السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
وهذا هو المجلس السادس بعد المائة من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وكنا قد توقفنا في المجلس الماضي عند الشائعة التي انطلقت من أن المشركين قد قتلوا سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عثمان بن عفان، وما ترتب على هذه الشائعة من بيعة الرضوان. وسميت بيعة الرضوان لأن الله تبارك وتعالى أنزل فيها آية تقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].
ونستأنف حديثنا فنقول؛ طبعا مسألة قتل الرسول وقتل عثمان بن عفان تحديدا مسألة فزعت لها قريش. طبعا فزعت قريش أولاً لأن مسألة قتل الرسول -والرسول من بني أمية من بني عبد شمس- هذا يسبب مشكلة داخلية في قريش، ويسبب مشكلة داخلية أيضاً بين قريش وبين العرب لأن العرب قتلت رسولاً، وتسبب مشكلة مع المسلمين لأنهم قتلوا رسول المسلمين.
وهذه البيعة التي بايعها المسلمون لنبيهم على ألا يفروا وعلى أن يموتوا زادت قريشاً فزعاً، فلذلك سارعت قريش فأتخذت أمرين اثنين معاً. الأمر الأول هو إطلاق عثمان بن عفان لتكذيب هذه الشائعة، والامر الثاني هو إرسال سهيل بن عمرو، وهذا هو السفير الأخير الذي قاد المفاوضات الناجحة في هذا الوقت.
احنا ذكرنا قبل ذلك فشل كل السفارات الماضية، لو حد فاكر قلنا كم سفير كان بين قريش وبين النبي في هذه الأزمة؟ كم واحد؟ ستة! قلنا اثنان من جهة النبي، واثنان من جهة قريش، واثنان وسطاء. حد فاكر حد فيهم؟ معلش نفتكرهم مع بعض. ذكرنا أن الوسطاء الذين تدخلوا كان الرجل الخزاعي، وهذا كان أميل إلى المسلمين وهو بديل بن ورقاء، والرجل الثقفي عروة بن مسعود، وهذا كان أميل إلى قريش. طيب، من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل النبي سفيرين؛ السفير الخزاعي خراش بن أمية وسيدنا عثمان بن عفان. ومن جهة قريش، أرسلوا رسولين سفيرين وهما الحليس بن علقمة سيد الأحابيش ومكرز بن حفص. تمام.
فالآن سهيل بن عمرو أول ما جاء دخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أول ما راه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد سهل أمركم، قد أراد القوم الصلح إذ أرسلوا هذا الرجل. تمام.
طيب، أريد أن أتوقف بالمشهد هنا لأن هناك مشهداً يجب ألا يفوت منا في مسألة بيعة الرضوان. بيعة الرضوان يا جماعة نحن ذكرنا أنه نزل فيها قول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة»، وقَوْله صلى الله عليه وسلم: «أنتم خير أهل الأرض». فضل عالٍ، ولذلك أهل بيعة الرضوان الدرجة التالية أقصِد للبدريين.
يعني المسلمين يقسمون الفضل على هذا النحو؛ الخلفاء الراشدون الأربعة ذروة الذروة طبعا على ترتيبهم، يعني أبو بكر أفضلهم ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهؤلاء الأربعة أفضل الصحابه. هؤلاء الأربعة بعدهم العشرة المبشرون بالجنة، اللي هم برضه منهم. بعد العشرة المبشرين بالجنة يأتي البدريون الذين شهدوا بدراً، بعد البدريين أهل بيعة الرضوان؛ لأنه النصوص متكاثرة في هؤلاء.
طيب، عندنا هنا المشهد الذي نريد التوقف عنده أنه هذا الفضل حرمه رجل واحد كان مع المسلمين. في واحد كان موجود في ذلك الوقت ثم حرم هذا الفضل الذي شمل الألف وأربعمائة اللي باقيين، شذ عنه هو، وذلكم هو الجد بن قيس. الجد بن قيس كان أحد المنافقين الذين خرجوا في هذه الغزوة، واختبأ خلف جملة الأحمر لكي لا يدعى إلى البيعة. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم يدخل الجنة إلا صاحب هذا الجمل، إلا صاحب هذا الجمل». تمام. هذا الجد بن قيس كان منافقاً.
طيب، لو تتبعنا تاريخ الجد بن قيس مع النبي صلى الله عليه وسلم سنرى أنه لم يحدث إلا احتكاك واحد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم. هو رجل من بني سلمة، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينه كان يتعامل مع أهل المدينة باعتبارهم قبائل وعائلات، فكان لكل قوم نقيباً زعيماً سيداً. فاكرين لما ذكرنا أن بني النجار كان زعيمهم أسعد بن زرارة، ولما مات جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: يا رسول الله من نقيبنا؟ فقال: «أنا نقيبكم» صلى الله عليه وسلم. ذكرنا ذلك عند كلامنا عن الهجرة.
طيب، بنو سلمة هؤلاء قال لهم: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله. قال: والله سيدنا الراجل الكبير وزعمنا هو الجد بن قيس، المشكلة الراجل ده أكثرنا مالا فعلا لكن بخيل هو سيدنا، يعني أكثرنا مالا على أننا نبخله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من البخل؟ لا يكون البخيل سيداً، إنما سيدكم عمرو بن الجموح». فاختار لهم النبي صلى الله عليه وسلم سيداً آخر وهو سيدنا عمرو بن الجموح.
طيب، سيدنا عمرو بن الجموح ذكرنا نحن أنه قد قتل في غزوة أحد لما قال: إني والله لأحب أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فلما قتل، جاء بنو سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا، إن يختار لهم زعيماً، فقال: فاختار لهم بشر بن البراء بن معرور. يبقى الاحتكاك الوحيد الذي نراه في حياة الجد بن قيس مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزع من زعامه قومه، تمام، نزع من زعامه قومه فظل مقيماً على نفاقه.
فتخيل يا أخي المسلم -أن تكون- صل على النبي بقى في صحبة خير نبي وفي صحبة خير بشر، وخرجت إلى الغزوة وتنزل رضوان الله على كل من حولك إلا أنت! يعني انظر مدى الشؤم الذي أصابك. كل من حولك قد غفر لهم ورضي الله عنهم إلا أنت!
