ننتقل الآن إلى المحور الأول من محاور أصول الفقه، وهو الحكم. تعرفنا فيما مضى على مقدمات، ومن بين تلك المقدمات محاور أصول الفقه الأربعة: الحكم، والدليل، والدلالة، والمستدل. والتي تعرفنا كذلك في ثمرة أصول الفقه، أو في ثمرة أصول الفقه هو الوصول إلى معرفة الحكم من خلال الدليل الشرعي. الأصول هي أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، وكيفية الاستفادة من تلك الأدلة هو الثمرة من ذلك. الوصول إلى الحكم الشرعي، الحكم هنا نتحدث، والعلماء يتحدثون هنا عن الحكم الشرعي؛ فهنالك أحكام أخرى، هنالك حكم عقلي وهنالك حكم عِادي. الحكم في اللغة -وربما يكون هذا المصطلح مر معنا سابقاً بما مضى من الدروس- الحكم من حيث اللغة أو من حيث الاصطلاح العام هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. وحينما أثبت -لننتحدث عموماً- أثبت الكرم صفة في فلان، فإنني أحكم به، أي أحكم بهذه الصفة بصفة الكرم على فلان أو أنفيها عنه؛ فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. أما الحكم الشرعي فهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو وضعاً. أولاً، دعونا نتأمل في مكونات هذا التعريف: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف، أو كما قال صاحب المراقي: كلام ربي إن تعلق بما يصح فعلاً للمكلف على ما من حيث إنه وبه مكلف فذاك بالحكم لديهم يعرفون.
خطاب الله تعالى يخرج خطاب غيره، والله سبحانه وتعالى هو الشارع وهو الحاكم. وخطاب الله المتعلق بفعل المكلف، إذاً يخرج خطاب الله تعالى المتعلق بغير المكلف، أولاً المتعلق بغير المكلف كخطاب الله تعالى المتعلق بذاته سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، أو المتعلق حتى بالمخلوقات لكن بغير المكلف كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، أو أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. إذاً هذه القيود تخرج أموراً كثيرة؛ لأن خطاب الله سبحانه وتعالى في كتابه يتناوله مسائل كثيرة، يتناوله الأخبار، يتناول أحد أشراط الساعة. إذاً ما الذي يتناوله علم أصول الفقه؟ الخطاب الشرعي الذي يتناوله علم أصول الفقه هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف. الآن إذا انحصرت هذه الجهة، جهة خطاب الله سبحانه وتعالى في ماذا؟ في فعل المكلف؛ ليخرج خطاب الله تعالى المتعلق بذاته، المتعلق بالمخلوقات الأخرى، المتعلق بفعل مكلف لكن من حيث إنه به مكلف، بمعنى أن هنالك خطاباً لله تعالى ومتعلقاً بفعل المكلف لكن ليس من حيث إنه به مكلف؛ كالإخبار: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]، أو كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، هذه أو هذا خطاب لله تعالى المتعلق بفعل مكلف لكن ليس من حيث إنه به مكلف، وإنما من باب الأخبار ومن باب التكوين وغير ذلك. إذاً هذا هو تعريف الخطاب الشرعي عموماً. الخطاب الشرعي ينقسم إلى قسمين: خطاب تكليفي وخطاب وضعي. خطاب الله تعالى الذي هو الحكم الشرعي عموماً، حتى تترتب هذه الأقسام عندنا، هنالك حكم شرعي، الحكم الشرعي يقابل الحكم العقلي والحكم العادي. هذا الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي وحكم وضعي.
