بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، فاجعله اللهم سهلاً ميسراً.
اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، وافتح علينا يا رب العالمين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونلتقي مع مقرر جديد من مقررات حقيبة التأهيل الفقهي لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، بعد أن أكرمنا المولى تبارك وتعالى بمدارسة عدة مقررات في هذه الحقيبة؛ إذ تناولنا ذلك على الترتيب، فقد أكرمنا الله بدراسة المدخل للمذهب، وكذلك مقررات الفقه الأربعة: العبادات، والأسرة، والمعاملات، والجنايات، وكذلك مقرر القواعد الفقهية. ونختم هذه المسيرة العلمية في هذه الحقيبة تحدداً، وإلا فكل مقرر من المقررات السابقة تتفرع عنه كذلك مجالات مختلفة ومستويات كذلك ورتب متعددة. نختم أو هذا البرنامج كذلك نختمه في هذا المقرر أو بهذا المقرر؛ مقرري أصول الفقه.
أي نتناول هذا العلم الجليل، هذا العلم الشريف، علم أصول الفقه، الذي يعتبر أحد مفاخر الأمة. إن كنا نفخر بتراثنا الفقهي الزاخر والنتاج العلمي الكبير الضخم الذي كهول لنا فقهاؤنا رحمهم الله تعالى، فإننا نفتخر بأصل هذا العلم أو أصل هذا التراث، وهو علم أصول الفقه. هذا العلم الذي -إن جاز لنا التعبير أن نقول- هو علم فلسفة الشريعة، أو العلم الذي يبين طريقة تفكير المسلمين ومنهج تفكيرهم ومنهج فهمهم لدينهم ولشريعتهم، وطريقة استنباطهم. هذا العلم الذي تكلم عنه العلماء في أوائل كتبهم وبينوا أهميته وشرفه وثمرته، ومن بين ذلك ما ذكره الإمام ابن جزي الغرناطي رحمه الله تعالى في كتابه، أو في مقدمة كتابه تقريب الوصول حينما بين شرفه؛ أن العلوم على ثلاثة أضرب، وأنها تلك العلوم التي أو تلك الأضرب التي تنتسب إليها العلوم؛ منها علم عقلي، ومنها علم نقلي، وهنالك علم يأخذ من العقل والنقل بطرف، فلذلك أشرف شرف، على أعلى شرف، وذكر أن هذا هو علم أصول الفقه؛ لأنه امتزج فيه المعقول بالمنقول، واشتمَل على النظر في الدليل والمدلول، كما ذكر رحمه الله تعالى.
وبين لفتة لطيفة -وهذه سنتناولها بعد قليل إن شاء الله تعالى حينما نتناول مبادئ هذا العلم؛ المبادئ العشرة أو بعض هذه المبادئ العشرة- حينما ذكر رحمه الله تعالى بهذه المقدمة وفي هذه الخطبة قوله: وناهيك عن علم يرتقي به الناظر عن حضيض رتبة المقلدين إلى رفيع درجات المجتهدين. علم أصول الفقه يبين طريقة الاستنباط من الأدلة الشرعية المختلفة، وذكر ثمرة ذلك؛ قال: أقل أحواله -يعني هو سيرفع من تعلمه عن حضيض رتبة المقلدين إلى درجات المجتهدين- قال: أقل أحواله أن يعرف وجوه الترجيح ليفرق في المذاهب بين الراجح والمرجوح، ويميز السقيم من الصحيح. هذه ثمرة من ثمرات هذا العلم، وثمراته كثيرة وثمراته متعددة.
هذا العلم الذي على أقل تقدير نريد أن نعرف هذه الأدلة التي نسمع أو نققرأ في كلام العلماء مخالفتها الدليل الشرعي. ما هو الدليل الشرعي هذا الذي إذاً فهل هو فقط محصور في الكتاب والسنة؟ أم هنالك أدلة أخرى كذلك؟ بعد أن نتعرف على الأدلة نتعرف على رتبها من حيث التقديم والتأخير، من حيث الراجح والمرجوح. فهل كل الأدلة معتبرة؟ أم أن هنالك أدلة غير معتبرة أصلاً؟ والمعتبر منها ما هي رتبته؟ والمعتبر منها وإن كان عالي الرتبة، ما هي طرق الاستنباط؟ وما هي وسيلة الفهم لذلك الدليل؟ الكتاب والسنة تتعلق بهما مباحث كثيرة جداً؛ مباحث الثبوت والدلالة. مباحث ثبوت القرآن لا يحتاج إلى ثبوت في طريقة وصوله إلينا لأنه متواتر، لكن ماذا إذا كان هنالك شيء منسوب إلى القرآن متواتراً؟ ما هي رتبته في هذا الفن؟ وفي أو ما هي رتبته في عملية الاجتهاد؟ كذلك السنة؛ ما هي رتبتها، أو ما هي رتبها في وصولها إلينا؟ ثم بعد ذلك ما هي طريقة الاستنباط من تلك الأدلة؟ ماذا إذا وقع تعارض؟ ماذا إذا وقع تعارض في الدليل الواحد بين في فهم أو في ذهن أو في ظن المجتهد؟ وماذا إذا وقع أيضاً تعارض بين مثلاً حكم أو مبدأ أو مسألة فيها تقرير لحكم في كتاب الله تعالى، ومسألة أخرى في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟
هذه هي إحدى ثمرات هذا العلم، الذي كما ذكر الإمام ابن جزي رحمه الله تعالى على الأقل نفهم وجوه الترجيح. يجعلنا نفهم على الأقل هذه المنهجية التي سار عليها علماؤنا. نعلم الآن أن الفقه استقر على مذاهب أربعة؛ المذهب المالكي، والشافعي، والحنبلي. نحن الآن ندرس هذا المقرر، مقرر أو حقيبة التأهيل الفقهي لمذهب الإمام مالك. لماذا اختلف إمامنا مالك رحمه الله تعالى مع غيره من الأئمة رغم أن الإمام الشافعي أحد تلاميذه؟ لماذا اختلف الطلاب رحمهم الله تعالى في بعض المسائل؟ أو خالفوا إمامهم؟ أو اختلفوا هم فيما بينهم؟ هذا من ثمرات هذا العلم؛ حينما تتقرر عندنا بعض مسائله إن شاء الله تعالى، نفهم هذه الفلسفة أو نفهم هذه المنهجية، ونقر بعد ذلك بسبب الاختلاف، وتتوسع -كما يقال عندنا- مدارك النظر، وتتسع مسارح الفكر، وكذلك يتسع الصدر لفهم الخلاف، طبيعة الخلاف. هذا من الثمرات التي سيثمرها إن شاء الله تعالى هذا العلم، وإن كنا لن ندرسه بصفة كاملة بطبيعة الحال، فإن هذا العلم علم ضخم، لكن على الأقل نأخذ مبادئه.
