يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي أكاديمية زاد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد ﷺ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه إلى يوم الدين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب وطالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، مرحبًا بكم على مائدة من موائد القرآن وسورة من سور القرآن.
كنا قد أخذنا في اللقاء الماضي تفسير سورة قريش، واليوم موعدنا مع سورة الماعون، وهي سورة مكية ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: أرأيت يا محمد الذي يكذب بالحساب والجزاء وثواب الله وعقابه فلا يطيعه في أمره ونهيه؟ كذلك تعريفهم بهذا الذي يكذب بالدين؛ هو الذي يدفع اليتيم عن حقه ويظلمه ويقهره. و«يدع» هو الدفع بعنف، يقال: دعت فلانًا عن حقه، فأنا أدعه دعًا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [القمر: 43]، أي يدفعون بعنف، أعاذنا الله وإياكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فلا يطعمه ولا يأمر بإطعامه، فلا هو يحث نفسه ولا يحث غيره، لأنه يكذب بالجزاء ويبخل بالمال. وقد جاءت «يكذب» و«يدع» و«يحض» بصيغة المضارع لإفادة التكرار، أي أنه يتكرر من هذا الشخص ويداوم عليه دائمًا؛ يكذب ودائمًا يدع ودائمًا لا يحض على طعام المسكين.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. مر بنا معنى الويل ومعانيه المختلفة، والأظهر الأجمع أنه كلمة وعيد، وهي تتكرر في القرآن كثيرًا، أي فوعيد وهلاك وعذاب يوم القيامة للذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها ثم هم عنها ساهون.
أما عن فعلها بالكلية، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وأما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعًا. قال عطاء بن دينار: الحمد لله أن الله قال ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل «في صلاتهم ساهون»، لأنه لو قال «في» لأصبحت أكثر الأمة في صلاتها إلا من رحم الله عز وجل. والصلاة تحتاج إلى مجاهدة في خشوعها وخضوعها، ليست بالأمر السهل الهين، ولكن ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. الذي يحاول يجاهد نفسه على الخشوع يسير في درجات كمال الصلاة، ثم إذا لم يكن فيرقعها بالنوافل حتى تكتمل.
وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا». اللهم عافنا يا رب، وأجرنا من النفاق وأجرنا من هذه الصفة، فالحديث خطير جدًا في تأخير الصلاة عن وقتها.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، يراؤون الناس بصلاتهم، يعني إن صلوا، أو يراؤون الناس بكل ما عملوه من أعمالهم البر ليثنوا عليهم. وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].
وهنا فائدة، وهي ارتباط الكسل عن الصلاة بالرياء؛ قالها الله في سورة الماعون هنا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، فالكسل عن الصلاة والسهو عنها مرتبط بالرياء، وكذلك في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أيضًا مرتبط بالرياء. وهذه من المناسبات، مناسبات المعاني بين سور القرآن الكريم.
ومن أراد كتاب مرجع مثل هذا فهو كتاب الإمام البقاعي «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»، يقع تقريبًا في ثلاث مجلدات أو بعض الطبعات أكثر أو أقل من ذلك، وهو أشهر كتاب في تناسب الآيات والسور، وهناك كتب أقل منه ككتاب السيوطي «المناسبات بين السور» وغيره.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
أما قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي لا يحسنون عبادة ربهم ولا يحسنون إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. والماعون طبعًا مأخوذ من المعن وهو القليل، وهو اسم لما يتبادله الناس اليوم بينهم من الدلو والفأس والقدر، ولا يمنع كالملح والماء وغير ذلك، أي شيء ينتفع به من الأواني والأدوات يسمى ماعونًا.
من فوائد الآيات أيها الأحبة، الواجب على المرء وعلى المرأة أن يتلو هذه السورة ويعرف ما فيها، وأن ينظر في نفسه هل هو ممن اتصف بهذه الصفات أو لا. وبالمناسبة أيها الإخوة أيها الأخوات، كثير من الناس ينزل الآيات على غيره ولا ينزلها على نفسه، فإذا قرأ صفات الضالين أو المغضوب عليهم رماها على اليهود والنصارى دون أن يتدبر في نفسه، بينما الصواب أن ينظر في نفسه أي شيء فيه من هذه الصفات فيتجنبها.