الحكم التكليفي هو كما في معنى التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة، أو طلب ما فيه كلفة. الكلفة هي المشقة؛ إلزام ما فيه كلفة أو طلب ما فيه كلفة على الخلاف بين الأصوليين في الفرق بينهما. إن الإلزام -إذا قلنا بأن خطاب التكليف، أو أن الحكم التكليفي هو إلزام ما فيه كلفة، الإلزام كما سنتعرف على أقسام الحكم التكليفي: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة- إذا قلنا إلزام فإن هذا سيشمل فقط الإيجاب والتحريم؛ لأنهما هما اللذان فيهما الإلزام فقط، أما الكراهة والندب ليس فيهما إلزام، فهو خطاب الله تعالى غير الجازم. وفي الكراهة: هل هو إلزام ما فيه كلفة أو طلب ما فيه كلفة حتى يدخل فيه الكراهة والندب؟ قال العلامة العلوي رحمه الله تعالى في مراقي السعود: لكنه ليس يفيد فرعاً فلا تضق لفقد فرع ذرعاً. يعني هذا خلاف بين الأصوليين، لا أريد التفريعات أو التفريع كثيراً، لكنني في الوقت نفسه أحرص على إعطاء بعض المصطلحات التي تفتح لنا آفاقاً عند قراءة كتب أصول الفقه المتقدمة أو المتوسطة حتى نفهم مدلول العلماء. وإلا فالغرض من هذا المستوى أن نحيط هذا العلم من حيث الإجمال دون التفصيل. فإذا فصلت قليلاً فاعتذر، وإذا فصلت ولم أمعن كذلك التفصيل فإنني أحاول الرجوع إلى الأصل إن خرجت أنا عن الأصل إلى الأمور العارضة.
إذاً مرة أخرى، عندنا الحكم الشرعي ينقسم إلى حكم تكليفي وحكم وضعي. الحكم التكليفي هو الأحكام الخمسة التي نسمعها أو نرى تكرر هذا المصطلح كثيراً في الفقه، التي هي: الندب والتحريم والكراهة والإباحة. أما الحكم الوضعي فهو ينقسم إلى ما يظهر به الحكم، وإلى الصحة والفساد، وإلى العزيمة والرخصة. أعوذ مرة أخرى حتى تترتب هذه الأقسام مرة أخرى: الأحكام التكليفية هي هذه الخمسة التي نعرفها، ولذلك تسمى الأحكام التكليفية هي فيها تكليف فيها مشقة، وهي كما جاء في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. أما الحكم الوضعي فهو خطاب من الله سبحانه وتعالى، هو خطاب من الشارع، أي خطاب الشارع، لكن بكون الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً. ماذا يعني هذا المصطلح مرة أخرى؟ وهذا حتى لا تنسحب علينا بعض المصطلحات المعاصرة غير الشرعية حينما نقول: حكم وضعي. الحكم الوضعي الذي يتحدث عنه المعاصرون يتحدثون عن حكم غير شرعي أصلاً، بمعنى أنه من وضع الناس كالقوانين الوضعية غير الإسلامية، هذا شأن آخر. نحن نتحدث الآن عن الحكم الشرعي، عن الحكم الشرعي الوضعي. ما معنى حكم شرعي وضعي؟ أي أن الشارع وضع هذا الشيء وجعله علامة على التكليف. ماذا يعني هذا الأمر مرة أخرى؟ كأن الشارع قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أنني حكمت بكذا، إذا وقع الزوال بالوجود فاعلموا أنني أوجبت صلاة الظهر: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسرَاء: 78]، اعلموا أن شهر رمضان إذا دخل بثبوته بما يثبت به شهر رمضان بإكمال شعبان ثلاثين وبرؤية الهلال، فاعلموا أنني أوجبت عليكم صيام شهر رمضان: ﴿فَمَن شَهِدَ منكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]؛ إذاً هي علامات، لذلك سمي خطاباً وضعياً؛ لأن الشارع وضع تلك العلامات تلك الأحكام الوضعية علامة على التكليف. أما التكليف، وهو الخطاب الشرعي التكليفي، فهو هذه الأمور الخمسة.