سنفهم، أو دعوني أقدم لكم هذه المقدمة حتى نتشوق لقراءة مبادئ هذا العلم؛ هناك مسائل كثيرة نحن لا نتحدث فقط عن الأدلة، وإنما نتحدث كذلك عن تفصيل في هذا الفن؛ يعني يتحدث العلماء رحمهم الله تعالى والأصوليون عن تفصيل ومراتب الدلالة وارجحيتها وما يتعلق بها. خذوا على سبيل المثال مسألة من المسائل التي اختلف فيها من حيث الأصول -لا أتحدث عن الفروع- حتى نفهم هذه الكلمة التي تنسب إلى الأحناف خطأ وربما جهلاً أو تقصيراً في البحث، وهذا أيضاً يجعلنا نفهم أن كثيراً من المسلمين مقصرون في فهم دينهم؛ إما جهلاً وإما تقصيراً. علم أصول الفقه هذا الذي قصر فيه -سواء من كان لديه شك أو كان لديه نوع تردد في بعض الأدلة وفهمه- سواء من المشككين من الحداثيين، أو ممن يقرأون الشريعة قراءة سطحية ويحاولون الطعن فيها، هذا إن كان بجهل أو إن كان بسوء فهم، هذا لديه مشكلة لأنه لم يفهم طبيعة هذا العلم. وكذلك المشكك الذي تنطلي عليه تلك الشكوك أو تلك الشبه، فإنه أيضاً مقصر لأنه لم يقرأ هذا العلم ولم يفهم طريقة الاستنباط.
هذا فقط استطراد يسير، لكن أرجعوا إلى الموضوع الأول الذي ذكرت فيه الخلاف بين الأحناف على سبيل المثال وبين الجمهور. من المسائل التي تتناول في هذا العلم؛ دلالة العام. العام هو ما استغرق أفراده دفعة. اللفظ المستغرق لجميع أفراده له عدة ألقاب مستغرقة، وكل وجميع ستأتي إن شاء الله تعالى في موضعها وسنتعرف عليها تفصيلاً إن شاء الله. هذه الدلالة الآن؛ الأصوليون لا يختلفون في أن العام يحتج به، وأن العام يشمل جميع أفراده، لكن اختلفوا: هل دلالة العام هذه دلالة قطعية أم دلالة غير قطعية كما يعبرون هم؟ هل هي دلالة نص أم دلالة ظاهر؟ وهذه أيضاً من المسائل التي سنتعرف عليها في هذا الفن.
يقول العلماء: لا عبرة بالاجتهاد إذا خالف النص. أي نص يتحدثون عنه؟ هل يتحدثون عن النصوص الشرعية؟ النصوص الشرعية هي محل الخلاف بين العلماء في فهمها، إنما يتحدثون بهذه اللفظة أو بهذا المصطلح تحديدا حينما يقولون: النص هو النص الذي لا يفيد إلا معنى واحداً، كما أخذ من منصة العروس، فهذا هو المقصود عندهم بالنص؛ لأن اللفظ له عدة مراتب في الدلالة: إما أن يكون نصاً، وإما أن يكون ظاهراً، وإما أن يكون مؤولاً، وإما أن يكون مجملاً. فالنص هو الرتبة الأولى، فهذا الذي يقصده العلماء: لا عبرة بالاجتهاد إذا خالف النص؛ لأن النص دلالته واضحة، فإذا نزل عن رتبة النص، فهذا هو محل النظر ومحل الخلاف، وإلا لما اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الدليل الواحد الذي ثبت عندهم جميعاً، لكنهم اختلفوا في ماذا؟ اختلفوا في فهمه.
فإذا نرجع مرة أخرى؛ إذا علمنا أن النص يدل دلالة قطعية، أو أن هو معناه عند الأصوليين أنه ما لا يفيد إلا معنى واحداً نصاً، إذا أفاق ما لا يحتمل غيراً، وظاهر أن الغير احتمل، كما ذكر صاحب المراقي رحمه الله. طيب، ما هي دلالة العام على ألفاظه؟ هل هي دلالة قطعية دلالة نص، أم دلالة ظنية دلالة ظاهر؟ الأحناف يرون أن دلالة العام على أفراده دلالة قطعية، والجمهور يرى أن دلالته دلالة ظنية. ما الذي يترتب على ذلك؟ هذا على سبيل المثال -أنا لا أريد أن أعطي كثيراً من الأمثلة التي في صلب الفن، لكن أنا فقط أعطيكم هذا المثال الحي حتى لقراءة هذا الفن- سواء يسر الله تعالى وأخذنا بهذه المسائل التفصيلية في هذا المقرر وفي هذه الحقيبة وإلا فهي تفتح الآفاق إن شاء الله لقراءته بعد هذا المقرر أي في رتب أعلى.
