دخولتسجيل الدخول

أمسية: َلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ | وتزودوا 5

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأكارم آل غراس في هذه الأمسية الطيبة المباركة، في هذه النفحات العظيمة؛ نفحات رمضان التي نشتاق إليها ونحن إليها. الحمد لله الذي بلغنا رمضان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على حسن صيامه، وحسن قيامه، وحسن أداء حق الله فيه. فإن لرمضان حقوقاً، وحقوق رمضان ليست في النهار فقط، بل له حقوق في الليل. من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن هنا كانت هذه الأمسية هي سعي منا أن نتعاون فيما بيننا على أداء شيء من حقوق رمضان. فإن الإنسان إذا بقي وحده ينام، يلتهي، تجلس على جوالك، تشغل الحياة، خاصة في ليالي الجمعة التي يكون يعني فيها الإنسان قد ارتوى من الطعام والشراب والنوم، فهذه الليله تضيع عند كثير من الناس في المجالس العائلية وإلى ساعات الليل، فلا تقام ولا يؤدى فيها حق الله عز وجل. والانسان إذا كان مع إخوانه قوي على طاعة ربه، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28]. هنا المخابرة، هنا الثبات، أن تصطبر مع إخوانك، أن تجد فئة وطائفة من أهل الإيمان من الشباب الصالحين في زمن الملهيات والمشغلات والفتن، أن تجد ثلة من الشباب الصالحين يعينونك على طاعة ربك، هذا كنز عظيم.

الناس تتمنى مثل هذه المجالس ومثل هذه اللقاءات، يتمنى أن يجد أخاً له في الله يعينه على طاعة ربه عز وجل، فهذا خير ونعمه عظيمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا عليها وعلى أداء شكرها. ثانيا: علينا أن نجدد النية من الآن إخواني، أن هذه الأمسية هي ليست من باب الالتقاء بالافراح، يعني هو ليس لقاء الهدف منه أن نسر وأن نفرح، وإن شاء الله نحن نفرح بطاعة الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]. لكن إنما اتينا هنا لنتعاهد في ليلة من ليالي رمضان. فجد نيتك، وصابر على هذه الليله. الليل طويل، هذه الأيام سبع ساعات أو ست ساعات ونصف، أنا أدرك ذلك، لكن ليلة من ليالي العمر احتسبها لله. تذكر كم ليلة نمنا وكم ليلة غفلنا، وكم ليلة انشغلنا وضحكنا وعبثنا؟ ليس كثيراً على ربك سبحانه وتعالى أن تعطيه ليالي معدودة تقيمها إلى الفجر ما بين سماع كلام أهل العلم، وما بين قيام لليل، وما بين دعاء واستغفار وابتهال وإقبال على الله سبحانه وتعالى، ما بين سماع حديث عن القرآن ودوره في تغيير الإنسان. حقيقة، هذه الأمسيات تصبح في يوم من الأيام ذكرى من الذكريات الجميلة، يعود الإنسان إليها يقول: في يوم من الأيام قبل سنوات كنا نجتمع مع الإخوة والشباب في مركز من المراكز ونقيم الليل.

تصبح ذكرى تحن إليها وأنت الآن تعيشها، فحاول أن تعيشها بكل تفاصيلها. حاول أن تعيشها لتبقى ذكرى: أنا في تلك الليلة فعلت شيئاً مميزاً، مش في تلك الليله كنت نائماً وأصحابي مستيقظون، أو كنت متلهياً على الجوال وأصحابي مقبلون على الله سبحانه وتعالى. لذلك أطفئوا جوالاتكم، لا تبقى تنظر في ساعتك ولا في جوالك ولا شيء إلا إذا كنت تريد أن تقرأ قرآن من الجوال شيء آخر. لكن يعني حاول هكذا قليلاً أن تخرج من ضوضاء الحياة، أعطي نفسك شوية نفس، اخرج نفسك من ضوضاء الحياة، اترك الشغل على جنب شوي، اترك ملهيات الحياة. أكيد والدك بيعرف أنك هون مش ضايع، إذا حدا حكى بنحكي معان ما تخافوش، يعني الأمور طيبة إن شاء الله. فريح نفسك، خذ نفس عميق، حاول هيك يوم من الأيام تعرف كيف تتعبد الله سبحانه وتعالى بعيدا عن الضجيج، هذه فائدة هذه الأمسيات، ما شاء الله مع مجموعة من القراء الطيبين بأصوات طيبة تحلو هذه الليلة وتطيب.

عنوان هذه الليله أيها الكرام الذي اخترناه لنتدبر حديث مهم لابد للجميع أن يسمع وأن ينتبه له. ملف من ملفات الحياة الشائكه والمتعبه لي ولكم حقيقة ملف الشيطان: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. هذا الملف الذي هو سبب هلاك أكثر البشرية وضياع حتى كثير من الشباب الملتزمين والمحافظين، وهو سبب تقصيرنا وتفريطنا في حق الله سبحانه وتعالى. ملف الشيطان بالتاكيد هو من أهم الملفات التي تستحق المعالجة وأن نتدارسها في ضوء الوحي الإلهي. ولو جلسنا أيام وسنوات ونحن نتدارس هذا الشيطان: كيف يفكر؟ وكيف يدخل علينا؟ وكيف طرائقه في التعامل؟ وكيف نعالج هذا الموضوع؟ ونركز على مادة القرآن والسنة. بالتاكيد يعني أهم شيء سيركز عليه الكتاب والسنة كيف تتعامل مع الشيطان؟ هذا ملف الحياة. فإن تركز على مادة الكتاب والسنة وكيف سلطت الضوء على هذه القضية، قضية مهمة جداً. إن شاء الله نخرج في هذه الليلة بثمرة وفائدة تعيننا على حياتنا. المفروض أي أن الشياطين الآن كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم، مَردَة الشياطين تغل في رمضان، ففي مجال نحكي عنهم، صح ولا لا؟ أن مَردَة الشياطين قلت. الشياطين الصغيرة موجودة تماماً، لأنه يعني نحن نحمل المطلق على المقيد، قال: وتغل فيه مَردَة الشياطين. فأكثر اهل العلم على أن الشياطين الصغيرة هي الفراخ تبقى توسوس، لكن المرض هكذا الكبار تم تصفيدهم، وبالتالي معنا مساحة نفكر الآن بهدوء ونروق ونفهم هؤلاء المردة كيف يخططون لعالمنا ونحن في المقابل كيف نخطط لدحر هذه الامور. لا اريد أن أطيل أكثر من ذلك، أترككم مع أستاذ الأمسية وضيفي الجميل الذي سيقودها الأستاذ محمد اللبدي، مستعينين بالله ننطلق في هذه الأمسية المباركة.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي كشف الغرور عن البصائر، وأنار القلوب بنور الآيات والزواجر، والصلاة والسلام على من جاء بالحق المبين، محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه اجمعين. أيها الحضور الكرام، أيها الضيوف الافاضل، أرحب بكم في هذا اللقاء المبارك في هذا الشهر المبارك، ونحييكم بتحيه أهل الجنة: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يسعدنا اجتماعنا في هذه اللحظات الطيبة، حيث نتأمل معا آيات الله ونتدبر معانيها، لعل الله أن يفتح علينا من أنواره ويثبتنا على الصراط المستقيم.

ايها الاخوة والاخوات، تاملوا هذه الكلمات الرنانه التي تزلزل الغافلين وتشعِل جذوة الإيمان في قلوب العارفين: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. إنها نداء يدوي في سكون الدنيا، ونصيحة تمزق حجب الأمان الكاذبة، ووعد من الله عز وجل زائف لا طائل منه ولا نجاة، وتحذير من شيطان خبيث يتسلل إلى النفس بخدع بارعة. ونحن هنا لنتدبر معاني هذه الآية ونستخلص الشهد منها، فالقران هو الحل الأول الذي يكشف خدعه، القرآن هو الشيء الأساسي الذي يدلنا على الطريق. والغرور ايها الاحبه سم مغلف بالعسل، وسراب يبهر الابصار، يدعو الى التهاون ويغري بالتسويف، حتى يتخبط الإنسان في ظلمات المعاصي، يظن النجاة وهو على شفا الهلاك. فاياكم أن يخضعكم المنظر، واياكم أن تنخدعوا بالآمال الفارغة.

وسأسر لكم ببسيط مما كان في فقراتنا لهذه الليلة، حيث نبتدئ باذن الله عز وجل فقرتنا الأولى بعنوان: يتدارسونه. والفقرة الثانية التي تليها وهي فقرة: صلاة تروح عن النفس. ثم تاتي بعدها فقرة بعنوان: كيف نجمع شمل الأمة على القرآن، وهي حوار الأمسية. ثم صلاة واستراحة تكون هدوء لنفسي وسراب، فقرة آتية تفاعلية بعدها وهي مع الجمهور. ثم يأتي الوتر والدعاء، ثم يليها فقرة السحور وهي الأحَب إليكم. يعني أيها الأحبة، نستهل فقراتنا بالفقرة الأولى وهي أن التعامل مع سبل الشيطان يحتاج إلى بصيرة وثبات، وإلى سلاح من التقوى والصبر، ودرع من الاستغفار والإخلاص، فبالأسحار نهدم حصونه ونستهلك طاقته. مع عنوان: يتدارسونه، مع شيوخنا الأفاضل، فليتفضلوا مأجورين إن شاء الله.

حياكم الله شيوخنا وأكرمكم. وسنبتدئ بإذن الله عز وجل مع الشيخ حمزة قريق بعنوان الآية: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ [محمد: 25].

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97]. الصوت واضح؟ ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾. كما قال الشيخ إbrahim فان صغار الشياطين منتشره الآن عند استنفار، لأن مجلس مثل هذا المجلس يعلن فيه العداوة للشيطان، فهو من أبغض المجالس عند الشيطان. والله لو كشفت الحجب وراينا كم الآن من الغيظ والحنق على هذا المجلس بسبب أن يعلن العبد عداوته للشيطان، فانه امتثال لامر الله عز وجل. فمن أجل ذلك نقول: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.

ايها الاخوة، سريعا وحتى لا أطيل، حتى نلتزم بالوقت، أولاً: الشيطان وما أدراك ما الشيطان! هذا الذي قل الحديث عنه، وهو من خبثه ومن مكره ومن حيلته أنه لا يذكر الناس، إيش بالحديث عنه؟ مشايخ وعلماء يتحدثون عن الصلح، يتحدثون عن النفس، عن صلاح القلوب، عن غير ذلك. كم دوره سمعت عن صلاح القلب؟ كم دورة سمعتها عن صلاح الأخلاق؟ عن صلاح النوايا؟ إلى غير ذلك. هل سمعت من يحدثك عن القرآن ويحدثك عفوًا عن الشيطان؟ ويحدثك عن هذا الشيطان كم يمكر لك؟ امتثال أمر الله عز وجل أيها الإخوة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. فمن أجل ذلك، خمس علامات أو خمس أمارات لابد أن تكون عندك، وهذه المعلومات ضعها في خلدك ودائماً استذكرها.

أول علامة وأول معلومة: أن الشيطان هو العدو الخفي، العدو الأعظم الأول وهو الخفي. من أجل ذلك بين الله عز وجل عن الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ثم قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أمرك بذلك. لماذا العدو الظاهر لم يحدث الله عز وجل عنه اليهود، النصارى، القتل، المشركين إلى غير ذلك؟ هؤلاء لم يحدث الله عز وجل عنهم، إنما بين لك من هو الشيطان، هو العدو ثم قال: اتخذه عدواً لأنه خفي. ومن أجل ذلك جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وأرضاه يقول: إن الشيطان موثوق، يعني مغلل، ولكن إذا تحرر فما من حركة إلا وكان بين اثنين خصام، أي خصام بين اثنين تراه الآن خصام بين دول، بين زوج وزوجة، بين صاحب وصاحبه، بين شيخ وتلميذه، بين إلى آخره، كل هذا الخصام سببه من الشيطان. فهو أمر لابد أن تدركه أن الشيطان عدو خفي وهو عدوك الأول، وإذا يصح أن تقول هو عدوك الأوحد.

ثانياً: الشيطان أيها الإخوة، أنت تنشغل عنه وهو لا ينشغل عنك. الشيطان تنشغل عنه بملاذ الدنيا، بالطاعات، بغير ذلك، لكن الشيطان أبداً لا ينشغل عنك أبداً. أربعة وعشرون ساعة وهو معك يجري منك مجرى الدم. من أجل ذلك يقول ابن عمر رضي الله عنهما يقول: كيف ننجو وهذا الشيطان يجري بمجرى الدم؟ فمن أجل ذلك المعلومة الثانية ايها الإخوة، أن الشيطان ماذا ينشغل؟ خليكم معنا يا مشايخ، الشيطان إيش ينشغل؟ تنشغل عنه ولا ينشغل عنك.

الامر الثالث أيها الإخوة، حتى نلج إلى الآية سريعا، الأمر الثالث: أنه لا سلامة مع الشيطان. العدو الظاهر ممكن يكون بيننا هدنة، سلام، صلح، الشيطان لا صلح معه، لأنه أربعة وعشرون ساعة يمكر بك، أربعة وعشرون ساعة يريد هلاكك، أربعة وعشرون ساعة يريد أن يزوجك في النار. من أجل ذلك ورد عن السلف رضوان الله عليهم قال: إذا مات المؤمن على إيمانه، قال: بكى الشيطان عليه، أي على هذا المؤمن، أكثر من بكاء أهله عليه. قال: لماذا؟ لانه فلت إلى الجنه. فمن أجل ذلك ينشغل الشيطان أربعة وعشرون ساعة بهلاك، لا صلح مع الشيطان.

الامر الرابع أيها الاخوة، وكثير ما أسمعها، أسمعها من الناس: أن كيد الشيطان كان ضعيفاً. بقول لك الشيطان ضعيف، والشيطان كما جاء عن السلف قال: إن اعلم أن شيطان المؤمن مهزوم، ومهزلة أي هزيل. لكن الصحيح أيها الإخوة لابد أن تعلم أن الشيطان من أذكى خلق الله عز وجل، احنا مش جايين نخوفك، ولكن جئنا لننبّهك، كما قال الشيخ: الشيطان ذكي جداً، فمن أجل ذلك يرضى منك كما سيمر معنا بعد قليل، يرضى منك بالقليل، يرضى أن تبدأ أن تسبحه مائة تسبح تسعة وتسعين، يرضى بهذا، لا يياس، لا يقف، لا يفتر. فمن أجل ذلك أيها، لابد أن تعلم أن الشيطان كيده فعلاً ضعيف للمؤمن التقي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يضع خطمه -يعني زي خرطومه- على قلبه، فاذا ذكر العبد الله عز وجل خنس الشيطان. فمن أجل ذلك هذه النقطة الرابعة: أن الشيطان وإن كان كيده ضعيفاً فهو ذكي، يحتاج إلى دراسة وتعلم، من أجل ذلك العلماء والأولياء والصالحون كانوا يهتمون بدراسة طرائق الشيطان.

الامر الخامس ايها الاخوة، الشيطان له طرق ووسائل كثيرة جداً في اغواء بني آدم، وظيفتي ووظيفتي خاصة طالب العلم، وظيفته أن يبحث في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الطرائق. يعده مرة ويمنيه مرة أخرى،ويسوله أخرى ويخيفه. من أجل ذلك له طرق كثيرة ابحث عنها. وغالب -اسمع هذا جيداً- وغالب طرق الشيطان وسوسة في التفكير وفي القلب، هذا حتى نعرف كيف نعالج ذلك، حتى نعلم كيف نعالج هذا الشيطان وطرائق الشيطان. اعلم أن الشيطان أغلب الطرق التي جاء بها إيش؟ وسوسة. لكن هل له طرق أخرى؟ هل له تأثير آخر؟ نعم، فقد ورد في الصحيح في الأدب المفرد للبخاري، أن تخيل الشيطان إلى أين يصل: أن المرأة إذا جاءت ورتبت وهدمت

يأتي الشيطان فيلقي على هذا الفراش حجرًا أو عصاه، حتى يغضب زوجها. فأنبهنا النبي صلى الله عليه وسلم من وساوس الشيطان، فقال: «فلا يغضب أحدكم وليعلم أنه من عمل الشيطان». فالشيطان لا تتخيل كم يدخل عليك في كل لحظة من مداخله، حتى يخرجك عن طاعة الله عز وجل.

حتى الصدقة يقول النبي صلى الله عليه وسلم إنها تخرج من سبعين فكًا من الشيطان؛ يعني الشيطان يضل يحكي لك سبعين مرة: ولدك، زوجك، ادخر الزكاة، إلى آخره. الخلاصة أيها الأخوة، طرائق الشيطان كثيرة جدًا مبثوثة في كتاب الله عز وجل، وهذه من رحمة الله عز وجل بنا، بعد أن قال إنه عدو لك، بين تلك الطرائق فعليك أن تحذر.

ناتي إلى الآية، وأعتذر عن الإطالة لكن لا بد من مقدمة أن هذا الشيطان هو العدو الأعظم، الذي هو عدو لله عز وجل. نتقرب إلى الله عز وجل، كما قال الشيخ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. قال شيخنا: نحن في مجلس عبادة، ما عنوان هذه العبادة؟ أن تعلن عداوتك للشيطان. وكما قال الشيخ أيضًا جزاه الله خيرا: نحن في رمضان والحرب خدعة، والحقيقة أنه يعد هذا المجلس حربًا للشيطان بعد رمضان، هذا من فقهه جزاه الله خيرا.

أيها الأخوة، في قوله تعالى، وإحدى هذه الطرائق، قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 25]. إن الذين ارتدوا، أن يصل بك اغواء الشيطان وتزيين الشيطان لأعمالك إلى الردة، هي أعظم ذنب قد يصل إليه العبد، بل الردة عند كثير من العلماء أعظم من الكفر الأصلي.

فإن يصل العبد بعد أن بين الله عز وجل له الهدى، من بعد ما تبين له الهدى، هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، نبي موجود وقرآن ينزل والمعجزات والآيات، ومع ذلك ارتد بفعل الشيطان. إن الذين ارتدوا من بعد ما تبين لهم الهدى، الله يبين له العدو الحقيقي في هذا، ماذا قال؟ الشيطان سول لهم، الشيطان ماذا فعل؟ سول لهم. التسويل أيها الأخوة، كما ذكر أكثر من عالم، وهو الاسترخاء، مأخوذ من الاسترخاء، أي أن الشيطان يجعلك في أعمالك تفرح بهذا العمل، تفرح بهذا العمل ويزينه لك حتى تسترخي وتقول: الحمد لله، الحمد لله عندي، الحمد لله أن أنا فعلت هذا الفعل.