طبعا هذا الرجل نحن كنا ذكرناه أيضاً في الحديبية لما قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الصحابه وتخلف عنه هو، فقالوا له: اذهب يستغفر لك رسول الله. قال: لأن أجد ضالتي أحب إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم! فاكرين هذا الموقف؟
فهذا الموقف يا جماعة يجب أن يجعلنا مرعوبين. يجب أن يجعلنا مرعوبين من المصير؛ أن الواحد ممكن يقضي حياته في صحبة الصالحين وبين الصالحين لكن عنده شيء في قلبه ها هنا يجعله مفارقاً لهم. شيء النفاق، طبعا برده لا تصوروا أن النفاق ده يعني واحد نوى يكون منافقاً، لا. النفاق هو شيء يكتسب، يعني شيء يمكن أن تكون خالياً منه وتكتسبه، تمام؟
الإصرار على معصية -طبعا أنا أعرف أن العلماء يفرقون بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي مفهوم، وفي نفاق أكبر وهو أن تبطن الكفر وتظهر الإسلام مفهوم، ونفاق أصغر وهو النفاق: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً»- حتى يدعها مفهوم. إنما كما قال ابن القيم رحمه الله: الذنوب تؤدي لبعضها. كان له تقسيم لطيف كررناه قبل ذلك، أن الذنوب شهوات وشبهات وشرك، دي أنواع الذنوب. فمن أسرف على نفسه في الشهوات وقع في الشبهات، ومن أسرف على نفسه في الشبهات وقع في الشرك. فالواحد لا يتخيل، ولذلك تسمعون قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 75-76]. فاعقبهم نفاقاً -اللي كان ده ما كانش عنده نفاق- لكن لما عمل لما أخلّ عهد الله معه حصل ايه؟ أعقبه عوقب بالنفاق، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77].
المهم يا جماعة الخير فالأمر يجب أن يكون -قد تكون في أطهر صحبة ومع خير النبي ثم تدخل النار- المسالة بالنهاية المسالة فردية والحساب فردي. لن يغني أحد عن أحد شيئاً، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلهَا﴾ -واحد شايل ذنوب كتير وبيقول يا جماعه حد يشيل عني يوم القيامة- ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى﴾ [فاطر: 18]. ما حدش لن ينجدك أحد.
ولذلك ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً للذين كفروا مين؟ امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما. متخيل زوجة نبي كفرت وابن نبي كفر! وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مين؟ امرأة فرعون. ده مثال يخبرك أن الإنسان منتهى أمر الإنسان يعود إلى نفسه. في ناس كفرت مع توفر كل أسباب الهداية، فاكرين لما تكلمنا عن أبي طالب أنه كفر مع كل توفر أسباب الهداية لأنه كان ممسكاً بدين الاباء والأجداد؟
وصاحبنا هذا ليس لنا بصاحب، طبعا أقصِد الذي نذكره الآن الجد بن قيس، طبعا كلمة صاحب تطلق في خير وفي الشر، لكن هذا الرجل انظر انظر كيف بلغ مكاناً نزل فيه الرضوان وأخطاه هو! وعلى الجهه الأخرى انظر برضه امرأة فرعون؛ فرعون أكثر كفار الدنيا وكانت مؤمنة. فيا جماعة الخير المسالة فردية. فلذلك نسأل الله تبارك وتعالى أن يعافينا وإياكم من هذا النفاق، وأن يعافينا وإياكم من أن نصحب الأخيار ثم نتخلف عنهم إلى النار.
طيب، فهذا مشهد كان ينبغي ألا يفوت. المشهد الآخر الذي ينبغي ألا يفوت أيضاً وهو مسألة الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها. الشجرة هذه كان من فضل الله على المسلمين أنها خفيت عليهم. لما المسلمين لما جاؤوا في الأعوام التالية اختلفوا فيها؛ يا ترى الشجرة دي ولا الشجرة دي ولا الشجرة دي؟ اختلفوا فيها، تمام. نسوها، يعني خفيت عليهم، حتى الرواية التي جاءت عن سيدنا جابر رضي الله عنه؛ سيدنا جابر قال: ولو كنت ما زلت أبصر لأريتكموها. سيدنا جابر كان قد عمي في ذلك الوقت. القصد أن ما حدش ايه؟ ما حدش يعرف أين كانت الشجرة.
لكن كعادة الناس من التعلق بالاشياء، طبيعة الناس، طبيعة الناس أنها تتعلق بالأشياء أكثر من تعلقها بالأفکار، طبيعي. فكان من عادة الناس أنهم اتخذوا شجرة ظنوا أنها شجرة الرضوان فكانوا يصلون عندها، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب أمر بقطعها، تمام، لكي يستأصل أصل أن يتعلق الإنسان بشيء غير مقدس فيسبغ عليه القداسة.
طبعا احنا المفروض عايشين في هذا الزمن نعرف ونرى بأعيننا كيف يفعل الناس إذا تمسكوا ب إذا يعني تعلقوا بالأشخاص. الآن عندك أضرحة وعندك موالد، و يعني حقيقة المهتم بملف التصوف هذا يرى فيه شيئاً عجباً عجيباً. عندنا في مصر هذه الأيام معركة حول السيد البدوي، ولك أن تعرف أنه رجل لم يترجم له مؤرخون معاصرون له، يعني الناس اللي كانوا عايشين حواليه في زمنه لا يعرفونه فلم يترجموا له، أو على الأقل ما كانش معروف، ومع ذلك صار له مولد هائل هائل هائل هائل، ونسِبت له الكرامات!
نسِبت له الكرامات، منها مثلاً يشهر عنه أنه يقول الشعراني في كتابه المشهور طبقات، يقول: وقد رايت أنا بعيني -تخيل رجلاً في المئذنة، في مئذنة السيد البدوي- وما زال في قيوده، طبعا أنا عارف برضه أن بعض الناس اللي بيحبوا الشعراني بيقول لك قد دسّ في كتبه، أنا مش مهتم دلوقتي أحقق المسائل، أنا بتكلم عن رجل نسب إليه هذه الخارقة رآه في قيوده على المئذنة. إيه يا عم اللي جابك هنا؟ قال له: لقد كنت أسيراً في بلاد الإفرنج وجئت آخر الليل فدعوت السيد البدوي أن ينقذني، فانقضّ علي جاء طائراً من السماء خذو ثم تركني ها هنا. طار إليه ده بعد موته! طار إليه بعد موته وراح إيه أخذه ووضعه على المئذنة، فهو لسه إيه بيقول ف فادار رأسه لسه دايخ من الإيه من الرحلة اللي خدها بسرعة دي، فهيقعد يومين كده قبل ما ينزل يشوف حاله من على المئذنة يعني!
