياس بمختلف صوره التي مرت معنا في موضعها.
كذلك أن تكون نائية عن الأهواء والشهوات العامة والخاصة، أي أن تكون مصلحة فيها جلب منفعة أو دفع مضرة، لا أن تكون متعلقة بالشهوات، وهذا جعل كثيراً من المعاصرين الآن يتحدثون عن المصلحة، وأن المصلحة تقتضي كذا، وأن الشارع يرعى المصلحة، ولابد أن يكون الحكم فيه تيسيراً، وهي في الحقيقة هذه الأحكام التي يدعون إليها إنما تتعلق بالأهواء أو الشهوات وليس فيها مصلحة من المصالح الشرعية باعتبارها جلباً للمنفعة أو دفعاً للمضرة.
كذلك أن يفتي على وفقها أهل العلم بأن يعتبروا قضية من المصالح المرسلة دون غيرهم، أي أنه لا مدخل للعوام أصلاً في اعتبار المصلحة، ولا مدخل للمفكرين أو المنظرين أو السياسيين، هذه متعلقة بالشريعة وعلماء الشريعة هم من يقرر ذلك.
وأيضاً هذا فيه رد على الجويني رحمه الله تعالى كما ذكر أصوليو المذهب، لأنه حينما شنع على أمامنا مالك في أخذه للمصلحة، ذكر أن هذا يستلزم تحكيم العوام وهذا غير صحيح، فيعني المصلحة يحكم فيها العلماء رحمهم الله تعالى ولا مدخل لتحكيم العوام.
كذلك ألا تخالف نصاً من كتاب وسنة أو إجماع، أو تخالف إجماعاً من الأدلة المقدمة عليها.
كذلك أن تكون ملائمة لتصرفات الشارع، تصرفات الشارع في أحكامه العامة فيما يتعلق بالضروريات والحاجيات، فلابد أن تكون ملائمة له.
وكذلك أن تكون معقولة المعنى في حالها ومآلها، لأنها من المناسب، والمناسب ما تدركه العقول أو تدرك العقول المناسبة بينه وبين الحكم.
وكذلك ألا تعارض مصلحة أرجح منها، نحن لدينا مصلحة ولدينا مصلحة أخرى، وإذا تعارضت المصلحتان فتقدم المصلحة الأرجح التي تكون أعم أو تكون محققة أكثر أو تكون فيها غلبة الظن أكثر أو يكون رفعها أعم.
وكذلك ألا يترتب على العمل بها مفسدة مساوية أو راجحة، قد تكون هذه مصلحة لكن يترتب عليها مفسدة إما مساوية أو راجحة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. يمثل الأصوليون له مثلاً بفك الأسرى؛ إذا كان هنالك أسرى من المسلمين وكانوا سيفكون بالسلاح، فإن السلاح سيترتب بفكهم بالسلاح سيترتب عليه إزهاق أرواحهم، فهذا فيه مصلحة تخليصهم لكن في الوقت نفسه فيه مفسدة إزهاق أرواحهم أو انزال الضرر بهم.
من أدلة المذهب كذلك مراعاة الخلاف، وهذا وقع فيه الخلاف عندنا بين أصوليي مذهبنا رحمهم الله تعالى، هل هو أصل من أصول إمامنا أو ليس أصلاً؟ لأنه تارة يراعي الخلاف وتارة لا يراعيه، وأيضاً هذا مما ترتب على الخلاف في هذا الأصل، هل هو أصل أو هو دليل أو ليس بدليل؟ أن الأصل في المجتهد أنه يعمل بما ترجح إليه، فكيف يراعي دليل غيره الذي هو مرجوح بالنسبة إليه؟
لكن هو من الأصول التي رأى علماؤنا رحمهم الله تعالى أن أمامنا مالكاً كان يراعي الخلاف، وهذا عد من محاسن ومن مزايا مذهبه رحمه الله تعالى. أما تعريفه فهو أعمال المجتهد دليل خصمه في لازم مدلوله.
دعوني أرجئ بيان التعريف حتى نتعرف على أنواع مراعاة الخلاف. أنواعه أما أن يكون مراعاة كلية، وهذا يكون بالخروج من الخلاف، أي أن المجتهد أو أن الفقيه يخرج من الخلاف ابتداءً، بمعنى أنه لا يعمل بالعمل لأجل الخروج من خلاف، هذا له أمثلة كثيرة من بينها ما يذكره فقهاؤنا في موضع البسملة عند قراءة الفاتحة، فهي مكروهة عندنا في المذهب، لكن يترتب على عدم قراءتها بطلان الصلاة عند الشافعية، فللخروج من الخلاف كما يقول بعضهم ممن يستحب ذلك ويذكر أن ذلك من الورع، فهذا هو المقصود بالخروج من الخلاف وليس هو محل حديثنا.