يترتب على ذلك أن، وأيضاً عند السادة الأحناف رحمهم الله تعالى، أن ما ثبت بالقرآن فان ثبوته يعتبر في رتبة أعلى مما ثبت في السنة، وهذا عند الجميع. لكن ماذا يعني ذلك؟ أن العام في القرآن الكريم لا يخصص إلا ما كان مثله في الرتبة، أي لا يخصصه إلا خاص -عفوًا- في القرآن الكريم. يترتب على ذلك أن الأحناف حينما عمموا بعض الأحكام التي استنبطوها من القرآن الكريم وجعلوا دلالتها دلالة عامة -أي أن دلالتها دلالة قطعية- لا يخصصون هذه الدلالة العامة إلا بالقرآن، فإذا ورد عندهم دليل في بالسنة يخصص هذا العام لا يعملون به، لماذا؟ لأنهم يعملون وفق أصول الفقه التي قرروها هم، أي قرروا أصول الاستنباط ومنهج الاستنباط.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. هذه لفظة عامة، ومما أخرجنا لكم الأرض؛ يعني من كل شيء خرج من الأرض: كان بقولاً، كان فاكهة، كان حبوباً، كان ثماراً، كان مما يقتات ويدخر. نحن تعرفنا على ما يزكى عندنا في المذهب، وعلمنا الأصناف العشرين. الأحناف يزكون كل ما خرج من الأرض، لماذا؟ لدلالة هذا اللفظ العام في القرآن الكريم. طيب، ماذا يعملون مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»؟ أيضاً حتى في غير ما خرج من الأرض، أيضاً ليس عندهم نصاب في فيما خرج، فكل ما خرج ولو كان يسيراً فإنه يزكى. أين ماذا يعملون بتلك الأحاديث التي جاء فيها بيان للمقدار أو بيان حتى لبعض ما يخرج؟ يقولون: بأن دلالة العام في القرآن الكريم دلالة قطعية فلا يخصصها إلا ما كان قطعياً مثلها، ودلالة الخاص في السنة دلالة ظنية. أيهما يقدم في أصول الفقه؟ القطعي يقدم على الظني.
مثال ثان على سبيل التقريب كذلك: عندهم لا تجب قراءة الفاتحة في الصلاة، لماذا؟ لأن المولى تبارك وتعالى يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]. طيب، ماذا يعملون مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟ تلك دلالة قطعية وهذه دلالة ظنية، والدلالة لا يعمل بها في مقابل. طبعا هنالك أيضاً قواعد أخرى؛ أن الزيادة على النص تعتبر نسخاً وغير ذلك. لكن هذه فقط على سبيل التقريب، كما يقال على سبيل التمهيد، فالخلاف حينما يكون بين العلماء يكون في أصول الفقه.
فإذاً نحن لا نتحدث هنا عن الأحناف حينما نقرأ هذه المسألة نرى هذا دليل، نقول: قال لي احنا لا يعملون بالسنة، بل هم ممن يعملون بالسنة، لكن أي سنة تتحدثون عنها؟ إنما هي رتب في فهم الكتاب والسنة، وكذلك في قواعد الاستنباط. فكما قال الإمام ابن سيرين رحمه الله تعالى: الإناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. نقول وذلك حتى في أصول الفقه: بأن أصول الفقه من الدين، ولولا أصول الفقه لقال من شاء ما شاء. بمعنى أن هذا هو الواقع الآن، الذين -سواء من المسلمين للأسف الشديد وأعتذر عن هذه الكلمة- السذج الذين يقولون: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ويعمد أحدهم إلى البخاري أو إلى صحيح مسلم ويأخذ حديثاً ويعمل بظاهره! ومن قال لك بأن الإمام مالكاً أو الإمام أحمد أو الإمام أبا حنيفة لم يقف على هذا الحديث، أو أن اتباعه وكذلك من علماء تلك المذاهب لم يقفوا على هذا الحديث أو لم يفهموه؟! وإنما هي طريقة استنباط الحكم الشرعي لعلمه، والذين يستنبطونه منهم كما قال المولى تبارك وتعالى.
هذا هو مجال علم أصول الفقه، وكذلك حتى الحداثيون الذين قفزوا وتجرأوا على دين الله تعالى، ويقول -كما يقول حتى بعض المسلمين المتدينين-: هم رجال ونحن رجال، وقد أعطانا الله سبحانه وتعالى عقولاً! عموماً هذه العقول والفهوم هل هكذا هي مطلقة؟ ليس لها ضوابط؟ ليس لها وسيلة للفهم؟ هل الأدلة كلها في رتبة واحدة؟ هذا هو علم أصول الفقه باختصار، يعني بمحاولة تمهيد حتى نفهم هذا العلم، ونفهم ما هو مجال بحثه وما هي ثمرته. إذاً هذا
كما يقال هذه تشويقة، وإن طالت وإن امتدت بنا هذه المقدمة اليسيرة التي لم أُرغبْ فيها في أن تطول هذا الطول، لكن إن شاء الله تعالى يكون فيها تشويق كما يقال، ويكون فيها تقريب على الأقل لهذا الفن وهذه المباحث.
هذا درسنا الأول وجزءنا الأول، نتناول فيه عدة مباحث مختصرة، كذلك هي من المقدمات؛ مبادئ هذا الفن ومحاور هذا العلم كذلك، وأقسام الحكم؛ الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وأقسام أو ما يندرج تحت هذين القسمين، وكذلك تعداد إجمالي لأصول المذهب التي سندرسها في هذه الحقيبة أو في هذا المقرر بعون الله تعالى.
جرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى أن يذكروا مبادئ الفنون التي يتناولونها بالتأليف أو الشرح. هذه المبادئ العشرة التي جمعها العلامة الصبان في هذه الأبيات بقوله: إن مبادئ كل فن عشرة * الحد والموضوع ثم الثمرة وفضله ونسبة والواضع * والاسم الاستمداد حكم دارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى * ومن درى الجميع حاز الشرف
يعني هي عشرة، وبعضهم اكتفى بالبعض، وها في هذا المقرر أيضاً توفي ببعضها، بل كما ذكر بعضهم في هذا الشاهد: الحد والموضوع والافادة * هي اختصار بعضهم يا سادة
فبعضهم لا يذكر المبادئ العشرة وبعضهم يذكرها كاملة، هي تعطي تصوراً أو مدخلاً مهماً قبل دراسة أي فن من الفنون. فهذا العلم علم أصول الفقه له حد، أي له تعريف لا بد أن نتعرف عليه حتى نفرق في هذا الجانب أو في هذه المرحلة بين الفن وبين غيره، لذلك سمي حدا؛ هذه من المصطلحات المنطقية؛ التعريف إما أن يكون بالحد وإما أن يكون بالرسم وإما أن يكون بالتقسيم وغير ذلك.