إذاً مرة أخرى حتى نستوعب التقسيم: هنالك خطاب شرعي، هذا الخطاب الشرعي يندرج تحته قسمان: الخطاب التكليفي أو الحكم التكليفي، والحكم الوضعي. أما الحكم التكليفي فهو ينقسم إلى إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة. ودققوا كذلك مرة أخرى بأننا نتحدث عن الخطاب الشرعي، أي الذي يفهم منه الإيجاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسرَاء: 32]، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم. هذا خطاب من الشارع فيه طلب للفعل، أما هذا الطلب فينقسم إلى خمسة أقسام: أما أن يكون هذا أولاً الطلب فيه طلب فعل، وأما أن يكون فيه طلب ترك. إذاً لدينا الآن جهتان، وهنالك جهة في الوسط ليس فيها طلب فعل ولا طلب ترك.
إذاً هنالك طلب فعل، أي طلب إيجاد. هذا الطلب أما أن يكون جازماً، أي أن الشارع في خطابه هذا طلب الاتيان أو ايجاد الفعل طلباً جازماً، فهذه هي الإيجاب، وهذا هو حكم الإيجاب أو الوجوب، هذا هو الحكم الشرعي، واما أن يكون طلباً غير جازم فهذا هو الندب. والندب هنا في اصطلاح الأصوليين يشمل السنة ويشمل المندوب، فهنا اصطلاح خاص يختلف عن اصطلاح الفقهاء. نحن رأينا أن الفقهاء يقسمون الأحكام إلى فرائض وواجبات وأركان، هذه في جهة وكلها مصطلحات مترادفة. ثم بعد ذلك مرتبة أقل تشمل تندرج تحتها السنة، ثم بعد ذلك المندوب والمستحب والفضيلة، وهي بمصطلح أو معنى واحد: السنة والمندوب والفضيلة والمستحب، كلها هذه تحت خطاب الندب عند الأصوليين. هنا أيضاً لابد أن نفرق، هنا لا نتحدث عن المندوب بمعنى المستحب، وإنما نتحدث عن المندوب بالمصطلح الأصولي الذي يعني خطاب الشارع بإيجاد الفعل أو بالطلب طلباً غير جازم. التحريم هو طلب الترك لكن بصيغة جازمة: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجُمُعَة: 9]، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.
هذا طلب ترك جازم. وهناك طلب ترك غير جازم وهو الكراهة. وهنالك الإباحة، ما استوى فيه الفعل أو الطلب والاجتناب. إذاً هذه هي الأحكام التكليفية الخمسة، التعبير الدقيق لها هو: الإيجاب أو الوجوب، الندب، التحريم أو الحرمة، الكراهة، والإباحة. هنالك من الأصوليين من عبر عنها بالواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، لكن هذه من حيث الاصطلاح الدقيق كما ذكر الأصوليون هي صفات للفعل، فنقول: الصلاة واجبة، أما الخطاب فلا يوصف بالواجب، لا نقول الخطاب واجب، وإنما نقول الخطاب خطاب فيه دلالة على الوجوب أو على الإيجاب. لا أريد كذلك الخوض في التفاصيل، ولكنني مرة أخرى أحب أن أفتح بعض الآفاق حتى نستوعب بعض المضامين والمدلولات التي يتحدث عنها الأصوليون. هذا هو التعريف: خطاب الشرع المقتضي الاتيان بالفعل طلبا جازما. طبعا هذا تعريفه، هناك تعريفات أخرى، كما ذكر حتى صاحب المراقي: والخطاب المقتضي للفعل جزماً فإيجاب لدى ذي النقل، وغيره الندب، وما ترك طلب جزماً فتحريم له الإثم انتسب.