فيأتي ويزين التسويل، ومعنى التزيين كما قال، اكتبوها لمن يكتب، التزيين والتحبيب والتسهيل؛ فيسهل لك المعصية، يسهل لك الذنب، يسهل لك الخروج من الطاعة، يسهل لك الخروج من الإيمان، يسهل لك أن تعصي الله عز وجل، ويزينه لك ويحببه إلى قلبك. واعلم هذا، أن التسويل من مراحل الشيطان، لأن الشيطان كما قلنا له طرائق، من أواخر المراحل التي يدخل بها الشيطان على العبد هو التسويل.

فالشيطان أيها الأخوة له طرائق، فمن أوائل طرقه يخرجك من الطاعة أحيانًا بالخوف، أحيانًا بالوعد إلى غير ذلك، لكن متى يصل في آخر مراحله؟ يزين لك المعصية فتصير تحب المعصية. فإذا عندما تصل إلى مرحلة التسويل والتزيين، اعلم أنك في آخر مراحل خطوات الشيطان، لأن بعد ذلك ستكون المعصية هوى ومحبه، ثم بعد ذلك تصير أنت في هذه المعصية كأنك تفعل الطاعة.

ومن أجل هذا أيها الأخوة، التسويل التزيين، هذا التزيين الله عز وجل ذكره في غير موضع عن الشيطان، قال الله عز وجل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [التوبة: 39]، ايش؟ ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [العنكبوت: 38]. أيضًا ماذا فعل؟ صدهم عن السبيل، عن الطريق الحقيقي الصحيح بماذا؟ بتزيين الشيطان. كيف يزين الشيطان؟ وهنا الذي لابد أن نكشف من أعمال الشيطان ومن طرائقه، كيف يزين الشيطان المعصية؟ وليس المعصية فقط، اكتب هذا جيدًا واعلمه: الشيطان يزين للعالم والتقي والصالح وطالب العلم والولي، كما قال ابن القيم رحمه الله، قال: الشيطان مع المؤمن مهما كان زاهدًا عابدًا معه حتى يموت.

فإياك أن تنغر بعبادتك أو بعلمك؛ تحفظ قران، تدرس عند الشيخ إبراهيم، والله بتطلع على العمرة أو بتحج، أو تسجد لله عز وجل ساعة، ثم تظن انك في عصمة من الشيطان! أبدا، الشيطان كما قلنا من تزيينه، يزين لك في الواجبات فيما بينها، ويزين لك في المباحات فيما بينها، وبين المكروه والمباح، وما بين المحرم والمحرم الأعظم.

ماذا يصنع؟ يزين لك أن تكون على، مثلاً أعطيكم أمثلة حتى قديش أن الشيخ، لأنه أنا بحب ألتزم جزاك الله خيرا، هنا أريد أن أبين، لأنه حقيقة كطلاب علم هذا يدخل عليهم كثيرا، أو كعباد أو كصالحين، الشيطان ماذا يريد؟ ياتي يزين لك بعض الأعمال، بتكون انت طالب علم مجتهد وعندي الشيخ إبراهيم وبتدرس وبتحفظ وبتقرا، ثم يزين له الشيطان عبادة أخرى أقل في الأجر، عبادة الدعوة إلى الله، أين نحن من الدعوة؟ بسم محاضره هون أو محاضره هناك، شو بيعمل؟ الدعوة إلى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الناس في الشوارع تحتاج إلى دعوة، فياتيه يزين له الشيطان. الشيطان يزين في الطاعة، نعم، يفتح له أبواب الطاعة، قد يفتح، كما قال بعض السلف: يعطيك تسعة وتسعين طاعة، حتى يخرجك من طاعة أعظم. افهم كيف يفكر الشيطان؛ يجعلك تترك طلب العلم حتى تبدا بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبدا تحفظ، لأنه في عندي تزيين للشيطان قبل الفعل وأثناء الفعل وبعد الفعل.

قبل الفعل بقول لك: أين أنت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين أنت من الدعوة إلى الله عز وجل؟ أين وأين وأين؟ هذا قبل. ثم تبدا بذلك تشعر بحلاوة الإيمان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فلان اهتدى على إيدك، فلان ما كان يصلي صار يصلي. واضح؟

الأمر الثالث بعد ذلك، ثناء الناس عليك، فيزين لك بعد ذلك العمل بثناء الناس عليك. شو بصير؟ بيترك طلب العلم، وهذا حصل معنا كثيرا؛ طلاب، شيخ وين أنت؟ بقول لي: شيخ دعوة إلى الله، شيخ عبادة، شيخ أنا والله لست أهلًا لطلب العلم. الخلاصة أيها الأخوة، لابد أن تعلم كيف يدخل عليك الشيطان.

تزيين الشيطان، تزيين الشيطان يكون بثلاثة أمور، اكتبها جيدا: أولًا بالتدريج، يتدرج، مستحيل يجي يقول لك والله اترك طلب العلم، لا يجعل لك بديلا أقل. بتكون تقوم الليل ما شاء الله عنك وحافظ إلى آخره، بقول لك: بدل قيام الليل روح والله مثلا اذكر ألف مرة أو ألف تسبيح أو ألف استغفار. طاعة، لكن هو يريد أن ينقلك من الشيء الفاضل إلى المفضول، فأول شيء التدريج.

ثانيًا أيها الأخوة، ولا أطيل، قضية الشيطان، يستحيل، اسمع جيدًا، يستحيل أن يأتي إليك يزين لك أمرًا لا يليق بك، فياتي إلى العابد فيزين له عبادة مثلا أقل، أو يزين له معصية تناسب وضعه، مثلا طلاب العلم كثير عندهم، أو يعني كثير مما يبتلى به طالب العلم الكبر والعجب، لماذا؟ يناسبه، الشيطان يزين له المعصية التي تناسبه، فتلاقيه بعد أربع أيام من طلب العلم بلبس هذه الغترة وبلبس وكذا، وبيجي وبجلس، ولازم هذه الكشرة تبعته وكذا، وسألته، ايش؟ بقول لك: سمت أهل العلم.

طبعا سمت أهل العلم أيها الأخوة للمعلومات، هذا يأتي آثارًا وتأثرًا بالعلم، يعني هو آخر مرحله يصل إليها العالم، احنا أول مرحلة بيلبس وكذا وكذا وبيجي وبقعد أول صف وكذا، بتحكي بارك الله فيك ويحكي بالفصحى خلال ثلاث أيام، ليس انتقاصًا، لكن نحن بنتكلم كيف الإنسان يزين له الشيطان.

فالشيطان أيها الأخوة له أساليب عظيمة جدا، الخلاصة في هذا، الثانية، النقطة الثانية غير التدرج، وهي قضية أن الشيطان يأتي بالتزيين بما يراه من حالك، فيرى إيمانك، ثانيا يرى ما الشيء الضعيف فيك؛ بيعرف أنك في موضوع مثلا المال، إذا بتقول له دينار بيترك طلب العلم ويترك الدنيا كلياتها، فبيجي بيحكي لك والله، بيحكي مع واحد بقول له والله عندي تجاره، بس بقول والله بدنا نسافر للاخر، بيترك طلب العلم بروح.

الخلاصة، هو ياتيك ويدخل عليك بماذا؟ بالامور التي يراها فيك ضعفا أولا، ثانيا بالمرحلة الإيمانية التي أنت فيها، كما قال ابن القيم في عنده ست مراحل، اقرأ عن الشيطان، يعني أنا أحب الكلام عن الشيطان جدا، ومعروف عن اللي بيدرس معي بيعرف إنه أربعة وعشرين ساعة الشيطان وبقول لك هذا مدخل شيطان وهذا شيطان، فيعني حتى في رؤى في ذلك أن الشياطين تهجم علينا في بعض الدروس، عشان هيك بقول لك: الشيخ ذكي، الشيخ ذكي جابنا في رمضان كويس، ولا كان تعبت.

الخلاصة أيها الأخوة، الأمر الثالث حتى لا أطيل، أو طولت وخلصنا، الأمر الثالث أيها الأخوة، بعد ما قلنا إنه يتدرج، ثم يدرس حالتك دراسة، كيف بتق تحر؟ كيف اللي بيدرسوا عنا هون تقارير وبيجبوا، مش تقارير؟ تقارير الأطباء اه، تقارير بدرس حالتك كاملة، وبعدين بيحكي لك ما هو الذي يناسبك، كذلك الشيطان والله بفصلك تفصيل وبيعطي التقارير لابليس اول باول. هذا عند النسوان ما تجيبوه، النظرة عنده ثاقبة، هذه المراه عندها الغيبة والنميمة كذا إلى آخره.

الأمر الثالث أيها الأخوة في هذا، أنه الشيطان في تسويله وتزيينه للأمور، يعني دائما ياتي بعد التزيين الأمل. التزيين والامل، لماذا؟ قال الشيطان: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 25]. طبعا أملى لهم فيها قولان عند العلماء: القول الأول أن الشيطان أملى لهم، والقول الثاني أن الله عز وجل هو الذي أملى لهم أي أعطاهم الفرصة.

لكن على القول الأول وهو قول كثير من العلماء أنه أملى لهم، أي الشيطان أملى لهم، ياتي غالبا بعد التزيين. أتعلمون لماذا؟ لأنه الشيطان شو بيعمل؟ يزين لك الشيء على غير حقيقته صح، فيزين لك المعصية ويزين لك الطاعة التي أقل من الطاعة الاعلى، فيزين ثم تلج فيها، فتنظر: أين الثمار التي ذكرها عليه الشيطان، أني سأشعر بحلاوة إيمان إذا كنت في طاعة، أو أن مثلا هذه المعصية ستغنيني وتجعل في قلبي راحة إلى آخره، أين هذا؟ فيجدها لحظة ثم تذهب.

ماذا يقول للشيطان؟ ستاتيك، ستاتيك بعدين، شو بيحكي له؟ أملى لهم، بقول له: هذه التزيين سياتيك بعد فترة، بعد شهر اعمل المعصية كمان مرة، بصير عندك شو؟ بصير عندك حب لها، بصير عندك تعلق بها. فمن أجل ذلك التزيين والأمل قرينان مع بعضهما البعض أيها الأخوة. خلاصة الأمر من طرق الشيطان تزيين المعصية، كيف يزول ذلك؟ طبعا هذا بدو محاضره لحاله، تزيين كيف يزول ذلك؟ لكن أهم شيء بالعلم الشرعي أولًا، ثانيًا بصحبة العلماء العارفين بمكائد الشيطان.

وهذه مسألة مهمة، بدك تعرف إن هذا مدخل شيطاني ولا لا، كثير من طلابنا بيجي بيسال: شيخ، هذا يعني أنا بدي اعمل هذا القرار صح ولا غلط؟ بعرف إن هذا ايش مدخل شيطان بده يخليه يروح على قيام الليل ويترك مثلا حفظ القرآن مثلا. فهنا وظيفه الشيخ أن يعرف طالبه، أو يعرف من السائل كيف يدخل الشيطان.

اعتذر عن الإطالة وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله.

بارك الله فيكم وفي علمكم شيخنا وجعلنا واياكم من أهل الخير والبركة.

في صورة احنا ما عرضناها عشان نسهل عليكم كبدايه، هاي للشيخ حمزة بدنا نعرضها نوريكم اياها وهي تعرض عن سبل من سبل الشيطان، سبل ومدخل من مداخل الشيطان. صوره للشيخ، هذه الصورة شو ممكن تتكلم من مدخل مداخل الشيطان؟ شو تكلم عنه الشيخ حمزة؟ الشيخ تكلم عنه، انت نفسك هذه الصورة ماذا توحي لك؟ برفع اليد، برفع اليد، الشيخ جاوب، بدنا واحد مشاغب ما رفع إيده، تفضل.

شيخنا، طول الأمل. نعم، أحسنتم، أحسن الله إليكم. فكرة أن هذه الصورة إخواني تعبر عن الإنسان، كيف الإنسان دائما ينظر بعيد، والموت أقرب إليه من شراك نعله، دائما تنظر أنت للدنيا وأنه معاي مجال، والشيطان كما قال الشيخ حمزة يعني يعطيك هذا الأمل ويعطيك هذا البعد ويعدك انك سوف تتوب والأمور طيبة ومعك مجال، فيبدا على هذا العمل.

طيب، والان ننتقل إلى الشيخ إبراهيم الطويل ومدخل آخر من مداخل الشيطان، وصورة تعرض بنا نشوفكم شو بدكم فيها أو تعرفوها ولا ما تعرفوها. أعطنا الصورة يا محمد.

عن أي مدخل من مداخل الشيطان تتحدث؟ طبعا أرجو اللي بده يتكلم يجيب لي الآية، يعني ما تجيبليش كلمة عامة، يعني أنا عارف يصير الكلام عام. احنا إخواني الفكرة من المدارسة، اسم الجلسة هاي: يتدارسونه، نحن نريد أن نسلط الضوء على قضية فقط، حتى يفهم الأخوة ما هو المراد. نريد أن ننظر كيف تحدث القرآن عن مداخل الشيطان، يعني أنا ما بدي أعطي تحليل شخصي أو رأي شخصي كيف يدخل الشيطان، لا أنا بدي أخذ من الوحي الإالهي.

الله سبحانه وتعالى بالتاكيد هو يعلم الشيطان، ويعلم كيف يدخل على النفس البشرية. فمن فضائل رمضان وأنت تقرا القرآن أن تكون على وعي أنه أكيد القرآن تكلم لي عن مداخل الشيطان. لو أنني ختمت ختمة كاملة في المصحف فقط هدفها أبحث كيف تحدث القرآن عن مداخل الشيطان، أمعن بها، وأكرم ختمة عظيمة، بس بدي استقرا في القرآن كيف تحدث ربي عن مداخل الشيطان إلى نفسي. فهذه الصورة التي بين أيديكم، ما هي الآية التي تاتي في ذهنك عندما ترى هذه؟

الصورة تمام، هي الآية التي تتكلم عن مداخل الشيطان في هذه الصورة. طيب عندك الموضوع، يلا بسم الله. ﴿وَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. لا لا، آية فيها الشيطان، أنه هذا من مداخل الشيطان، واضحة واضحة يعني ما فيش هون باستنباط، بدي أقعد أستنبط، الآية تقول إن هذا شغل الشيطان، كلمة الشيطان فيها موجودة يعني حتى أريك -أو بديش أقول كلمة الشيطان فيها موجودة، لا مش موجودة- لكن الله عز وجل يخاطب فيها الشيطان حتى أقربها، نعم. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَأَمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: 119].

يعني ماشي يعني بس شوي بعيد شيخ، محاولة جيدة، اه. زيد، هو شوف أحيانا شكلها الصورة تحتمل عدة احتمالات. عمر، غير الصورة، شوف لك صورة ثانية بس. لا لا، يعني بدي شيء أخص بهذه الصورة بالتحديد، بهذه الصورة بالتحديد، تفضل. ﴿فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]. ﴿فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، لا هذه مش عن هي، لا تتكلم القرآن تكلم كثيرا عن هذه الأمور، بس في آية أن الله عز وجل -ها بدي أقربها- يقول للشيطان هذا هو عملك في إغواء بني أدم، ها قرأناها خطوتين يا شباب؟ اه اه عمار.

علي، صوتك، أحسنت بالضبط. ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64]، الملاهي والمعازف والغناء، واستفزز هي خطاب من الله لمن؟ للشيطان. طبعا هو لا يأمره أن يفعل ذلك طاعة، هو سبحانه وتعالى يخبر ما هو الوتر الذي سيدخل عليه الشيطان من الإنسان في هذه الآية. شوفوا خلينا نبدأ القصة من البداية اخواني، أي جاء في صحيح مسلم وفي غيره من الكتب والمسانيد لما صور الله تعالى آدم، تركه الله عز وجل، صور آدم صلصال كالفخار ولم ينفخ فيه الروح ابتداء، تركه في الجنة. قيل، قال: فجعل إبليس يطوف به ينظر إليه، هنا القصة من البداية، إبليس وهو يمشي في الجنة قبل ما يكفر ويأبى ويستكبر.

إبليس لما نظر إلى آدم كانت طبعا كما قلت بدون روح، نظر إليه يمينا، نظر إليه شمالا، جاء في الحديث: فجعل يطوف ينظر إليه، هنا القصة من البداية، فجعل يطوف ينظر إليه، فلما رأى أجوف، فلما رأى أجوف قال: ظفرت به، ظفرت به، خلق لا يتمالك. طبعا هنا قد نقول إن هذه اللحظات قبل أن يعلن فيها إبليس كفر، لكن واضح أنه كان يبطن شيئا لا يرضي الله سبحانه وتعالى، على الأقل أنا ماذا أريد أن آخذ من هذا؟ ماذا ظفر إبليس من آدم؟ ماذا فهم إبليس في خلق الإنسان أنه أجوف؟ قال فلما رأى أجوف قال: ظفرت به.

طب ايش ظفر؟ يعني لماذا إبليس -يعني بدي أقول قفز من الفرحة- لما عرف أن البشر خلق مخلوقا أجوف؟ هو بماذا ظفر؟ تمام هذه قلناها صباحا اليوم، اه اخواني، الشيء الاجوف يحتاج أن يمتلئ، الشيء الاجوف يحتاج أنه ماذا يمتلئ؟ لذلك هو قال: ظفرت به، ظفرت به، خلق لا يتمالك، كما قال النووي رحمه الله عليه في شرح صحيح مسلم: خلق لا يتمالك، أي أن هذه الطبيعة البشرية ضعيفة أمام الشهوات، لا يملك نفسه حتى يسقط فيها، لأنه يريد أن يملأ هذا الجوف، لانه يريد أن يملأ هذا الجوف.

إذا إبليس باختصار عمل رصد للبشر قبل ما نوجد جميعا، قبل حتى ما تنفخ الروح في آدم، استطاع إبليس يعمل دراسة عني وعنكم، عقد دراسة وبفكر وبخطط أنه هذا الإنسان من وين بدي أجيه؟ من وين بدي أدخله؟ فكما قلت هو من البدايه، من لما رأى جسد آدم أجوف قال: مسكت (يعني مسكت الحبل)، عرفت من وين أدخل عليه من موضوع الجوف. وهذه فكرة الحديث العظيمة: لما رأى أجوف قال: ظفرت به، الجوف معناه أنت تحتاج أن تملاه، إذا هو دلالة افتقار إلى شيء يملأ، لذلك من معاني الله الصمد، ما من معانيها لا جوف له، صحيح، لأن من ليس لديه جوف إذا هو مستغن، واما من له جوف هو يحتاج إلى أشياء تملأ هذا الجوف، فهي دلالة افتقار.

ممتاز، اذا الخطوة الأولى الإنسان خلق فيه جوف، قال العلماء: فيه جوف حاله من الجوف البدني الجسدي وهو البطن والفرج، وفيه جوف روحي معنوي، كلاهما يحتاج أن يملأه. الشيطان ما قال: ظفرت به، قال: عرفت من أين أدخله، سأحاول -هكذا يفكر الشيطان- سأسعى أن أملأ هذا الجوف بمادتي أنا، بدلا من أن يملأه الإنسان بمادة الوحي والهداية من الله سبحانه وتعالى.