والمهم كلام كثير لا أخل فيه، القصد أن من يرى -طبعا أشد من بلاء الصوفية بلاء الشيعة- الشيعة من ينظر في ال مشاهدهم وحوزاتهم وكيف ينكبون تقبيلاً على قبور مشايخهم، ويرى شيئاً عنيفاً عجيباً شنيعاً. المهم القصد ها هنا أن الإسلام نهى أن تُشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة المقدسة، خلاص، ونهى أن تتخذ قبور الأنبياء مساجد، ونهى أن تتخذ تبنى على القبور مساجد، يعني كل ما يوصل به إلى تعظيم شيء لم يعظمه الله تبارك وتعالى فهو منهي عنه.
طيب، صلوا على النبي، نرجع بقى لمشهد صلح الحديبية بعد ما أخذنا إيه المشهدين المهمين دول؛ مشهد الجد بن قيس ومشهد قطع شجرة البيعة. جاء سهيل بن عمرو وعنده خط أحمر وحيد، سهيل بن عمرو جاء وفي جيبه خط أحمر وحيد، وهو أن لا يدخلها علينا هذا العام. ده سقف التفاوض بتاع قريش، خلاص. فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم معه فأطال الكلام، ثم انتهت المفاوضات إلى هذه البنود الأربعة، عقد اتفاقية بهذه البنود الأربعة، البند الأول... تمام. صلوا على النبي. بالمناسبة مما يجب ألا يفوتنا أيضاً أن
النبي صلى الله عليه وسلم استبشر بسهيل بن عمرو، لماذا؟ لأن سهيل بن عمرو جاء رجلاً سياسياً بعد رجلين عسكريين تماماً؛ عروة بن مسعود الثقفي ومكرز بن حفص.
الاتفاق البنود الأربعة كالاتي: البند الأول هدنة لمدة عشر سنوات توضع الحرب فيها بين الطرفين، ومن أراد من أصحاب محمد أن يقصد مكة للحج أو العمرة أو أن يبتغي من فضل الله فله ذلك، وكذلك من أراد من قريش أن يأتي إلى المدينة سواء مجتازاً بها يعني معدي رايح مصر ورايح الشام فهو آمن على نفسه وماله كويس، يبقى البند الأول إيه؟ هدنة عشر سنوات.
البند الثاني: أن ترجع عنا عامك هذا، حتى إذا كان عام قابل -السنة اللي جاية- جئت بسلاح الراكب، فأخلينا لك مكة -مش عايزين نشوفك، أخلينا لك مكة- فمعاك عمرة لمدة ثلاثة أيام، التأشيرة بتاعتك لمدة كام؟ ثلاثة أيام فإذا انقضت ذهبت، يبقى ما فيش دخول السنة دي، لكن المكانة تعهد بدخول السنة اللي جاية، طيب ده رقم واحد ورقم اثنين، رقم ثلاثة: إحنا قلنا المعاهدة أربع بنود، رقم ثلاثة: أنه من أراد أن يدخل في حلف محمد فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش فله ذلك.
الكلام ده بتعبرنا المعاصر دلوقتي كده: الدولة الإسلامية التي يقودها محمد دولة معترف بها خلاص، يعني يجوز ويباح إنشاء علاقات سياسية مع هذه الدولة، دي ترجمتها كما نفهمها في اصطلاحنا المعاصر، دولة معترف بها، لا حرج من إنشاء علاقات سياسية طبيعية مع هذه الدولة، من أراد أن يدخلها في حلف محمد وعقده دخل، ومن أراد أن يدخلها في حلف قريش دخل، فتواثبت بنو خزاعة -قبيلة بنو خزاعة- بعضهم حاضر قالوا: نحن في حلف رسول الله وعقده، وتواثبت بنو بكر الغريم لخزاعة وقالوا: نحن في حلف قريش وعقدها، يبقى ده رقم ثلاثة.
رقم أربعة: وأن من جاء محمداً من قريش بغير إذن وليه فانه يرده إليه، تمام مفهومة دي؟ يعني هجي واحد مسلم مش مستأذن من أبوه، مش مستأذن من سيد القبيلة بتاعته، فلا يجوز لمحمد أن يلجئه أو أن يجيره، يعني تصريح أمني يا جماعة الخير بمصطلح اليومين دول تمام؟ التأشيرة إلى المدينة غير مقبولة إلا بتصريح أمني من قريش، واحد جالك من غير التصريح الأمني يبقى إيه؟ يرد إلى قريش مرة أخرى، ومن جاء من محمد إلى قريش فإنهم لا يردونه، يبقى التصريح الأمني ده ليه وش واحد بس، ما فيش هنا معاملة بالمثل، التصريح الأمني المفروض على مين؟ على المسلم الذي يريد أن يلتحق بالمدينة، لكن لا يلزم الذي يريد أن يرتد من المسلمين إلى قريش، خلاص دول كده الأربعة.
بعد كده ديباجة بقى، وانه يعني لا أغلال ولا إسلال، يعني يلتزم الطرفان بالمعاهدة بتصريحنا بكلامنا اليومين دول يعني.
يبقى نراجع الأربع بنود تاني صلوا على النبي: في هدنة عشر سنين توضع الحرب والناس تأمن على نفسها، رقم اثنين نسيته: ترجع هذا العام على أن تعود على عام قابل وليس معك إلا سلاح المسافر سلاح الراكب، طيب رقم ثلاثة: لا آيوه من دخل في حلف محمد له ذلك، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش له ذلك، رقم أربعة: من جاء من قريش بدون إذن وليه فإن محمداً يرده عليهم، وعلى أن من جاء من عند محمد فلا ترده قريش خلاص.
طيب من طرف واحد؟ من طرف لا مش كل شيء، هو هذا البند فقط، الثلاث بنود السابقة متساويين، هو ده هو البند اللي فيه الإجحاف الظاهر، خلاص ماشي صلوا على النبي.
