دخولتسجيل الدخول

أنوار الصحيحين | كتاب فضائل القرآن 03 | شرح الجمع بين الصحيحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. حياكم الله أجمعين.

نستعين بالله ونستفتح المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب فضائل القرآن من كتاب الجمع بين الصحيحين للشيخ يحيى اليحيى حفظه الله وبارك فيه وجزاه خيرا.

نستفتح مجلسنا هذا بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ.

وهذا الحديث فيه أكثر من رواية؛ هناك من روايات البخاري زيادة مهمة، أو رواية فيها زيادة مهمة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ويعمل به، يعني: مثل المؤمن الذي يقرا القرآن ويعمل به كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرا القرآن ويعمل به كمثل التمرة، هذه زيادة مهمة. وايضا هناك رواية متفق عليها بدل المنافق: الفاجر.

هذا الحديث حديث عظيم، وفيه أمور مهمة يمكن الاستفاده منها بالتأمل في هذا الحديث الشريف، لكن قبل ذلك نأخذ كلام الإامم البخاري رحمه الله أو تبويبات الإمام البخاري على هذا الحديث. قال البخاري رحمه الله: باب فضل القرآن على سائر الكلام. وايضا بوب على هذا الحديث بقوله: باب إثم من راى بقراءة القرآن أو تاكل به أو فخر به. وايضا بوب عليه البخاري بقوله: باب ذكر الطعام، وكذلك قال: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم، نسأل الله العافية.

هذا الحديث فيه فوائد متعدده؛ منها: أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على إصال العلم بأفضل الطرق وأكمل وسائل البيان. البيان أمر عظيم، وهو سر من الأسرار وعالم من العوالم الواسعة. الحق الذي يحمله أصحاب الحق لابد له من أساليب بيانية توصله إلى الناس. النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل من أساليب البيان أحسنها وأجملها وأزكاها، ويحرص على أن يصل العلم الذي يريد إيصاله -يحرص على إيصاله صلى الله عليه وسلم- بأفضل طريقة، وهكذا ينبغي أن يكون حملة ميراثه وورثته صلى الله عليه وسلم، أن يحرصوا على الأساليب البيانية.

يعني هنا في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوب ضرب الأمثال، وضرب المثل أمر مهم للأذهان وللنفوس؛ لأن ضرب المثل يقرب الفكرة أو القضية النظرية أو الحقيقة العامة المجردة. لما يضرب المثل يعني تقرب الحقيقة النظرية بمثال معين، فإن الأذهان تلتقط الفكرة بطريقة مفصلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ضرب مثلا للمؤمن الذي يقرا القرآن، وللمؤمن الذي لا يقرا القرآن، وللمنافق الذي يقرا القرآن، وللمنافق الذي لا يقرا القرآن. ضرب مثلا للمؤمن الذي يقرا القرآن ويعمل به، وللمؤمن الذي يقرا القرآن الذي يعمل بالقرآن ولا يقرا القرآن، هذا على تفصيل الرواية الأخرى التي في البخاري.

أحسنا. النبي صلى الله عليه وسلم الآن في هذا الحديث ما ما هو المراد؟ ما هو المقصود؟ يعني ماذا يريد النبي صلى الله عليه وسلم بضرب هذا المثل؟ بطبيعة الحال يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤكد لأمته، أن يؤكد لأصحابه أهمية قراءة القرآن والعمل به، وأن هذا وأن هذه التلاوة لكتاب الله تزيد المؤمن بهاءً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الإيمان بالطعم، وشبه تلاوة القرآن بالرائحة. فان المثال فيه أن المؤمن إذا جمع بين الإيمان -وهذا الإيمان يتضمن العمل بالقرآن- وبين تلاوة القرآن، فانه يجمع بين الطعم الطيب والريح الطيب.