إذا هناك صراع بين مادة الوحي والهدايات من الله وبين الشيطان في ملء هذا الجوف، سواء الجوف البدني أو الجوف الروحي المعنوي، لأنه الإنسان هو عبارة عن جسد وروح، فكلاهما فيه جوف، كلاهما يحتاج إلى غذاء ليبنى، فالشيطان إذا وين ظفره بك؟ أنه سيسعى طوال حياتك أن يزاحم المدخلات الشرعية، سيحاول أن يملأ هذا الجوف بما يريد هو أن يملأه: من الطعام الحرام، من الكسب الحرام، من الشهوة الحرام، من قضاء الوتر بالحرام، هذا على الجانب البدني.

وكذلك على الجانب الروحاني سيسعى أن يملأ خواطرك، وعند الحنابله الدماغ جوف ولا لا؟ بالتالي هو هذا جوف أيضا، فسيُسعى أن يملأ عقلك وخواطرك بالأفكار التي يريد هو أن تسمعها، لأنها كفيلة أن تحرفك عن منهج الله سبحانه وتعالى. هذا باختصار هو خلاصة معنى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾. الله يقول للشيطان: استفزز، والاستفزاز هو نوع من الاستمالة، كأن الشيطان يستفزك لتميل إليه، قال العلماء: يعني ازعجهم وأقلقهم واجعلهم يميلون إليك من خلال صوتك.

إذا من مداخل الشيطان الشيخ؟ من مداخل الشيطان أنا رح أتكلم عن صوت الشيطان وأثره في ملء هذا الجوف بدلا من أن تملأ بمادة الوحي الإلهي. صوت الشيطان ماذا يعني في حياتك؟ لما نقول ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾، ما هو صوت الشيطان؟ ما أمثلته في واقعنا الحياتي؟ الغيبة.

طيب، الغناء والمعازف، والامام الواحدي والبغوي وجمهور المفسرين لما أتوا إلى هذه الآية قالوا: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾، صوت الشيطان المعازف والملاهي. لكن هذا كما يقول بينتمي هذا تفسير بالمثال، يعني هي أحد أمثلة أحد الأمثلة البارزة لصوت الشيطان، لأنه الأغاني والمعازف هي ما دورها؟ أن تملا هذا الجوف وأن تشغله، بدلا من أن يشغله سماع القرآن، سماع العلم النافع، سماع الذكر والأشياء التي تبني هذا القلب.

طب إذا الأغاني والمعازف أيضا صوت الشيطان؟ تمام، بس أنا اريد يعني شيئا يعني أقرب من هذا أوضح، الخواطر السيئة. جميل، صوت الشيطان هي الخواطر السيئة التي يسعى الشيطان أنه يشغل بها دماغك، بدلا من أن تفكر بقضايا الأمة، بدلا من أن تفكر كيف تكون إنسانا منتجا لهذا الدين، بدلا من أن تفكر كيف تبني نفسك وحياتك وأسرتك ومن حولك، تبقى خواطرك مشغولة بالخطرات الرديئة.

ولذلك اسألوا كثير من الشباب -الله يعافينا ويعافيكم- الواقعين في مستنقع الاباحية: كيف دمرت الاباحية حياتهم؟ وأقربهم شاب قبل فترة عم يرسل لي يقول لي: أنا كنت شاب طموحا، شاب عندي قدرات كبيرة، شاب استطيع أن أقدم للأمة، صدقني يا شيخ الاباحية دمرت حياتي، ليه؟ لأنه الشيطان استطاع أن يملأ الجوف، استطاع بصوته -وهو هنا خطراته- أن يملأ جوفه، فهذا الشاب طوال ليله يتقلب على الفراش يفكر بالشهوات، يفكر بملذات النفس.

يعني حتى لو هو أغلق الجوال، لسه العقل بيطحن، لسه العقل بيطحن شهوات، وتخيل هذه المرأة، وتخيل ذاك الجسد، وتخيل تلك الصورة، يقول: هذه الصور أكلت حياتي وعمري، هذا من صوت الشيطان، الشيطان يدخل ليملا هذا الجوف. إذا الملاهي والمعازف الخطرات اللي يسعى الشيطان يحشوها في دماغ الشباب حتى يلهيك عن أي تفكر نافع يقودك إلى حياة هادئة مطمئنة.

طيب أيضا، تفضل. الرياء، يعني أنتم بتحكوا عن معاصي عموما، بس أنا بدي أركز هيك شيء صوت الشيطان، ركز على كلمة صوت الشيطان. اه سوء الظن، ممكن يعني أنه الشيطان يقذف فيك هذه الهمسة أن تسيء ظنك بالله. الوسوسة، الوسوسة، خليني نقول الخطرات (حتى ما تتشعب في الأفكار).

إذا أنا بدي أرتب أفكاري: الملاهي والمعازف، الخطرات السيئة، دعونا نقول كلام اللغو العام من صوت الشيطان. يعني لما تجلس مع شباب جلسة بما فيها يعني مقرق غيبة نميمة سب شتم ساعات متأخرة ليلا، كلها ضجيج وصراخ ومزاح، هذا من صوت الشيطان، لأنه هو يملأ هذا الجوف بمادته، بدل ما إنه هذه الأربع خمس ساعات أنت قرأت فيها كتاب نافع، اشتغلت بها بورد من القرآن، تتدارس مع إخوانك، والله قمت فيها باعثة ملهوف برفع الكرب على مكروب.

بدل من أن تذهب الساعات بملء الجوف ما هو نافع، ذهبت بالكلام الذي لا ينفع، لغو الحديث، الله سمّاه ماذا؟ لغو الحديث. لذلك جاءت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] يشتريه ليملا به قلبه، ليملا به ذلك الجوف. وهنا حقيقة يعني بدي أعود بس هيك شوي لقضية المعازف، أحيانا إخواني الذي يحصل مع كثير من الشباب أنه ينشغل بالنقاش الفقهي: هو المعازف أكيد حرام يا شيخ مجمع على حرمتها؟ طب ما هو في العلامة الغزالي ذكر في الإحياء قول أنه إذا ما عملت كذا، وطوفي ذكر قول أنه احنا أحيانا لما ننشغل بالنقاش الفقهي...

طيب ليش بدك توصل في النهاية؟ ماشي اشتغلت في النقاش الفقهي ووجدت قول كذا، في شخص من العلماء طلع من الماجشون في القرن الرابع طلع بيسمع معازف، يعني أنت بدك تعمل زيهم؟ يعني أنت فقط تبحث في أقوال أهل العلم عن أي قول تتكئ عليه حتى تشعر براحة الضمير أنك سمعت المعازف؟ اخواني، النقاش الفقهي شيء والنقاش السلوكي القلبي شيء آخر.

قد تناقش قضية المعازف والملاهي في أروقة أهل العلم الفقهية، لكن لما نأتي في أروقة السلوك إلى الله وإصلاح القلب، مش حينفع تسمع معازف، لأنهما مادتان لا يجتمعان، إما مادة الوحي والقرآن والذكر وإاما مادة المعازف والملاهي والغناء، لا تقبلان الاجتماع. فأحيانا أنا بنصح الشباب أنه لا ترهق نفسك في النقاش الفقهي في إيجاد قول ما هو في خلاف، ما هو في بعض هذا، خليه في أروقة علمية يبحثه المتخصصون، لكن أنت والله تعلم قبل كل شيء واستفت إيمانك وسلوكياتك أن الغناء هو الذي يبعدك عن القرآن، وأن المعازف هي التي تضعف ذكرك لله، وأنه كلما كنت أكثر إقبالا عليها كلما ضعف خشوعك في الصلاة.

فلا تضحك على نفسك وتقول المعازف حلال، المعازف هي من أصوات الشيطان والملاهي، بل حتى والله أنا أقول للأخوة: حتى الاكثار من الغناء المباح -كانوا يسمو الفقهاء الغناء المباح الذي انت اليوم بتسموه أناشيد إسلامية يعني بتسموه أناشيد إسلامية عرفت؟- هذا الاكثار منه هو من صوت الشيطان. وكما قال شيخنا: إن الشيطان يشغلك، بقولك يا شيخ يا شيخ أنشودة إسلامية، ما هو أنشودة إسلامية بتسمعها وأنت مار في السيارة هيك أنت مع هيك شباب واحد ينشد لنا مرة، وأنت رايح وأنت جاي وأنت قاعد وكذا، وفاتح التلفزيون وكذا، هذه ما عادت أنشودة يعني صارت أكثر من القرآن أنت حافظها، إذا هذه ترى من صوت الشيطان حتى لو كانت أنشودة إسلامية لأنها ستاخذ حيزا من هذا الجوف.

وكثير من الشباب من الملتزمين أضاعتهم هذه الاناشيد، حتى الاناشيد هذه يا واحد بتعطيه أنشودة فيها اندفاع وحماس، يا أنشودة فيها كذا وكذا، هو بفكر حاله أنه عم ينتصر وبيعلي السبابه وبينزل السبابه، وارفع وحط وأخواننا ومنصورين ومش منصور، جزاك الله خير، يعني عفوا هذه هيك بعدين لما نجي على الواقع بت هيك تطفي الاناشيد وننزل على الواقع الإسلامي أم مذبوحة الكفار بكروا، الاستخبارات العالمية شغالة وأخونا بس فاتح السيارة رايح علي السبابه وخفف السبابه وراح للسبابه ونزل السبابه وهذا منصورة وهذا مش منصورة وهذه كذا وينشد وعدوك بضحك عليك بقول لك شوف المسكين ومفكر أنه هيك بيعملوا لك فيلم عن جماعة إسلامية عم بتقوم، وهذا كله سواليف وأنت مسكين قاعد في مكانك وعدوك يمكر مكر الليل والنهار وأنت ضحية هذا الانشاد سامحني وضحية هذه الأفلام والمقاطع.

يصنع شخصا وهميا، فإذا أطفأنا كل شيء وأغلقنا السوشيال ميديا ورجعنا لحياتك الواقعية، اه أنت ذاك الشاب اللي بتصلي الفجر في وقته، أنت هو نفسك أنت اللي بتعلي السبابة وتنزيلها أنت مش عم بتصلي للفجر وبتصحى على الساعة 8:00 وبتصلي متأخر، وأنت ذاك الشاب اللي قيام الليل بجوز من السنة للسنة، في رمضان بتجيئك هيك كم أمسية بتقعد مع الشباب، وأنت نفسك ذاك الشاب اللي عم تحفظ قرآن، وأنت نفسك ذاك الشاب اللي مجلس علمه بتزهق وبتمّل وبدي أطلع، وأنت ذاك الشاب العاق لوالديك والمسيء لزوجتك، أنت أنت نفسك اللي بتعلي السبابة وبتنزلها.

ليه؟ لأن الشيطان ذكي، يعني هو في شباب يغريهم بالمعازف والأوتار، وفي شباب بغناء فيروز والمغنيين الفاجرين، وفي شباب لا هؤلاء شيوخ هؤلاء شو الأغناء اللي بدي أشتغلهم فيه؟ أناشيد إسلامية، خليها يعني ولا إنه يشتغل بالقران ولا إنه يشتغل بمادة الوحي ولا إنه يشتغل بما ينفعه.

لكن متى تكتشف هذه الأمور أنها فراغ وأنها ما كانت تعني شيئا أصلا، وأنها لا تمثل إسلاما ولا دينا ولا صلاحا ولا حياة ولا شيء من هذه الأمور؟ أنت بس تضحك على نفسك والشيطان شوف سبحان الله لماذا العلماء كانوا يقولون أن الغناء والمعازف صوت الشيطان؟ لأنه هذه الأمور تلعب على أوتار القلب. الإنسان في قلبه الإيقاعات بتعمل نوع من الطرب والصوت الجميل يصنع نوع أيضا من ماذا؟ من الحماس، خاصة إذا كان في شيء من قضايا الأمة يندفع الإنسان تجاهها، الشيطان يريد أن يلعب بهذه الأوتار الحساسة في داخلك ويشغلك بها عن تدارس قضايا الإيمان، عن العلم النافع الحقيقي الذي يدرك الشيطان أنه هذا إذا بطل يسمع أناشيد وصار

يسمع دروس أهل العلم، هذا يفسد على طريقه الشيطان، يخرب مشروعي، سيصير الإنسان يفهم، أنا لا أريد أن يصير الإنسان يفهم، أنا أريد أن أظل بحماس الأناشيد واندفاعها وبريقها وجمالها، لا أريده أن يعقل واقع الأمة وأزماتها، لا أريد أن يفهم كيف يخطط العدو وكيف يجب أن أخطط وأن أفكر وأن أبرمج وأن أصلح نفسي وأصلح إخواني، وأن أخرج من حيز الهلاميات إلى حيز الواقع المرير بما فيه من الآلام، وأسعى لإصلاح حقيقي يبني هذه النفس الإيمانية. هو لا يريدك أن تفكر في هذا، فيبقى يشتغل على المعازف والملاهي.

﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: 64]. والله سبحانه ينبهنا يا إخواني، ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ يضحك عليك الشيطان، يستفزك بصوته بملاهيه والغناء والمعازف، يستفزك بالمجالس الفارغة. حتى مع كثير من الشباب المتدينين، كم ساعات تقضى على السوشيال ميديا وتدخل فيها خواطر على النفس؟ الشيطان يستفزك، يخليك تشوف مقاطع بعد المقاطع بعد المقاطع، مسلسلات بعد المسلسلات بعد المسلسلات، مباريات بعد المباريات بعد المباريات. هذا كله من صوت الشيطان.

باختصار، صوت الشيطان هو كل مدخل يدخل إلى جوفك فيشغلك عن ذكر الله، هذه هي الكلمة الجامعة. كل شيء يدخل إلى جوفك يعبئ هذا الجوف وهذا الدماغ فيصبح الدماغ غير قادر على استقبال شيء ديني نافع؛ ملئ بحب المسلسلات، ملئ بحب المباريات، ملئ بحب السوشيال ميديا، ملئ بحب الغناء والمعازف والأناشيد، ملئ بحب شيء. هذا القلب لا يمكن أن يملأه شيئان، أما أن تملأه مادة الوحي والكلام النافع، وأما أن يملأه الشيطان. فعليك أن تكون حذراً، متيقظاً، متفطناً؛ ما هي المدخلات التي ستدخلها إلى قلبك؟

الشيطان سيشتغل على أصواته، وإياك أن يغرك بعض المشايخ الذين يريدون إباحة الغناء أو المعازف أو شيء، يحاول استجرار أقوال معينة لك. دعك من هذا، خليه يناقش المسألة فقهياً وحده، لكن أنت تعلم ما في نفسك وتعلم ما في قلبك، وتعلم أنك تنهار إيمانياً مع التتبع خلف هذه الأصوات الشيطانية. فلذلك عليكم أن تحذروا من هذه الصور ومن هذه المشاهد. احذر أن يراك الله سبحانه وتعالى تزاحم هذا القلب بمادة شيطانية وبصوت شيطاني مهما كان شكله ومهما كان مضمونه.

بما أنه يوجد صوت للشيطان، إذاً يوجد صوت للرحمن، ما هي الأصوات الرحمانية؟ مجالس العلم النافع، العلم النافع لأنه أحياناً في مجالس علم تلقين ما فيها شيء نافع. القرآن، القرآن وهي أكثر مادة غنية بالمدخلات الجيدة، عليك أن تزاحم صوت الشيطان بصوت الرحمن، القرآن؛ أن تقبل عليه، أن تتدبر، أن تفهمه، أن تعيش معه.

أيضاً قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأحوال السلف، وعموماً القراءة النافعة. يا أخي اقرأ، اقرأ في التاريخ واقرأ في السياسة واقرأ في الاجتماع، اقرأ بشيء يثري العقل والدماغ ويبنيه، هذا من الأصوات المقبولة. أيضاً بماذا يمكن أن تزاحم؟ مجالس سماع الحديث، يعني هي مجالس العلم عموماً، أي مادة نافعة، ومنها حتى ذكر الله عز وجل. إخواني أن تذكر الله من أكبر السماعات الرحمانية، أن تذكر الله أو أن تجلس في مجلس يذكر فيه ربك سبحانه وتعالى.

أخي أنت لما تكون في صلاة وتسمع قراءة جميلة لإمام، هذا من السماع النافع. لذلك السلف كانوا يشددون في مسألة السماع، أكيد سمعتم عن مسألة السماع، ويؤلف فيها ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ويشددون، وتحدث معركة بين الصوفية وأهل الحديث. ليش هذه المعركة الكبيرة في مسألة السماع؟ لأنه حقيقة بعض الناس يظن أن الخلاف فقهي، أنه في بعض إخواننا مشايخ التصوف أباحوا وبعض المشايخ شوي متشددين من أهل الحديث مش راضين يبيحوا، لا، هو النقاش مش كذا. إصرار علماء أهل الحديث وعلماء السلف عموماً على أن السماع الشيطاني احذروه، هو ليس تعنتاً ولا تشدداً، بل لإدراكهم وفطنتهم أن هذا القلب إذا دخل عليه سماع خاطئ فسد. فلا بد ندافع في مسألة السماع، ونثبت أن السماع الرحماني هو الذي يجب أن ينكب عليه الناس وينشغل به.

أنا مش ناقصنا ومش ناقص أمتنا شباب مشوهون، شباب مائع، شباب فقط متحمس مندفع، هؤلاء لا يعرفون طبيعة الأزمات والمعارك والواقع المرير. الأمة مش ناقصها، فلذلك كان السلف يدركون أهمية أن يوجه الناس إلى سماع ما ينفعهم، وأن يؤزوا إلى ذلك أزاً، وإلا لا نسمح لأقوال ولو كانت لرجال أفاضل من أهل العلم الأقدمين، لا نسمح لها أن تكون هي الأقوال التي لها مساحة لأنها في النهاية تفسد.

وعليك أن تفهم أنه حتى بعض الأقدمين الأفاضل ممن حاول التأصيل لسماع شيء من الملاهي، هو نفسه ربما في عادته ما كان يسمع، هو فقط يبحثها من ناحية فقهية؛ ما تفكر أنه الذي كان يؤصل حاطط مسجل ورايح جاي، لا، هو فقط قاعد بيسمع، يقول لك المسألة يمكن للحديث أن يحمل وهذا مقدار. لكن في النهاية هو نفسه مش شغال بهذا الموضوع، لأنه يعرف أن هذا لا يبني عقلاً ولا فهماً ولا ديناً ولا إيماناً.