طيب ده الاتفاق العام، تعالوا بقى نترجمه إلى وثيقة مكتوبة، طبعا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب صلى الله عليه وسلم، كان أمياً؛ علمه شديد القوة علمه ربه، وهذا شرف النبي صلى الله عليه وسلم على كل الناس من شرف المعلم يا جماعة يعني، أمية النبي دليل على شرف المعلم، أن ما حدش له فضل على النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه، ومعلم المعلمين وأستاذ الأساتذة علم الدنيا لكن ما حدش له فضل عليه في التعليم.
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب لكي يكتب، آه اكتب: هذا ما قاضى عليه أو ما صالح عليه -في رواية- محمد رسول الله، لا الأول قال له ايه؟ اكتب باسم الله الرحمن الرحيم، سهيل بن عمرو قال له: والله لا ندري ما الرحمن الرحيم، إيه اللي أنت جابه ده كمان؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، هذا اللي إحنا عارفينه، وقد كان هذا من مفهوم الجاهلية ماشي.
اكتب يا علي باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قال له: استنى استنى لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني».
سدنا علي وقفت معاه في الحته دي، بعد ما كتبها قال: والله لا أَمْحُوهُ، والله إنه لرسول الله رغم أنفك، والله لا أمحو ووقفت مع سيدنا علي مش هيمسحها.
فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه، قال له: أرني مكانها فأشار إليه فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بيده الشريفة، ثم قال لعلي: لتأتين مثلها وأنت مضطر، هذا من علم الغيب.
آه يعني ايه؟ يعني يا علي هيحصل معاك نفس هذا الموقف في قابل الأيام، وقد كان متى؟ لما حصلت الفتنة بينه وبين معاوية رضي الله عنه ووقع التحكيم، وجاء لحظة كتابة العقد وقال: هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين، راح معاوية قال له: لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قتلناك، ما هو لو معاوية اعترف بأنه علي أمير المؤمنين اعترف على نفسه في اللحظة نفسها بأنه الباغي، وفعلاً محيت، بس هذا من علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب.
طيب نرجع الآن لسهيل بن عمرو، فاكتب اسمك واسم أبيك، المهم كتبت نسختان؛ نسخة لقريش ونسخة للمسلمين، وشهد عليها من المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان، وطبعا علي كاتب الوثيقة، ومعهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة -محمد بن مسلمة في اللحظة دي اعتبره قائد الحرس- وعبد الله بن سهيل بن عمرو.
عبد الله بن سهيل ابن السفير الموجود على الطرف الثاني، قلنا قبل كده أن سهيل بن عمرو أسلم له ابنان سابقاً كانا من السابقين؛ عبد الله وأبو جندل، فأما عبد الله وحبسهما سهيل حبس الاثنين، فأما عبد الله فتحايل على والده لما جاءت غزوة بدر قال له: فك وثاقي أقاتل معك، ففك وثاقه، فإذا بعبد الله بن سهيل يقتنص فرصة لما أقترب الجيشان فركب فرسه ولحق بالمسلمين.
مين اللي قاعد محبوس وكمل حبس؟ أبو جندل، فعبد الله بن سهيل بن عمرو كان موجوداً فينا شاهداً على هذه الوثيقة، وهذا نوع من مراغمة الأعداء وإغاظتهم برضه، أن أنت تأتي عند على موقف كهذا كويس.
طيب الكتاب بيتكتب، وإذا بمشكلة أخرى تحصل وهي أبو جندل الابن الثاني وصل في عملية هروب ناجحة من المعتقل.
أبو جندل جاء يرسف في قيوده، أبو جندل عرف يهرب وجاء يرسف في قيوده ووصل عند المسلمين والقى نفسه بينهم، طبعا تخيل معايا الأول واحد مسجون بقاله على الأقل ست سنين، إحنا مش عارفين زمن الحبس بدأ امتى تحديدا بس على الأقل من أيام الهجرة حبس، ونحن الآن في العام السادس للهجرة، طيب واحد محبوس ست سنين واستطاع أن ينفذ عملية هروب ناجحة في وقت عجيب جداً وقت قريش كلها متوترة، يعني يا جماعة عندنا حالة طوارئ، يعني عندنا استنفار أمني، يعني الواحد لو بيعرف يهرب في الأوقات العادية فهروبه في الأوقات اللي فيها استنفار أمني أشد وأصعب.
وخرج ماشياً من بيته إلى الحديبية على أطراف مكة ولا يحمل قيوده، مش عارف يفك قيوده أصلاً، يعني هو نزع وسع وهرب بقيوده، حتى وجد المسلمين فألقى نفسه بينهم، خبر عاجل: أبو جندل ينجح في الهروب من معتقل أبيه بعد ست سنوات من التعذيب، وطبعا يبدو عليه آثار التعذيب والسفر.
آه إيه اللي هيحصل بقى؟ سهيل بن عمرو لسه واخد لحظة إغاظة من أن ولده يشهد في الصف الذي أمامه، قال: يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه، هذه الحالة الأولى التي يقع عليها تنفيذ الاتفاق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقض الكتاب بعد»، لسه الأمور ما خلصتش لسه الوثيقة ما كتبتشت لسه الشهود ما ماضوش.
قال: إذاً لا أصالحتك على شيء أبداً، يبقى فشلت المفاوضات.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي»، يعني سيبه لي فوته لي -بالمصطلح المعاصر اعتبره بادرة حسنانية امشيها المره دي- فأجزه لي، أعطه لي.
فأجزه لي بمعنى إيه تفضل به علي كده، وهذا فيه طبعا تنزل من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: والله لا أجيزه لك.
قال: بلى فافعل، وأنا على حد علمي لم أر النبي يلح في قضية كهذه، يعني التكرار ده ما شفتهوش قبل كده، إلا أن يعرفني أحد ما لم أعرف.
قال: فأجزه لي، قال: لا أجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: والله لافعل.
طيب المفاوضات هتنتهي، مكرز بن حفص وده حبيب سهيل بن عمرو اللي موجود معاه، قال: بلى قد أجزناه لك الاتفاقية هتبوظ.
قال سهيل: والله لا أجيزه لك ما فيش، وأمسك بتلابيب أبي جندل وقبضها، التلابيب هي مجمع الثوب عند الصدر.