هناك تعريفات أخرى، وهي ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. هذا أيضاً من التعريفات، لكنه تعريف كما يقول العلماء ليس تعريفاً بالحد، وإنما تعريفاً بأحد اللوازم التي تكون لهذا الخطاب. فالواجب أو الوجوب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، بل إن هذا التعريف أيضاً استدرك، فإن الله سبحانه وتعالى كما أوجب هذا واجب كالصلاة على سبيل المثال، ليس بالضرورة أن يثاب على فعلها، وليس بالضرورة كذلك أن يعاقب على تركها؛ أولاً لا يثاب على فعله، فقد يكون هذا المصلي صلاة ليست مختلة الشروط أو أنها صلاة من حيث النية ليست لله تعالى، وإنما رياء، فهذا لا يثاب على فعله، وكذلك قد يغفر الله سبحانه وتعالى لمن ترك الصلاة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: 48]. فمن الأصوليين من عدل على هذا التعريف وقال: ما يترتب على فعله الثواب ويترتب على تركه العقاب. على كل حال، لا أريد الخوض مرة أخرى بتفاصيل، لكن هذه مثلاً من المسائل التي يتناولها الأصوليون في مثل هذا الموضع.
إذا انتهينا الآن من أحد القسمين من أقسام الحكم الشرعي، وهو الحكم التكليفي، ننتقل الآن إلى الحكم الوضعي الذي قلنا بأنه خطاب من الشارع، لكن هو علامة أو أن الشارع جعله علامة على التكليف. هذا ينقسم إلى ثلاث أقسام: القسم الأول وهو ما يظهر به الحكم، وهذا قسم متفق عليه بين الأصوليين. وهذا يتفرع عنه العلة والسبب والشرط، وكذلك المانع. ما معنى متفق عليه؟ يعني أنه متفق على أنه من خطاب الوضع. في حين أن الصحة والفساد والعزيمة والرخصة هذه من الأحكام، لكن اختلف الأصوليون: هل هي تابعة للتكليف أو تابعة للوضع؟ هل الصحة والفساد -دعوني أتحدث عنها ثم بعد ذلك أرجع مرة أخرى إلى ما يظهر به الحكم- الصحة والفساد هل هما خطابان، يعني هو خطاب وضعي أم أنه كما يقال نتيجة مباشرة إما لاستكمال الشروط التي تكون في العبادة؟ حينما يأتي الإنسان بشروط الصلاة كاملة، شروط الوجوب، الصحة من استقبال القبلة وستر العورة وطهارة الحدث ودخول الوقت، ثم بعد ذلك يأتي بالأركان: الفاتحة وتكبيرة الإحرام وغير ذلك، فقد استوفى ما يتعلق بصحة تلك العبادة. الصيام كذلك: امتنع عن شهوتيه البطن والفرج طيلة النهار، فهذا إذاً بعدما استوفى الشروط فقد أتى بعبارة صحيحة، وإذا اختلت الشروط فقد أتى بعبارة فاسدة. هما خطابان أم أنهما ليسا خطابين؟ هذا مما يتناوله الأصوليون. الشاهد: الصحة كما عرفها الأصوليون: موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع. لماذا قالوا: ذو الوجهين؟ لأن هنالك أفعالاً، أو نعم يعني أفعالاً لا تكون إلا ذات وجه واحد؛ لأنها إذا لم تكن فهي ليست أصلاً، لا يقال لها فعلاً، كمعرفة الله سبحانه وتعالى لا يقال فيها صحة وفساد؛ لأنه من لم يعرف الله تعالى فهذا جاهل. والبطلان على العكس، وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع. هذا تعريف الصحة والفساد. العزيمة والرخصة أرجع إليهما في موضعهما.
إذاً مرة أخرى الآن نحن في الخطاب الوضعي الذي جعله الشارع علامة على التكليف. أول هذه الاقسام من أقسام الحكم الوضعي هو ما يظهر به الحكم. وأول تلك الأقسام مما يظهر به الحكم العلة والسبب، هما مترادفان عند الأصوليين. العلة هي السبب، كما قال العلامة العلوي: ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه قد ذهب. يعني العلة ستأتي في باب القياس، والعلة التي تأتي في باب القياس هي السبب الذي يذكره الأصوليون في باب الحكم أو في الحديث عن الحكم. إذاً، ومع علة ترادف السبب. ما هو السبب؟ السبب في اللغة: ما يمكن التوصل به إلى المقصود، كالحبل يكون سبباً للتوصل إلى الماء أو إلى الدلو الذي ينزل إلى الماء في البئر. هذا هو معناه.