لذلك قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في معنى «غير المغضوب عليهم»: قال اليهود ومن نحى نحوهم، والضالون النصارى ومن نحى نحوهم. وقال: وجمع عمر رضي الله عنه يومًا الصحابة فقال: «يا أصحاب محمد، نزلت هذه الآية في علماء بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْهُدَىٰ وَالْبَيِّنَاتِ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]؛ يا أصحاب محمد، نزلت هذه الآية في علماء بني إسرائيل، فقد مضى القوم ولم يعنَ بها سواكم». لذلك الواجب في النظر في صفات المنافقين أن ننظر في أنفسنا، ولا نحولها على فرقة أو طائفة دون أن نفرغ منها.
لذلك أيها الإخوة، لابد أن ينظر الإنسان في نفسه: فيه أي شيء من هذه الصفات؟ فيجاهد نفسه على التخلص منها. والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسان ويتعبد الله بتلاوته فقط، بل المقصود أن يتأدب به أيضًا، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «إن النبي ﷺ كان خلقه القرآن»، أي أخلاقه التي يتخلق بها يأخذها من القرآن.
ونستأنف بإذن الله بعد هذا الفاصل: هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها، لا تحقيرًا لها.
فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم درسا لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها؛ فعن علي ابن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: «علموهم وأدبوهم». وتتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير».
والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات؛ يا عائشة أم المؤمنين، قال عطاء بن أبي رباح: «كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة». ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وابشري، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].
حياكم الله من جديد. أما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، فالسهو حقيقته عن أمر سبق علمه، وهو في الآية مستعار للإعراض والترك عن عمد على وجه التهكم؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَنفُسُونَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي تعرضون عنهم، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي معرضين، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ أي معرضون؛ فاستعار الغفلة للتعبير عن الإعراض. هذا بإجمال وباختصار ما يتعلق ببعض الفوائد الإجمالية عن هذه السورة.
ونعود الآن وإياكم مع بعض الفوائد المتناثرة والتفصيلات عن هذه السورة. أما السورة كما ذكرنا لكم سبع آيات وهي مكية. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، فمعنى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي بالجزاء والحساب في الآخرة، والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين مصيب هو أم مخطئ؟ واختلف في من نزل فيه هذا؛ تذكر أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقاله الكلب مقاتل، وقال الضحاك عنه: نزلت في رجل من المنافقين، وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل في أبي جهل، وقيل في عمرو بن عائض، والصحيح أن هؤلاء أمثلة لمن نزلت فيهم، وإلا فالحقيقة أن معظم المفسرين يقولون إنها نزلت في المنافقين عموماً أو في من يتصف بصفاتهم.
لذلك قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. وكما ذكرنا لكم الآية، وهي من تفسير القرآن بالقرآن: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس: «فذلك الذي يدع اليتيم أن يدفعه عن حقه ويقهره ويظلمه»، والمعنى على كل حال متقارب. ويقولون إنما يحوز المال من يطعن بالسنان؛ كان بعض الجاهلين يمنع الإرث عن النساء والصبيان، فكانوا يحتجون بهذا يقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ضم يتيماً من المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة». ما أعظم هذا الحديث! «من ضم يتيماً من المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة»، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة».
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي لا يأمر به من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء، وهو مثل قوله تعالى في سورة الحاقة، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. وليس الذم عاماً يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون اليوم ويقولون: "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟"، فنزلت هذه الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم، فيكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا.
أما قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أي عذاب لهم، وتقدم معنا قبل قليل: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. روي عن ابن عباس قال: هو المصلي الذي إن صلى لم يرجُ لها ثواباً، وإن تركها لم يخشَ عليها عقاباً. وعنه قال: الذين يؤخرونها عن وقتها. وكذا روى المغيرة عن إبراهيم قال: ساهون بإضاعتها، بإضاعة الوقت. وعن أبي العالية قال: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. قال القرطبي: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. نسأل الله السلامة.
وعن ابن عباس أيضاً قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها تهاوناً بها. المنافقون يتركون الصلاة سراً يصلونها علانية، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ويدل على أنها في المنافقين قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. وقال وهب عن مالك قال ابن عباس: "ولو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين". وقال عطاء -وذكرنا لكم أن عطاء هنا عطاء بن دينار لأن هناك عطاء بن أبي رباح وهناك عطاء خرساني لكن عطاء هنا المهمل- قيل في بعض التفاسير إنه عطاء بن دينار، قال: الحمد لله الذي قال "عن صلاتهم" ولم يقل "في صلاتهم".
قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت معنى "عن" أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة من المسلمين، ومعنى "في" أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة الشيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، معناه إذا كان السهو عنها فالمقصود بها المنافقين، وإذا كان السهو فيها فإنه لا يخلو منه مسلم إلا من جمله وكمله الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يقع له السهو في صلاته، فظل عن غيره؛ ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. قال ابن العربي: "لأن السلامة من السهو محال، وقد سهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته والصحابة".