أخ طبعا تخيل أنت هنيجي دلوقتي الصحابه إزاي شايفين المشهد؟ بس تخيل هذا المشهد، واحد تخيل مثلاً أسير في السجون المصرية ولا الإسرائيلية ولا أي سجون وعرف ينفذ عملية هروب ناجحة، وبعدين جه عند المسلمين ووصل إلى أراضيهم وكان القرار إيه؟ إعادته مرة أخرى إلى سجنه، علشان لسه عملنا اتفاقية ما خلصناش خمس دقائق، ولسه حتى الاتفاقية نفسها لم تكتمل بشكلها القانوني، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ ألا ترون ما أنا فيه؟ تقول الروايه وكان قد عذب عذاباً شديداً ظاهر عليه العذاب.
قام اليه سيدنا عمر بن الخطاب، طبعا سيدنا عمر قال: قام فكان يسير إلى جانب أبي جندل وهو يقول له: اصبر اصبر يا أبا جندل، وإنما هؤلاء المشركين وإن دم أحدهم دم كلب، قال سيدنا عمر مش ماسك نفسه وهو يقرب إليه قائم السيف دلوقت، سيدنا عمر عايز إيه يعني القصة الصعبة دي؟ سيدنا عمر يقرب إلى أبي جندل، يعني أبو جندل لو سحب قائم السيف من عند عمر ليقتل أباه يبقى ينفلت إحنا واحد وأبوه.
اصبر يا أبا جندل وإنهم المشركين وإن دم أحدهم دم كلب، قال عمر: فضن الرجل بابيه وفاتت القضية، ما انتهزش الفرصة اللي كانت قدامه وفاتت القضية، خده ومشوا، ما عرفناش ناخده منهم تاني.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا جندل اصبر فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عاقدنا هؤلاء القوم عقداً وإنا لا نغدر -المسلمون لا يغدرون- ولكن يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً».
طيب أريدك هنا أن تتامل عادي جداً يا جماعة، لا تتخيلوا أن عالم السياسة ده عالم تحكمه العقول لا، ممكن المفاوضات الكبرى تنتهي من أجل قضية شخصية صغيرة زي ما أنت كنت شايف اهو، المفاوضات كلها رايحه تنهار لما لقى ابنه، عارف لو ما كنش ابنه أبو جندل كان ممكن يفوتها عادي، لكن شايف ابنه يوقع أمامه شاهداً، وشايف ابنه الثاني انفلت من حبسه خلاص نسي سهيل بن عمرو السياسة والفصاحه والموازنات وقفلت معاه على مين؟ على أبو جندل، ولذلك عمود المفاوضات شخصية المفاوض، أي حد يقرأ كتاباً في علم التفاوض سيجد باباً أو فصلاً عن شخصية المفاوض، ما هي مداخله؟ ما هي نقاط الضعف عنده؟ الراجل ده يجي بالترغيب ولا بالترهيب؟ يجي بالأغراء ولا يجي بالتهديد؟ يجي بالفصاحة ولا الفصاحة ما تأثرش معاه جلده تخين؟ فصشخصية المفاوض دي شخصية مركزية في أي عملية تفاوض.
وعادي جداً على فكرة ممكن تندلع الحروب التي يهلك فيها الشعوب علشان واحد أهان مفاوض في غرفة مغلقة عادي، تحدث كثيراً، من يطلع منكم على مذكرات السياسيين يرى هذا كثيراً، ما يا أمور كان يمكن أن تصل إلى حلول، لكن الطرفين لما لم يرتاح إلى بعضهما نفسياً أو حصل أمور خاصة وشخصية المفاوضات انهارت، فشيء طبيعي جداً.
ولكن ما الذي ينبغي أن نستفيده نحن؟ أول ما ينبغي أن نستفيده نحن يا جماعة هو أهمية المسارعة، لو أبو جندل وصل قبل خمس دقائق من اللحظة التي وصل فيها كان هيحصل إيه؟ كان المسلمون سياخذونه، فرقت خمس دقائق، ولذلك لا تتعجب حين ترى القرآن الكريم امتلا بالححث على المسارعة: ﴿وَسَارِعُو إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿وَسَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21]، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90].
لما وصف ربنا تبارك وتعالى المؤمنين أهل الكتاب في سورة آل عمران وكانوا يسارعون في الخيرات وعجلت إليك ربي لترضى، كلمة سيدنا موسى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هُم أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 83-84].
عجلت إليك رب لترضى. ربنا سمى الذين آمنوا أول الناس، سماهم إيه؟ السابقون الأولون، وسمى أقرب الناس إليه يوم القيامة والسابقون السابقون، كما في سورة الواقعة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11]. فالقرآن الكريم امتلا بمعنى المسارعة، ومعنى المسابقة، ومعنى العجلة في الخير طبعاً.
فأنت ترى كيف يمكن أن يكون التباطؤ فارقاً في المصير فلأنه أبو جندل قعد بعدها سنة بين إشكالات كما ساتي إن شاء الله. طيب، صلوا على النبي. إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: «اصبر، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً».
طيب، ها هنا حصل إيه بقى؟ طبعا هذا المشهد كان مشهداً عنيفاً على الصحابة، لدرجه أنه سيدنا سهل بن حنيف رضي الله عنه قال في زمن الفتنة والله قال كلمة مؤثرة جداً جداً سبحان الله في زمن الفتنة. طبعا أنا شرحت ذلك في سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى لمن أراد أن يتوسع فيها، لكن القصد يا جماعة الفتنة التي كانت بين المسلمين، كان كل ما يبقى في حل تنفلت أزمة، نحاول نحل الأزمة تنفلت أزمة تانية. فسيدنا سهل بن حنيف قال الكلمة اللي احنا محتاجينها دلوقتي دي، قال: يا معشر الناس، اتهموا الراي، وفي رواية اتهموا عقولكم. يعني يا جماعة، بلاش كل واحد فيكم يبقى متمسك برأيه ومتصلب عليه: يا معشر الناس اتهموا الراي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته.
مفهوم الكلمة طبعا، بيقول يا جماعة لا تتمسكوا بالراي، احنا كنا في يوم الحديبيه في موقف شديد وكلنا شايفين أن اللي بيحصل مش راضيين عنه، لكن لو كنت أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته. موقف أبو جندل ده ما ذروة؟ ذروة في أخ مسلم، تخيل أنا بقول لك تخيل، أنت حبيبك واحد أخوك بعد هروب من سجن أسرائيلي ولا مصري ولا أي بتاع، أردت أن تسلمه مرة أخرى! فكان يقول: يا معشر الناس، اتهموا الراي، لقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته. فيعني لا تتصلبوا في الراي.