شيء مؤسف أن تجد شاباً يزداد ويرتقي مع سماع أناشيد ومعازف ويشعر بالروحانيات، ولما يسمع القرآن ولا كأنه في أثر! طب هذا ايش وضعه؟ شاب إذا سمع أنشودة يتحمس وبده يصير الشاب المرابط، وإذا سمع الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدث هذا السماع الرحماني أي قشعريرة وأي تحرك في بدنه، هذا يا إخوان مريض، بده يعالج نفسه قبل ما يموت. هذا الشخص الذي يدفعه للإيمان أنشودة ولا يدفعه للإيمان كلام ربه بده يعالج نفسه، ترى هذا مريض وإن كان يظن نفسه يحسن صنعاً.

هو ايش بفكر؟ الحمد لله، في بعض الناس يبكون على الأناشيد، والله سمعنا الأنشودة يا شيخ أنا أبكي عليها، أنا مش عم أقول إنه أنت غير صادق، لا، أنت عندك مشاعر، وفعلاً بعض الأناشيد ببعض الكلمات الجميلة كانت تستعذب وتقال في المجالس وتستهجن. لكن كيف كان شعر حسان بن ثابت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان شيئاً طارئاً، لم يكن مادة أصلية لهداية الناس ولاستقبال معاني الإيمان. يعني النبي عليه الصلاة والسلام لم يجلس مع الصحابة مجلساً لتدارس شعر حسان بن ثابت، ولا لبناء قضايا الإيمان من خلال شعر حسان، لكن يا حسان ارم عنا، يعني في مقام معين بينفعك تمام.

حتى تفهم الموازين كيف توضع، لا تخدع نفسك. أنا اعتقادي أن كثيراً من الشباب حتى الصالحين ضاعوا في متاهات الصوت الشيطاني بمختلف أشكاله وأنماطه، ما بين شاب اقتنع بمن يسمح له بالمعازف، ما بين شاب يقول لا أنا ما بدي أسمع معازف، أنا بس مهم أسمع أناشيد بدون معازف، فخلص سبح في هذا الموضوع وانشغل بكل هذه التراهات.

بينما انظر إلى مجالس السماع، مجالس الحديث: أوه يا شيخ خمس ساعات سماع حديث! طيب نسمع المشايخ في ليلة أمسية من أمسيات الله سبحانه وتعالى، أوه يا شيخ بدنا نقعد نسمع درس دين! طيب ليش أنت تتثاقل؟ شيء غريب! أنا عم أتثاقل من سماع الوعظ، عم أتثاقل من سماع كلام الناس، ولكن الشيطان يسهل علي سماع الأناشيد والأغاني والمعازف! هناك مشكلة، الشيطان استطاع أن يدخل عليك، دافع هذه القضية، اكبح جماحها قبل أن تستولي على قلبك فلا تجد أي تأثر بمادة الوحي الإلهي.

لا أطيل أكثر من ذلك، اللهم قنا مداخل الشيطان واعصم قلوبنا من صوته واستفزازه إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم آمين، أحسن الله إليكم شيخنا.

نشكركم، مع الخليل الأول إبراهيم عليه السلام، ننتقل الآن إلى الشيخ علي القواسمة ومدخل آخر من مداخل الشيطان وصورة جديدة. على أي مدخل من مداخل الشيطان تدل هذه الصورة؟ حركوا أفكاركم، ايش رأيكم؟ شو المدخل؟ خلينا نشوف.

لا يعني، ما بدنا نحكي لا، لأن هو قريب، قريب جزء من الشباب على المايك، مين شبابنا؟ مين الشباب؟ ﴿يُضِلُّهُ﴾ لا لا، ﴿أَيَهْدِيهِ﴾ لا، إيه، الشيطان، إيه في آية عن الشيطان تمثل هذه الحالة، وعبر لي يعني كيف أنت فهمت أن الآية تسقط على هذا الرجل؟ رجل أعمى وفي واحد عم يدله بس على وين بيدله؟

بسم الله، شوفوا وجوه جديدة، شوفوا وجوه جديدة شيخنا، لازم فيها أعمى، آية يعني ولا لا؟ لا، كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله، جمي فيها قريبة المعنى. لا تتكلم عن مدخل هذه كلام عام، إن الذي يتولى الشيطان يضله، مفهوم بس سؤالنا كيف يضله؟ فاهم علي؟ لا، الشيطان يضلك بس هو السؤال كيف يضلك في هذه الصورة؟

شيخنا، شيخنا يمكن نقول الوعود الكاذبة، بأن يزين لك أن الطريق حق وهي باطل. أحسنت، أحسنت الله يكرم شيخك. مع طيب، بدنا الآية، يمكن نحكي ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]. أحسنت، أحسنت.

بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تبرأت لك من حولي وقوتي واعتصمت بحولك وقوتك، تبرأت لك من حولي وقوتي واعتصمت بحولك وقوتك، تبرأت لك من حولي وقوتي واعتصمت بحولك وقوتك. سبحان الله، الحديث يعني عن سبل الشيطان وعن هذا الجانب، خاصة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

أي حديث مهم جداً، لأنه أحد وسائل الشيطان في إغواء الإنسان في طريق العبودية، هو أن يعده وأن يمنيه بالأكاذيب بالغرور، فيزين له الباطل ويقبح له الحق حتى ينتقل من اتباع الله عز وجل إلى اتباع الهوى. ولعل أول شيء أريد الحديث عنه في موضوع ماذا يفعل الشيطان هو أنه يصور للإنسان أن هذه الدنيا هي دار الأماني، هي دار تحقيق الأمنيات. فهو الإنسان يعني يولد، يتمنى أن يعيش في ظرف عائلي معين، ثم يتمنى أن يطلب العلم بطريقة معينة، ويتمنى أن يدرس بتخصص معين، وزواجه، له عنده تصور، عنده أمنية، صورة في نفسه، لديه هذه الصورة ويريد أن يحققها في زواجه، في أولاده، في تنشئة أولاده.

ثم حينما يأتي إلى الواقع يرى أن الحياة الدنيا هي ليست بهذه الصورة، هي دار ابتلاء، لكن المشكلة أنه يبقى بنفس هذا التصور، بتصور دار الأماني. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، يعدهم يعني يعطيهم الوعد، الوعد هو الترجية بالقول سواء كانت خيراً أو شراً، فهو يعدهم ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعطيهم الأمنيات، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. والغرور مأخوذ من الخفاء، نقول رجل غِر، يعني رجل يُخدع، ليست له تجربة، وكذلك الغرور هو من هذا الخفاء الذي تخدع فيه.

طيب هذا الشيء كيف يؤثر على الإنسان؟ يعني أن يكون لديه تصور أن هذه الدنيا هي دار لتحقيق الأمنيات والرغبات وليست دار ابتلاء. أحد هذه الآثار أن الإنسان لا يرضى بأقدار الله وقضائه بعد الأخذ بالأسباب. أقدار الله، أرزاق الله موزعة في المال، في الجمال، في القدرات الجسدية، في الشكل الجسدي، في الزواج وسن الزواج ومتى سيتزوج، في فهم العلم؛ حتى فهم العلوم هي أرزاق. كما يقول أحدهم: قسمة الحظوظ فيها يدخل فهم المسائل التي تنغلق، فيحرم الذكي من فهم الجلي إن لم يكن من حظه في الأزل. أنت قد تحرم من أن تفهم شيئاً معيناً بعد الأخذ بالأسباب، فهذا الشيء يجب أن تعرف أن الدنيا هي دار ابتلاء وليست داراً لتحقيق الأماني والأحلام التي لديك.

طبعاً سيأتي الشيطان بحيلة أخرى؛ إذا أقدار الله مكتوبة وهذه الحياة الدنيا هي ليست دار تحقيق الأماني، فإذاً سأجلس وأتكل ولن أعمل شيئاً. فيدخل في حيلة أخرى وهي حيلة ترك العمل لأن الأشياء مكتوبة والأقدار مكتوبة، فلا تبذل جهداً في الدراسة أو في الحفظ، لا تبذل جهداً في أي مدافعة الأقدار بالأقدار، لا تستفرغ الوسع في الأخذ بالأسباب. من حيل الشيطان في موضوع الوعود الكاذبة أنه يبني لديك قرارك يكون مبنياً على عائق معين، وأنت بالنسبة لك إذا زال هذا العائق أنا سألتزم، يعني من تطبيق هذا الأمر.

سأذكر قصة حصلت معي في أحد المرات، كنا أفطرنا في المسجد وطلعنا من الصلاة، فإحنا طالعين بتعرفوا في وقت المغرب في رمضان، فكان في رجل خرج وكان معه مثل هذا الكأس، كان يشرب فيه الماء وهو طالع مروح على البيت من الصلاة، شرب الكأس ورماه على الأرض. فإنا من عادتي أني أحياناً أحب أتحدث مع هؤلاء الأشخاص أو أن أوصلهم رسالة، فأخذت الكأس ورحت له، حكيت له: السلام عليكم، وعليكم السلام، حكيت له: بجوز وقع منك هذا الكأس، شكله وقع منك، طب ما وقع منه هو وقعه، فحكى لي: لا. حكيت له: طيب ماشي، ومشيت.

فالله أعلم أما أنه هو ما تقبل الأمر في البداية، أو أنه ما كان شابك الموقف، يعني هو ايش اللي صار؟ هو وصل إلى مرحلة أنه أصلاً غير واعٍ أنه أنا برمي الأشياء على الأرض أصلاً. فبعد شوي كان في سلة مهملات، فرمتها. فجاء حكى معي فقال لي: في أمريكا وأوروبا في كل خمسة متر في زبالة محطوطة وفي كل أبصر شو في شيء محطوط وفي كل.. وبدأ هون ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، بدأ يبرر لنفسه أنه يلقي الأشياء على الأرض، وأنا شبه متأكد أن بيته سيبعد ثلاث.

في النهاية الإنسان يقرر أن يرميها على الأرض، ويقرر أن يرميها في المكان المناسب، يقرر أن يحملها ويصبر عليها، ويقرر أن يتركها. ففكرة أن أعلق توبتي بالعشر الأواخر بليلة القدر، أو توبتي معلقة بعد الامتحانات، بس أخلص جامعة، بس أفضي شوي لهذا الملف، بس أخلص توجيهي وضغط توجيهي وأنت عارف؛ فكرة هذا التعليق «يعدهم ويمنيهم» هو وعد كاذب يستغله الشيطان حتى يعطيك هذا الأمل الذي كنا نتحدث عنه سابقاً.

من الأشياء التي يزين فيها الشيطان الباطل ويقبح فيها الحق؛ اللباس، عند النساء أحياناً يزين لها الشيطان بأن تخرج بلباس معين، وتتخفف من شيء معين؛ لأنه ممكن إذا بالجامعة رحت أحصل عريس بهذه الطريقة، فيزين لها هذا الباطل ويجمله في نفسها، حتى تصبح تستسيغ هذا الأمر، ولا يصبح عندها مشكلة فيه. أحياناً في تربية الأبناء يزين الشيطان لبعض الناس وهو يربي أبناءه، طبعاً كل شخص يدخل له الشيطان من مدخل، إحدى الأمهات التي كنت أدرس ابنها كانت تدرس حديث «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، وتقف ولا تكمل له الحديث، لماذا؟ ما بدي ابني يتعلم أن المؤمن ممكن يكون ضعيف. وطلع ابنها أحد المشاكل التي لديه أنه يكذب؛ لأنه لا يستطيع أن يواجه نفسه أنه عادي عندي ضعف، وهذه من مداخل الشيطان أنه يريد أن يزين لك أنك لا تخطئ، فأنت تطالب نفسك بهذا، فتصير تستثقل أن تعترف بالخطأ، تستثقل أن تتراجع؛ لماذا؟ لأنك لديك هذا التصور الوهمي الحالم أن الحياة الدنيا لا تخطئ، أنت تخطئ، فحين يزين لك هذا الإنسان تستصعب أن تقول والله أنا ما بعرف هذه الشغلة، تستصعب أن تطلب المساعدة، تستصعب أن تعترف بأن لا، هذا خطأ وأنا أتراجع.

لماذا؟ لأنه كيف يزين هذا الإنسان؟ طيب هيبتك قدام الناس؟ خاصة إذا واحد من الطلاب سأله، واحد بدرس طلاب وسألوه: ما الحكم في المسألة الفلانية؟ الشيطان ياتي يزين له أن يقول بدون علم، كيف يزين له؟ طب هيبتك قدام الطلاب والمعلم، وهذا بجوز يبطل يوثق، ياخذ منك، كيف حيبطل يوثق؟ يحضر عندك في الدرس وحيبطل يستفيد. فيزين له وياتي ويبدأ يتلاعب، وأنت تعرف أنك تتلاعب في الجواب، أنك لا تعلم، الشيطان يقول لك الخير في أن تقول له الشيء الذي لا تعلم، والله عز وجل يقول لك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. الشيطان طريق باطل، لكن يزين لك هذا الطريق حتى تظن أن الخير في هذا الطريق، حتى تظن أن الخير في هذا الطريق.

من الأمثلة الأخرى على هذا الأمر أيضاً في موضوع الجانب التربوي؛ بعض الناس الذين يحبون الالتزام والانضباط، أحياناً يسول لهم الشيطان هذه الفكرة -وهي فكرة جيدة وصحيحة- بأن يصبح فظاً غليظاً مع من حوله، ما عنده شيء من المرونة واليسر في التعامل. أحياناً ممكن يصير في شيء من التقصير، شيء من الخطأ، فعادي أن أنت تتغافل وتمشي هذا الموضوع، لا، الشيطان بيجي بيضخم لك هذا الجانب، يحكي لك لا، الأشياء لازم تمشي، وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، وهذا صحيح، ولكن الشيطان يسول لك هذا الأمر؛ فتنتقل من أن تنبه الشخص الذي أمامك أني أحب أن تلتزم، إلى أن تصبح فظاً غليظاً، ما عندك مرونة، ما عندك صبر.

وبنفس الوقت الشيطان يسول ويزين للأشخاص الذين يتساهلون ويتوانون ويقصرون في موضوع الالتزام والانضباط أيضاً، يسول لهم ويزين لهم بشكل آخر بأنه يا زلمه بسيطة، سهلة. وهذا فيها شقين، يعني خلينا آخذ مثال في العبادات «هلك المتنطعون»، ما في شيء بسيطة، ما هي شوية يعني على عقب هيك بسيطة، الله غفور رحيم؛ لا لا، هلك هذا الشخص، «ويل للأعقاب من النار»؛ والجانب الآخر «ويل للأعقاب من النار»؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للأعقاب من النار» للذي ترك عقبه دون مسح، مع أن الأمر ممكن للبعض الذين يتساهلون والأشياء الصغيرة يحكي لك ما أمر بسيط، خلص أنت شو بدك فيه؟ فيزين له هذا. وفي المقابل البعض يزين له بشكل آخر، الوسوسة، كثرة الوضوء؛ ولهذا أصلاً في الحديث أن الشيطان يوسوس لك في العقيدة، ياتي لقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول لك: من خلق ربك؟ وأنت تظن بأنك تتفكر في خلق الله وتتفكر في الإيمان، فيزين لك هذا الأمر فتنتقل إلى معصية، إلى شيء باطل وأنت لا تشعر.

سبحان الله بعد كل هذه الوعود الكاذبة بمجالات مختلفة؛ سأضرب مثالاً أخيراً أيضاً على هذا الأمر، مثال عند النساء وعند الرجال في موضوع الذكر والأنثى والتكامل الذي ينبغي أن يكون في الحياة بين الذكر والأنثى، بعض الإناث لديها أيضاً تصور حالم عن الحياة بأنه أنا أريد قوامة بغرمها بدون غرمها، يعني هي تقبل أن الرجل ينفق عليها، والمفروض الرجل قوام، فهو لازم يراعي الأنثى أكثر، هي تقول ما لا تعني أحياناً، فأنت بدك تتغافل وتتغاضى، فهي تريد هذا الجانب، وبنفس الوقت لا تريد جانب أن هناك سلطة علي، تطلب مني أو تخضعني لشيء، فهي تريد جانب معين وتغفل عن جوانب أخرى. والعكس كذلك، أحياناً القوامة هي غنم وغرم، غنم بأنه أنت مسؤول وصاحب سلطة على هذا المكان، على هذا البيت، وبنفس الوقت أنت تحتاج إلى أخلاق الرئيس، تحتاج إلى أن تتغافل، تحتاج إلى أن تنفق، تحتاج إلى أن تؤدي حقها، هذه القوامة.

وقال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22]. هناك تتبين لك الحقائق، تتبين لك حقيقة الأشياء، تتبين لك حقيقة أن الآمال التي كنت أضعها هي ليست حقيقية، ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22]. اكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.

بارك الله بكم شيخنا ونفعنا بعلمكم، الأمثلة التي ضربتها رائعة جداً ما شاء الله، الله يبارك فيكم. ننقل الآن مع الشيخ عبد الرحمن وصورة جديدة من مداخل الشيطان، تعطونا الصورة بعد إذنكم، شيخنا عن ماذا تتكلم هذه الصورة؟ من أي مداخل الشيطان وهي ليست بالهين؟ فكروا جيداً: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: 38].

قريبة بس مش هي المقصودة بالضبط، لا.

اعطِ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131].

لا بعيدة جداً والله. هناك في هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17].

تسمية الأشياء بغير مسمياتها.

قريبة بس مش الآية.

أول شيء إحنا مظلومين هون، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 48]، نفس اللي حكاها أخونا هنا، الكلام على كلام الأخ تسمية الأشياء بغير مسمياتها، يعني هو فيها معنى التزيين بالمعنى العام.

اللي بجيب الآية، ايش هي؟ ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. نعم، الآية، الله يجزيك الخير، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

بسم الله، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هذه الآية أيها الكرام، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، تبين إحدى الأساليب التي يستعملها شياطين الإنس والجن بالاشتراك، لتزيين الباطل وزخرفته بالأقوال، بالعناوين ونحو ذلك، حتى يظهر هذا الباطل على غير حقيقته. إذاً هذا الأسلوب هو تزيين الباطل بالأقوال وزخرفته حتى يظهر الباطل على غير حقيقته، الغاية والمقصد من هذا التزيين الذي هو زخرف القول، هو تغيير القناعات والأفكار عند الناس، تغيير التصورات، تصورات الناس حتى تصبح منحرفة، فهذا هو المقصد.