أما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أي يري الناس أنه يصلي طاعة وهو يصلي تقية، كالفاسق يرى أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال إنه يصلي. وحقيقة الرياء: طلبوا ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس، وأولها تحسين السمت، وهو من أجزاء النبوة، ويريد بذلك الجاه والثناء. وثانيها الرياء بالثياب القصار والخشنة ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا. وثالثها الرياء بالقول، بإظهار التسخط على أهل الدنيا وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. ورابعها الرياء بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس، وذلك يطول.
وهذه بعض الأشياء التي ذكرها ابن العربي في كتاب أحكام القرآن، وهو كما ذكرت لكم من أفضل الكتب. وهو في أحكام القرآن على المذهب المالكي، وهناك أحكام القرآن على المذهب الشافعي للهراسي والطبري، وهناك أحكام القرآن على المذهب الحنفي للجصاص، وكل هذه الكتب مطبوعة وموجودة. ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة.
فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها؛ لقوله عليه السلام: «ولا غمة في فرائض الله»، لأنها إعلام الإسلام وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار. وإن كان تطوعًا فحقه أن يخفي؛ لأنه لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدًا للاقتداء به كان جميلًا، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثني عليه بالصلاة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فيه أقوال كثيرة، ما المقصود بالماعون؟ ذكرت لكم خلاصته، ولكن لا بأس في شيء من التفصيل للفائدة. الأول: أن المراد بالماعون أنه زكاة أموالهم، أي يمنعون زكاة المال. والقول الثاني: أن الماعون المال بلسان قريش. والقول الثالث: اسم جامع لمنافع البيت كالفأس والقدر والنار وما أشبه ذلك، وهذا القول قاله ابن مسعود وروي عن ابن عباس أيضًا.
والقول الرابع ذكره الزجاج وأبو عبيدة والمبرد؛ أن الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة، حتى الفأس والقدر والدلو والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير. ونستأنف بقية هذه الأقوال بإذن الله بعد هذا الفاصل.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ إما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل، النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوَهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ. فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي ﷺ فقال له: «يا بشير، أكل ولدك سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور».
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى؛ وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
حياكم الله من جديد. وصلنا إلى القول الخامس في المراد بالماعون، وهو العارية؛ أي الذي يُعار إلى الناس لينتفعوا به. والقول السادس: أنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، وهذا قول محمد بن كعب القرظي والكلبي. والقول السابع: أنه الكلأ. والقول الثامن: أنه الماء وحده، كما قال الفراء في كتابه "معاني القرآن" الذي ذكرته لكم سابقًا، قال هنا سمعت بعض العرب يقول إن الماعون الماء.
والقول التاسع: أنه منع الحق، قاله عبد الله بن عمر. والعاشر: أنه المستغل من منافع الأموال. والحادي عشر: أن الماعون الطاعة والانقياد. وقيل لعكرمة مولى ابن عباس: من منع شيئًا من المتاع كان له الويل، وهذا القول جميل لعكرمة مولى ابن عباس، والمقصود به: من يستحق الويل؟ هل هو صاحب الصفة الواحدة من هذه الصفات المذمومة التي ذكرها الله، أم الذين ذكر الله صفاتهم كلهم؟ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7].
فقيل لعكرمة مولى ابن عباس: من منع شيئًا من المتاع كان له الويل؟ فقال: لا الصفة الواحدة، ولكن من جمع ثلاثهن فله الويل؛ يقصد يعني ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالماعون. قال القرطبي: كونها في المنافقين أشبه، لأنهم جمعوا الأوصاف الثلاثة: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالمال. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]، وقال: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]. وهذه أحوالهم، ويبعد أن توجد من مسلم محقق أبدًا، وإن وجد بعضها فيلحقه جزء من التوبيخ؛ وذلك في منع الماعون إذا تعين كالصلاة إذا تركها، والله أعلم. إنما يكون منعًا قبيحًا في المروءة في حال غير حال الضرورة، والله أعلم.
لأن المسلم العادي لا يبعد أن يلحقه أي صفة من صفات المنافقين، ولكن عليه أن يعرفها ويتطهر منها ويتوب إلى الله، عسى الله أن يتوب عنا وعنكم؛ فنحن نقصر، ومن ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ نقصر أحيانًا في الصلاة عن وقتها، ونقصر أحيانًا ونسهو في ذات الصلاة، ونقصر أحيانًا عن إطعام المساكين ونغفل عنهم، بل نغفل أيضًا عن الحظ على إطعامهم، وقد ينسى بعضنا ويغفل فلا يعطي الماعون، وهو الشيء السهل التافه الذي لا يكلف الإنسان شيئًا؛ لذلك علينا أن ننتبه أيها الإخوة وأيها الأخوات.
