السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا أهلا وسهلا ومرحبا. هذي تجربة للبث المباشر في أنوار الأنبياء، هذا هو اللقاء الخامس من اللقاءات المتعلقة بسورة يوسف عليه السلام، فأقول: الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى.
اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلا وسهلا حياكم الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس وأن ينفعنا بما نتذاكر.
هذا المجلس البداية فيه من قول الله سبحانه وتعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ.
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى لنا خبر البشرى التي بشر بها يوسف في بداية حياته، وما أكد له والده يعقوب عليه السلام من هذه البشرى، وحرص يعقوب عليه السلام على ألا يحدث يوسف بهذه البشرى أحدا من إخوانه لئلا يكيدوا له، وما وقع بعد ذلك من الكيد، ثم ما بشر الله به يوسف عليه السلام في بداية مكر إخوته وذهابهم به إلى القائه في الجب، لما بشره بأنه سينبأهم بأمرهم هذا.
الآن ذكر الله لنا عودة إخوة يوسف إلى والدهم ليواجهوه بالمصيبة التي فعلوها وليخبروه بعظم الأمر الذي حصل. طبعا لاحظوا، يعقوب عليه السلام كان قد قال لهم: إِنِّي لَيَحْزُنُ ان تَذْهَبُوا بِهِ. يعني مجرد ذهاب يوسف عليه السلام عن أبيه يعقوب عليه السلام في ذلك الخروج المحدد، هذا بحد ذاته كان يحزن يعقوب عليه السلام، والآن أتوا ليقولوا ليعقوب عليه السلام أن ابنك لن تراه بعد اليوم، فماذا تتوقعون أن يكون خبر هذا المصاب العظيم على نفس يعقوب عليه السلام؟
لابد أن نستحضر ونستشعر عظم المصيبة وعظم البلاء الذي نزل بيعقوب عليه السلام، ونبدأ الآن بذكر الدروس المستفادة من هذه الآيات. أولا، القرآن دائما يوعينا بأحوال النفوس البشرية، وهذا سبق الحديث عنه في سلسلة أنوار الأنبياء في سورة يوسف عليه السلام.
هنا التوعية في هذه الآيات في طريقة بعض النفوس في الكذب، طريقة بعض النفوس في تبرير الذنوب التي يفعلونها، في التمويه على مسرح الجريمة، في محاولة لبس ثوب البراءة، ويكون الانسان الذي لبس هذا الثوب هو انسان غير بريء أبدا. طيب، ما الفائدة من هذا كله؟ الفائدة من هذا كله أن نعي أحوال النفوس، وندرك أن هذه النفوس متكررة وموجودة في كل وقت.
فما الذي فعله إخوة يوسف في هذه الحال حين أرادوا أن يموهوا على ما فعلوا؟ أولا، اظهار الانفعالات النفسية الزائفة، يبكون، وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ، لاحظوا هذي انفعالات نفسية زائفة، لذلك قد يكون من وسائل بعض الكاذبين في الدين، الكاذبين في أي شيء من القضايا، سرقة أموال إلى آخره، الظهور بالمشاعر الزائفة. قد يبكي الإنسان، قد يتظاهر باللامبالاة، قد إلى آخره من المشاعر النفسية الزائفة، فهذه لا تروج على ذي البصيرة، كما أن كل هذه الأمور التي فعلها إخوة يوسف لم تروج على يعقوب عليه السلام.
إذا، الأمر الأول هو اظهار المشاعر النفسية أو الانفعالات النفسية الزائفة. الأمر الثاني، مهاجمة انفعالات أو عواطف الشخص المقابل ومحاولة الضرب على وتر أمانته أو صدقه أو ضميره، مع أنه الشخص الذي يتحدث هو الكاذب، فهنا ماذا قالوا؟ قالوا: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ. لاحظوا الآن، كأنهم يريدون أن يحملوا يعقوب عليه السلام جزءا من المشكلة في قضية هذا الحوار أنه وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ.