لغوي، أما معناه الاصطلاحي: السبب هو وصف ظاهر منضبط يرتبط به الحكم وجوداً وعدماً. أولاً: هو وصف، وهذا الوصف أن يكون ظاهراً فإذا كان خفيا لا يكون سببا. وهذا الوصف الظاهر لابد أن يكون منضبطاً، يعني لا يختلف ولا يتخلف. يرتبط به الحكم وجوداً وعدماً، هذا فرق بينه وبين الشرط الذي سيأتي بعد قليل، بمعنى أنه إذا وجد السبب وجد الحكم وإذا عدم السبب عدم الحكم.
مثل ماذا؟ مثل دخول الوقت في صلاة الظهر. الزوال عفواً في دخول في صلاة الظهر. الزوال سبب لصلاة الظهر، بمعنى أنه إذا لم يكن هنالك زوال فليس هنالك حكم، وإذا كان هنالك زوال كان هنالك حكم بالصلاة. هذا هو السبب، وهو مرادف لمعنى العلة كما ذكرت قبل قليل.
أما الشرط فهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. هذا تعريف الأصوليين، وهو تعريف سهل وقد عرفناه عليه سابقا في مقررات الفقه. ما يلزم من عدمه العدم، أولاً: ما هو الشرط؟ أو ما هو مثال الشرط كما مر معنا في مقررات الفقه، مثل طهارة الحدث على سبيل المثال، هذا شرط من شروط صحة الصلاة أليس كذلك؟ يلزم من عدمه العدم، يعني يلزم من عدم طهارة الحدث الوضوء يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجود، لا يلزم أنني إن توضأت أن توجد الصلاة إذا لا يلزم من وجوده، من وجود ماذا؟ يعني من وجود الشرط كالطهارة على سبيل المثال لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. وهذا المصطلح يقصدون به أو هذه هذا القيد الأخير يقصدون به لذاته أي لا لمانع آخر أو لسبب آخر.
هذا هو الشرط. والثالث أو الرابع مما يندرج تحت ما يظهر به الحكم من الخطاب الوضعي أو من خطاب الوضع هو المانع. المانع عكس السبب، هو ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. مثل ماذا؟ مثل الحيض على سبيل المثال، هذا مانع من وجوب الصلاة ومن صحتها كذلك. يلزم من وجوده ماذا؟ العدم، فلا تصح الصلاة وكذلك لا يصح الصوم. فقلنا سابقا إنه من شروط الوجوب، وفي بعض الأحيان من شروط الوجوب والصحة. فما يلزم من وجوده العدم يلزم من وجود هذا المانع عدم الصحة ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
إذاً هذه هي الأحكام الوضعية الثلاثة إذا قلنا بأن العلة مرادفة للسبب. وذكر بالمناسبة أن العلة ترادف والفرق بعضهم إليه قد ذهب، يقصد به العلامة العلوي الإمام ابن السمعاني رحمه الله تعالى الذي فرق بينهما تبعا للنحويين. لكن من اللطائف من الفروق التي تذكر ها هنا بين العلة والسبب: أن العلة ما تدرك مناسبته بينه وبين الحكم، في حين أن السبب لا تدرك مناسبته، ما مناسبة زوال الشمس مع الصلاة؟ لا، مع دخول وقت الظهر له مناسبة؟ لا يدرك العقل المناسبة بينها، كما لا يدرك المناسبة بين غروب الشمس وصلاة المغرب، في حين أن العلة كما ستأتي في باب القياس يدرك العقل المناسبة بينها وبين الحكم.