نأتي إلى بداية الآية يقول سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. الآن أعداء الأنبياء وظيفتهم الأساسية هي أنهم يصدون الناس عن دين الله تعالى، يحاولون أن يحولوا بين الناس وبين أن يستنيروا بنور الوحي ونور الهداية الذي جاء به الرسل، هذا هدفهم الأساسي. ومن أخبث طرقهم إذا حاولوا أن يصدوا الناس عن دين الله تعالى، أنه ماذا يفعلون؟ يحاولوا أن يقنعوهم بالباطل ويشوهوا هذا الحق في أذهانهم، فإذا الإنسان اقتنع بالباطل والحق أصبح مشوهاً لديه، فهنا سيصد عن هذا الحق. قال سبحانه بعدها: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 113]، لتصغي، تميل، وتستحل هذه العقول هذا الباطل، ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾، وهنا مكمن الخطر، أن يصبح يقتنع بهذا الباطل، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾، بعد أن يقتنعوا به، سيقترفون أقوالاً وأفعالاً بناءً على هذا المعتقد، لأنهم يظنون هذا الباطل حقاً، فسيقومون بأقوال وأفعال تصدر منهم بناءً على هذه القناعة، ثم بعد ذلك أيضاً سيصبحون دعاة إلى هذا الباطل، فهذا هو زخرف القول، وهذه هي الغاية منه.

دعونا نعود إلى بداية القصة، الله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان خلقه في أحسن تقويم، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، في الظاهر وأيضاً في الباطن، خلقه سبحانه بفطرة سوية قويمة، هذه الفطرة تجعله مهيئاً لاستقبال الوحي، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، يستطيع من خلال هذه الفطرة أن يتقبل أوامر الله سبحانه وتعالى، ويتقبل أحكام الشريعة ويرضى بها، يرضى بهذه الأحكام لأن هذه هي فطرته، فهو مفطور مهيأ لاستقبال أوامر الله سبحانه وتعالى.

يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: قال الله: «خلقت عبادي حنفاء»، يعني خلقهم على الفطرة السوية، مائلين عن الشرك، مائلين عن الباطل، قال: «فاجتالتهم الشياطين»، الشياطين صاروا يعملون ويحاولون صرف الناس عن هذه الفطرة السليمة، يحاولون تشويه هذه الأفكار، تشويه هذه التصرفات حتى يحرفوا الناس عن الحق فتتغير هذه الفطرة. فلهذا نحن نقول دائماً، أي قناعة وأي فكر يخالف الوحي ويخالف حكم الله سبحانه وتعالى فهذا تغيير في الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، أي تغيير في القناعات، في الأفكار، في التصورات، هذا تشويه، هذا الإنسان تكون عنده تشويه في فطرته، فهو الذي تسبب بقناعته بهذه الأفكار، وهذا الذي وعد به إبليس لما قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]، يغيرون خلق الله الظاهر وأيضاً يغيرون خلق الله الباطن، وهي فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها لاستقبال أحكام الله سبحانه وتعالى.

فالشيطان وعد بهذا الوعد وسعى في ذلك، سعى في تشويه هذه الفطرة بتغيير الأفكار والمعتقدات لدى الناس. الآن ما أسلوب هذا الشيطان حتى يحقق هذا الوعد؟ كيف سيحقق هذا الوعد ويغير هذه الفطرة السليمة؟ استخدم ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121]، إذاً هناك اتصال بين شياطين الإنس وشياطين الجن، بغض النظر ما هي طبيعة هذا الاتصال، هناك اتصال بينهم وإيحاء بينهم، الغاية منه ليجادلوكم، وليلبسوا الحق بالباطل، ويزينوا الباطل حتى يغيروا الناس به، ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، حتى يغيروا الناس بهذا الباطل ويغيروا أفكارهم ويبثوا هذه الشبهات بين الناس، وهذا حقيقة يجعلك تفهم الواقع المعاصر، أرباب العلمنة والحداثة والمستشرقين وهؤلاء الذين يتصدرون ويبثون الشبهات، هؤلاء من إيحاء الشيطان لهم، فهم من شياطين الإنس، هناك إيحاء من شياطين الجن لهم، الهدف من ذلك يحاولون يأتوا بالعناوين البراقة، يأتوا بالأشياء، يخلطون الحق بالباطل، أمور ظاهرها أنها خير، حرية المرأة، حقوق الإنسان، وغير ذلك، المرأة أيضاً يحاول يقول حتى تكوني محررة تبتعدي عن تسلط الزوج، في أشياء تكون في ظاهرها خير، لكن يدسون السم في العسل ويبثون هذه الشبهات في قلوب الناس حتى يغيروا من فطرتهم ويغيروا من هذه الطبيعة التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها.

طبعاً هذا التغيير درجات، ربما يكون التغيير أحياناً تغيير للدين وإخراج من الملة، يغير الإنسان دينه كله أو ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، وأيضاً أحياناً تغيير هذه التصورات والأفكار قد يكون أيضاً على مستوى أقل، ممكن نظرة الإنسان للحياة، القرآن والوحي جاء وفسر النظرة الصحيحة لهذه الحياة، النظرة الصحيحة للمال.

الشياطين يحاولون أن يشوهوا حتى هذه المفاهيم؛ فتجد الإنسان مثلاً مستغرقاً في الدنيا، يلهث ويبحث عن المال، وكل هذا ما سببه؟ هناك اختلاف وتغيير في قناعاته عن الفطرة التي فطره الله تعالى عليها. ما هو الحل من كتاب الله سبحانه وتعالى؟ في نفس الآية ربنا ماذا قال؟ قال: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: 113]. إذاً، المستهدف الأول بهذا التغيير وهذا التشويه للفطرة هم الذين لا يؤمنون بالآخرة. طبعاً، ليس شرطاً أن يكون الذي لا يؤمن بالآخرة يعني أنه ينكر البعث والجزاء، لا، ربما يكون مسلماً، لكن الغفلة التي وصل إليها والسعي في هذه الدنيا جعلته في حالة وكأنه لا يستحضر أبداً أنه سيقف يوماً بين يدي الله سبحانه وتعالى. أصبح في غفلة شديدة حتى غاب حضور اليوم الآخر، غاب من قلبه تماماً، وأصبح كأنه لا يؤمن بهذا اليوم الآخر؛ فتجده مسرفاً على نفسه بالمعاصي، قلبه فارغ من الإيمان، لا يتعاهد نفسه بذلك، يلهث حول الدنيا ويجمع منها ومن حطامها وينسى الآخرة، هذا هو المستهدف.

في المقابل، إذا كنت تؤمن باليوم الآخر وأعمرت قلبك بالإيمان والعمل الصالح، فبإذن الله تعالى الله سبحانه وتعالى يعصمك من الوقوع في هذه الشبهات وهذه الأفكار الهدامة وهذا التغيير لفطرتك. إذاً، من المستهدف؟ الذين لا يؤمنون بالآخرة. إذاً، الإيمان والعمل الصالح، بعدها ماذا قال سبحانه؟ قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114]. ثقة بحكم الله سبحانه وتعالى ودينه. من أين ستأتيك هذه الثقة؟ ماذا قال؟ قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114]. إذا عمرت حياتك وتدبرت كتاب الله تعالى وتعلمت الأحكام التي فصلها كتاب الله تعالى من العقائد والأحكام والأخلاق والنظرة للحياة؛ إذا استطعت أن تعمر قلبك بالقرآن، هذا سيعطيك ثقة بحكم الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 114].

أهل الكتاب يعلمون أن هذا الدين حق، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: 114]. إذا كنت من أهل التدبر وأهل النظر في كتاب الله ومن أصحاب العلم، لا سيما العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى، فلن تكون بإذن الله تعالى من الممترين ولن يدخل هذا الشك إلى قلبك. إذاً، أول شيء الإيمان والعمل الصالح، ثم بعد ذلك العلم النافع لا سيما العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى. وأي إنسان أصلاً وجد من نفسه انحرافاً وتغييراً في أفكاره، لو تأمل في كتاب الله تعالى وكان فعلاً طالباً للحق، لا شك أن هذا الكتاب سيغير من تصوراته وسيصلحها، وسيعود بإذن الله تعالى إلى فطرته السليمة التي فطره الله تعالى عليها. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من شر الشيطان ومن شركه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

في ختام هذه الجلسة، هناك تعليق يسير: لاحظتم الشيخ تكلم عن طول الأمل؟ تكلم عن ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64]، والشيخ علي تكلم عن موضوع ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: 120]، والشيخ عبد الرحمن تكلم عن موضوع زخرف القول. هذه مداخل، والمداخل أكثر من ذلك حقيقةً، وإذا لاحظتم ستجدون هناك نوعاً من الاشتباك بين المداخل الأربعة في كثير من الزوايا. طول الأمل له علاقة بالوعود الكاذبة، والوعود الكاذبة تحتاج إلى زخرف القول؛ هي فيها اشتباك وخيوط تربط بين كل هذا، ومن صوت الشيطان إلى زخرف القول، هي كلياتها خطوط متشابكة. فالشيطان يشتغل ليس على خط واحد معك، لا، يشتغل على طول الأمل، وعود كاذبة، فيحتاج زخرف القول، فيسمعك صوته؛ هي عبارة عن شبكة.

وقضية زخرف القول التي تكلم عنها الشيخ قضية خطيرة جداً اليوم، لأن عدونا تفطن لها؛ يعني أشياء نحن تزين لنا أنها جميلة وهي في الباطن محشوة بالفساد. أفكار يتم تزيينها أمامك أنه صح، والناس تطلع تطالب فيها وعليها وكذا، وبعدين تكتشف أنه لا، هو ماذا يحكي؟ نعم، حقوق الإنسان مثلاً. وتكتشف طبعاً معاييرهم المزدوجة؛ حقوق الإنسان بالنسبة لغزة لا يوجد حقوق إنسان، بس بالنسبة لحيوان كلب في أمريكا، يصير فيه حقوق إنسان هناك، أما يموت 50 ألفاً عادي! مثلاً حقوق الإنسان التي ينادى بها ولها مؤسسات وجمعيات وبوجه رأسك ويحكي عنه مواثيق وكذا، نحن مع حقوق الإنسان بس بالمعايير الإلهية الصحيحة، مش بصنم يصنعونه كالعجل.

الحريات، كثير ناس تطالب بحرية وعدالة اجتماعية، هؤلاء الاثنان دائماً شعار الثورة الفرنسية، هذا عنوان زخرف القول. ماذا يعني حرية؟ هم الحرية عندهم المثلية الجنسية حرية، أنت لا تدخل، الإجهاض حرية، المرأة تخرج عارية حرية. لما أنت تقول لامرأة، لما لا تسمعها كلمة تعرٍ وقلة حياء، تسمعها كلمة حرية، الكلمة تطرب لها النفس، فلما تتعرى هي لا تقبل أن تحكي عنها متعرية قليلة حياء، بس لما تحكي آه فلانة عندها حرية عشان هيك تتعرى، تقبل هذه الكلمة. فهو الشيطان يهون عليك المعاصي من خلال تسميتها بأسماء أخرى.

مثلاً الاختلاط، وأنا هنا أريد أن أبتعد قليلاً عن المعاصي عن الناس، لنأتي على البيئة الإسلامية، كثير أشياء نفسنا تلبسها علينا؛ مثلاً تأتي الاختلاط، يجيء شخص يعطيك محاضرة عن الاختلاط في العمل الإسلامي وقيمته وكذا، الشيطان يكون هو الذي يدفعه حتى يصور لك أن الاختلاط ضرورة من ضرورات العمل الإسلامي، وأن الاختلاط مهم بين الإسلاميين حتى ننتج وأننا متخلفون إذا كان الشباب في طابق والنساء في طابق. يحاول أن يصور لك هذا، المهم زخرف القول أنه أنت تضحك على نفسك ولازم تكون مع الواقع وتتعايش معه، اختلطوا أيها الشباب في العمل الإسلامي!

سامحوني أريد أن أقفز قفزة، لأنه أحياناً نحن دائماً نرى أن زخرف القول فقط في جانب المعاصي والانحلال، لا، أحياناً زخرف القول في جانب التشدد والغلو، وسامحوني لازم تسمعوا هذا الكلام. أحياناً زخرف القول يكون في التشدد والغلو، مثل ماذا؟ يأتي شاب يصنع نفسه رأساً من رؤوس التكفير والتبديع، هو في اعتقاده أنه حامي حمى التوحيد. هذا الذي تفعله والله هو عين التوحيد، هو عين الدفاع عن الشريعة، هو عين كذا، فيغلو في التكفير والتبديع ويخوض في أعراض الأئمة والكبار، لكن هو الشيطان سول له، يعني زخرف القول له. تمت الزخرفة هنا، أنا أريد أن أفهمك كيف يحصل زخرف القول، أنه يصور له أن هذه الطريقة كيف الشيطان أقنع الخوارج، يقنع أشباههم في كل زمان ومكان.

الشيطان أدرك أن بعض الناس لن يتعرى، بعض الشباب لن تقول له روح اعمل الحرية بالتعري والفجور والفسق، لا لا، بعض الشباب قرأ قرآناً وطالب علم وعنده حتى وسوسة في كثير من الأمور، هذا أريد أن أزخرف القول له في جانب التنطع والغلو، فيصبح يرى أن غلوه في التكفير والخوض في الناس والتبديع وإسقاط المخالفين والهجوم على الجماعات والأحزاب والطوائف، وأن يكون هذا شغله الشاغل هو جزء من ماذا؟ من حماية الدين. ركز، هو يراه جزءاً من حماية الدين، ولأنه ليس من أهل العلم الراسخين هو لا يرى المشهد كما هو. فلما تأتي تقول ترى أنت تضحك على نفسك يا فلان وتضحك على الجيل والشباب، يجيء يقول لك يا أخي هذه الأحكام من الإيمان، مسائل الأسماء والأحكام، إسقاط الإيمان والكفر والتبديع، أقول هذه لها قواعدها وأهلها وضوابطها ولم يكن من دأب العلماء إشغال الناس بها وكذا.

فالشيطان يحاول دوماً أن يزخرف له القول: لا لا، أنت خليك هكذا، أنت منيح، أشغل الناس بهذه القضايا وبهذه الأمور واحمي الحمى وظلك انزل في العلماء والمخالفين ولا تعذر، فهذا نوع، وهذا الجرح والغلو وإسقاط المخالفين والكلام في الجماعات والأحزاب والطوائف، هكذا أنت تدافع عن الدين. فأنت لما نسمع زخرف القول نحن شو مشكلتنا؟ لأنكم أغلبكم شباب متدينون، آه هؤلاء العلمانية زخرف القول، هؤلاء الحداثيون العرب زخرف القول، هؤلاء النسوية، لا لا، أنت ممكن تكون غارقاً في زخرف القول؛ أنت كشاب متدين بتنطعك وغلوك في دين الله بدون ضوابط أنت غارق في زخرف القول، وتظن أنك تحسن صنعاً وتظن أنك من الموحدين وأنك من الشباب الناضجين، وأنت عبارة عن إنسان واقع في مستنقع زخرف القول.

ما هو الخوارج لما قالوا لعلي بن أبي طالب ﴿لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]، ما هو من الذي زخرف لهم هذا القول؟ الشيطان. هم مفكرون أننا هكذا طبقنا القرآن، الشيطان زخرف لهم كلمة ﴿لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ﴾، يسقطونها في غير موضعها. فتخيل أن هؤلاء استغنوا عن كل الصحابة وكفروا الصحابة وقاتلوا الصحابة، وكان زخرف القول هو التنطع في الدين. فزخرف القول يدخل حتى على الأولياء والصالحين، يدخل حتى على طلاب العلم وشبابه، مش فقط على العلمانيين والنسوية والحداثيين، وإن كان هذا جزءاً كبيراً. لا أريد أن أطيل، لا بد أن ندخل في الفقرة الثانية من أمسيات الليلة.

نخرج من الدروس، ولنستعد للصلاة طيبة مباركة بإذن الله مع الشيخ معاوية. نستعين بالله عز وجل، من يريد أن يتوضأ فليتوضأ، مشايخنا يريدون أن يغيروا جو، تمام، حتى نأخذ ساعة إن شاء الله قبل بداية الحوارية والأمسية الأخرى مع ضيفنا من إسطنبول. طبعاً سيكون الأستاذ شريف محمد جابر لحديث ماتع عن رحلته مع القرآن والمصنفات التي كتبها في هذا الموضوع إن شاء الله. عندنا للساعة كم؟ الساعة الآن طيب للساعة واحدة، ستكون هناك صلاة بإذن الله. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

نبدأ إن شاء الله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الشباب في الفقرة الثالثة من أمسية هذه الليلة الطيبة المباركة التي نحيها في أرجاء هذا المجمع العلمي الغراس. مرحباً بكم دوماً، نسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذه الدنيا على طاعته، على قيام الليل وعلى العلم النافع وعلى سماع ما يصلح القلوب، أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

معنا اليوم ضيف حبيب فلسطيني مقيم في تركيا، ولكن المسافات تذهب إن شاء الله مع تقارب القلوب، وعندما تجتمع عقول الدعاة والمصلحين على إصلاح الجيل تتقارب الكثير من المسافات. ضيفنا الأستاذ شريف محمد جابر، شخص قريب أنيق لطيف محبب إلى أهل القرآن، صاحب مشروع قرآني جميل عكف عليه وأطلقه من سنوات، ما بين كتب ومصنفات وما بين رسائل ومواضيع وحوارات وبودكاست أيضاً صورها في هذا الموضوع.

الكلام مع أهل القرآن هو دائماً كلام شيق جميل، لأنه يأخذك إلى أبعاد بعيدة جداً، أبعاد قل أن تسمعها اليوم مع كثرة الضجيج ومع كثرة المقاطع واليوتيوبرز والمشتغلين بعالم السوشيال ميديا وصناعة الإعلام. قليل هم الذين يعودون بك إلى المنبع الأول ويسلطون الأضواء عليه، ويحاولون نقل الجيل من شتات الأفكار إلى منبع الوحي، ومن بعثرة الحياة إلى الفكر الصحيح، الفكر الذي يصنع على موائد القرآن. ساترك المساحة للأستاذ شريف محمد جابر في هذا اللقاء الذي يديره أخونا محمد إن شاء الله، لنسمع منه رحلة مع القرآن، مشروع القرآن، الكتب التي صنفها حول تدبر القرآن، وكيف نبعث القرآن في الأمة من جديد، وكيف نعيد قراءة القرآن قراءة صحيحة قويمة تعدل السلوكيات والمسارات إلى الله سبحانه وتعالى، وما هي أنماط القراءة الخاطئة، والعديد من الحوارات والأسئلة التي سيجيب عنها معنا الأستاذ شريف محمد جابر. شخص تستفيدون منه وتتعرفون عليه اليوم وتستفيدون من علومه بإذن الله، ولعل هذا بداية الوصال بينكم وبينه إن شاء الله في العديد من اللقاءات والحوارات وقراءة كتب التي لعله يعرفنا بها إن شاء الله في هذا المجلس الطيب. لا آخذ النقاش أكثر من ذلك، أدعكم مع هذه الأمسية الطيبة. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.