طيب، هذا درس الإنسان يفهم أنه ترى من الأساليب التي يتخذها بعض الكاذبين أنه مثلا: أنت ما تصدقني، يعني أنا عارف انك ما تصدقني، يعني ايش تبغى؟ أحيانا الإنسان يحاول أن يظهر بعض القضايا التي تدل على نزاهة ضميره ويخاطب ضمير من أمامه، ويكون هذا من جملة أيضا الإشكالات التي تحصل لدى الكاذبين. الأمر الثالث الذي فعله إخوة يوسف لتبرير أو للتمويه على ما فعلوه، الاتيان بالأدلة الزائفة، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
يعني تزييف الأدلة ومحاولة الاتيان بوثائق بمستندات بحسب الحال، طبعا أحيانا ممكن الواحد قد يأتي بأوراق، مرة يأتي بما يمكن أن يشفع له، رسائل كذا، هنا أتوا بالقميص، أتوا بالقميص ووضعوا عليه دما، وهو دم كذب، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ. لاحظوا الآن هذا ثالث أسلوب.
الآن أول شي الانفعالات النفسية الزائفة اللي هو البكاء، ثاني شي محاولة مخاطبة ضمير الشخص اللي من أمامه القاء شيء من اللوم عليه، وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، الأمر الثالث الاتيان بأدلة زائفة، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ. هذه الأمور الثلاثة التي فعلها إخوة يوسف يجب أن تكون عبرة لنا في عدم الاغترار بمجرد الكلام إذا تكلم الإنسان، وهذا لا يعني سوء الظن، وإنما أصدق في حالات تستوجب التثبت وتستوجب النظر وتستوجب عدم الاغترار.
فكما أن المؤمن مأمور بحسن الظن، وهذا هو الأساس، فهو مأمور كذلك بالتنبه والفراسة والفطنة، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، كما في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. لكن سبحان الله، قبل أن أنتقل إلى الآية التالية، من الأمور اللافتة للانتباه كثيرا أن هذا الشخص الذي يكذب ويزيف الأدلة ويفعل كل ما فعل مثل إخوة يوسف، لابد أن يسقط، لابد أن يسقط.
لاحظوا هنا إخوة يوسف مع أنهم حبكوا المشهد إلا أنهم وقعوا في أشياء لا يقع فيها الإنسان الصادق، فمثلا هم التقطوا كلمة الذئب، أن يأكله الذئب، التقطوها من والدهم فوجدوها حجة وأعادوا وكرروا نفس القضية، لأن يعقوب عليه السلام قال: وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فهم أتوا فقالوا، وطبعا هم ايش قالوا لوالدهم؟ لَئِن أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ. يعني مستحيل ما يمكن.
فالمفترض لو كانوا صادقين أن يكون كل مصيبة يمكن أن تقع إلا أن يأكله الذئب، لكن هم التقطوا الكلمة من يعقوب عليه السلام ثم أعادوا إنتاج هذه الكلمة بطريقة زائفة فقالوا: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ. طيب، ما موقف يعقوب عليه السلام وهو الموقف الأهم لنا في هذا اللقاء بالنسبة لأنوار الأنبياء، لأنه نريد الاستفادة دائما من مواقف الأنبياء وأن نريد تنزيلها على واقعنا بحيث أن الإنسان المؤمن في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى يحاول أن يستفيد دائما بتذكر مواقف الأنبياء واستجلاب هذه المواقف وتنزيلها على ما يشابه الواقع؟
يعقوب عليه السلام لما جاءه هذا الخبر الذي كما قلت في بداية اللقاء هو خبر عظيم جدا، خبر من اعظم المصائب التي يمكن أن يصاب بها يعقوب عليه السلام. يعني يوسف عليه السلام الذي كان يعقوب يحزن أن يذهبوا به ولو في نزهة، الآن يأتون فيقولون: يوسف انتهى، لم يعد لك فرصة أخرى ترى يوسف عليه السلام. الخبر مصيبة.