إذاً هذا هو ما يظهر به الحكم؛ السبب والشرط والمانع. وقلت بأن هذه الثلاثة أو لنقل الأربعة إذا قلنا بأن العلة قسم مستقل، لكن الثلاثة؛ السبب، الشرط، المانع متفق عليها بين الأصوليين بأنها من خطاب الوضع. الصحة والفساد تكلمت عليها، أما العزيمة والرخصة فاختلف الأصوليون كذلك في اعتبارهما من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف، ولذلك ذكرت أن ما يظهر به الحكم هو ما اتفق عليه الأصوليون بانه من خطاب الوضع. الصحة والفساد بينت السبب الخلاف أو الاختلاف فيهما، العزيمة الرخصة كذلك اختلفوا فيها.
لماذا اختلفوا فيها؟ من الأصوليين من اعتبرها من خطاب التكليف. لماذا من خطاب التكليف؟ لان العزيمة هي انتقال من حكم إلى حكم آخر داخل خطاب التكليف، أو هي انتقال من إيجاب إلى ندب أو إلى إباحة على سبيل المثال، أو انتقال من تحريم إلى كراهة أو إلى إباحة على سبيل المثال. فهو صاحب العزيمة أو صاحب الرخصة سينتقل من عزيمة أي داخل خطاب التكليف إلى حكم آخر داخل خطاب التكليف. ومنهم من نظر إليها أنها من خطاب الوضع، باعتبار أن الشارع جعل الأحوال المعتادة للناس سبب الاستمرار في الأحكام الأصلية، يعني الأحوال المعتادة لهم دون الرخصة، والرخصة جعلها وصفا من الأوصاف الطارئة غير العادية، فهي كما يقال نظر عند الأصوليين رحمهم الله تعالى.
هم متفقون على التعريفات، على الشروط، متفقون على ما يترتب على تلك الأحكام من لوازم ومن مسائل، لكن الفرق فقط هو في الاصطلاح. وهذا مهم بالنسبة الينا أن نرى وننظر إلى طريقة تفكير أصولهم.
طيب نرجع مرة أخرى إلى العزيمة والرخصة، ما هو تعريف الرخصة؟ أولاً: ما هو تعريف العزيمة؟ العزيمة من العزم، وهو الطلب المؤكد أو القصد المصمم، فهذا هو الأصل في الأحكام أنها عزائم بما كلفه الله سبحانه وتعالى وأوجبه على الإنسان.
أما الرخصة من أين جاءت؟ أو من أين اشتق معناها اللغوي؟ هو من السهولة واللين والتيسير، كما يقال رخص السعر إذا تيسر وسهل، يعني كان ضد الغلاء.
طيب ما هو تعريف الرخصة اصطلاحا؟ كما عرفها العلامة العلوي رحمه الله تعالى في مراقي السعود بقوله: والرخصة حكم غير إلى سهولة لعذر قرر مع قيام علة الأصلي وغيرها عزيمة النبي.
الرخصة حكم غير من ماذا؟ يعني من صعوبة إلى سهولة، هذا هو المقصود الآن. من صعوبة كان لا يأكل لحم الميتة إلى سهولة وهو جواز أكل لحم الميتة، من الوضوء على سبيل المثال إلى المسح أو إلى التيمم أو إلى المسح على الجبيرة، أو حتى الجمع مثلا بين الصلاتين في المطر أو في السفر. كان الأصل أن يصلي كل صلاة في وقتها، ثم بعد ذلك بسبب سبب رخص الشارع فيه، إذا حصل هذا السبب جاز الترخص بتلك الرخصة.
إذاً والرخصة حكم غير إلى ماذا؟ قال: إلى سهولة لعذر قرر شرعاً، مع قيام علة الأصلي، فليس هو منسوخاً ولا يزال الحكم أو علة الأصلي تدلان باقية، وغيرها عزيمة النبي.
إذاً هذه نظرة أرجو أن تكون شاملة للأحكام الشرعية عموما في قسميها؛ الحكم التكليفي والحكم الوضعي. في الحكم التكليفي الذي يشمل الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، والحكم الوضعي الذي يندرج تحته السبب والشرط والمانع اتفاقاً بين الأصوليين، وبعد ذلك الصحة والفساد والعزيمة والرخصة في هذا القسم عندهم رحمهم الله تعالى.
وبما أننا ذكرنا قبل قليل أو تعرفنا على الأحكام التكليفية الخمسة ومن بين تلك الأحكام الوجوب، فهنالك تقسيمات للوجوب وتقسيمات للواجب بعدة اعتبارات ذكرها الأصوليون رحمهم الله تعالى. فهنالك تقسيم للواجب باعتبار الفعل المأمور به، وهنالك تقسيم آخر باعتبار الوقت، وهنالك تقسيم للواجب باعتبار المكلف به أي الفاعل، وهنالك تقسيم له باعتبار الصيغة. هي تقسيمات الحكم واحد، لكن هو نظر كما يقال في تلك الاعتبارات أو نظر لتلك التقسيمات بحسب هذه الحيثيات المختلفة.
أما الاعتبار الأول باعتبار الفعل المأمور به، فهو ينقسم إلى واجب معين وإلى واجب مخير. الواجب المعين هو ما تعلق به خطاب الشارع على الخصوص، أي على خصوص ذلك الفعل أو الأمر المطلوب من الشارع أي على وجه الخصوص بمعنى أنه من غير بدل ومن غير تخيير، يعني لا يقوم غيره مقامه. مثل ماذا؟ مثل الصلاة والصوم، هذه أتى الشارع بايجابها على وجه الخصوص، طلب الصلاة -لا نتحدث الآن عن كونها واجباً عينياً أو واجباً كفائياً هذا تقسيم أو هذا نظر آخر- إنما نتحدث حينما أوجب الصلاة لا يوجد بدل عن الصلاة، حينما أوجب الصيام لا يوجد بدل عن الصيام. فهو واجب معين لا تبرأ ذمة المكلف إلا بفعله بعينه بخصوصه من غير بدل ولا تخيير.
في حين أن الجهة المقابلة أو التقسيم أو القسمة الأخرى هي الواجب المخير، أي أن الشارع طلب فعله من خلال عدة أمور، يعني أعطى كما يقال عدة خيارات للمكلف أن يأتي بها. أما أن تكون هذه الخيارات بالترتيب، المثال الذي يضربه الأصوليون هو خصال الكفارة. خصال الكفارة عندنا في المذهب المالكي كما في صيام رمضان في حين تجب الكفارة فهي على التخيير، في حين أن الكفارات الأخرى تكون على الترتيب. في كلا الحالتين سواء كان بالترتيب أو على التخيير في الكفارة، فهذا لطف من الله سبحانه وتعالى بأن هذا الواجب واجب مخير. الشارع طلب فعل طلب من المكلف أن يفعل هذا الواجب بعدة خيارات كما يقال أو من خلال عدة واجبات، يعني هو واجب لا بعينه فهو واجب مخير. إذاً هذا هو التقسيم الأول؛ واجب معين وواجب مخير.
أما باعتبار الوقت فهو ينقسم إلى واجب مطلق وإلى واجب مؤقت. ما معنى مطلق؟ مطلق عن التوقيت، لم يقيده الشارع بوقت محدد أو لم يقيده الشارع بوقت معين، فهو مطلق عن التقييد ليس فيه قيد بوقت. مثله ماذا؟ مثل كفارة اليمين، إذا ترتبت على الإنسان فهي يجب عليه أن يأتي بهذه الكفارة، هي واجبة في ذمته لكنه ليس لها وقت محدد. إن أرادنا أن نضرب مثالاً آخر حتى قضاء رمضان، نعم هو مطلوب منه ألا يؤخره إلى ما بعد رمضان، لكنه أيضا واجب مطلق ليس محددا بأيام معينة.