طيب، هذا مشهد أبو جندل عند نهاية الاتفاق يا جماعة، كان في مشهدين مهمين: المشهد الأول مشهد أبو جندل، المشهد الثاني مشهد مجموعة من قريش حوالي سبعين أو أثمانين، أرادوا لم يكونوا يوافقون على هذا الصلح وأرادوا أن يشغبوا عليه فتسللوا يريدون غرة من المسلمين. يطلبون غرة من المسلمين، إحنا دلوقتي في لحظات تراخي، في لحظات مفاوضات وسلام، فهم صعدوا إلى الجبل يريدون أن يصيبوا غرة من المسلمين. فما أن هبطوا حتى حصلت معركة ومناوشات سريعة، كان قائد الحراسة بقى سيدنا محمد بن مسلم في ذلك الوقت، فأسرهم جميعاً بعد هذه المناوشات، أسروا جميعاً تمام.
طيب، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ استنى معايا لحظة. شوف بقى، روى مسلم أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
طيب، سيدنا سلمة بن الأكوع يروي مشهداً جزئياً، يقول: ثم إن المشركين راسلوا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، يعني حصل اختلاط بين المسلمين والمشركين ماشي، واختلطنا. وكنت تبيعاً (يعني كنت خادماً) لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه، والحس هو حك الظهر بالمحسة، وأخدمه، وأكل من طعامي، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجراً فكسحت شوكها (يعني كنست ما تحتها من الشوك) فاضطجعت في أصلها.
فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجره أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، حالة من السلام. فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا لالمهاجرين! قال: فاخترضت سيفي سللته وشددت على أولئك الأربعة. حاصر هؤلاء الأربعة اللي كانوا سايبين إيه؟ سلاحهم. قال: والله لا يقوم فيكم واحد إلا قطعت الذي فيه عيناه (يعني قطعت رأسه)، ثم أتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، هنا بقى ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ عفا عنهم جميعاً وأعادهم إلى مكة، وهؤلاء الذين عناهم الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 24].
ها هنا يا جماعة الخير، حاول بقى تتخيل معايا كده الصحابة وما يكون موقفهم في هذه اللحظة. يبقى إحنا عندنا أبو جندل جاء مسلما أرجعناه، والجماعة الذين أرادوا أن يغدروا بالاتفاق أرجعناهم أيضاً، حتى ما بدلناهومش بأبي جندل! وتعال استدعي الذاكرة الأولى، الذاكرة الأولى أنهم أصلًا خرجوا يريدون العمرة اعتماداً على قول النبي صلى الله عليه وسلم على رؤياه، أنه راى أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه محلقين ومقصرين، ووصلوا إلى الحديبية تجاوزوا كل الصعوبات، نوروا جيش خالد حتى الأمور اللي هي الصعوبات اللوجستيه مثلاً مثل قلة الماء أو غيره حلت بمعجزات، كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم وضع كنانته في البئر وكان الماء ينبع من بين أصابعه، والآن قريش في حال أضعف مما هي فيه، وبدا يتشقق حلفها وبدا ينصرف عنها العرب، والمسلمين متكتلون في كتلة واحدة، والآن هم على أطراف مكة، ثم مشهد أبي جندل، ثم مشهد هؤلاء الثانين.
ضف على ذلك هذان البندان الغريبان المفاجئان، اللي هو البند الأول بيقولهم يا جماعة أنتوا هترجعوا تاني من غير عمرة، واللي بعده ومن جاء من قريش بغير إذن وليه ترده تاني! حاول أن تمتلئ بنفسي صحابي على هذه الشاكلة، ولذلك يقول سهل بن حنيف: ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته. موقف صعب، موقف صعب. فكل الصحابة إلا شخص واحد هنعرفه بعد شويه، كانوا ضد هذا المشهد كلهم.
لكن من نطق بلسانهم؟ سيدنا عمر بن الخطاب. ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. وفي رواية أضاف عمر: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ (لو تحاربنا) قال: بلى. قال: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ إحنا إيش الذي يضطرنا إلى أن نوقع هذه الاتفاقية الظالمة المجحفة التي تأتي على حقوقنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله ولست أطعيعه ولن يضيعني».
عبارة واقف قدامها سيدنا عمر طيب، قال له: ألسست كنت تحدثنا أنا نطوف بالبيت ونأتيه؟ قال: بلى. أقلت لك نأتيه هذا العام، أنا حددت أن هذا هو العام الذي سناتيه فيه؟ قال: لا. وانتهى الحوار.
سكان سيدنا عمر، راح لأبي بكر، وأبو بكر هذا هو الصحابي الوحيد الذي لم يكن معترضاً. الصحابي الوحيد: يا أبا بكر، أليس برسول الله حقاً؟ بلى. ألسنا على الحق وهو عدو على الباطل؟ بلى. أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ بلى. وتكرر الحوار مرة أخرى مع أبي بكر على نحو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر.
هل شرح صدر عمر رضي الله عنه؟ الله أعلم. الرواية تسكت عن هذا تماماً، ما نعرفش سيدنا عمر كان موقفه إيه بعد الحوار، لكن ظهر من الحوار تطابق سيدنا أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم ماشي. المهم فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة الكتاب وقال لأصحابه: «قوموا فانحروا واحلقوا». النحر اللي هو نحر الهدي الذي يقدم إلى الكعبة، واحلقوا. فلم يقم منهم أحد. قال: «قوموا فاحلقوا وانحروا». فلم يقم منهم أحد. للمرة الثالثة: «قوموا فانحروا واحلقوا». فلم يقم منهم أحد.
فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجة التي كانت خارجه معه في ذلك الوقت، سيدنا السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية، وقال لها: «هلك الناس يا أم سلمة، أمرهم فلا يطيعون». قالت: يا رسول الله، اخرج ولا تكلم أحداً، ثم ادعُ حالقك فليحلق، وانحر بدنك وما تكلمش حد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحداً حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه وحلق، استدعى حالقه كان اسمه خراش بن أمية فحلق راسه الشريف. فلما رأى الصحابة ذلك قاموا وهم فيما هم فيه من الغم والكرب، ينحرون هديهم ويحلق بعضهم لبعض، حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً.