لاحظوا عند المصيبة، أظهر يعقوب عليه السلام عند الصدمة، أظهر يعقوب عليه السلام الصبر الجميل، فقال مباشرة، قال أولا، قال لهم بالنسبة للادلة هذه التي ذكرتم: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا. يعني هذي ترى مصيبة على مصيبة، الفكرة هي أنه ليس حادثا قدريا محضا أتى الذئب وأكل يوسف، لا، الآن اجتمع على يعقوب عليه السلام، اجتمعت عليه مصيبتان، المصيبة الأولى فقدانه ليوسف، والمصيبة الثانية أنه يعلم أن أبناءه هم الذين أفقده يوسف وهم الذين مكروا به.
فكيف يستطيع أن ينظر في وجوههم وهم يعيشون معه، وهو بينهم وهم الذين كادوا بأحب الناس إليه وأبعدوه عن أبيه؟ هاتان مصيبتان، فيوسف يعقوب عليه السلام مع ذلك وعند هذه الصدمة وعند هذه الصدمة قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. لذلك أيها الكرام، الاقتداء بالأنبياء ليس بالكلام، الاقتداء بالأنبياء يكون أين؟ يستطيع الإنسان أن يقتدي بهم عند الأزمات، عند الشدائد، عند الابتلاءات، أو أن يقتدي بهم على طول الطريق، لأن بعض الأمور سهلة الاقتداء، نعم هي من الاقتداء والحمد لله وهذا من الخير، لكن تظهر حقيقة الاقتداء عند الأزمات.
ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها بحادثة الإفك استدعت تصرف أو كلام يعقوب عليه السلام وقالت: إني لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف. وقال بعض العلماء إن عائشة رضي الله تعالى عنها نسيت اسم يعقوب من شدة المصيبة، من كثرة الكلام الذي كان يقال عنها حتى ما استحضرت اسم يعقوب عليه السلام فقالت: لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف وهو يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.
لاحظوا كيف عائشة استدعت موقف يعقوب واستفادت منه في مصيبتها، نحن هذا الذي نريد، وهذه أنوار الأنبياء، هذه هي أنوار الأنبياء، أن يستفيد الإنسان من مواقف الأنبياء في حياته فيسعى للاقتداء بهم. لذلك إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، هذه السلسلة ليست فقط لنقول: الله، واستدلال جميل ما شاء الله، فائدة لطيفة، ليس هذا هو الهدف من السلسلة، الهدف الأساسي من السلسلة هو أن نجعل أنبياء الله لنا مثلا، وهذا يجعلنا نقرأ كتاب الله بعين مختلفة.
لذلك أنا نصيحتي، ونحن لا نزال في شهر رمضان والحمد لله في ثلثه الأول، نصيحتي أيها الكرام، إذا قرأتم كتاب الله ركزوا على مواقف الأنبياء، ركزوا على عبادات الأنبياء، ركزوا على اتصال الأنبياء، ركزوا على مواقفهم وقصصهم وأحوالهم، واجعلوا هذه كلها من الزاد ومن الأنوار التي يقتبس الإنسان منها في حياته.
طيب، إذا المصيبة كانت عظيمة وقابلها يعقوب عليه السلام بالاستعداد للصبر الجميل. ولاحظوا على عظم المصيبة، يوسف يعقوب عليه السلام لم يبدي فقط الاستعداد للصبر وإنما الصبر الجميل، قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وهنا اختلفت الأنظار، هل المقصود بالصبر الجميل هو أنه الصبر يوصف أصلا بأنه جميل، أو أن هناك من الصبر ما هو جميل وهناك من الصبر ما دون ذلك؟ اختلفت الأنظار في هذه القضية، فمنهم من ذكر في قضية الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه، أو بعضهم قال هو الذي لا يخالطه جزع.