أما الواجب المؤقت فهو يعني أنه مؤقت أي مقيد بالزمن الذي قدره الشارع للعبادة. وهذا إما أن يكون واجباً موسعاً، وإما أن يكون واجباً مضيقاً. الموسع هو ما يسع وقته أكثر من فعله، من جنس تلك العبادة كالصلوات الخمس. إذا تأملنا في صلاة الظهر على سبيل المثال هي أربع ركعات، إذا فرضنا أن الزوال يبدأ الساعة الثانية عشرة وأن الوقت الاختياري ينتهي مع الثالثة أو أن الوقت كله حتى في الضروري ينتهي مع السادسة مساءً وقت الغروب، فإن هذا الوقت يسع أكثر من تلك الأربع ركعات بثلاثين أو خمسين أو مئة مرة، فهو واجب موسع.
أما الواجب المضيق فهو ما كان وقته مضيقاً، أي ما لا يسع وقته أكثر من فعله من جنسه، يعني من جنس تلك العبادة كصيام رمضان.
أما تقسيمه باعتبار المكلف به أي الفاعل، فهو ينقسم إلى واجب عيني وواجب كفائي. وهذا تعرفنا عليه في أمثلة كثيرة جداً. العيني ماذا يعني؟ يعني أن الشارع نظر إلى ذات الفاعل، كلف الفاعل بذلك الفعل كالصلوات وكالصيام وكالحج وكالزكاة، هذه العبادات واجبة عينية يجب على كل انسان بعينه، فالشارع نظر إلى ماذا؟ نظر إلى ذات الفاعل.
أما الواجب الكفائي فإن الشارع نظر فيه إلى الفعل بقطع النظر عن فاعله، متى حصل هذا الفعل تحقق المطلوب شرعاً. صلاة الجنازة كما مثلنا في واجبات كفائية كثيرة، كالوظائف ووظيفة القضاء وغير ذلك. الشارع طلب ايجاد الفعل بغض النظر أو بقطع النظر عن الفاعل.
أما باعتبار الصيغة فهو ينقسم إلى واجب أصالة وإلى واجب استلزاما. الواجب أصالة أن الشارع أوجه هذا الفعل نص عليه كالوضوء وغير ذلك، أو غسل الوجه في الوضوء تحديداً.
أما استلزاما فهو ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أي أن الشارع لم ينص على وجوبه، وإنما يستلزم ذلك الفعل وجوب الفعل الآخر استلزاما، يعني ليس أصالة. مر معنا ربما في الوضوء أن مما يجب أن يغسل المتوضئ جزءاً من رأسه حتى يضمن لأن حدود الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد، هل هذه ستأتي بصفة دقيقة جداً؟ لا، لا يمكن للانسان أن يضبطها فلابد أن يغسل شيئا من رأسه ويغسل شيئا من شعر صدغيه حتى يتحقق من غسل جميع رأسه. فهذا يسمى ما لا المعذرة، ما لا يتم الواجب إلا به يعني ما لا يتم الفعل الواجب إلا به فهو واجب.
أما التعبير الآخر الذي يعبر عنه الأصوليون وهو: ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب. الوجوب لا يتم في الزكاة مثلاً إلا باكتمال النصاب، فلا يجب على الإنسان أن يكمل نصابه كي يتم الوجوب الذي هو الحكم الشرعي عليه. إنما يتحدثون هنا عما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا من ثمرات التفريق الذي ذكرته قبل قليل الذي يذكره الأصوليون، الفرق بين الوجوب والواجب، فالوجوب هو الخطاب والواجب هو الفعل.
هذه هي تقسيمات أربعة. هنالك تقسيمات أخرى يذكرها الأصوليون، أيضاً فمن بين تلك التقسيمات تقسيم للواجب وقت إيقاعه وأنه ينقسم إلى أداء وقضاء وإعادة. فعل العبادة بوقت قدر شرعاً لها باسم الأداء، وغيره القضاء أي أن فعل العبادة بعد خروج وقتها يعتبر قضاء. هذا أيضاً من التقسيمات، لكن نحن الآن نتناول التقسيمات الموجودة في هذا المقرر باعتبار الفعل المأمور به، وباعتبار الوقت، وباعتبار المكلف به، وباعتبار الصيغة.
الشيخ نايف آل الشيخ مبارك