وأيضًا هنا فائدة في تسمية السورة ذكرها الطاهر بن عاشور في تعدد أسمائها. قال عن ابن عطية -وهو صاحب المحرر الوجيز، وهو كتاب مطبوع محقق في أكثر من جهة، والآن كما ذكرت لكم يحقق في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة-: عنونها ابن عطية بسورة "أرأيت". وقال الكواشي في التلخيص: سورة الماعون، وهذه من أسمائها، وسورة الدين، وفي الإتقان وتسمى سورة الدين، وفي حاشيتي الخفاجي وسعدي تسمى سورة التكذيب، وكل هذه كلمات موجودة في هذه السورة. وقال البقاعي في "نظم الدرر" -وهذا الكتاب الذي ذكرته لكم يتحدث عن التناسب بين الآيات والسور-: سماها سورة اليتيم. فهذه ستة أسماء من أسمائها، وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور بناءً على أنها مكية، نزلت بعد سورة التكاثر وقبل سورة الكافرون.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3]. قال الطاهر بن عاشور: الاستفهام عمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع؛ فالتعجيب من تكذيبهم بالدين وما عليه من دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين. وأصل ظاهر الكلام أن يقال: أرأيت الذي يكذب بالدين فيدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، والإشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإشارة لتمييزه، حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه.
وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام، ومن مخالفة للحق، ومنافياً لما تقتضيه الحكمة من التكليف. وفي ذلك كناية عن تحذير المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين؛ بانهما من صفات الذين لا يؤمنون بالجزاء.
وهذا إيذان بأن الإيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة، التي يصير ذلك لها خلقاً إذا شبت عليه، فزكت، وانساقت إلى الخير بدون كلفة والاحتياج إلى أمر، ولا إلى مخافة مما يقيم عليه العقوبات، حتى إذا اختلى بنفسه وأمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال والنكراء، أجارنا الله وإياكم. والرؤية بصرية، قاله الطاهر بن عاشور، يتعدى فعلها إلى مفعول واحد، فإن المكذبين بالدين معروفون وأعمالهم مشهورة، فنزلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصر المشاهد. والحث كما ذكرنا لكم هو أن تطلب غيرك فعلاً بتأكيد، والطعام اسم للإطعام.
أما قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُم يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]، فويل له على سهوه عن الصلاة، وعلى الرياء، وعلى منع الماعون. جميع هذه الصفات المشتركة، حتى لا يخاف من وجدت فيه صفة واحدة، بل يبادر ويتوب إلى الله منها، سواء كانت جميعها فيه أو صفة واحدة.
وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع؛ لأن المراد بالذي يكذب بالدين جنس المكذبين، المراد به الجنس لا النوع، أي جنس المكذبين على أظهر الأقوال. فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا المصلي على الإطلاق. وعُدي بـ "ساهون" بحرف "عن" لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها، ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة.
الذين هم عن صلاتهم ساهون، يجوز أن يكون من معانيه الذين لا يؤدون الصلاة إلا رياءً، فإذا خلوا تركوا الصلاة. ويجوز أن يكون معناه الذين يصلون دون نية وإخلاص، فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل. وسيكون إطلاق "ساهون" تهكماً كما قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142] كما وردت عن المنافقين.
ويراءون يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه، ليتحدث الناس لهم بمحاسن ما هم بموصوفين بها. والسهو حقيقته الذهول كما ذكرنا لكم عن أمر سبق علمه، وهنا مستعار للإعراض، كقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، وليس المقصود الوعيد على السهو الحقيقي عن الصلاة؛ لأن حكم النسيان مرفوع عن هذه الأمة.
أسأل الله عز وجل أن يجيرنا وإياكم من صفات المنافقين جميعاً، وصفاتهم في هذه الصورة خصوصاً؛ من التكذيب بالدين يوم الجزاء، ومن دفع اليتيم، ومن عدم إطعام المسكين أو الحث على إطعام المسكين، ومن السهو في الصلاة ومن السهو عن الصلاة.
اللهم اجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم اجعل هذا الكلام حجة لنا وإياكم لا علينا. اللهم أقمنا به على الدين الحق. يا حي يا قيوم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغبات في كل علم نافع، متطلعة لزيادة الإيمان، وتريد...
د. سلطان العتيبي