لكن لاحظوا الفكرة والهدف هو الاستعداد التام عند المصيبة للصبر، وكأن يعقوب عليه السلام يقول: هذه أعظم المصائب التي يمكن أن أصاب بها ولكن صبر جميل، صبر جميل. ثم الموقف العجيب وهذا الدرس الثاني هو العفو، هو الحلم الذي كان عند يعقوب عليه السلام، يعني ليست القضية مجرد أنه هو صبر على فراق يوسف، والفكرة أن هؤلاء هم الذين كادوا ليوسف ويعقوب يعلم ذلك، لكنه قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.
يعني لم يكتفي بمجرد الصبر وإنما جمع إلى الصبر الحلم، جمع إلى الصبر الحلم على من أساء، فسبحان الله وسبحان من جعل أنبياءه على هذا الكمال. طيب، الفائدة الثالثة أو الرابعة من هذا الموقف من يعقوب عليه السلام هي أهمية الجمع بين الصبر والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، لأن يعقوب جمع بينهما فقال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.
فسواء كانت هذا يستقيم خاصة على قول من قال والله المستعان على ما تصفون، هذه متعلقة كذلك بالصبر من جهة أنه فصبر جميل، الله يعينني على ما يترتب على هذا الوصف من ابتلاء وفراق وما إلى ذلك، فسأصبر وأستعين بالله على هذا الصبر وتداعيات هذا الموقف وهذا الإشكال، فالجمع بين الصبر والاستعانة هو من أعظم الأمور التي يحتاجها الإنسان المؤمن في حياته: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.
طيب، الصبر في قصة يوسف عنوان من العناوين الكبرى، الذي يقرأ قصة يوسف أو يقرأ سورة يوسف عليه السلام ثم لا يخرج بنتيجة أن الصبر من أهم ما ينبغي أن يعيش الإنسان به ومعه ويصطحبه في حياته، فلم يخرج من قصة يوسف بفائدة حقيقية. قصة يوسف مركزيتها في الصبر، الصبر من جهة يعقوب عليه السلام والصبر من جهة يوسف عليه السلام، وكلاهما أصبر من الآخر.
فيعقوب صبر على فراق أحب أبنائه إليه، ولم يكن فراقا عاديا، هو مو فراق أنه رايح دراسة ولا رايح يتعلم، ولا هو فراق ببلاء وكيد وبمكر الحسد، ولا يعرف يعقوب عليه السلام أين هو، أو لا يبدو والله أعلم أنه يعلم أين هو بالضبط، لأنه قال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا، هو يعلم أن كلامهم ليس صحيح، لكن أين التفاصيل؟ وبعد ذلك قال: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ، ابحث، اذهبوا تلمسوا الأخبار. لا يعلم أين هو، فصبر يعقوب عليه السلام على هذا الفراق الشديد الصعب الذي طال لسنوات طويلة. يوسف عليه السلام حين فارق أباه كان فتى، فتى غلاما صغيرا، ثم بعد ذلك
كل تلك الاعوام حتى صار وزيرا، ومر بالسجن بضع سنين، وقبل ذلك في بيت العزيز، بعد ذلك في القيام بأُمور الوزارة، ثم سنوات طويلة جدا، ويعقوب عليه السلام يستصحب معه هذا الصبر.
فلما قال يعقوب عليه السلام: فصبر جميل، هي ليست القضية الآن فقط هي صبر جميل، هذا الصبر استمر معه عشرات السنين، عشرات السنين وهو صابر، والمصيبة تنكأ فيه وتحفر، تحفر في جسده وفي نفسه حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.
ومع ذلك لم ييأس من روح الله، وكان يقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وهذا من جملة ما فسروا به في قضية آآ صبر جميل، أنه إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
طيب، إذا هذا صبر يعقوب عليه السلام من الجهة الأولى على هذا الفراق اللي استمر عشرات السنين، ومن الجهة الثانية صبره كما ذكرت على كيد إخوته بابنه يوسف.