النبي صلى الله عليه وسلم يريد بالمثل أن يؤكد على أهمية العناية بكتاب الله سبحانه وتعالى وبتلاوته وقراءته، وأن هذا يزيد المؤمن بهاءً، ويزيد المؤمن نوراً، ويزيد المؤمن زكاءً. وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم بصرنا بهذا الحديث على أن المنافق قد يكون من قراء القرآن، وانه بذلك لا يزيد على أن يكون له ريح طيبة، ولكن طعمه من الداخل وحقيقته من الداخل وجوهره من الداخل هو جوهر خبيث. إذاً ضرب المثل قرب هذه الحقيقة، وهذا هو المقصود من الفائدة الأولى في أهمية البيان.

الفائدة الثانية: في أهمية تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى. وهذا العمل أيها الكرام -تلاوة القرآن- عمل شريف، عمل عظيم؛ كما بوب البخاري رحمه الله على هذا الحديث كما مر معنا، قال: باب فضل القرآن على سائر الكلام. ما يتلوه الإنسان في حياته ويقراه هو كلام الله سبحانه وتعالى، كتاب الله الذي أنزله والذي عظمه وبين مكانته، وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ۝ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، إلى غير ذلك. هذا القرآن اعظم ما يتلى وأعظم ما يقرا، ولذلك إذا كان المؤمن عاملا بالقران ولكنه غير تانٍ له، فمهما كان عمله صالحا فان فيه نقصاً، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن الذي لا يقرا القرآن كالتمرة طعمها طيب -أو طعمها حلو- ولا ريح لها، إذاً هناك شيء ناقص، لابد أن يجمع الإنسان بين الامرين، وأن يجمع بين الإيمان والعمل بالقرآن وبين تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى.

وهنا يعني يخص بالتوصية من كان يسير على طريق الاصلاح وعلى طريق نصرة الإسلام والمسلمين، ومن كان يسعى لإحياء منهاج النبوة؛ فإن هذا السائر في هذا الطريق الشريف لابد أن يكون له علاقة مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن يكون له حظ من تلاوة القرآن ومن قراءته ومن تدبره، فهذا زاد عظيم للقلب وزاد عظيم للروح، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من هذا الزاد العظيم وألا يحرمنا من هذه الريح الطيبة التي شبه النبي صلى الله عليه وسلم من يقرا القرآن بأنه يحصلها.

الفائدة الثالثة: هي أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن المنافق قد يقرا القرآن، ولذلك قراءة القرآن بمجردها واتقان التلاوة واتقان مخارج الحروف واتقان أحكام التجويد وحسن الصوت بالقران وما إلى ذلك، هذا بحد ذاته ليس هو المعيار الذي يقيم من خلاله الإنسان، ليس هو المعيار الذي يقيم من خلاله الإنسان، هذا ريح يعني هذا زياده خير هذا زياده بركة، لكن الأصل هو في الطعم هو في الجوهر. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المؤمن الذي لا يقرا القرآن وشبهه بالتمرة طعمها حلو (يعني حقيقته من الداخل حقيقة طيبة وصالحه) ولكن لا ريح لها. وذكر المنافق الذي يقرا القرآن، إذاً المنافق أو الفاجر قد يقرا القرآن وهنا ليس المقصود مجرد يعني انحصار في مطلق القراءة لا، وإنما قد يقرا القرآن تلاوة مجودة وتلاوة متقنة؛ وكما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بانهم -قال صلى الله عليه وسلم-: يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وتلاوته إلى تلاوتهم، بمعنى أنهم يتقنون قراءة القرآن.

ولذلك متى ما رايت أهل زمان من الأزمان جعلوا معيار الأمر عندهم في العلاقة بالقران على حسن الصوت وححسن الأداء والمقامات وحسن أداء الألفاظ وكذا، وأنه هذا هو المدار، فلا شك أنهم قد جعلوا المدار على معيار غير تام وليس هو الجوهر الحقيقي الذي تقيم من خلاله النفوس، وإنما الجوهر الحقيقي هو مدى العمل بالقران -الإيمان والعمل بالقرآن- وهذا هو الموضح في الحديث، ثم بعد ذلك تاتي هذه التلاوة لتزيد المؤمن بهاءً وزكاءً ونقاءً.