بسم الله نبدأ، تدبر القرآن واحمل نوره، علمه يشق ديجور ليل الشك والخطر، إن جئته خاشعاً فاضت بوارق، تمحو ظلام الهوى والرين والكدر، لا ترتجِ غيره زاداً وما بريق الدنيا سواه سوى سراب قد انحسر، فأقبل عليه بقلب صادق شغف، ترتاح نفسك مما أتعب السفر. نبتدئ ثالث فقراتنا لهذه الليلة وهي حوارية الأمس بعنوان: كيف نبعث القرآن في الأمة من جديد، وضيفنا هو الأستاذ شريف محمد جابر، رجل فاضل مهتم بالقرآن وتعميقه في حياة المسلم، صدر له كتاب عنوانه منطق القرآن. نرحب به مشكوراً مأجوراً. سلام عليكم ورحمة الله، كيف حالك أستاذ؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، كل عام وأنتم بألف خير.

وأنتم بألف خير، الصيام والطاعات إن شاء الله منا ومنكم يا رب. الله يكرمكم ويحفظكم يا رب، آمين. أستاذنا، من منطلق تواجدكم وما سطرته لهذا الجيل، كيف يرى الأستاذ شريف منزلة القرآن في حياة الجيل المعاصر؟

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أولاً، أشكر فضيلة الشيخ كلمته الطيبة وحسن ظنه به، وإن شاء الله ربنا عز وجل يقدرنا.

تكون هذه الحوارية مفيدة ونافعة إن شاء الله بالنسبة للجيل والقرآن. أحب دائماً أن أبدأ بالتفاؤل؛ فنحن دائماً نقول: نحن لا نفهم القرآن، نحن بعيدون عن القرآن، نحن كذا ونحن كذا. لكن أحب أن ألفت الأنظار إلى شيء معروف، ولكن أحياناً نتغافل عنه، وهو أنه منذ انطلاق الدعوة الإسلامية المعاصرة -ممكن قبل مئة سنة أو شيء من هذا القبيل- إلى يومنا هذا، نحن في اقتراب من كتاب الله عز وجل بفضل الله عز وجل. لو قارن أي باحث حال المسلمين مع القرآن، وأتحدث عن عموم المسلمين وليس العلماء، مثلاً في القرن الثامن عشر الميلادي -أو القرن الثاني عشر الهجري- وقبل ذلك، لوجد أن الأمة مرت بها قرون كانت علاقتها بالقرآن علاقة أحب أن أسميها طقوسية.

سنتحدث عن بعض مشاكل تناول القرآن أو تلقي القرآن، وسأتحدث عن هذا النوع، ماذا أقصد بالعلاقة الطقوسية؟ بأن هناك قراءة للقرآن، وتلاوة، وحفظاً، وأحكام تجويد، وصلى الله وبارك، لا يوجد تعامل مع القرآن باعتباره أنه هذا هو الوحي، رسالة الله عز وجل الأخيرة للبشرية التي ينبغي للإنسان أن يهتدي بها. هذا التعامل، الحمد لله بفضل الله عز وجل وبفضل دعاة كثيرين سخرهم الله من مختلف التيارات والتوجهات، عادوا إلى القرآن وإلى الكتاب والسنة، وأعادوا إحياء الكتاب والسنة في الأمة، فحال الأمة الحمد لله في اقتراب، لكن مع ذلك هناك مشاكل سوف نتحدث عنها إن شاء الله. هذا اختصار كإجابة أولية.

أحسن الله إليكم أستاذنا، الله يجزيكم الخير. بحكم تجربتكم الطويلة مع القرآن وأهله ورؤية مختلف أحوالهم، كيف نقرأ القرآن؟ بما أن هناك العديد من أنماط القراءة للقرآن؛ منها الصحيح، ومنها السيء، ومنها غير النافع الذي لا ينتج، هل يمكن أن تحدثنا عن أنماط قراءة القرآن الصحيحة والخاطئة لكتاب الله عز وجل؟

نعم إن شاء الله، طيب. أول شيء السؤال له إجابة عامة؛ إذا كان المقصود بالقراءة التلاوة، فالحمد لله العلماء كفونا مؤنة ذلك، هناك أحكام لقراءة القرآن إذا كان القصد هو مجرد التلاوة. لكن طبعا حين نقول لماذا وكيف نقرأ القرآن اليوم في عصرنا؟ فالمقصود كيف نتلقى هذا الكتاب؟ هذا كلام الله عز وجل كيف نتلقاه؟ أنا من منطلق بحثي في الباب رصدت أربعة أنواع من تلقي القرآن أو قراءة القرآن، وعلى كل مسلم يسمع هذا الكلام أن ينظر في نفسه، وأرجو ألا يكون من الأنواع الثلاثة التي سأذكرها الآن، وأن يكون من النوع الرابع الذي رغب إليه الله عز وجل في كتابه.

النوع الأول كما ذكرت هو القراءة الطقوسية، وهي القراءة التي يؤجر عليها الإنسان باعتبار أنه لديه نية في قراءة كتاب الله عز وجل، وهذا الأجر بحد ذاته شيء رائع، لكنه لا يكفي. لماذا؟ لأنه حين يرسل إنسان إلى إنسان رسالة، بالتأكيد لن يكون سعيداً حين يعلم بأن ذلك الإنسان قرأ رسالته فقد تلاها دون أن يفهمها ودون أن يعمل بها، فما بالك بالله عز وجل الذي قال لنا في كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، حتى هذا خطاب لغير المسلمين وللمسلمين -يدخل بالتبعية- هو تنبيه أيضاً للمسلمين: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. فالله عز وجل أنزل هذا القرآن ليدبروا آياته كما ذكر في آيات كثيرة، والمقصود بالتدبر أن يفهم الإنسان هذا الكتاب وأن يسقطه على نفسه، أين هو؟ يتعامل معه باعتباره خطاباً له. سنأتي عليه الآن، لكن هذه مجملاً القراءة الطقوسية.

من النصوص الجميلة التي يحب أن ينتفع بها، نص جميل قديم لعالم اسمه محمد بن علي الترمذي، وهو مشهور بالحكيم الترمذي، يتحدث في كتاب له اسمه نوادر الأصول عن القرآن، فاسمعوا كيف يصف كلام الله عز وجل وانظروا هل يليق بهذا الكتاب أن نكتفي بدراسته؟ اليوم تعرفون هناك دورات تحفيظ قرآن كثيرة جداً في عالمنا الإسلامي، ومن الأحاديث التي يستدلون بها على فضل هذه الدورات -ولا شك أنها دورات فاضلة- التي تختص فقط في التحفيظ وفي أحكام التجويد، ونادراً ما تتطرق إلى التدبر، مع أن هناك الحمد لله اليوم تياراً يتجه نحو التدبر، لكن نحتاج إلى أكثر من ذلك. يستدلون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، باعتبار أن التعليم هو التحفيظ والتعليم هو التجويد، لكن المقصود هو التعليم؛ الله عز وجل قال عن رسوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129]. فهل ظننا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، هل ظننا به أنه كان يعلمهم مجرد الحفظ والتجويد؟ بالتأكيد لا، كان يعلمهم معانيه.

فيقول الحكيم الترمذي: فإن هذا القرآن موعظة، والله يحب أن تعقل عنه مواعظه ونصائحه ولطائفه. وفي غرائز الآدميين موجود أن من كلم آخر بشيء أراد بذلك تشريفه وبره وإلطافه، فاستمع إلى كلامه بأذنه لاهياً عن ذلك بقلبه، إنه يسقط من عينه؛ أي إنسان سيصطفى عبيده بشيء يريد بذلك إظهار ما لهم عنده من الأثرة والمحبة، ويحب أن يعجل وائل بره في عاجل محياهم ليتلذذوا به ويفرحوا، فمر عليه هذا التالي وهو يهذه، يعني بيقرأ سريعاً وقلبه في عمى عن ذلك، يعني قلبه لا يلتقط شيئاً من معانيه. أو خاطب بعض عبيده بوعيد، يريد أن يؤدبه بذلك حتى ينجع فيه، يعني يؤثر فيه، فمر على خطابه -يعني بيقرأ حتى في بعض القراء يقرؤون آيات الوعيد بمقامات فرايحية كما يقولون بعض القراء، اللي عندهم جهل مع الأسف الشديد لأنه لا يتمعن بمضمون هذه الآية فيتعامل مع القرآن وكأنه قالب من الكلام الطقوسي يقرا بطريقة طقوسية ليتعامل الناس مع مجرد الألفاظ- فيقول: فمر على خطابه هذا الذي يقرأ الوعيد تالياً له وهو يهذه لمقته. وقد أدب الله عباده ودلهم على الترتيل فيه فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4] -يعني بتؤدة ومكث- وقال عز وجل: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فهذه توجيهات واضحة في كتاب الله عز وجل حول كيفية التعامل الواجب مع القرآن، وهي ما نسميه القراءة التدبرية.

فالقراءة الصحيحة واللازمة لكل مسلم أن يسعى إليها بقدر طاقته هي القراءة التدبرية. سنأتي لاحقاً على موضوع كيف يعزز هذا الجانب الإنسان؟ يقول: فإنما دلهم على الترتيل والتدبر ليصل إليهم نفع ذلك، لأنه هذا خطاب للإصلاح، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، فإذا كان يهدي للتي هي أقوم، ينبغي أن تحدث هذه الأمور، هذه الأنشطة الفكرية والقلبية عند الإنسان حين يتعامل وحين يقرأ كتاب الله عز وجل. يقول: ليصل إليهم نفع ذلك، فأفضل قراءة أعقلهم عنه، هذا أفضل قراءة. فمن أسرع القراءة وعقل عنه -هناك ناس عندهم هذه القدرات بسبب طول المكث مع كتاب الله وكثرة قراءته وكثرة التدبر في التفاسير وأهل العلم وطول الباع بالعربية- فيقول: فمن أسرع القراءة وعقل عنه كان في نور عظيم وعلياء منزلة، فذاك لفضل نوره، ومن قصر عن ذلك فالتفكر والتدبر خير له وأنفع. يعني إذا أنت كنت قادراً أنك تقرأ سريعاً لكن يفوتك التدبر وأي فهم، فالأفضل أنك تتدبر.

هذا نوع من القراءات الطقوسية. هناك نوع آخر من القراءات المذمومة، وهذه الأنواع التي مع الأسف الشديد نشأت في عصرنا هذا، عصر الهوان وعصر فقدان المسلمين لمكانتهم الحضارية، والعصر الذي دخل فيه الغزو الفكري والأفكار الغربية؛ غزت ليس فقط عقول المسلمين إنما غزت قلوبهم أيضاً. فهناك قراءة أسميها القراءة الاستعراضية؛ هذه القراءة تتعامل مع القرآن وكأنه مجال لعرض بعض اللفتات المبهرة؛ هو يلتقط بعض الأشياء من أجل الإبهار: هل تعلم كم مرة ذكرت كلمة كذا في القرآن؟ هل تعلم مثلاً؟ طبعاً بعضها قد يناقش فيه، لكن بعضها يكون فيه نوع من الابهار.

أذكر أسماء من باب التقريب، أبرز الأوجه؛ سأذكر اسم واحد لهذا النوع وللقراءة التالية المذمومة. اسم واحد، تعرفون شخصاً اسمه علي الكيالي؟ أظن مر عليكم هذا الاسم. نعم، هذا شخص جاهل طبعاً، لكن مع الأسف الشديد بسبب الإعلام، بسبب وجود جهات ممولة انتشر. فهذا الرجل أذكر مرة كان طالعاً مع مذيعة، فتريد أن تتحدث عن -أظنها نسوية أو شيء من هذا القبيل- واحدة استقبلته، فتريد أن تسمع عن الأنوثة في القرآن، وهو يعتبر نفسه متخصصاً في القرآن، فتسأله بأنها بدها أي موضوع عن كيف يوجد الأنوثة في القرآن، وفي مجال المدح، فيقول بأن مجتمع النحل -النحلة باعتبار أن النحل إناث عاملات- هيك يعني، وسماها على أساس علمياً أنه هذا صح، فلنفترض، فيقول بأن مجتمع منظم، مجتمع متعاون، ومجتمع كذا، وليلة القدر مؤنثة، فشوف الفضل الكبير، ولا -ومع الأسف الشديد- يتطاول على الأنبياء في هذا السبيل، يقول: أما المجتمع الذكوري مثل من؟ يعني سيدنا يعقوب عليه السلام وابنه يوسف وأبناؤه، شوف ماذا فعلوا في يوسف، وشوف بعدين يوسف قديش خلى أبوه يطول لتجيه خبره في الحقيقة، وأخذ ابنه الثاني وخلاه يحزن عليه، وإلى آخره، فهذا المجتمع الذكوري، يقول: ومع احترامي للنبي يوسف، يعني وصل إلى ما يقترب من الكفر وإهانة الأنبياء ونقدهم والعياذ بالله في سبيل الاستعراض. هذه قراءة استعراضية، هذا لا عنده هم إصلاحي ولا عنده هم يفهم ما في القرآن.

وطبعاً هذه القراءة درجات؛ هناك من يصل إلى هذه الدرجة، وهناك من يصل إلى موضوع هل تعلم كم مرة ذكرت كلمة كذا؟ فيصبح في إحصاء الكلمات، ولحم طير مما يشتهون، بقول لك: قدم الفاكهة على اللحم لأن الفاكهة لها فوائد، القرآن لم ينزل ليعطينا نصائح علماء التغذية، القرآن نزل لإصلاح الإنسان فيما لا يستطيعه الإنسان، بينما في أمور العلوم أعطاه عقلاً وأعطاه حساً لكي ينشئ التجارب والملاحظات وكذا ويتعلم من خلال سنن الله عز وجل الكونية المبثوثة في هذا العالم. أما فيما لا يمكنه الوصول إليه في عقله، كمثلاً علوم الغيب، كل علوم الغيب المذكورة في القرآن، أو المنهج الأصلح ليقيم عليه في التشريع والأخلاق والقيم، هذا كله جاء في كتاب الله وما حمل عليه والسنة النبوية الشريفة.

هناك نوع ثالث، قلنا القراءة الطقوسية، وقلنا القراءة الاستعراضية، والآن هناك نوع ثالث وهو القراءة التي أحب أن أسميها التطويع؛ بمعنى أن هناك من يدخل إلى حرم القرآن لا ليستهدي به -وإن كان يزعم ذلك- إنما ليسقط عليه أفكاره التي تشربها من أي جهة من الغرب عادة اليوم، الغرب مهيمن فكرياً، هناك أفكار كثيرة مثلاً، حتى بعضهم من الأشياء المستفزة يقول لك: القرآن، الغرب يضع مثلاً وثيقة حقوق الإنسان حديثاً في القرن الماضي، فيقول القرآن وصل إلى هذه المبادئ قبل كذا، وكأنه يجعل القرآن تبعاً للمبادئ التي يضعها البشر. فشوف، هو يريد أن يطوع القرآن، وهذا مضاد كما ذكرنا لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فالقرآن جاء ليهدي وليقوم الإنسان وليقوم الاعوجاج الذي حدث في البشرية بسبب اتباع الأهواء، لكن هؤلاء يأتون إلى القرآن من أجل محاولة إيجاد توافقات. ومن أبرز الوجوه طبعاً تعرفون محمد شحرور، هذا كتب كتباً وعقدت له لقاءات ومولت له برامج من أجل بث هذا الفكر، هذا فكره قائم على فكرة بسيطة جداً، يأتي لشيء اسمه القاموس والدلالات الاشتقاقية للألفاظ، ويبحث فيها عن شيء يغير المعاني الأصلية للقرآن.

فعين يأتي مثلاً إلى قول الله عز وجل في سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ إلى آخر الآية، يقول: النساء والبنين، طبعاً هذه مزعجة، لماذا تزعجه النساء والبنين وتوضع مع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة؟ هذه حيوانات الخيل والقناطير من الذهب، فهذه جماد ومواد، أمور مادية، أشياء، وقبل ذلك النساء والبنين، طيب هنا ورطة، هو يقع في ورطة، هذا شخص متبنٍ للفكر الغربي تماماً، يرى بأنه ينبغي مساواة الرجل بالمرأة، فماذا يفعل؟ يبحث في القاموس ويقول: آه النساء، ماذا سأفعل بهذه الكلمة؟ لا، النساء تعود إلى جذر س، طبعاً نحن لا نحتاج إلى أن نعود، نحن نعرف ما هي النساء، ونعرف أن الإنسان ينجذب إلى النساء، والمرأة تنجذب إلى الرجال، ويحب الأولاد ويحب الذرية، معروفة هذه أمور زينت للناس، لكن هو طبعاً في عقله تهيمن عليه.

يريد تطويع الآية فماذا يفعل؟ يقول النساء هي من النسيء؛ وهي شيء يؤخر. ما الذي يؤخر؟ يتكلف تكلفاً عجيباً، حتى حين يشرحه لا يكون مفهوماً، يقول باختصار: النساء معناها الموضة؛ لأن الموضة تكون أموراً حديثة، فتتاح في الظهور، شيء متكلف يمجّه الأذواق السليمة. فيقول: طب البنين يرجعها إلى الأبنية، وهكذا يكون تخلص من وجود النساء والبنين، وما يسميه الغرب اليوم تشييء الإنسان أو تشييء المرأة، مع أنه طبعاً خالف الفطرة التي زينت للمسلمين ولغير المسلمين. لو ذهب إلى الغرب سيجده يحبون النساء ويحبون الأولاد، فسبحان الله، هذا من النماذج.

من النماذج الأخرى قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، طبعاً هذا تفريق واضح بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، والله عز وجل الآية واضحة، ولم يختلف عليها أهل التفسير، في أحكام الفرائض، ومن قرأ أول درس في الفرائض يعرف هذا الشيء. هو يقول: لا، مثل أن تقول لشخص أنت لك مثل أختين، يعني أنتم متساوون الثلاثة، فقلبها بطريقة ما! فالله عز وجل لماذا سيقول ذلك؟ كان يمكن أن يقول: للذكر مثل حظ الأنثى، لماذا اللف والدوران؟ فمردود كلامه، لكن مع الأسف له بعض الجمهور، الجمهور الذي يستمع إلى هذا الكلام هو الجمهور العلماني بصفة أولية، الذي لا يريد أن ينصرف عن انتمائه للإسلام وشعوره بتعلقه بأنه مسلم، لكن من ناحية أخرى لا يريد أن يلتزم بأحكام هذا الدين. فشحرور حل مريح يقول لك الإسلام في النهاية، حتى في بعض حواراته وإجاباته كنت أطالع موقعه، مرة كتبت عدة مقالات عنه، فيقول بعد ما يخلص كلامه: وهذا اليوم مطبق في دول الغرب، وهذا اليوم تطبقه أمريكا ومش عارف إيه. طب ما دام تطبقه أمريكا ومادام مطبق، أنت ليش بتعب حالك وجاي للقرآن؟ خلص روح لأمريكا.

الفكرة أنهم يتصلون بالقرآن ليس باعتباره كتاب هداية مع الأسف الشديد، بل باعتباره معضلة، مشكلة، حجر عثرة، نريد أن نطوعه حتى يتلائم مع مفاهيم العصر العلماني. فهذه القراءات الثلاث مذمومة: القراءة القوصية، والقراءة الاستعراضية، والقراءة التطويعية. ومع الأسف الشديد لعلي أضيف فائدة أخرى، بأنه ليس فقط هؤلاء الذين نعتبرهم منحرفين جداً هم من يمارسون هذه الأنواع من القراءات. على سبيل القراءة التطويعية مثلاً، شاع بين المسلمين، بما أننا في موضوع التواريث، أنه ليس صحيحاً أن الإسلام يعطي للذكر أكثر من الأنثى اعتماداً على هذه الآية، إنما هذه حالة واحدة، لكن في المقابل هناك لا أدري كم -18 أو ناسٍ- من الدعاة المعاصرين ابتكر هذه الفكرة وكتب فيها كتاباً، وجاء داعية آخر أكثر شهرة منه وبثها وتناقلها المشايخ.

يا إخوة، أقول لكم وأنا لست بعالم، لكن مع الأسف الشديد علماء ومشايخ ودكاترة ومتخصصون بثوا هذه الفكرة التي تصادم القرآن، والتي ليست فقط تصادم القرآن، بل أي شخص عنده شوية معرفة في الرياضيات والإحصاء، الإحصاء تحديداً، سيدرك أن البحث قام على مغالطات، على انتقائية، وعلى مقارنة الشيء بما ليس بنظيره. أنت حين تريد أن تعرف هل الإسلام فضّل الذكور في الميراث أم فضّل النساء، ينبغي أول شيء أن تنظر في الحالة الأساسية، وهي أن الأب والأم يورثون لأبنائهم، هذه الحالة الأساسية. هناك بعد ذلك الحالات الأخرى، إذا بقي عم أو إذا بقيت عمة، تقارن العم بالعمة. ماذا فعل؟ ذكر الحالات المعروفة للذكور وربما حصرها بأربعة أو ستة -لا أذكر بالضبط الأرقام- لكن أعطيكم الفكرة، ثم أحصى كل الحالات الاستثنائية التي تكون فيها المرأة أخذت أكثر من الرجل، حتى ببعض الحالات قارن شيئاً بما ليس نظيراً له كما أخبرتكم الآن، وتغافل عن حالات كثيرة فيما يتعلق بالذكر. اخترع شيئاً ليقول بأن الإسلام أعطى للمرأة أكثر، يعني الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل هي أكثر. الآن هو لم يلتفت لشيء، طب إذا كنت منطلقاً من المساواة، وإذا كان المبدأ الأساسي في الغرب الذي دفعك إلى هذا البحث هو المساواة، لماذا جعلت مال المرأة أكثر ولم تأبه بذلك؟ لماذا كنت تشعر بحرج بأن الإسلام يعطي للرجل أكثر، لكن حين خرجت ببحثك الملتوي -المغلوط في مغالطات فكرية كثيرة- بأنه للمرأة أكثر، لم تشعر بأي حرج؟ لأن الغرب اليوم يفضل المرأة ويريد أي خطاب تفضيلي للمرأة، فبالتالي لم يجد مشكلة بأن المرأة تأخذ أكثر، هو سعيد بأن يظهر بأن الإسلام -ها شوفوا- الإسلام يعطي المرأة، مش بس يساويها بالرجل، يعطيها حالات أكثر ترث أكثر، تفضلوا يلا ماذا لديكم؟ هو يظن بذلك أنه سيثير إعجاب المزاج العلماني الليبرالي المعاصر، فهذا من الأمور المؤسفة.

أرجو أن لا أكون قد أطلت في هذه.

لا بالعكس، أكرمك الله ورضي عنك، ما كانت المداخلات رائعة. الله يبارك فيك ويحفظك، الله يبارك فيك أستاذنا. بحكم مشروعكم القرآني واختلاطكم بالشباب، ما هي التحديات التي تحول دون فهم الناس للقرآن؟

التحديات كما ذكرنا، من التحديات الأساسية هي عدم تجاوز القراءة القوصية أو دراسة علوم القرآن. نحن ندرس، أنا أعرف بعض الشباب متبحر جداً في علوم القرآن ما شاء الله، وأحدهم يقرأ القرآن بالقراءات السبع أو العشر، وحتى بعض الدورات في بعض بلدان العالم الإسلامي شاهدت بعض المسابقات مع الأسف، وهذا بالنسبة لي شيء وإن كان يعبر عن قدرات لكن ليس هذا الذي أمر به الدين، يحفظون الأبناء، يحفظ الوجه ويحفظ بالعكس أو يخبره بالصفحة، يحفظ أشياء زيادة بعد أن انتهى من حفظ كتاب الله، وهذا شيء رائع، حفظ كتاب الله شيء رائع، هذا من إنجازات الأمة العظيمة جداً، أن تجد في بلد مثل ليبيا مثلاً مليون حافظ ولا شيء من هذا القبيل، في بلاد المسلمين هناك عشرات الملايين من الحفاظ، هذا شيء رائع، لكن ألا تتجاوز ذلك إلى أن تبدأ بتعزيز التدبر، بأن هؤلاء الحفاظ يتحولون إلى متدبرين؟ حتى بعض البلدان الأعجمية، هذا كارثة، حفاظ لا يعرفون العربية. يا أخي، اليوم أنت تذهب إلى أي بلد، تريد أن تدرس مثلاً طب في ألمانيا، سنة أو سنتين تدرس فيهم اللغة الألمانية ومع الممارسة تصبح ما شاء الله عليك. طيب، الذي هو أعجمي أنفق على حفظ القرآن عاماً أو عامين أو ثلاثة أو أربعة، ألم يكن بإمكانه وضع خطة؟ عقول المسلمين عجزت، هكذا يحفظ القرآن كلام عربي، عجزت عقول المسلمين في هذه الدول، سواء تركيا، إندونيسيا، إلى آخره، عجزت عن أن تضع خطة لهذا الطالب بأن يدرس معها العربية؟ طبعاً هناك من يدرس العربية، لكن هناك كثرة كبيرة جداً يحفظون القرآن، وأصواتهم ما شاء الله جميلة، وبعضهم أيضاً في الأحكام جيد، ومع ذلك لا يعرف العربية. هذا بالنسبة لي مع الأسف الشديد كارثة.

فمن التحديات الاهتمام باللغة العربية، عدم الاهتمام باللغة العربية هذا شيء كارثي فيما يتعلق بالقرآن. حتى بعض الحفاظ العرب في بلدان عربية أيضاً يكون ما شاء الله عليه حافظ وكذا، ولكن حين تسأله ما معنى هذه الآية يقول لك لا أعرف، ونحن لا أبرئ نفسي، نحن جميعاً مقصرون في تدبر القرآن، لكن هذا مجال واسع. واليوم ما شاء الله الأدوات المعاصرة، اليوم عندك ممكن موقع يجمع لك تفاسير، وحتى بعضها تفاسير مرئية وصوتية لعلماء من القدماء والمعاصرين، بعض المواقع تجمع عشرات التفاسير، أي آية اليوم يمكن أن تقرأها بصورة حتى ميسرة. اليوم عندك مثلاً ناس اشتغلوا على التفسير المختصر، ناس اشتغلوا على التفسير الميسر، ناس اشتغلوا على التفسير المحرر، كبير فيه يحاولون أن يأخذوا أفضل الآراء، تشتغل فرق، فاليوم عندك جهد كبير في خدمة كتاب الله عز وجل، فينبغي استثمار هذه الجهود. هذا أحد التحديات في تعزيز الفهم والتدبر، وفي تعزيز اللغة العربية، وفي محاولة -مع الحفاظ على الدورات والأنشطة العلمية التي تتعلق بتحفيظ القرآن وتجويده وأحكام التلاوة- أن يضاف إليها الأنشطة المتعلقة بأحكام التدبر.

أعطيكم بس مثالاً على نموذج تجربة شخصية لي من حوالي 20 سنة، هذه التجربة نقلتني نقلة نوعية فيما يتعلق بكتاب الله، وكم نحن بحاجة إلى ابتكار. بعضهم قبل فترة كان أخ سهّل الطريقة، كتب كتاباً في التفسير بأنه يضع الكلمات ومعاني فوق الآيات، شيء جهد ممتاز، فنحن لدينا كل الوسائل اليوم، الوسائل المعاصرة والمخططات والمشجرات كبيرة جداً. أعطيكم مثالاً واحداً أفادني قبل نحو 20 سنة، كنت أقرأ في كتاب قيم للشهيد سيد قطب، كتاب اسمه مقومات التصور الإسلامي، هذا الكتاب يتحدث عن -هو بالأساس كان اسمه فكرة الإنسان عن الله والكون والإنسان والحياة- ويركز على القرآن، طبعاً هذا رجل قرآني له في ظلال القرآن ويركز على القرآن. لكن لاحظت شيئاً فيه، وكنت أقرأ بنسخة رديئة حتى كنت منزلها من موقع، النسخة الأصلية، فكانت الآيات لم تكن مكتوبة بالرسم العثماني. اليوم أغلب الطباعات الحديثة حين يصل إلى الآية يضعها بالرسم العثماني، التشكيل الكامل، علامات ترقيم مختلفة تماماً، طبعاً هي نفسها التي كانت قبل 100 أو 200 عام وليست على النمط الحديث، فاصلة ونقطة وكذا، طبعاً نحن درسنا في مدارس -لا أعرف ممكن نسميها علمانية- المدارس الحديثة كلنا درس بها، كلنا قرأ الكتب مع الفواصل، كلنا تعلمنا علامات الترقيم وتفاعلنا معها، ونشأت عقليتنا وطريقة تفكيرنا بناءً عليها. فكنت أقرأ القرآن، حين أتوجه إلى كتاب الله عز وجل وأفتحه، تكون لدي عاطفة قوية ومشاعر التقديس والاحترام بما أنه كلام الله عز وجل، ولكن هذا الشيء كان يحجب الإنسان عن أن يتعامل مع هذا الخطاب باعتباره خطاباً له مباشراً، أو يتعامل معه باعتباره شيئاً مقدساً لكن يغفل عن أنه خطاب.

ما الذي حدث في كتاب سيد قطب؟ كان يضع الآيات، سيد قطب يكتبها كما يكتب نصه، يضعها بين قوسين بأنها آية، يضع في الآخر اسم السورة ورقم الآية، ولكن يكتبها بدون تشكيل كثير، وبفواصل أحياناً، فاصلة منقوطة، أحياناً نقطتان، أحياناً علامة تعجب، علامة حين يكون هناك تعجب، حين يكون هناك سؤال، فكنت أقرأ مع الاسترسال، أدخل إلى حرم الآية، فأقرأ باعتباري وكأني أقرأ لكاتب -مع فارق التشبيه، أنا أعرف أن هذا كلام الله- لكن حدث شيء غريب، شعرت لأول مرة قبل نحو 20 عاماً بأن خطاب الله عز وجل يخاطبني، أحسست بأن هذا الكلام مفهوم وسهل وميسر، لم تكن أمامي هذه العقبات التي فعلها البشر بطبيعة الحال. أنتم اليوم لو تفتحون مخطوطة من القرن الأول الهجري ستجدها بالخط الكوفي وبدون أي تشكيل ولا نقاط، كل الأدوات هذه الحديثة من علامات تشكيل، من جيم، صاد، كذا، الوصل، التوقف، إلى آخره، هذه علامات اجتهادات بشرية، فمن المجالات المفتوحة اليوم أنه البشر يحاولون -المسلمون يحاولون- أن يذلّلوا ويقرّبوا القرآن من الإنسان أو القارئ المعاصر، فيحجب هذا حجاب القراءة القوصية، مش أنه يساوي القرآن بغيره، طبعاً القرآن لازم يقدس ولازم يكون مختلفاً حتى في طباعته وفي كذا، ويجب أن يكون مختلفاً، ولكن ينبغي أن نتجاوز هذا التحدي بأنه نستطيع أن نجعل النشء يتعامل مع القرآن باعتباره خطاباً له، خطاباً جاداً، خطاباً واقعياً لكل عصر لهذا العصر.

أحسن الله إليكم وأكرمكم، أتممت بإجابة رائعة، الله يحفظكم ويرضى عنكم. الله يبارك فيكم أستاذنا، بحكم كتابتكم الجميلة لكتاب منطق القرآن، ويتكلم عن العلم والعدل والحكمة بإسقاط القرآن على الواقع المعاصر، وتبحرتم في باب هذا العلم ما شاء الله، كيف يجيب القرآن عن الأسئلة الوجودية، بما أن هناك العديد من الأسئلة التي تدور في ذهن القارئ خصوصاً، وخصوصاً من الشباب الصغير أو الشباب العاميين؟ أسئلة تدور في ذهن الإنسان، مثلاً عن غايته وحياته ومصيره، أسئلة عن أسرار الكون وطبيعة الوجود، هل الإنسان مسير أم مخير وغيرها من القضايا الوجودية؟ كيف يجيب القرآن عليها؟

نعم، فهمتك. طيب، بما أنك ذكرت كتاب منطق القرآن، خليني فقط أعطي بالبداية نبذة عن المشروع الذي أشتغل عليه صار لي فترة، وما صدر منه وما سيصدر بإذن الله، حتى أرتب الخارطة فيما يتعلق، لأنه أنت ما سألت عنه، لكتاب آخر أكرمك الله. أما موضوع كتاب منطق القرآن الذي صدر ويتعلق بشيء معين، فهي الفكرة أن الفكرة بدأت من أنه أنا حبب إلي علم القرآن بفضل الله عز وجل منذ زمن، وأنا الآن حتى في الدراسة الجامعية في الماجستير تخصصت في التفسير، كانت رسالتي، والآن أيضاً في الدكتوراه في مجال التفسير. فموضوع القرآن الذي شغلني أكثر شيء بسبب اهتماماتي الفكرية هو بأنه ينبغي أن نقر بأنه في تاريخنا الإسلامي حدث خلل، خلل كبير مفاد هذا الخلل...

دخلت العلوم الإسلامية في مرحلة جديدة بعد دخول الفلسفة والمنطق الأرسطي؛ وهو المنطق اليوناني المنسوب لأرسطو. الإشكالية أن هذا المنطق دخل في البداية وكان مذمومًا في القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى عند عموم علماء المسلمين؛ فنقضوه ورفضوه، حتى علم الكلام الذي أُسس باعتباره مواجهًا للفلاسفة مع تبني مفاهيمهم كالجوهر والعرض، رفضه العلماء. نجد إمامًا مثل أبي سليمان الخطابي، المتوفى سنة 388 هجرية، وهو العالم بالعربية والحديث، كتب رسالة لطيفة اسمها الغنية عن الكلام وأهله، وقال فيها كلامًا جميلًا في بيان الغنية بكتاب الله عز وجل وبأمور الاستدلالات.

وهناك كتاب معروف، وهو رسالة إلى أهل الثغر، نسبها بعضهم لأبي الحسن الأشعري، لكن البعض يقول إن الأصح أنها لتلميذه ابن مجاهد، وسواء كانت للأشعري أو لابن مجاهد فهي على حد سواء، ذهبت أيضًا إلى هذه الفكرة؛ فقد نقدت التأثر واعتبرت أن هذه الاصطلاحات ومحاولة إثبات وجود الله ومعرفته والإيمان به من خلال نسيج اصطلاحي مبني على المفاهيم الفلسفية هو انحراف، والأصل أن لدينا ما نقيم به الحجة من خلال كتاب الله.

بدأت الأمور عندي هكذا، وقرأت كتابًا لابن الوزير اليماني اسمه ترجيح منطق القرآن على منطق اليونان، وهو كتاب قيم الحقيقة؛ فهو رجل كان له باع كبير في المنطق، ودرس علوم الكلام، ثم بعدما تبحر في علوم القرآن والسنة -خصوصًا السنة- ورد على بعض مشايخ الزيدية في اليمن، توصل إلى نتيجة الكفاية في ترجيح علوم القرآن. فمن هنا بدأ التفكير في كتابة شيء معاصر في هذا الباب، في بيان منطق القرآن. هل للقرآن فعلًا منطق؟ إذا عدنا إلى المنطق الأرسطي، نجد أنهم يعرفونه في إطار أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر؛ فتعامل معه علماء المسلمين على هذا الأساس. نحن رفضنا علوم الفلاسفة لكن لا بأس ببعض العلوم؛ مثل بعض الطبيعيات الصحيحة فيما يتعلق بالتأملات في الحيوان والمعادن، وأيضًا بعض المنطق والرياضيات، وبعض العلوم -طبعًا كالرياضيات- صدقوا فيها، لكن حين أخذوا المنطق، ليس جميعهم غفلوا عن أن هذا المنطق فيه ما هو قاصر وبعضه يخالف ما في كتاب الله عز وجل.

بدأت الفكرة بأن أكتب كتابًا له أكثر من شق: شق تاريخي يحاول أن يبين كيف تعامل المسلمون مع هذا المنطق من أول ما دخل، إلى أن وصل إلى اللحظة التي بات فيها عند المتأخرين جزءًا لا يتجزأ من دراسة العلوم، وبالذات علوم الآلة. دخل في البلاغة -وقد بينت في الكتاب كيف أفسد البلاغة- ودخل في علوم العربية، ودخل في علوم الكلام والعقيدة، وفي كل شيء. وكيف أن دخوله على المسلمين كان شيئًا عظيمًا أفسد الكثير. لذلك الإمام السيوطي رحمه الله كان من الأئمة الذين تنبهوا، وكتابه قيم جدًا وهو كتاب صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام؛ فالإمام السيوطي كان يرى أن هذا المنطق لا ينفع المسلمين في شيء، ونقل عن كثير من السابقين كيف أن الأصل بالمسلمين أن يرفضوا هذه العلوم. وحتى ذهب كثير من الأئمة؛ فالإمام الشاطبي صاحب الموافقات قال إنه لا ينبغي استعمال هذا المنطق في العلوم الشرعية. ففكرة الكتاب كانت بيان كيف تعامل المسلمون تاريخيًا معه، ومن الذي رفضه، واستعرضت اثنتي عشرة شخصية إسلامية من الإمام الشافعي إلى المعاصرين ممن رفضوا العلوم الكلامية المبنية على هذا المنطق.