أما يوسف عليه السلام فصبره أنواع، على أنواع من البلاءات وعلى أنواع من الشدائد، فصبره كان في البداية على كيد إخوته، وكان صبرا، وكان أمرا صعبا، وأمرا عظيما، يعني تخيلوا يا جماعة الخير إخوة، إخوانك إخوانك اللي أنت نشأت معهم في البيت يأخذون بهذا الفتى الصغير.
يعني تخيلوا الآن لو احنا شاهدنا مقطع في اليوتيوب مثلا، أم مثلا ولا ولا أخ ولا أخت آآ تمسك مثلا الولد الصغير وترروح ترميه مثلا بين كلاب ولا ترميه في في مكان خطر ولا ترميه، تخيلوا يعني إيش إيش يكون ردة فعل من هذا الموقف، يعني شيء يعني مستبشع غاية الاستبشاع.
فتخيلوا يوسف عليه السلام وهو لا يملك من أمره شيئا، وإخوته يحملونه ويلقونه في الجب، تخيلوا ما الذي يمكن أن ينظر فيه يوسف، اليس تماما، ما الذي يمكن أن يكون في شعوره في تلك المرحلة؟ أمر عظيم، طب كم كان عمره صغيرا، فالقضية شديدة جدا.
ثم بعد ذلك صبره على أنه كان يباع، آآ أسروه بضاعة، أسروه بثمن بخس، وهذه سيأتينا في اللقاء القادم بإذن الله تعالى.
ثم بعد ذلك كله صبره في الغربة، الاغتراب أمر صعب، تلك الغربة الطويلة التي اغتربها يوسف عليه السلام، لا أهله ولا والداه ولا إخوانه ولا إلى آخره، هذه غربة صبر.
ثم بعد ذلك صبر على الفتنة التي حصلت من امرأة العزيز، وهذا صبر عن المعصية وهو صبر صعب، ثم بعد ذلك الصبر على كيد النساء الذي كان يتردد حوله: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا، إلى آخره.
ثم بعد ذلك صبره على السجن بضع سنين، قصة طويلة من الصبر، قصة طويلة من الصبر، لذلك كان في ختام قصة يوسف عليه السلام قوله عليه السلام: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْفِرْ -عفوا- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، لاحظوا أن ختام القصة ختمت بالصبر، فمن أعظم الفوائد المركزية في قصة يوسف عليه السلام هي فائدة آآ أن يخرج الإنسان من هذه آآ أو من هذا هذه المواقف من الأنبياء، أن يقتبس من نور الصبر الذي أُوتوه ولو بنسبة، فالإنسان يحاول أن يقتدي بالأنبياء بقدر آآ ما يستطيع.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يتقبل منا ومنكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حب أنبيائه وحسن اتباعهم، وأن يجعلنا ممن آآ آآ ممن يكون على طريقهم في إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى، وفي الصبر على الشدائد والابتلاءات، وفي التبتل والتعبد لله سبحانه وتعالى، وفي المسارعة إلى الخيرات.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من آآ من يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويعيش عليها ويموت عليها، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من الواردين على حوضه، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يرافقه في آآ جنة الخلد.
نسألك اللهم أن تعفو عنا وتعافينا، ونسألك اللهم أن تتقبل منا صالح الأعمال، وأن تعيننا على الصيام والقيام، ونسألك اللهم أن تحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسألك اللهم أن تبارك في هذا الجمع الطيب ممن حضر هذا البث إخوة وأخوات ممن يشاهده بعد ذلك، وأن يجعلنا ممن آآ يعقدون قلوبهم على الخير ونواياهم على الخير والصدق والبر.
اللهم آمين بفضلك ورحمتك، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، حقق الله لك ما تريد يا عبد الكريم.
الشيخ أحمد السيد