وبعد ذلك ننتقل إلى الحديث التالي وهو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ -ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد- فَلَهُ أَجْرَانِ. هذا لفظ البخاري، ولفظ الإمام مسلم: المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ.

هذا الحديث عظيم ومهم جدا في كتاب فضائل القرآن، والبخاري أخرجه في تفسير سورة عبس، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: مع السفرة الكرام البررة؛ لأن في سورة عبس ذكر الله سبحانه وتعالى السفرة: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۝ كِرَامٍ بَرَرَةٍ. فالبخاري رحمه الله ربط بين هذه الآية وبين الحديث فأخرجه في تفسير سورة عبس، والشيخ يحيى اختار للحديث قوله: باب فضل حفظ القرآن. هذا الحديث فيه فوائد متعددة.

الفائدة الأولى: هي في فضل حفظ القرآن، كما بوب الشيخ على هذا الحديث. وقد جاءت الأحاديث وقد جاءت بعض الآيات في كتاب الله وجاءت بعض الأحاديث التي تدل على فضل حفظ القرآن، ومن أهمها هذا الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يقرا القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة. وكذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى قال سبحانه: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد القرآن ويوصي أصحابه بتعاهد القرآن، وكان يعلم أصحابه السورة من القرآن يعلموها إياها تعليماً.

وكذلك قال الصحابة: تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، معناها: تعلم القرآن وتعلم القرآن، تعلم ألفاظه، ويدخل ضمن هذا التعلم حفظ القرآن كذلك. فحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى أمر عظيم، وهذا الحفظ من ثمراته ومن حسناته كثرة تلاوة القرآن الكريم وذلك على مستويين؛ المستوى الأول: كثرة تلاوة القرآن أثناء الحفظ، لأن الذي يحفظ يكرر ويعيد ويكرر ويعيد فيتلو الآيات أكثر من غيره. وكذلك الذي يحفظ القرآن يتاح له أن يقرا القرآن في مواضع كثيرة لا يستطيع غير الحافظ أن يقرا فيها إلا بمشقة كبيرة.

ومع الفضل العظيم المترتب على حفظ القرآن وأهمية ذلك وكونه معينا للإنسان على قيام الليل ومعينا للإنسان على المحافظة على ورد القرآن -وخيرات حفظ القرآن لا تحصى- مع كون ذلك كذلك ومع كونه مع السفرة الكرام البررة، فإن هذا الحفظ ياتي في المرتبة الثانية بعد ما هو أهم منه، وهو تعلم معاني القرآن وتعلم حقائق القرآن والوقوف عند دلالات معانيه والوقوف عند زاجره وأمره والاستهداء به والعمل به. وهذا الترتيب كان واضحا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاجه.

النبي صلى الله عليه وسلم يا إخواني الكرام ويا أخواتي الكريمات كان حريصا على أن يجعل في أصحابه أو يجعل عند أصحابه هذا الترتيب بشكل واضح أولاً، والذي يأخذ القيمة الكبرى في الأهمية هو أن يعظم هذا القرآن ويستهدى به وتتفقه معانيه ويوقف عند حلاله وحرامه ويعمل به، هذه هي المركزية العظمى في التعامل مع القرآن، وكان ذلك واضحا بينا في منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد ذلك ياتي فضل القراءة والتلاوة والحفظ لكتاب الله سبحانه وتعالى.

ولذلك هذا الأمر وهذا الترتيب هو كما أسلفت واضح في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنته، الادله على ذلك كثيرة، وقد عقدت لها فصلا خاصا في كتاب المنهاج من ميراث النبوة، وهو الفصل أو الباب بعنوان: باب في تلقي القرآن على منهاج النبوة وتقديم مقصد العمل به والاستهداء به وتحكيمه وما إلى ذلك على غيرها من المقاصد الشريفة.