ثم بينت طبيعة القرآن؛ خصائص هذا المنطق، وكيف كان منطق القرآن وطبيعته. الكتاب سبعمئة وعشرون صفحة، وهذا الجزء الأول فقط، وإن شاء الله قريبًا سأنتهي من الجزء الثاني، وسيكون بعنوان فردوس القلوب والأذهان في الكشف عن منطق القرآن، وهو كتاب تدبري من سورة الفاتحة إلى سورة الناس؛ أي الآيات التي تتعلق بإصلاح العقل. هذا الجزء الثاني سيكون الجزء التطبيقي، لكن الجزء الأول الذي صدر فيه شقان؛ شق تاريخي وشق نظري مع بعض التطبيق. والهدف منه إعادة لفت نظر المسلمين إلى أهمية أن يكون كتاب الله هو المقصد، وهو المنبع الذي نستمد منه لإصلاح عقولنا؛ فإذا أردنا العصمة عن الأخطاء في التفكير، فسيكون القرآن هو المنطلق الأول.

المشكلة أن هذا المنطق الذي اتخذوه هو شيء ذهني وكأنه علوم رياضية للذهن؛ يقولون لك إنك تتعامل مع علوم كثيرة تحتاج أن تضبط عقلك، فتدرب على بعض الأمور في المنطق من أجل أن تتحرز من الوقوع في الأخطاء الفكرية؛ وهكذا يعتصم الذهن من الوقوع في هذه الأخطاء. لكن غفلوا عن أن الإنسان لا يقع في الأخطاء الفكرية بسبب قصور الآلة فقط؛ فاليوم هؤلاء الذين يدرسون المنطق، كان منهم نصارى، وكان منهم فلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا، وكان منهم معتزلة، وشيعة، وأشاعرة، وسنة؛ جميعهم متفقون على أخذ المنطق الأرسطي وتبنيه، لكن جميعهم اختلفوا في أهم أمور الحياة في العقائد وأصول الدين، فلم يعصمهم ذلك.

أرسطو مشكلته أنه جاء في عصر ليس فيه رسالات سماوية، فهو رأى عند الناس سفسطائيين ينكرون حتى المعلوم من الضرورة، وينكرون إمكانية العلم والمعرفة، فحاول الرد عليهم بإثبات إمكانية العلم، وبدأ يلاحقهم بهذه الأمور الذهنية؛ وكأن اعتقاده كان أنه يمكننا أن نصلح العقل ونبين إمكان العلم من خلال المنطق الذي يشبه الرياضيات، أي نعيد الأمور إلى علم يبدو كأنه قطعي. لكن الإشكالية أن الرياضيات متعلقة بأمور نظرية لا تتخلف؛ واحد زائد واحد يتفق عليه البشر جميعًا، ولم يحدث فيه خلاف تبعًا لاختلاف المذاهب والأديان والثقافات. أما المنطق فحدث فيه خلاف؛ لأن العلوم التي يرجو المنطق إصلاحها -وهي فكر الإنسان- حدث فيها خلاف، لأن الخلاف لم ينبع أساسًا من مجرد الخطأ في الفكر، إنما نبع أساسًا من جهل الإنسان بأمور لا يمكن أصلاً أن يحلها بعقله وحده، ومن الأهواء.

لذلك المنطق القرآني -إلى جانب وجود قواعد تصلح طريقة التفكير- عملي. القرآن لا يضع لك مبادئ نظرية تقعد تدرسها وتحفظها ثم عقلك يشتغل عليها وكأنه برمجة؛ لا، يقول لك مثلًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: 46]. هذه الآية فيها توجيه بأن يتفكر الإنسان، إما بشكل ذاتي، أو بشكل ثنائي، أو بشكل فردي. أي الطريقين أفضل؟ أن تصل إلى الحقيقة بأنك تروح تقعد تناظر مع واحد أمام مئة شخص؛ فإذا غلطت ستخزى فتبدأ تجادل، بينما لو تذهب مع هذا الذي تختلف معه، تمشيان على شط البحر أو في مكان هادئ، فستكون أقرب للوصول إلى الحق مع الهدوء. وبرضه إذا كنت لحالك تتأمل مع نفسك، تعرف أنك غلطان وعم تراوغ، وتعرف الحق وتعرف الباطل؛ فهذا توجيه من توجيهات القرآن، وهناك توجيهات كثيرة جدًا.

فالقرآن لديه قواعد عملية لإصلاح الفكر، ولديه أيضًا وسائل القرب -سميتها أنا وسائل القرب، أي التزكية-؛ فالقرآن فيه العديد من التوجيهات التي تحث الإنسان على مخالفة الهوى، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]. هي مخالفة الهوى تربية وتهذيب وضبط للشهوات، ومحاولة لتربية النفس والقلب وتقويته ودفع وساوس الشيطان. فالقرآن لديه وسائل قرب تجعلك تعتصم عن الخطأ بما لديك من مخالفة الهوى. ولديه أخيرًا الشريعة؛ فهناك أمور أعطاك الله فيها الحكم مباشرة، لم يتركك للمنطق يعطيك قواعد وأنت لحالك تصير تناظر في المسألة حتى تعرف الحق من الباطل؛ بل أعطاك الحكم مباشرة فيما يتعلق بالرجل والمرأة وكذا. فهي هذه خلاصة المنطق القرآني؛ طبعًا له خصائص ومصادر، وكنت مهتمًا ببيان مفهوم العلم في كتاب الله عز وجل، ومفهوم العقل، ومفهوم الحكمة، لأن هذه المفاهيم الثلاثة مركزية جدًا، وبيان غاية هذا المنطق هي أن يصل الإنسان للحق.

ذكرنا الكثير من التحديات التي تواجه الشباب المسلم، والناس الذين يتدبرون القرآن؛ كيف نبعث القرآن في الأمة من جديد؟ ما دور العلماء والدعاة والمصلحين في إعادة البوصلة إلى كتاب الله عز وجل، لتتجه البوصلة إليه بعيدًا عن العلوم الأخرى التي أصبح الناس يشتغلون بها بعيدًا عن القرآن؟

جميل، الآن بدي أنتقل بك إلى الكتاب الآخر الذي الحمد لله أنهيته في بداية رمضان، وسيكون بعنوان دلائل القرآن. نحن كتبنا منطق القرآن وحكيت لكم عنه، والآن في كتاب أصدرته تمهيدي لهذا الباب سميته لماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان، وهذا يمس بالضبط الشيء الذي تسأل عنه الآن. الذي ينظر إلى الساحة -مثلًا خذ موضوع موجة الإلحاد والتشكيك التي انتشرت قبل عقد تقريبًا وما زالت موجودة، وأكيد عندكم في الأردن تسمعون بالكثير من الشباب الذين يشككون في الدين، وخصوصًا مع عدم وجود قوة حضارية للمسلمين- دائمًا تحدث التأثرات، وتظهر شخصية من هنا وشخصية من هناك، وأحيانًا تحريف لبعض الأحكام. هذا كله كيف يواجه؟ اليوم مع الأسف الشديد حتى داخل التيارات التي كانت معتصمة بالكتاب والسنة والآثار، حدث نوع من الانبهار بالعلوم العقلية التي لا تعتمد على كتاب الله؛ من باب أنك تريد أن تخاطب غير المسلم، أو تخاطب متشكك، أو تخاطب شابًا متعلمًا في جامعة حديثة، فبادرته بأن تخاطبه بالعقل والعلم وتدع كتاب الله جانبًا.

فالفكرة التي حاولت إحياءها -وهي موجودة عند علماء معاصرين وقدماء- كما فعلت في كتاب منطق القرآن فعلت في هذا الكتاب الصغير، وهو موجود بالمناسبة يمكن للإخوة الاطلاع عليه، اسمه لماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان، صدر عن مركز غراس للإنتاج الفكري. هذا كتاب تمهيدي للكتاب الذي الحمد لله أنهيته في هذا الشهر الكريم. فكرة الكتاب بيان كلام العلماء في أن القرآن وحده فيه الكفاية والهداية لكل ما يواجه المسلمين من تحديات فكرية وعقائدية، حتى على مستوى معرفة الله عز وجل والإجابة عن الأسئلة الوجودية، لأنه مع الأسف اليوم هناك طرح يحاول أن يقول إنه لا يمكننا استخدام القرآن في مخاطبة العقول لإثبات صحة الإسلام، وإثبات أن هذا القرآن حق، وأن الله حق، وأن الرسول حق صلى الله عليه وسلم. فكان هذا الكتاب تمهيديًا.

والكتاب الذي بفضل الله أنهيته هو دلائل القرآن، وهو إجابة عن الأسئلة الوجودية. اليوم أي إشكالية في حياة المسلم أو حياة أي إنسان في أي مكان كان وأي عصر، تعود إلى هذه الأسئلة الأربعة التي يسمونها أسئلة العقده الكبرى، أو أسئلة الفطرة. بمعنى أنها فطرية؛ فلو جئنا بإنسان وخطفناه وأغمي عليه ووجد نفسه محبوسًا في مخزن، بالتأكيد سيسأل أسئلة لا بد له أن يسألها: من أين جئت؟ ما الذي جاء بي لهنا؟ (بكل تأكيد لن يغفل عن فكرة من الذي أحضره). وسيسأل أيضًا عن السبب (بالتأكيد سيشغل عقله ليعرف السبب). وسيسأل عن كيفية الخروج (بالتأكيد سيفكر في مصيره: هل سأموت هنا؟ هل سيقتلونني؟ هل سأقدر على الهرب؟). فهذه الأسئلة الأربعة: سؤال النشأة، وسؤال الغاية، وسؤال المنهج، وسؤال المصير، يسألها كل إنسان. والقرآن الكريم -وأنا أقولها موقنًا- في جميع آياته هو إجابة عن جميع هذه الأسئلة أو بعضها؛ افتح أي آية من كتاب الله عز وجل ستجدها مرتبطة بالإجابة عن أحد هذه الأسئلة. والكتاب الذي كتبته بفضل الله عز وجل إن شاء الله يصدر قريبًا بعنوان دلائل القرآن، وهو يوضح كيف يأخذ هذا القرآن بيد الإنسان.

ليعطيه الإجابة الأفضل، فهذا دور العلماء. إنه كيف يأخذ بيد الشباب ليقتربوا من القرآن ليقدم لهم الإجابة، يعني يكون هناك ثقة بكتاب الله عز وجل بأنه يقدم الإجابات الأفضل في جميع هذه الموضوعات. لا نذهب مثلاً في سؤال النشأة نقعد نأخذ دليل فلسفي ودليل وفن ونفوت في أمور؛ لا، القرآن خاطب هذه العقول هو الذي خلقها، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. فلازم العلماء يعيدوا شعور الثقة بجدارة إجابات القرآن وتقريب الشباب من القرآن في هذا الباب، الله أعلم.

بالعكس جزاك الله خيراً دكتور شريف على هذا اللقاء الماتع النافع، نحن الوقت تداركنا، فكان لابد أن نختم الآن؛ لأنه تقريباً خمسون أو خمس وخمسون دقيقة اللقاء، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً.

وبكم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الالتفات لهذا المشروع واهتمامكم بإثارة هذه القضية في عقل الجيل في ميزان حسناتكم يوم القيامة. بارك الله فيك على إتاحة هذا الوقت على هذه الأمسية الطيبة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيك عنا وعن أمة الإسلام والمسلمين خير الجزاء. حياكم الله وبارك الله فيكم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم وجزاكم الله خيراً.

أخواننا الكرام الله يبارك فيكم، جزاكم الله خيراً، هي ربما أحياناً الفكرة تنتج أننا نحاول في غراس وكثير من الدعاة أن نعيد تنبيه الشباب على قضية القرآن؛ يعني نحاول أن نخرج من مربع أننا مجرد في مراكز تحفيظ زي ما نشأنا، بنحفظ ونقرأ بس ما حدا فينا مستوعب خارطة القرآن ومعانيها. أن نحاول نستضيف مشايخ ودعاة وأساتذة ونقرأ ونتكلم، لعلها في يوم من الأيام تستيقظ هذه الشعلة في قلوبنا، شعلة أنه بالتأكيد لازم يختلف أسلوبنا مع القرآن؛ يعني طريقتنا المبعثرة المشتتة، واللامبالاة باختصار، اللامبالاة التي يعاني منها الملتزمون، يعني أنا ما بتكلم عن غير الملتزمين، غير الملتزم لسه في مفاهيم أخرى بدنا نتكلم فيها، اللامبالاة التي يعاني منها طلاب العلم مع القرآن، اللامبالاة التي يعاني منها وسط المتدينين مع القرآن.

إنه حتى في رمضان ربما الأخ الدكتور شريف أشار لقضية مهمة، يعني كثير ناس سألنا هذا السؤال في رمضان: يا شيخ أكثر ختمات ولا أتدبر سورة أيهما أفضل؟ حقيقة بيجيك استجرار؛ لأنه الشافعي كان يختم ستين ختمة في رمضان وفلان وفلان وكان يعكف، يقول أخي الكريم هؤلاء وإن أسرعوا كانوا يفهمون ما يقرؤون؛ يعني أنت لا تقيس نفسك بالشافعي، الشافعي بيقرأ لو ستين ختمة كان يقرأ وهو مع ورعه فاهم متشرّب للقرآن. أما حضرتك أنت بعيد عن معاني سورة الإخلاص، لو سألتك ما معنى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لسه شوي بتأتي فيها، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ في سورة الإخلاص من قصار السور، معاني جزء عمَّ ما زلت أنت غير مستوعب لأكثرها. فالحقيقة لا أكون واضح معك أن تمسك سورة من القرآن تتدبرها وتنشغل بها وقتك أفضل من كثرة القراءة وأنت مش مستوعب، هذا هو الواقع الذي لابد نعترف به.

أن تبقى تقرأ تقرأ تقرأ وأنت مش فاهم، إن شاء الله في ثواب (ألف لام ميم حرف والحرف عشر حسنات) والله أعرف ذلك، لكن صدقني من أجل فائدة قلبك ونفسك، أنه لو ختمت ختمة واحدة ما عندي مشكلة، لكن خذ لي سورة من كتاب الله ولو سورة قصيرة المبنى عظيمة المعنى، اجلس معها واستخرج معانيها وعش معها، صدقني والله هذا خير.

طيب يا شيخ، أنا اللي بدي أتدبر وحده؟ لا لا، أنا بقول لك إياها، أنت ما راح تتدبر، بدك تسمع لأهل التدبر؛ يعني كثير من الشباب بيجي سألنا: شيخ أي كتاب تنصحني بالتدبر في التفسير؟ هيك بكون اجتهد نسمة إيمانية بعد سماعه لشيخ، بقول لك: شيخ أنا خلص قررت اليوم أفهم القرآن، شو بدك تسوي؟ أعطيني بس كتاب هيك سهل أفهمه في التدبر. ما بصلح التدبر خاصة لشاب عفواً مش متخصص وضرير في العلوم الشرعية، مشوار طويل شوي، لازم تسمع للمشايخ، اسمع للمشايخ المنشغلين بحقل التدبر، هم اللي راح يقربوا المسافة بينك وبين القرآن، أما تظلك تفكر يلا شيخ فتحت تفسير السعدي فتحت المختصر، نفس المشكلة يعني مش شاعر أني عم بعيش مع القرآن، طبعاً لأنه أنت لا تملك أدوات التدبر، وهذه النقطة التي كنت حابب الشيخ يتكلم عنها أكثر؛ أدوات التدبر أنت لا تملكها، حقيقة هي مشوار لامتلاكها.

وقد تكون أنت مهندس طبيب أخصائي في أمور أخرى، بتقول يا شيخ أنا بيني وبينها مسافة والواقع المعاصر بعدني عنها، إيش أسوي؟ الذي عليك أن تبحث عنه شيخ متدبر، سواء حضوري أو عبر السوشيال ميديا هذه المتعبة، أن تسمع شيخاً وتمشي معه في برامج، تمشي معه في سورة بعد سورة، وتسجل الفوائد وتسطر، وتعيد قراءة السورة مع فوائد الشيخ. أنا برجع بقول لك كتب التفسير القديمة بينك وبينها مفاوز، ما بدي أقول لك لا تشغل نفسك فيها، بس أنا عارف الواقع، تفتح الزمخشري بيحكي في البلاغة، بتفتح حتى ابن كثير ويعتبر من أسهلها مليء بالنصوص والآثار والأسانيد، فتجد نفسك أنه أنا حقيقة حقيقة بدي حب الوضوح، أنت لن تجد تفسيراً يساعدك بالمعنى الدقيق؛ ليه؟ لأنه أنت غير متخصص، وفي بينك وبين اللغة العربية وآلياتها وبلاغتها والأسانيد والآثار مسافات، وهذا طبيعة الواقع صنع مننا كذا.

الدراسة المدرسية الرديئة التي نشأنا فيها، الجامعات الأردأ التي تخرجنا منها، الواقع الإسلامي التعبان، السوشيال ميديا التي طبعتنا بأطباق منهكة، أن عشنا حياتنا مقاطع وأفلام ومسلسلات وقضايا وكذا. أنا لسه يا شيخ داخل على حقل الالتزام جديد أصلاً، أو متدين من الصغر بس طبيعة التدين المنزلي ما عمره والدي ما قال لي تعال نتدبر سورة، نضحك على حالنا. فتجي تقول لي اقرأ التفاسير، ما راح أقرأ وإذا قرأت لن أستوعب، ماذا أفعل؟ هو هنا الحل، ماذا أفعل؟ أنا بعطيك إياها بوضوح: أنت لن تستطيع وحدك أن تفعل ذلك، عد إلى مجالس أهل العلم المتدبرين. أنت في أكيد أشخاص بتسمع لهم، حاسس أنه أنا فاهم عليه، خلص هذا جاي علي، بسمع منه بتعلم منه، هكذا هذا ما يعيد القرآن إلى حياتك، أما أن تبقى تبحث عن وسائل أخرى شخصية ذاتية دون أن تسمع أو تتعب أذنك بالسماع هذا صعب.

طيب مشايخنا، الآن عندنا استراحة، وين الشيخ عبد العزيز؟ عبد العزيز، أعطيك هيك صرخة عشان الشباب يصحصحوا، هذا نايم هناك أو هذا قالب لي هناك، الله أكبر، صح لي النايم هذاك الشاب قبل ما يوقع، صح لي، دق دق. أيوه يا شيخ تكبير، وصلنا القدس وأنت لتك نايم، الله يرضى هذا مع التكبير وما صحي كمان، الله يعطيك العافية يلا صحصح مشايخ الله يكرمكم. يعني هي أمسية واحدة، إن شاء الله على الفجر بتحط راسك وبتنام الله يكتب أجرك، فبدنا نصحصح معنا نص ساعة استراحة. نص ساعة استراحة بده يجدد الوضوء، خلص وقف البث لأخواننا عبر الأونلاين، جزاكم الله خير على مشاركتنا، الآن خلص نقتصر على الحضور الوجاهي في البث؛ لأنه هي استراحة ونقاش بعدين وصلاة وشغل مع الشباب الحاضرين. أخواني اللي بده يقرأ قرآن، اللي بده يذكر الله سبحانه، بده يشرب له شاي، بده ينام.