خلينا نقف هنا وقفة. صلوا على النبي. من أهم ما يستفاد هنا يا جماعة الخير: الصحابة دول كانوا قبل المعاهدة عاملين إزاي مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ شفنا كلمة عروة بن مسعود: لقد أتيت كسرى في ملكه، وقصر في ملكه، ونجاشي في ملكه، فما رأيت أحداً يحب أحداً كما يحب أصحاب محمد محمداً؛ إن أمرهم بشيء ابتدروه، وما يتنخم نخامة إلا تقع في كف واحد منهم فيدلك بها وجهه وجلده، وإذا توضأ ابتدعوا وضوءه، ماء الوضوء.
القلوب تتوحد عند الحرب، تختلف في السياسة. يعني فعلاً كلمة "الحياه في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله" دي كلمة حقيقية. الحرب عدوها واضح، جهتها واضحة، التفكير فيها قليل، مبنية على البذل، حتى لو هتحتار في التفكير، تحتار في التفكير كيف تنتصر؟ كيف تهزم عدوك؟ إنما وقت ما ندخل في باب السياسة والمعاهدة والاتفاقيات تبدأ العقول تختلف؛ يا ترى ده تنازل ولا مش تنازل؟ كنا نعرف نجيب أحسن من كده ولا ما نعرفش نجيب أحسن من كده؟ يا ترى اللي حصل ده مناسب ولا مش مناسب؟ معبر عن قوتنا الطبيعية وقوة عدونا، ولا الاتفاق ده فيه خصم من عمل أهل الميدان، أو الاتفاق ده فيه ما نسميه بالمصطلح المعاصر خيانة لدماء الشهداء؟
القلوب تتوحد عند الحرب، ولكن عند السياسة تختلف، تختلف وتتنازع، ويتوزع التفكير يتشتت الرأي. ففعلاً إدارة الحياة في سبيل الله (يعني إحنا أمة مليئة بالمقاتلين، هل شوفوا يا جماعة إحنا دلوقتي عايشين في عالم كله دولة حديثة والحدود مغلقة واللي عايز يجاهد في أي مكان بيضحي بنفسه أنه ممكن يتمسك على الحدود في أي حدود وينال العذاب الشديد، ومع ذلك لن تجد بقعة احتجت إلى المجاهدين وفرغت منهم من أفغانستان، للعراق، للشيشان، لكوسوفا، للبسنا، للصومال، لن تجد معركة حركة من معارك المسلمين إلا وانثال إليها الناس) ما كان هذا ممكناً، يعني ما فيش مكان اشتكى من قله الناس صح.
لكن بقى شوف تجاربنا السياسية وحتى الجهادية: هل استطعنا سياسياً أن نحصد ثمرتها ولا لا؟ فنحن أمة حقيقة يعني ليست بخيلة بالمقاتلين، المقاتلين فيها كتير، إنما المشكلة فين؟ المشكلة في ندرة هؤلاء القادة الذين يستطيعون تحويل عمل المقاتلين إلى مكاسب سياسية. أصله أمر صعب، ليس أمراً سهلاً. القتال أمر سهل، أيوه هو صعب على النفس، مش لا، أهون منه صعب على النفس، لكن ليس فيه حيرة، يعني حتى اللي قاعد عن الجهاد ونفسه غلبته عارف إنه غلطان وانه قاعد وناقص عن الجهاد تمام؟
إنما اللي داخل غمار السياسه وهو بيقول نعمل دي ولا نعمل دي؟ نوافق على الشرط ده ولا ما نوافقش على الشرط ده؟ هذا هو الإشكال حقيقة. وبالتالي يا جماعة، أحد المشاكل المعاصرة أنه حتى لو وجد فينا القائد والسياسي الحصيف الذي يستطيع تحويل المكاسب إلى المكاسب القتالية إلى مكاسب سياسية، سترى كثيراً من المسلمين المتدينين بل والمقاتلين من يرونه فرط وتنازل أو خان أو ده عميل أساساً. طبعا الأمثله مشهورة مش محتاجين نتكلم فيها. فامر صعب جداً جداً أن تدير عملية سياسية، أكبر من أن تدير قتالاً عسكرياً.
وفي المقابل عشان برضه صلح الحديبية ده درس في السياسة عظيم لا مثيل له، في جانب منه يخاطب هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم المثاليين والنقائيين، وبالمصطلح المعاصر الراديكاليين، الناس اللي هي إيه شايف أي تنازل تنازل لا يغتفر. وفي الجانب الآخر أيضاً، كم بقي صلح الحديبية هذا قميصاً يعلقه كل من أراد أن يتنازل؟ اللي هو يا جماعة إحنا داخلين في السياسه والسياسة دي معناها تنازل، فإحنا إن شاء الله هنتنازل دلوقتي وبعد شويه وبشویتين وبعد ثلاثة وهنكمل لغاية آخر الباب ده تنازلات!
طيب يا حاج فين التاصيل الشرعي؟ أنا واخد معايا صلح الحديبية طول ما أنا ماشي، أي تنازل قابلني أقول إيه؟ صلح الحديبية صلح الحديبية صلح الحديبية، لغاية لما صلح الحديبية صار عنوانا حتى أن بعض الناس يفرطوا في السخرية فيقعوا في المحظور، إلى أن صار صلح الحديبية وكأنه إيه يعني العلامة والتاصيل الشرعي الوحيد اللي محفوظ من السيرة النبوية كلها، اللي هو مسألة التنازل وكأنه فتح الباب لكل المتنازلين! غلط يا جماعة، الأول تأمل في كلمة النبي صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله ولست أعصيه»، هذا دليل على أن النبي في ذلك الصلح كان متحركاً بالوحي، يعني لا تورده المصادر أنه استشار صحابته في ذلك، بل إن الصحابة أغلبهم معترض، هو الوحيد الذي وافق أو سلم يعني رضي وسلم سيدنا أبو بكر.
فكلمة النبي لعمر تدل على إيه؟ «إني رسول الله ولست أعصيه ولن يضيعني»، تدل على وجود وحي يتحرك به النبي صلى الله عليه وسلم. طيب أصحابنا المعاصرين المتنازلين دول عندهم وحي؟ حد عنده وحي اليومين دول؟ أصله هذا يجب أن يكون واضحاً؛ عشان بقول لك إيه، في واحد شايل في جيبه صلح الحديبية طول ما هو ماشي في باب السياسه وبيفشل برضو عند آخر الباب هناك تمام، فيرجع.