هذا الترتيب كما قلت مهم، قال جندب رضي الله تعالى عنه: تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، قال: كنا غلمانا أو فتيانا حزاورة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. حسنا، ما هو هذا الإيمان الذي يتعلم؟ هذا الإيمان الذي يتعلم هو من القرآن، يعني هو من حقائق القرآن، لكنه ليس ضبط ألفاظه ولا حفظ حروفه، وإنما هو تعلم معانيه، تعلم حقائق القرآن الكبرى، تعلمننا الإيمان، تعلمنا ما يتعلق بالأخرة، تعلمنا ما يرتبط بالعلم بالله سبحانه وتعالى وتصديق نبيه صلى الله عليه وسلم وحقائق الإيمان المختلفة. وهذا يجعل النفس والقلب والعقل أكثر تهيؤا لحفظ القرآن ولتلاوته، وأن تقع الآيات موقعها من هذه النفس التي تعلمت الإيمان.

والأدلة على ذلك كثيرة، والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه كثيرا من الآيات التي تدل على مقصد انزال هذا القرآن، وقال سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. وهذا الترتيب كان واضحا عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم تعلموا القرآن منه صلى الله عليه وسلم، فكان هذا واضحا بالنسبة إليهم.

وثم بعد ذلك حصل التغير، فتم تقديم مقصد حفظ القرآن وتلاوته على مقصد العمل به والاستهداء به والوقوف عند أمره وزاجره، ولذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنكروا هذا الانقلاب في المعايير أو الانقلاب في الأولويات. ولذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما -كما عند البيهقي والحاكم- استنكر ذلك وقال: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن، وكنا وكانت تنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنقف عند زاجرها وأمرها وما ينبغي أن يوقف عليه منها، ثم صار أحدكم يؤتى القرآن كما كنا نؤتى الإيمان، ويقرا ما بين الجلدة إلى الجلدة أو من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ولا يقف عند زاجره ولا أمره ولا على ما ينبغي أن يوقف عليه.

وكذلك كان التابعون رضي الله تعالى عنهم أيضا اخذوا هذا عن الصحابة، ولذلك قال الحسن رضي الله تعالى عنه: أمروا بالعمل بالقرآن فاتخذوا تلاوته عملا. وهذا كان على سبيل الاستنكار، ولذلك أيها الكرام نحن نجمع بين- نقول: من المهم الجمع بين الامرين، حفظ القرآن عظيم وفرق كبير.

بين طالب العلم الذي يحفظ القرآن والذي لا يحفظ القرآن فرق كبير، بين المتعبد الذي يحفظ القرآن والذي لا يحفظ القرآن. حفظ القرآن بركة عظيمة وخير كبير وأجر كبير، ولكنه يأتي في الدرجة الثانية بعد المقصد الأول الذي هو الوقوف عند القرآن، وعند معاني القرآن والاستهداء بها وما إلى ذلك.

الفائده الثانية هي في فضل من يجد المشقة والصعوبة في تعهد القرآن أو في قراءة القرآن، ومع ذلك يصبر ويتحمل هذه المشقة ويكمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران. هذا اللفظ فيه فائدة مهمة جدا، وفيه إعادة ترتيب أولويات أيضا مهمة جدا؛ لأن كثيرا من الناس اليوم يجعلون الأولوية أو يجعلون المعيار الذي يقبل الإنسان من خلاله فيما يتعلق بالقران هو مدى إتقان الألفاظ والحروف وسهولة ذلك عليه.

وأما من يجد المشقة والصعوبة، وقد لا يتقن يعني الألفاظ على تمامها والحروف على تمامها والتجويد على تمامه، ويحاول ويجتهد، قد يعتبرون هذا في مرتبة دنيا وأنه يعني مبعد، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يا كرام كان حريصا على أن يتعامل الجميع مع القرآن على أن يكون لكل مسلم صلة بالقران. أنت تقرا القرآن تجد فيه مشقة، اقرأ ولك أجران، استعن بالله حتى لو كانت هناك بعض الأخطاء اسعى لتصحيحها، ليس هو ليس هذا إقرارا للخطأ، لكن هو هذا الحديث فيه لفته تربوية عظيمة.