فالحد يضع حدا؛ أي أن التعريف يضع حدا يخرج غيره، ويدخل ما كان تابعاً لعلم أصول الفقه فهو يسمى جامعا، وكذلك مانعا من دخول غيره فيه. أما حده فهو: أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
من المسائل المهمة وهذه ربما تناولناها أو تبين معنا في مقرر القواعد الفقهية أن للعلماء رحمهم الله تعالى طريقتين في تناول أو في تعريف العلوم أو أسماء العلوم المركبة؛ إما أن يتناولوها التركيب الإضافي أو بتناول كل جزء من جزئيها، بمعنى أن تعرف كلمة أصول وتعرف كلمة فقه من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح، على ماذا تدل كلمة أصول لغة؟ وعلى ماذا تدل كلمة الفقه كذلك لغة في الجانبين؟ ثم بعد ذلك يعرفون هذا العلم باعتباره لقباً أو باعتباره علماً على هذا الفن. يعني نحن لا ننظر إلى كلمة أصول ولا ننظر إلى كلمة فقه على ماذا تدل، وإنما نقول: علم أصول الفقه كأنه قطعة واحدة أو كأنه كلمة واحدة، وهو هنا يعني أدلة الفقه الإجمالية.
فهذا الذي حتى سار عليه الإام ابن السبكي في جمع الجوامع، وكذلك العلامة العلوي في مراقي السعود حينما قال: أصوله دلائل الإجمال * وطرق الترجيح قيد تالي
إذاً لن نتناول ماذا تدل عليه كلمة أصول التي هي جمع أصل، وعلى ماذا تدل كلمة أصل في اللغة وكذلك في الاصطلاح، وكذلك الفقه الذي هو في لغة الفهم، وفي الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من الأدلة التفصيلية؛ هذا سيخرجنا ويطول بنا المقام. إذاً نتناول تعريفه باعتباره لقباً أو علماً على هذا الفن، وهو أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
وهذا التعريف يحتوي على مباحث وأركان وجوانب وموضوعات هذا الفن. فهو تناول؛ إذاً علم الأصول هو أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، وهذه هي مباحث الأصول. أدلة الفقه الإجمالية؛ الأدلة جمع دليل، والدليل ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، هذا من تعريفاتهم.
نريد أن نتجاوز هذه المصطلحات بحيث أننا لا نفصل في ألفاظها ومدلولاتها، نأخذ المعنى الإجمالي كما يقال، والمعنى يؤدي إلى المقصود في هذا المقام. فكما ذكرت قبل قليل فكثرة التفريعات كما يقال، أو كثرة التفصيلات قد تخرجنا عن المضمون. أدلة الفقه الإجمالية، هذا هو تعريف أصول الفقه: أدلة الفقه الإجمالية، أي الأدلة التي هي تعتبر أدلة للفقه، لكن الذي يهمنا هنا ماذا؟ كلمة الإجمالية، أي ما معنى كلمة إجمالية؟ أي أنها ليست تفصيلية.
ما الفرق بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية؟ الأدلة الإجمالية هي التي لا تعين مسألة معينة، أو لا تعين ولا تتناول مسألة جزئية، وإنما تعتبر دليلاً إجمالياً دليلاً مجرداً لا يتناول مسألة بعينها. ما هو جاء علم أصول الفقه؟ هو مبحث الأدلة أولاً، ما هي الأدلة المعتبرة؟ وكذلك ما الذي في داخل كل دليل أو يندرج تحت كل دليل يعتبر مما يحتج به، كما يمثل الأصوليون رحمهم الله تعالى كدلالة الأمر؛ الآن الكتاب والسنة أليس فيهما أوامر؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجُمعة: 9]؛ فأسعوا وذروا البيع فيه أمر وفيه نهي.
الأصولي يتناول هذه الدلالة؛ دلالة الأمر ودلالة النهي، هل الدلالة للامر على الوجوب أم أنها تنزل من الوجوب إلى دلالات أخرى؟ قد تكون الندب، قد تكون الإباحة، قد تكون كذلك التهديد، قد تكون ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]؛ هذه أيضاً هذه صيغة أمر لكنها لا تدل على الوجوب، وإنما كما ذكر العلماء لها دلالات أخرى، إما أن تكون التهوين، وإما أن تكون التهديد، وإما أن تكون ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46] التكريم، وإما أن تكون التكوين؛ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] مثلاً وغير ذلك.
وكذلك دلالة النهي هل هي على التحريم أم أنها على الكراهة أم أنها إلى غير ذلك من الدلالات؟ هذا هو مجال علم أصول الفقه؛ أنه يتناول هذه الدلالات، ويعطينا تقديراً أو تقريراً أو قواعد كما يقال فيما ينبغي أن يعمل به إذا وجدنا في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم أمراً، كيف نصرفه؟ على ماذا يدل أولاً؟ ثم بعد ذلك إن كان له صارف سيصرفه عن دلالته الأصلية أو دلالته الأولى. هذا هو المقصود بالدلالة الإجمالية، بمعنى أن الأصولي لا يتناول قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] أو كما جاء في الآية قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، الأصولي لا يتناول ذلك، يتناول الأدلة الإجمالية؛ هذا الكتاب يعتبر دليلاً، السنة تعتبر دليلاً، سد الذرائع، المصلحة المرسلة، الاستحسان؛ هذه أدلة.
كيف يتناول كذلك التابعة لتلك الأدلة؟ وهذا مما يجعلنا أو يجعلني أحيلكم إلى طريقة أيضاً نشأة هذا العلم، كما سنرى بعد قليل أنه أول من ألفه هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الواضح. لكن من المسائل التي تتناول في مقدمة هذا الفن مسألة تتعلق بطريقة الفقهاء والمتكلمين والفرق بينهما، فطريقة المتكلمين التي كانت طريقة الجمهور؛ المالكية والشافعية والحنابلة؛ طريقة تجريدية، أي أنهم كانوا يتعاملون أو يتناولون مسائل هذا الفن من غير النظر إلى الفروع. بمعنى أنهم كما مثلت قبل قليل، تأتيهم صيغة الأمر، يقولون: على ماذا تدل هذه من حيث اللغة؟
طبعاً سيأتي أيضاً بعد قليل ما هو مستمد أو ما هي العلوم التي يستمد منها علم اصول الفقه مباحثه وفروعه. فحينما يتناولون الأمر أو يتناولون النهي يتناولونه بدراسة مجردة، وهذا موجود في كتب المتقدمين؛ مثلاً حينما يقولون في دلالة الأمر: إذا قال السيد لعبده: اسقني ماء، هل دلالته على الوجوب أم دلالته على الندب؟ يتناولون مبحثاً آخر: هل دلالته على الفور أم على التراخي؟ هل يعد مثلاً لو له خط لي هذا الثوب ثم تراخى هل يعتبر مخالفاً أو عاصياً أو لا يعتبر كذلك؟ أيضاً دلالته على التكرار أو على المرة الواحدة؛ هكذا كانوا يتناولون يبحثون في هذه المباحث.
إذاً مرة أخرى حتى لا نستطرد كثيراً، علم الأصول أو علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية. أي كلمة الإجمالية هي التي لا تعين مسألة جزئية، وإنما تكون أدلة إجمالية لا تعين مسألة، بخلاف الأدلة التفصيلية؛ لذلك في علم في تعريف علم الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية التي جاءت في الدلالة على الصلاة أو على الوضوء وعلى الزكاة أو غير ذلك، أو مثلاً أو عن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، أو عن أو عن النهي عن التعامل بالربا وهكذا.
إذاً هذا هو الشق الأول من التعريف: أدلة الفقه الإجمالية. الآن الشق الثاني: كيفية الاستفادة منها، كيفية استثمارها؛ الآن نحن نعلم أن الكتاب من الحجج أو من الأدلة المعتبرة، لكن كيف نفهم كتاب الله تعالى من دلالاته المختلفة ومن مراتب دلالاته في فيما كان مجملاً، وفيما كان نصاً، وفيما كان ظاهراً، وما يتعلق بالنسخ، ما يتعلق بالعموم، بالخصوص، بالإطلاق، بالتقييد؟ هذه هي كيفية الاستفادة منها.
وكذلك حال المستفيد؛ حال المستفيد من هو؟ إما أن يكون هو المجتهد، وهذا هو الأصل، هذا هو المقصود بالمستفيد الذي سيستفيد الأدلة من الأدلة الإجمالية في طرق الاستنباط، فما هي شروط المجتهد؟ ما هي صفاته؟ وتبعا لذلك في الصفة المقابلة ذكر العلماء المقلد الذي ليس أو لم يبلغ رتبة الاجتهاد ونزل عنها، فهذا المقلد ذكروه أيضاً في علم أصول الفقه. هذه هي المباحث الثلاثة، هذه هي محاور هذا الفن: أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. حتى إذا قيل لنا: ما هو علم اصول الفقه؟ رأينا من خلال تعريفه هذا أنه يحتوي كذلك على مباحث هذا الفن، فكما ذكر العلامة ابن السبكي رحمه الله تعالى: أصول الفقه دلائل الفقه الإجمالية.
أما موضوعه، أي موضوع هذا الفن؛ الموضوع عادة كما يذكر العلماء هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، تعبير أقرب أو بتقريب أيسر: ما هو مجال البحث الذي يتناوله هذا العلم؟ يبحث في ماذا حينما يقربون الصورة العلماء رحمهم الله تعالى؛ الطب يبحث في ماذا؟ يبحث في بدن الإنسان، الطبيب اين يبحث؟ صاحب المختبر يبحث في ما بين يديه من المواد، إن كانت دماً أو إن كانت مثلاً مواد أخرى يبحث فيها ما يتعلق بالجراثيم أو البكتيريا أو غير ذلك، هذا مجاله صاحب المختبر، مجال صاحب الطب الذي هو الطبيب بدن الإنسان فهو يبحث في بدنه ولا علاقة له بالأخرى التي يمكن أن يكشفها غيره.
النحوي ما هو مجال نظره؟ الكلمات، وليست كل وليست كل وليست كل أجزاء الكلمات، وإنما أواخر الكلمات تحدداً لأن أواسط الكلمات تتعلق بععلم الصرف وهكذا. فإذاً ما هو الموضوع الذي يتناوله علم أصول الفقه؟ هو الأدلة الشرعية الموصلة إلى الأحكام. هو يبحث في هذا الجانب، يبحث في هذه الأدلة، هل هي أدلة شرعاً؟ أدلة معتبرة شرعاً أولاً؟ ثم بعد ذلك إذا دخلت في حيز الاعتبار الشرعي ما هي كيفية الاستفادة منها، كما تبين معنا قبل قليل، إن كانت لفظية، إن كانت أدلة عقلية وغير ذلك. إذاً هذا هو موضوع علم أصول الفقه.
ثمرة معرفة كيفية الاستفادة من الأحكام أو استفادة الأحكام من الأدلة؛ نحن باختصار لماذا ندرس علم أصول الفقه؟ حتى نعبد الله سبحانه وتعالى على بصيرة، أوجب علينا واجبات الصلوات أو الأركان الخمسة وغير ذلك، من أين نستمد تلك الأحكام؟ نستمدها من الأدلة الشرعية، كيف سنستفيد منها؟ أو كيف سنتوصل إليها؟ من خلال علم أصول الفقه.
فإذاً هذا هو الثمرة؛ ثمرة هذا العلم معرفة كيفية استفادة الأحكام من الأدلة. أما واضعه فهو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واضعه وهذه من المباحث المبادئ؛ من الذي أول من وضع هذا العلم؟ كما يقال في الفلسفة هو الذي وضع علم المنطق، كما يقال في الخليل بن أحمد هو الذي وضع علم العروض، وهكذا.
فواضعه هو الإمام الشافعي، بمعنى أنه أول من ألف، فهو في الكتب أو أول من كان له مؤلف في هذا الفن، أي وضع قواعده، وإلا فهذا العلم كان سليقة عند من كان قبل الإمام الشافعي أولاً، الصحابة رضي الله تعالى عنهم ألم يكونوا يجتهدون؟ سيدنا أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين ومن قبل الإمام الشافعي كذلك، حتى من تابعي، كما ذكر العلامة العلوي في مراقي السعود كما ذكر في قوله: وغيره؛ يعني أول من ألفه في الكتب محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، غيره كان له سليقة مثل الذي للعرب من خليقة.
كذلك كما كان قبل علم النحو، ألم يكن العرب قبل حتى الإسلام يتكلمون باللغة العربية في إعرابها وضبطها؟ فكذلك كان علم أصول الفقه سليقة عند الإمام مالك؛ لماذا قدم عمل أهل المدينة على خبر واحد؟ ولماذا يقدم القياس على بعض أخبار الآحاد؟ هذا هو، لماذا كان مثلاً يخصص العام في بعض المسائل ولا يخصصه في الأخرى؟ هذه هي هذا هو علم أصول الفقه. فهو كان موجوداً، لكن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من ألفه في كتابه المعروف الرسالة التي أرسلها إلى ابن مهدي رحمهما الله تعالى.
وهذا يعني يبعدنا عما قد نجده في بعض الكتب من أن كل مذهب يذكر أن أحد علماء ذلك المذهب ألف مؤلفاً. العبرة بما وجد، يعني ينسب في المذهب الحنفي وكذلك في المذهب الجعفري أن الإمام جعفر الصادق له مؤلف، أو أن الإمام محمد بن الحسن أو غيره أو غيره لهما مؤلفات.
حتى في مذهبنا المالكي أن الإمام مالكاً كذلك له مؤلف في الأصول أو أنه ضمن آه موطأه بعضاً من الأصول، نعم ضمن مؤلفه أو موطؤه بعضاً من الأصول لكن ليست كما وضعه الإمام الشافعي كتاباً في علم الأصول فعلاً مجرداً، يعني مباحث الكتاب من أوله لآخره.
وهذا مفخرة للأمة الإسلامية، ليس محصوراً على سادة الشافعية فقط، الإمام الشافعي إمام للمسلمين كلهم. ولذلك سميت هذه الطريقة أيضاً فيما يظهر طريقة الشافعي، ليس لكون الشافعية هم أكثر من ألف في هذا آآ أو في هذه الطريقة وفي هذه المنهجية، وإنما لأن الإمام الشافعي هو الذي وضع هذه القواعد للاستنباط.
وبعد ذلك أتى من بعده من العلماء ممن شرح الرسالة وممن ألف، كالإمام القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى الذي قعد طريقة المتكلمين أهل السنة في هذا الفن. إذاً هذا هو واضحه، أي بمعنى أن أول من ألفه في الكتب رحمه الله تعالى ورحم علماءنا ممن تقدمه، ممن جاء بعده، ممن خدم هذا الفن وممن قعد قواعده وأصل أصوله.
أما استمداده؛ أي العلوم التي يستمد منها علم أصول الفقه آه مباحثه؛ الكتاب والسنة. الكتاب والسنة بمعنى أن فيه كتاب الله تعالى ما يدل على حجية بعض القواعد والأدلة، من أهم ذلك ما يتعلق بحجية السنة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وفيه رد حتى على من يضع السنة في آه في رتبة ليس فيها حجية. على كل حال، الكتاب والسنة، كذلك أصول الدين؛ أي علم العقيدة.
ما علاقة علم العقيدة بعلم أصول الفقه؟ أولاً وقبل كل شيء أن آآ إثباتنا لكتاب الله تعالى والذي هو أصل أصول الفقه كلها آه كيف سنثبته؟ من خلال أن نثبت أن هذا القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وأوحي إليه. من الذي أوحاه إليه؟ المولى تبارك وتعالى عن طريق جبريل. هذه هي الحجية كان يتناولها علماؤنا، وهذا الأمر في إثبات حجية القرآن، بمعنى أن كل ما يتعلق بمباحث القرآن فرع عن إثبات حجية القرآن الذي هو متعلق بالعقيدة، الذي هو متعلق أو ثمرة لإثبات وجود الله تبارك وتعالى.
وكذلك اللغة العربية، وكذلك الأحكام الفقهية كما ذكر الإمام ابن عاصم رحمه الله تعالى في مرتقى الوصول: ومستمدة في هذا الفن، وما استمده من الكلام والنحو واللغة والأحكام. إذاً وهذا أيضاً يجعلنا نعلم أن هذا الفن من أدركه ومن ضبطه فقد ضبط جُ جلَ آآ أو كثيراً من العلوم الشرعية.
سيضبط ما يتعلق بعلم التفسير؛ الناسخ والمنسوخ وطريقة فهم كتاب الله تعالى واستنباطه. وما يتعلق بمُ مسائله كذلك ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة في هذا الجانب، سيجد علم مصطلح الحديث حاضراً بين يديه فيما يتعلق بمراتب الترجيح، في معرفته للصحيح والحسن والضعيف، وكذلك الرواة وأحوال الرواة والعدالة والتجريح وغير ذلك من مباحث هذا الفن.
وكذلك العلوم الشرعية الأخرى آه حتى من حيث اللغة ومن حيث البلاغة وعلم الوضع وعلم التصريف؛ سيجد كثيراً، بل إن الأصوليين رحمهم الله تعالى آثروا تلك العلوم ربما أكثر مما آثرها آه أهلها. خاصة جانب اللغة، اللغويون يعني يذكرون مسائل علومهم في البلاغة وكذلك النحو من ناحية مجردة، تطبيقها كان في علم أصول الفقه.
لأن الأصوليين كانوا يتناولونها بالتطبيق على كتاب الله تعالى مباشرة، ومن خلال كذلك آه يعني الرتب ومن خلال كذلك التطبيق المباشر حتى لا حتى لا ننفصل، وهذا ذكره يعني آه بعض اللغويين أن أن في أن أن بعض المباحث قد تكون أكثر تفريعاً وأكثر بحثاً في علم أصول الفقه من موضعها أو من من مما تناوله لغويون في موضعها في كتبهم.
إذاً هذا هو استمداده. أما حكم تعلمه فهو فرض كفاية على الأمة، وفرض عين على المجتهد. فرض كفاية على الأمة مثله مثل الفنون، لكن كونه فرض عين على المجتهد هذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى؛ المجتهد المطلق سيكون فرض عين عليه، بمعنى أن أصلاً هذه الأصول هي حاضرة عنده.
وإذا لم يكن مجتهداً وفرض عين على المجتهد الذي ينزل عن رتبة المجتهد المطلق بأن يعرف اصول إمامه آه علماؤنا الذين هم من أئمة المذهب كابن رشد أو حتى ابن أو من تقدمه كابن القاسم واه أشهب وابن وهب ومن بعدهم آآ ومن بعدهم اللخمي وابن يونس وغير ذلك من علماء المذهب. كيف كان لهم أن يرجحوا بين روايات الإمام مالك وبين أقوال المذهب إلا وقد كان علم اصول الفقه حاضراً ماثلاً بين آآ يعني بين يديهم رحمهم الله تعالى؟
أما محاور علم أصول الفقه؛ أي الموضوعات التي يتناولها هذا الفن هي: المدلول أو الحكم، والدليل، والدلالة، والمستدل. نحن تعرفنا قبل قليل على ثلاثة منها في تعريف أصول الفقه: هو أدلة الفقه الإجمالية الدليل، وكيفية الاستفادة منها هي الدلالة، وحال المستفيد الذي هو المستدل.
هذه هي المحاور التي يتناولها جميع من ألف في أصول الفقه؛ سواء كان على طريقة الفقهاء أو المتكلمين، كان من المتقدمين أو من المتأخرين. تبقى قضية التقديم والتأخير في ترتيب هذه المحاور، هذا شأن متعلق بالتصنيف. فالامام الغزالي رحمه الله تعالى أحد أقطاب هذا الفن، كتابه المستصفى أحد عمد هذا الفن الأربعة؛ فهناك كتابان لأهل السنة وهناك كتابان للمعتزلة.
الإمام الغزالي أحد عباقرة آآ الإسلام، وهو حجة الإسلام كما لقبه علماؤنا رحمهم الله تعالى، كان بين في مقدمة هذا الكتاب طريقة التصنيف، بل بين كيفية دوران هذا الفن فن أصول الفقه وعلم أصول الفقه على هذه الأقطاب الأربعة، التي هي الحكم والدليل والدلالة والمستدل. بل ذكرها بطريقة لطيفة بتعبير آخر: أن نظر الأصول في الأحكام إن كان يعني نظره لا يخفى أن آآ مقصده هو ماذا؟ مقصده اقتباس الأحكام من الأدلة، فوجب النظر في الأحكام وأقسامها.
يعني الحكم ينقسم إلى حكم تكليفي وحكم وضعي. والحكم التكليفي إلى إيجاب وندب وإباحة وكراهة ونهي. الأحكام الوضعية الأخرى سنتعرف عليها إن شاء الله تعالى لاحقا. ثم النظر في الأدلة كذلك وأقسامها، والنظر كذلك في كيفية الاستدلال من تلك الأدلة، وكذلك آه حال المستدل الذي سيستدل بتلك المسائل.
سماها الثمرة؛ آه الحكم هو الثمرة. لم نتعرف قبل قليل في آه في في ثمرة هذا الفن أن المقصود منه هو الوصول إلى الحكم الشرعي؟ فإذاً هي الثمرة. الثمرة تحتاج إلى مُثْمِر، الشيء الذي سيثمر لنا هذه الثمرة هذا هو الدليل. والاستثمار من تلك الشجرة إذاً يعني تصورنا أنها شجرة، كيفية الاستثمار هي الدلالة، من هو المستثمر؟ هو المستدل.
فإذاً هذا الصنيع الذي سار عليه الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في آآ المستصفى وسار عليه غيره تبعا له كالامام البيضاوي في المنهاج، أنا آخرون كما صنع الإمام ابن السبكي بجمع الجوامع بأن جعل مقدمات ذكر فيها تعريفات وقواعد عامة، ثم بعد ذلك ذكر سبعة كتب؛ الكتاب الأول كتاب القرآن، ثم الكتاب الثاني السنة، ثم الإجماع والقياس والاستدلال فيه الأدلة المختلف فيها، وبعد ذلك التعادل والتراجيح، ثم بعد ذلك الاجتهاد والتقليد.
المهم هو أن نفهم كما أراد الإمام الغزالي منا أن نعرف أن محاور هذا محاور اصول الفقه تتكون من هذه الأقطاب الأربعة. وهذا يدفعنا إلى أن نقرأ كلاماً آخر له رحمه الله تعالى يبين فيه منهجية مهمة لابد لنا نحن معاشر طلبة العلم أن نستوعبها، خاصة في مثل هذا الموضع وفي مثل مستوى هذا المقرر مقرر آآ أصول الفقه في حقيبة التأهيل.
يقول هو رحمه الله تعالى حينما ذكر في المقدمة يقول: وجمعت فيه، يعني في المستصفى، بين الترتيب والتحقيق. الترتيب للحفظ والتحقيق لفهم المعاني، هما أمران يحتاج إليهما الطالب. الترتيب لماذا؟ للحفظ. ترتيب الذهن المنهجية المنظمة المرتبة تجعل طالب هذا الفن أو القارئ فيه يستوعب المضمون ويسهل عليه فهم هذه المباحث. الترتيب للحفظ والتحقيق لفهم المعاني، فلا ممدوحة لأحدهما. المعنى الثاني لابد منهما.
صنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب، يطلعنا دققوا في هذه الكلمة هذه تهمنا كثيراً هنا، يطلع الناظر في أول أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النظر فيه. هذا الذي وقع لنا والحمد لله. الآن حينما نسأل: ما هي مباحث أو محاور علم أصول الفقه؟ كما تعرفنا على محاور علم الفقه أنه فيه عبادات ونكاح ومعاملات وجنايات آه من من بين من بين ما تعرفنا عليه الآن وفهمناه إجمالاً، أن محاور علم الأصول هي هذه الأقطاب الأربعة.
فإذاً يطلع الناظر من أول واو في أول وهلة على جميع هذا العلم ويفيده الاحتواء على جميع مسارح نظره فيه. لماذا أيها الإامام؟ قال: فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه. القفز مباشرة على تفاصيل الفن أو فروعه يشتت ذهن الطالب ويجعله يخرج كما يقال غير متقن لذلك الفن لا إجمالاً ولا تفصيلاً.
لماذا ذكرت هذا الأمر؟ ولماذا قرأت كلام الإمام الغزالي؟ حتى نستوعب أن مستوى هذا المقرر في مثل هذه الحقيبة هو أن نعرف إن شاء الله تعالى ونخرج -وهذه غنيمة وهذا مكسب- أن نخرج من هذا المقرر بمعرفة آآ مباحث هذا الفن إجمالاً، نحن لن نخوض في التفاصيل، ذلك موضعها ومبحثها في كتب الفن المتخصصة إن شاء الله تعالى إذا تقدم بنا الزمن ويسر لنا مدارسة وتدارس بعض الكتب كتقريب الوصول ومفتاح الوصول وبعد ذلك مراقي السعود وغير وشرح تنقيح الفصول للإمام الغزالي. سنقرا في تلك الكتب آآ المباحث القواعد والنقاش الذي يكون بين العلماء.
المهم عندنا الآن أن نفهم ونستوعب محاور هذا الفن. لماذا؟ لأننا إن كنا لم نقرأ الفقه فالآن تتكون عندنا هذه الصورة الأولية. إن كنا نريد أن نقرأ أصول الفقه بعد ذلك في كثير من الفنون يذكر العلماء في أولها مسائل لا تأتي إلا فيما بعد على اعتبار أن الطالب لديه نوعاً ما نوعاً ما تصور إجمالي لمباحث ذلك الفن.
فتكون هذه الصورة بالنسبة إلينا إجمالاً سيعيننا في فهم مباحث الفنون ومباحث أصول الفقه إذا قرأناها لم نقرأ أصول الفقه أو لن نقرأه الآن لكننا نقرأ في آآ في بعض كتب الفقه بعض الإحالات أو بعض التعليلات، حينما يذكر العلماء في بعض المسائل إحالة إلى قاعدة أصولية سنكون إن شاء الله تعالى قد استوعبنا مدلول على الأقل تلك القاعدة.
ليس بالضرورة أن نفهمها فهما آآ ونحن في أول الخطوات في هذا الفن، لكن على الأقل نفهم مرادهم، نفهم حينما يقول دلالة نص، أو حينما يقول العام وخصص أو لم يخصص، هذه المصطلحات ستهمنا إن شاء الله تعالى في الفقه وسنتعرف عليها في هذا الفن. إذاً هذه هي محاور هذا العلم ومحاور هذا الفن سنتناول بعون الله تعالى هذه المحاور آآ في هذه الحقيبة من خلال هذا المقرر بعون الله تعالى وتيسيره ومنه وكرمه.
أما أصول المذهب؛ مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ أصول المذهب مذهب الأغر مالك الإمام ستة عشر، كما ذكر ابن أبي كف رحمه الله تعالى في نظمه لأصول المذهب، وكما ذكر غيره كذلك من الأصوليين. آه هذا المبحث حينما يتناوله العلماء في كتب الأصول يذكرون الأصول المتفق عليها والأصول المختلف فيها.
الأصول المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والاصول الباقية أصول مختلف فيها. ما معنى مختلف فيها؟ أي أننا مختلف فيها بين المذاهب في اعتبارها أصلاً معتبراً في الاستدلال أو أنها أصل غير معتبر، وإن كان في الواقع كما ذكر الإمام القرافي أن كثيراً من تلك الأصول يعتبرها العلماء، لكن الفرق أن آآ غيرهم أخذ بها بكثرة أو آآ يعني بصفة أكبر من غيره من الفقهاء.
أصول المذهب من خلال هذا التعداد: الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة وكذلك القياس ومذهب الصحابي أو قول الصحابي والاستحسان وسد الذرائع وشرع من قبلنا والعرف والمصلحة المرسلة والاستصحاب ومراعاة الخلاف والاستقراء. أصول آه كثيرة، مما جعل بعض العلماء يمتدحون المذهب المالكي بكثرة أصوله، وأن هذا فيه ثراء.
أولاً: تنوع هذه الأصول بين أصل نقلي وبين أصل عقلي، وكذلك كون هذه الأصول متعددة مما جعل مجال النظر للاجتهاد عند علماء المذهب، عند أولاً عند مؤسس هذا المذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. هذه الأصول طبعا جاءت بالاستقراء من خلال النظر في أقوال الإمام مالك ورواياته، ففهم من خلال ذلك ما يتعلق بمباحث الكتاب والسنة والإجماع وغير ذلك من المسائل التي سنتعرف عليها، ففهم من ذلك آآ احتجاج الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الأصول.
هذه الكثرة جعلت هذا المذهب مذهباً ثرياً، مذهباً فيه مرونة كما يقال، فمجال النظر للمجتهد فيه مجال متعدد، ليس منحصرا في أدلة معينة آه. سنتعرف على هذه كلها إن شاء الله تعالى في موضعها، كل هذه الأصول هي مبحث مستقل في هذا المقرر، نتعرف عليها تباعاً آه إن كان ما يتعلق بتلك الأصول فيه مباحث متعددة سنناول بعض تلك المباحث كالكتاب والسنة والإجماع، وإن كان مجرد تعريف وبيان لحجيته والعمل به سنناوله إن شاء الله تعالى بمثل هذا المقدار وهذا الحيز.
إذاً هذه هي الأصول، ننظر إليها الآن نظرة إجمالية، فهي مباحثنا وهي موضوع درسنا وموضوع تعرفنا في هذا المقرر وفي هذا الدرس.