فمحل حديثنا هو النوع الثاني وهو المراعاة الجزئية للخلاف، وهي التي جاءت في التعريف؛ أعمال المجتهد دليل خصمه في لازم مدلوله. أولاً أن المجتهد المالكي لنضرب المثال بالأسماء حتى تتضح الصورة، المجتهد المالكي سيعمل أولاً على رأيه هو، لن يخرج من الخلاف، هو سيقرر مذهب أبيه هو، لكن سيعمل لازم مدلول دليل خصمه في مسألته هو.
حتى تتضح الصورة أكثر، يمثل الأصوليون هذا الدليل ولهذا التعريف تحديداً حتى لأن مراعاة الخلاف في تعريفها خلاف أيضاً، لكن هذا هو التعريف الذي يقصد في هذا النوع تحديداً في المراعاة الجزئية؛ أعمال المجتهد دليل خصمه في لازم مدلوله.
ويمثل الأصوليون لذلك بأعمال إمامنا مالك رحمه الله تعالى دليل خصمه، وهو طبعا حينما يقول العلماء الخصم يعنون به المقابل المناظر أو الطرف الآخر وليس الخصومة بمعنى الخصومة الشخصية، وإنما في الطرفين هذه من المصطلحات المناظرة وعلم الجدل والمناظرة.
إذا كنتم تذكرون ممن حضر معنا المقررات الفقهية أن من الأنكحة الفاسدة عندنا نكاح الشغار، والبضع بالبضع هو الشغار كما قال ابن عاصم، وهو النكاح بلا مهر من الطرفين وهنالك الصريح وهنالك وجه شغار، فهو نكاح فاسد عندنا في المذهب.
ما الذي يترتب كان على النكاح الفاسد هذا؟ أنه يترتب عليه عدم الإرث لأنه نكاح فاسد، لكن إمامنا مالكاً أعمل دليل خصمه في لازم مدلوله. غيرنا وهم الأحناف يرون أن هذا النكاح ليس بفاسد، ويترتب على كونه غير فاسد أنه يثبت الإرث بين الزوجين، فما الذي صنعه مالك؟ هو استمر على قوله أو إمامنا مالك استمر على رأيه في اجتهاده بأن هذا النكاح فاسد، لكن أنه إذا تم ووقع هذا النكاح فإنه يثبت الإرث بين الزوجين.
فهو الذي قام به إمامنا مالك رحمه الله تعالى؛ أعماله دليل الحنفية الذين قالوا، أو أعماله دليل الإام أبي حنيفة القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله، ولازم مدلوله هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالصغار فيما إذا مثلاً مات أحدهما، فالمدلول هو عدم الفسخ، مدلول قول الخصم أو مدلول القول الآخر هو عدم الفسخ، ولازمه لازم هذا القول إذا كان غير مفسوخ عند غيرنا عند غير المالكية لازمه ما هو؟ لازمه أن الإرث ثابت بين الزوجين.
لذلك أعمل الإمام رحمه الله تعالى لازم هذا المدلول في قوله هو، فهذا هو المقصود بأعمال المجتهد دليل في لازم مدلوله. ويعني نلخص المسألة؛ الإمام مالك لم يراعي القول الآخر مراعاة كلية بمعنى أنه قال إنه نكاح غير فاسد وأنه لا يفسخ، بل هو نكاح فاسد ويفسخ، لكن متى ما وقع إمامنا، عفواً إمامنا هنا راعى الخلاف، أثبت الألفة بين الزوجين.
له أمثلة حتى في مراعاة الخلاف داخل المذهب بالمناسبة، المراعاة قد تكون خارج المذهب، قد تكون داخل المذهب ولها أمثلة كثيرة.
من بين تلك الأمثلة ما هو معروف ومقرر، أن من كبر للركوع وقد ترك تكبيرة الإحرام، كان الحكم في الصلاة ها هنا الحكم في الصلاة أن باطل لأنه ترك تكبيرة الإحرام. ومن ترك كذلك من اتى بتكبيرة الإحرام أثناء انحنائه فهذه الركعة ملغاة ويأتي بركعة عوض هذه الركعة، كذلك هذا كله مراعاة للقول الآخر لقول من يرى أن تكبيرة الإحرام لا يشترط فيها القيام.
ذلك من بين تلك المسائل مثلاً من نسي الفاتحة، هذه مما من المسائل الشائكة عندنا في المذهب أن من نسي الفاتحة من نسي ركناً من أركان الصلاة ما لم يفت إلا الفاتحة، فإذا نسيها تفوت بمجرد الانحناء للركوع بخلاف الأركان الأخرى تفوت بالركوع، أما في بالركعة الثانية أو بالرفع منه في الركعة التي تليها في ركعة الفوات أو ركعة النقص.
لكن من نسي الفاتحة بركعة من الركعات وانحنى فهذا التدارك قد فاته، ما الذي يترتب على ذلك؟ يترتب على ذلك من المفترض أن يترتب على ذلك بطلان الصلاة لأنها تركت فيها فريضة من فرائض الصلاة. ومع ذلك لم يترتب عليها بطلان الصلاة مراعاة قول من قال بأنها سنة في إحدى الركعات، أنهار ليست واجبة في الكل وإنما واجبة في الجل، ثم بعد ذلك يسجد سجود سهو قبل سلامه وبعد سلامه يأتي بالصلاة يعيدها وجوباً.
لماذا يعيدها وجوباً؟ مراعاة كذلك لقول القائلين بأنها واجبة في الكل. يعني هذه من الأمثلة التي يمكن أن تتضح فيها صورة مراعاة الخلاف.
له شروط، من بين هذه الشروط أولاً أن يكون هذه المراعاة تكون من مجتهد لا أن تكون من مقلد، وأن يكون دليل القول المراعى قوياً، لأن هذا هو الذي جعل إمامنا يراعي في بعض المسائل ولا يراعي في مسائل أخرى، لأن هو راعى الخلاف المسائل كان دليل المقابل دليل المخالف فيها قوياً.
كذلك ألا يترتب من ذلك صورة تخالف الإجماع، يمثل لها الأصوليون بأن ينكح من غير مهر ومن غير شاهد، ينكح من غير مهر بناء على عدم وجوب المهر، ومن غير شاهدين بناء على أن الشهادة ليست ركناً وإنما هي شرط في الدخول كما هو في مذهبنا، ومن غير ولي كما ينسب للحنفية، فهذه صورة فيها مراعاة للخلاف لكن يتركب منها صورة تخالف الإجماع.
كذلك ألا يترتب على المراعاة ترك قول المذهب من كل الوجوه، فالصورة التي رأيناها قبل قليل فيها مراعاة للخلاف، لكن بقي قول في عدد كبير من الوجوه في المسألة نفسها.
آخر هذه الأدلة من حيث التعداد ها هنا في أصول المذهب؛ الاستقراء. والاستقراء يقصد به تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة.
ينقسم إلى استقراء تام وإلى استقراء ناقص. استقراء تام؛ يعني فيه تتبع كل الجزئيات، وهذا سينتهي إلى نتيجة قطعية. وهنالك استقراء ناقص؛ لا يكون فيه التتبع لكل الجزئيات، وهذا ستكون نتيجته ظنية. المقصود بالاستقراء هو التتبع، بمعنى أن المجتهد يتتبع الحكم في جميع الجزئيات حتى يصل إلى نتيجة اجتهاده. أمثلته كثيرة، من أشهر أمثلته التي تضرب في كتب الأصول أن الفقهاء حينما تناقشوا في وجوب الوتر أو عدم وجوبه تتبعوا حالات الفرض؛ يعني تتبعوا حكم صلاة الفريضة الصلوات الخمس في حالاتها، فوجدوا أنها لا تصلى على الراحلة، أي أنها لا تصلى على الراحلة على الناقة، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الوتر على الراحلة، صلاها طبعا في السفر. فهذا الاستقراء في تتبع حالات الفريضة أثبت أن الوتر غير واجب؛ لماذا؟ لأن تتبع حالات أو استقراء حالات الفرض أثبتت أنه لا يصلى على الراحلة.
كذلك له أمثلة ممن يذكرون الأمثلة فيها الاستقراء؛ الإمام اللخمي رحمه الله تعالى الذي وصل فيه إلى نتيجة، فهي وجوب صوم يوم الشك، يوم الشك يعني قبل رمضان، رأى الإمام اللخمي رحمه الله تعالى أنه واجب؛ لماذا؟ من استقراء وجوب الإمساك على ما شك في طلوع الفجر، يعني إذا لم يتبين له طلوع الفجر من خلال استقراء الفتاوى والأقوال والروايات الواردة عن الإمام ثبت أن من شك في طلوع الفجر يجب عليه أن يمسك من خلال الاستقراء ذلك، ومن خلال هذا الاستقراء أثبت الإمام اللخمي وجوب صوم يوم الشك. طبعا هذا استقراء مردود، لكن أنا أردت فقط أن أبين أن هذا من أنواع الاستقراء في تتبع جزئيات مختلفة؛ رد عليه علماؤنا رحمهم الله تعالى وذكروا أن هذا الاستقراء استقراء مردود.
كذلك أيضاً مما يمكن أن يستقرأ منه من خلال تتبع جزئيات ما أثبته الفقهاء مما يجب في التركة، أن ما يجب في التركة خمسة أمور، من خلال ماذا؟ من خلال استقراء أقوال الفقهاء فيما يجب في تركة الميت. فهذا الاستقراء أوصله إلى الحصر، وهذا الحصر من أين استفيد؟ استفيد من خلال الاستقراء، فهذا من الأدلة التي يذكرها الأصوليون وليس دليلاً خاصاً بالمذهب، هو أيضاً عند الشافعي، ويستدلون به، أو ممن أمثلة فيه؛ استقراء حالات الحيض في أقل مدته وأكثر مدته من خلال استقراء حالات النساء.