يحدثنا عن تجديد الخطاب الديني ولا أريد أن أذكر الأمثلة المعاصرة الآن، فبالتالي يا جماعة، الذي يتكلم الآن عن هذا الاتفاق ويرى فيه يعني هذا القدر من التنازل، يجب أن يتذكر أموراً كثيرة؛ يجب أن يتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع هذا الاتفاق وهو قادر على القتال، بل وعنده بيعة من أناس قد اجتمعوا على أن لا يفروا عنه وعلى أن يموتوا دونه، يعني دي اتفاقية وقعها رجل كان على وشك أن يقاتل، فلا يقارن بها ولا يقاس بها واحد طول عمره ماشي مسالم لذيذ لطيف لم يفكر في حمل سلاح، أو حتى ينبذ السلاح وماشي في سكة التنازلات واخذ معه صلح الحديبية.
لا، يعني يجب أن تتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع الاتفاق وهو في حال قوة وققدرة على القتال، ما كانش بيهرب، ما كانش بينجو من فخ، ما كانش بيحاول يسحب الذريعة. ولا تنسى أيضاً ما سيفعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد قليل من التعامل مع أبي بصير، بس خلاصتها دلوقتي إنه في ثلة من الذين أسلموا لم يرضوا بأن يبقوا مع المشركين فعملوا زي خليه كده بدأت تشن حرب عصابات.
يا ترى إيه سياسة النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين شنوا حرب عصابات على قريش؟ أعلن أنه ينبذ ويدين العنف والإرهاب، ولا الجماعة دول والله خارج الاتفاق بتاعي، ما ليسوا تحت سيادتي القانونية، ماليش سيطره عليهم، وقال مسعر حرب أو مسعر حرب لو كان معه رجال فيه معنى رضا النبي صلى الله عليه وسلم بما يفعل لكن لن يتبناه. إنما أنت تلاقي إخوانك المتنازلين اليومين دول من قبل ما يحصل أي مكاسب ينبذ العنف والإرهاب، يا عم أنت طيب خد مكسب حتى وبعدين أبقى انبذ زي ما يعني نبقى نشوف علاقتك بخير، فتلاقي يعني من الدروس المتكررة في واقعنا المعاصر تلاقي السياسي المسلم دخل في السياسة بدأ يعادي إخوانه وحاضنته الشعبية في سبيل التقرب إلى أعدائه، وفي الآخر لا يحصل على رضا أعدائه ولا مكاسب منهم، ويبقى دمر علاقات قاطوها بالمكونات الإسلامية من خلفه سواء في صفه أو في غيره.
فلا تنسى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع الاتفاق وهو في حال قوة، ولا تنسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينبذ ما فعله أبو بصير ولم، ولا تنسى أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في هذه الاتفاقية بما يغيظ أعداء الله تبارك وتعالى، يعني من المشاهد التي ذكرناها الآن توقيع عبد الله بن سهيل، ومن المشاهد التي لم نذكرها أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينحر بدنه كان فيما نحر جملاً لأبي جهل من غنائم بدر، يعني جمل لأبي جهل غنم في بدر ظل النبي محتفظاً به إلى موقف كهذا ينحره لكي يذكر القرشيين بهزيمتهم في بدر، يعني لم يكن المشهد إيه تنازلاً تاما، وإنما كان فيه نوع هذه المراغمه والمغايظة لأعداء الله.
طيب المسألة يا جماعة، هيطلع واحد دلوقتي يقول لي إيه طيب يا عم الشيخ، كيف نفرق بين من يتنازل عن حق وبين من يتنازل لأنه منبطح ومستسلم بلاش؟ وكيف نفرق بين من يندفع لأنه شجاع ومقدام وجسور وبين من يندفع لأنه متهور ومجنون وغال ومتشدد؟ ما فيش إجابة واحدة لهذا السؤال يا جماعة، الأمور السياسية والعسكرية تتناوشها موازنات كثيرة، لكن أنا أقدر أقول لك علامة واحدة تسترشد بها، هذا العشاء صح، طبعا لو أنا سكت دلوقتي مش هينفع. العلامة الواحدة خلاصتها كالاتي: الإنسان اللي طبعه الشجاعة والإقدام وتلاقيه وقع اتفاقية تنازل الأغلب أنه يفعلها عن حكمه، مش الإنسان اللي طبعه التنازل والاستسلام والإنبطاح ويرروح موقع اتفاقية تنازل ويقول لك دي حكمة.
نفس الكلام برضه حين تجد هذا الذي طبعه المسالمه والمصالحة والميل إلى الهدوء قد اتخذ قرار الحرب، غالباً ما يكون هذا عن حكمه، مش برضه أخوك اللي هو إيه دائماً كده أنت عارف ما هو في زي ما في سلميتنا أقوى من الرصاص، في رصاصنا أقوى من الصواريخ، في كده إيه اتجاهين وطبعا دول بيقتلوا بالرصاص ودول بيقتلوا بالصواريخ.
فالعلامة التي يمكن أن تهدي، ماذا يكون طبع الرجل؟ أنت حين ترى الشجاع المقدام تنازل غالباً ما يكون ذلك عن حكمه، حين ترى الذي طبعه المسالمة والمصالحة أخذ قرار الحرب غالباً ما يكون ذلك عن حكمه، لما يبقى سيرة الرجل دائماً تنازلاته يتنازل ما تستبشرش، وتبقى سيرته كلها دائماً قتال وعنف وغلو ويروح يقاتل ما تستبشرش برضه، تمام؟ هذا رأيك.
هذه أنا أقول هذه علامة يمكن أن تهدي تهديك في محاولة تقييم ما يحصل، هل الذي يحصل يعني فلان يعني حين تجد رئيساً عرفت عنه القوة والشدة وبعدين وقع اتفاقية فيها انتقاص غير الرئيس الذي أنت عارفه من الأول ما عندهوش هذه القوة ولا الشدة ده ولا الممانعة ويروح يوقع الاتفاقية اللي فيها انتقاص؟ لا يمكن أن يكون الأمر واحداً.
تمام ونستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إحياء جيل على خطى السابقين
محمد إلهامي