لأنه إذا كان الذي يقرأ القرآن ويجد بعض المشقة في تلاوته وقراءته وضبط ألفاظه وما إلى ذلك، إذا قيل له أنت يعني ما علاقتك بالقران، اذهب! هنا تنقطع الصلة بين المسلم وبين القرآن، وإنما المطلوب أن يقرب الناس من القرآن. يا أخي أنت من البادية، أو من الأعراب، أو كبار في السن، أو صغير في السن، أو لا تتقن القراءة جيدا، أو يعني ألفاظك أو لسانك فيه عوجاج، أنت لا تمنع من قراءة القرآن. بل قد يكون لك أجران إذا أنت اجتهدت في أن تقرأه وتضبطه وتستعين بالله على إتمام هذه التلاوة، واتمام هذه القراءة، والاتصال الدائم بهذا القرآن العزيز.

هذه قضية مهمة جدا جدا، ولذلك لا ينبغي أن يشدد على الناس الذين يجدون هذه المشقة. ليس صحيحا أنه الإنسان ياتي انسان من العوام، من كبار السن، كذا، يريد أن يتلو القرآن يتعلم بعض الأمور، نشدد عليه في الحرف الواحد، حرف الالف الهمزة هنا والحرف العين ومخرج الكاف ومخرج والتشديد حتى يعني حتى يصل إلى مرتبة القراء الكبار في إخراج الحروف من مخارجها. يا أخي الأمر أسهل من ذلك، الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران.

يعني هناك مسايرة، دعه يقرا، دعه يقرا حتى لو ما اتقن مخارج الحروف، حتى لو قصر في بعض أحكام التجويد دعه يقرا، ونعلمه شيئا فشيئا، المرة هذه يقرا بعد ذلك ننبهه يعني أهم شيء اللحن الجلي الذي يغير الذي يغير المعنى هو الذي يعني ينبغي أن ينبه عليه الإنسان. لكن إتقان التلاوة، النبي صلى الله عليه وسلم سمى هذه المرتبة العلية، سماها الماهر بالقران، هذه الماهر بالقرآن ليست لكل أحد، فلا ينبغي أن تكون معاهدنا ومدارسنا التي نعلم فيها القرآن كأنها كلها يجب أن تكون بدرجة الماهر بالقرآن وإلا فلا يكون مقبولا أو نعتبره كأنهم مذنب ذنبا عظيما، أو يعني ابدا بالعكس.

يجب أن يشعر بأنه على خير عظيم وعلى خير كبير، وأنه لو أخطأ في بعض الحروف الآن إن شاء الله مع التعود ومع الزمن يعني تغير شيئا فشيئا، وأنه هذه المشقة ومجاهدتك حتى تكمل هذه التلاوة وتكون علاقتك بالقران مستمرة هذه فيها أجر عظيم. والنبي صلى الله عليه وسلم جعل لك أو بين أن لك في هذه القراءة أجرين على ما تبذل وعلى ما تجتهد وعلى ما تجد فيها من المشقة وتقاوم كل ذلك ولا تستسلم لهذا الضعف الذي لديك، أو لهذه المشقة التي تواجهها.

هكذا ينبغي أن يوجه الناس فيما يتعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى وأن لا يشدد عليهم فيه، فنسال الله أن يجعلنا مع السفرة الكرام البررة، ونسال الله سبحانه وتعالى أن يعين كل من يتعلم كتابه ولو كان يتتعتع فيه أو هو عليه شاق. فهذا أيضا يعني من الفوائد التي فيه عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى، هذه فائدة الآن يعني أخرى عظيم رحمة الله، سعة رحمة الله سبحانه وتعالى. هذا الدين ينبغي أن يسهل على الناس، هذا الدين يسهل على الجميع، لا يعني يحرم الناس من التمسك فيه أو التعبد فيه أو تلاوة القرآن فيه بحجه أنهم لم يتقنوا أو ليسوا من الماهرين بقراءة القرآن، ونسأل الله التوفيق، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد.