يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة، علياء عطرة الشذى تفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النبي ﷺ كان له نمط معين على اختلاف هذه الحياة المشرقة التي كان يحياها بأبيه وأمه، إلا أنه كان له نمط معين، أحواله مختلفة، التوازن في حياته عجيب، البركة في وقته وفي عمره وفي كل ما يفعله أمر من عند الله عز وجل، لكنه كان ﷺ صاحب نمط معين. ولذلك عندما سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي ﷺ؟ قالت: «الدائم إذا كان يعتاد على فعل الفعل ولا يغيره».
فسر أهل العلم حبه لهذا الدوام على عمل معين؛ لأن الذي يفعل الفعل ثم يعرض ثم يتركه، كأنه يعرض بعد أن وصل إلى مطلوبه، فهذا متعرض للذم الذي يصل حبيبه بعد طول انقطاع؛ إذا أعرض عن هذا الحبيب أصبح متعرضا للذم. وكذا الذي يبدأ العمل ويثابر عليه ثم ينقطع عنه، ولا شك أن المداوم لفعل الخيرات هذا ملازم لخدمة رب البريات، وليس من لازم الباب في كل وقت وفي كل يوم كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع.
وعن علقمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان عمل رسول الله ﷺ؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: «لا، كان كل عمله ديمة». وهذه مسألة عظيمة لمن أراد أن يفتش نفسه وينظر هل هو ممن ثبته الله تعالى أم لا، ولذا قال الحكماء من قديم الزمان: «قليل دائم خير من كثير منقطع».
وأنت تنظر في أحوال الناس اليوم ترى عجبا، تأسف النفس لما تراه من انقطاع بعض الصالحين عن سيرهم في طريق الاستقامة والالتزام. قبل ثلاثين سنة أو أقل فيما كنا نرى كثيرا من الشباب وقد استقاموا على الطريقة، قد التزموا بشرع الله في زمان الصحوة؛ حيث عاد الناس إلى ربهم بفضل الله تعالى من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإحياء لسنة النبي ﷺ وتصفية للعقيدة الصحيحة على منهج السلف الصالح، عقيدة أهل السنة والجماعة.
كانت هنالك رجعة وعودة، وكثير من أبنائنا انخرطوا في تحفيظ القرآن، وكثير من شبابنا كانوا يعملون ويشتغلون بالدعوة إلى الله أو بطلب العلم أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وفق منهج القرآن والسنة، لكن بعد فترة من الزمن زين الشيطان لكثير منهم ترك ما هم عليه من صلاح، وأصبحوا يتشبثون بأحاديث الرجاء، الإيمان ها هنا يشيرون إلى القلوب، يقولون: من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه دخل الجنة. تساهلوا في المباحات وتوسعوا فيها حتى جرتهم إلى المكروهات التي بدورها أوقعتهم في المحرمات وما في كبائر الذنوب، لماذا؟ لعدم الثبات على دين الله عز وجل.
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال له النبي ﷺ: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل». تحذير قيام الليل ليس بواجب ليس بفرط، كان بإمكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يقول: يا رسول الله إنه ليس بأمر واجب، لكن هذا التحذير من النبي ﷺ لصاحب من أصحابه جليل، يعلم الرسول ﷺ مكانته ومدى التزامه وقوته في الدين، فلا يريد منه أن ينتكس أو أن يعود على عقبيه.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه لرياض الصالحين - وكلامه نفيس جدا - مختصره: أن الإنسان إذا اعتاد على فعل الخيرات ينبغي أن يداوم عليها. الذي يعتاد على صلاة الرواتب صلاة اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، يا بني الله له بيتا بالجنة، لكن يجب على المسلم الذي يخشى على قلبه أن يستمر عليها، وإذا كان يقوم الليل فينبغي أن يحافظ على ذلك، وإن كان يصلي ركعتين الضحى يجب عليه أن يحافظ على ذلك؛ لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها.
لماذا؟ الشيخ يقول رحمه الله: الرجوع بعد الإقدام شر من الإقدام. كيف؟ يعني لو أنك أصلا لم تعمل هذا العمل كان خيرا لك من أن تفعله ثم تتركه. ويقول: وهذا شيء مشاهد مجرب، وهذا نحن نراه حقيقة بين الناس. إذا وجدت من فتح الله عز وجل عليه بالحفاظ على السنن وترك المكروهات، هذا من أصعب الأمور على الشيطان؛ إبليس يجد صعوبة جمة في الوسوسة لهذا؛ لأنه إذا أراد أن يوسوس له في ترك فريضة لم يستطع ذلك، لو أراد أن يوسوس له في تأخير الفريضة عن وقتها لما استطاع ذلك؛ لأن هذا المسلم قد أحاط نفسه بسياج عال وسور منيع.
طيب، كيف يأتيه؟ يأتيه بالتفريط في الرواتب، فيقول له: سنة الظهر أربع ركعات كثيرة طويلة، لا تصلها اليوم مثلا، لكن قطعا سيصلي في الصف الأول في الوقت مع الجماعة، لكنه فرط في سنة. إذا خط الدفاع الأخير هو الفريضة، هذا الذي لا يصلي الفريضة يسهل على الشيطان أن يجعله يتركها، لكن الذي يحافظ على الرواتب هذا لا يفرط في الفريضة أبدا. لذلك ينبغي على المسلم الذي وفقه الله في الحفاظ على أداء هذه السنن أن يحافظ عليها، وأن يداوم عليها حتى يلقى الله عز وجل.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.
تعمل النعال على حماية القدمين من الرمضاء والبرد والأذى، وتضمن سلامة الرجل مما يعرض في الطريق من خشونة وشوك ونجاسة ونحوها. ويستحب لمن لبس نعالا جديدا أن يدعو بدعاء النبي ﷺ: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتني، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». والسنة في لبسها البدء باليمين، فإذا نزعها بدأ بالشمال وأخر اليمين.
وقد نهى النبي ﷺ أن يمشي الرجل في نعل واحدة إلا من عذر، أو أن ينتعل واقفا، وهو نهي مخصوص بما في لبسه كلفة وتعب كالخوف، وأما ما لا مشقة في لبسه بحيث تدخل فيه القدم وتخرج بسهولة فإنه لا يدخل في هذا. ولا بأس بالصلاة في النعال، فقد صلى عليه الصلاة والسلام في نعليه، وأمر بذلك أصحابه رضي الله عنهم فقال: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». وإذا صلى المرء في نعليه ثم تذكر أن فيهما نجاسة لزمه خلعهما فورا، عن أبي سعيد الخدري.
رضي الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عنه من يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقاء نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا -أو قال أذى- وإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما».
والصلاة في النعال إنما تكون في الخلاء، أو في مسجد مفروش بالتراب والحصباء، فإذا كان المسجد مفروشًا بالسجاد ونحوه فلا بد حينئذ من خلع النعال حفاظًا عليه من التلوث أو الإتلاف، ومنعًا من إيلاء المصلين.
السلام عليكم ورحمة الله. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يواصل فيقول: ومن ذلك، وهو أهم وأعظم، أن يبدأ الإنسان بطلب العلم الشرعي، ثم إذا فتح الله عليه بما فتح تركه. لا شك أن هذا من أخطر الأمور؛ اليوم نحن ابتلينا برؤية كثير من بعض الذين يشتغلون في الإعلام، إن ذهبت تنظر في سيرتهم وجدتهم أنهم كانوا في مرحلة من مراحل العمر ربما يطلبون العلم أو يشتغلون بالعبادة، كان فيهم شيء من الصلاح، ثم إذ بهم ينقلبوا مئة وثمانين درجة على أدبارهم وأعقابهم، حتى إن بعضهم تلمس في كتاباتهم النفاق الخالص والطعن في الدين.
لماذا؟ لأن الله عز وجل فتح عليهم في طلب العلم، ثم استحبوا العمى على الهدى فانتكسوا وارتدوا وانقلبوا على أعقابهم وأدبارهم، نسأل الله لنا ولكم العافية والثبات. يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه: فإن هذا كفر نعمة أنعمها الله عليه إذا بدأت بطلب العلم.
استمر ولا يشغلك عن طلب العلم شيء؛ لأن طلب العلم فريضة، قد تكون فرض كفاية وقد تكون فرض عين. طلب العلم فرض عين في الأمور التي لا تصلح عبادتك إلا بها؛ فيجب عليك أن تطلب العلم. رجل عنده مال يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة كي يخرج الزكاة، رجل وجبت عليه فريضة الحج يجب عليه أن يتعلم كيف يؤديها، رجل يصلي، امرأة تصلي، أما تعلمون ما هي أحكام الصلاة؟ ما هي أركانها؟ واجباتها؟ سننها؟ ما هي طرق ووسائل سجود السهو؟ متى يكون قبل السلام؟ بعد السلام؟ هذه تصبح فريضة.
وقد يكون على الكفاية؛ العلوم الكفائية التي لا ألزم كل إنسان بعينه، بل لو قام بها بعض لسقطت عن الآخرين. فإذاً المسلم الحق إذا شرع في طلب العلم الأولى في حقه أن يستمر وأن يداوم، وإلا أن يصده عن ذلك شيء ضروري؛ خرج في طلب العلم فمرض أحد والديه، اضطر إلى أن يقطع دراسته وأن يعود ليمرض والده أو والدته ويقوم على رعايتهما، هذا أمر مشروع وأمر طيب وأمر مندوب له. أما أن ينقطع فقط لأنه طفشان زهقان، سبحان الله هذا أمر ما ينبغي للمسلم أن يظهر عنده، ولذلك كان المنافقون هم الذين إذا بدأوا العمل تركوه ولم يتموه، هذه من صفة النفاق: عدم الاستمرارية.
ولذلك في غزوة أحد، عندما خرج المسلمون وكانوا في تعداد الألف تقريبًا لمقاتلة المشركين، نقص منهم ثلث الجيش؛ ثلاثمائة أو نيف رجعوا، وكلهم من المنافقين. طبعًا هذا سبب هزة عظيمة للمسلمين بعد أن كانوا خارجين في هذا العدد والتفاؤل بنصر الله عز وجل، خرج وقفل راجعًا ثلث الجيش شيء ما هو بهين. وقالوا: «لو نعلم قتالًا لاتبعناكم»، قال عز وجل: ﴿هُم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ الْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 164].
عليه يجب على المسلم ألا يتأخر عن طلب العلم وأن يستمر في هذا الطلب حتى يتقنه ويؤديه ويعمل به. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان»، كان يقوم الليل فترك قيام الليل. من الأمور التي كان يحبها نبينا عليه الصلاة والسلام الصلاة؛ أنس رضي الله عنه يقول: قال النبي ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».
أما حبه للنساء عليه الصلاة والسلام فقيل لأنهن ينقلن عنه ما لا يطلع عليه أحد من الناس من أحواله ويستحيا من ذكره، ومن جملة ذلك أحكام الغسل والحيض والنفاس والعدة وغير ذلك؛ ولذلك حبب إليه عليه الصلاة والسلام النساء لأنهم ينقلون إلى أمته ما خفي من أحواله ومما يستحيا من ذكره. وقيل حبب إلى النبي عليه الصلاة والسلام النساء زيادة في الابتلاء؛ لأنه لا يلهو بما حبب إليه عما كلف به من أداء الرسالة، فهذا أصبح ابتلاء أعظم؛ بمعنى كون الرسول يحب النساء عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لا ينشغل بهن عن أداء الرسالة وأداء الأمانة كما أمره الله تعالى، هذا يرفع في ابتلائه ويرفع في درجاته وأكثر مشقة وأعظم أجرًا، بخلاف لو أنه لم يكن له حاجة في النساء فاشتغل بالأمانة وبأداء الرسالة ما كان هنالك كبير ابتلاء.
والعلماء ذكروا أن هنالك من الحكم حكمًا أخرى؛ فمن ذلك توثيق العلاقات بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين سائر القبائل، وتقوية الروابط بينه وبين أصحابه عندما تزوج ابنة عمر وابنة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، هذا لا شك أنه يقوي الروابط بين المسلمين وبين النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته، ويساعد على إمداد الإسلام بالقوة وأن يعين على نشره لما في المصاهرة من زيادة الألفة وتأكيد أواصر المحبة والإخاء.
ومن ذلك أيضًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتزوج النساء والكثير منهن أرامل؛ تعويضًا لهن عمن فقدن، يعني زواجه بأم حبيبة مثلا وهي في الحبشة وقد مات زوجها وهي مسلمة وأبوها سيد المشركين في قريش، لا شك أن الحاسد والحاقد سيجد ما تلوكه فمه إذا أكرمها عليه الصلاة والسلام بأن نكحها وتزوجها؛ عزازًا لها وإكرامًا لها، وتطييبًا لخواطرها، وجبرًا لمصيبتها، هذا فعله الرسول عليه الصلاة والسلام مع عدد من نسائه.
فليس أمرًا منفصلًا، وليس الداعي إلى جمعه هذا العدد من النساء هو الشهوة، وإن كان هذا الأمر وجود الشهوة القوية من كمال الرجولة لا شك، لكن هذا ليس هو الباعث على تزوجه عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتزوج إلا بكرًا واحدة وهي أمنا عائشة رضي الله عنها وبقية النساء ثيبات، ولو كانت الشهوة تحكمه أو الغريزة الجنسية تدفعه لفعل غير ما فعل، ولا أكثر من الزواج، ولتخير الأبكار الصغيرات. كذلك لو أنك تأملت لو وجدت أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتزوج لمناسبات كريمة ودواعٍ سامية يعرفها كل من تتبع ظروفه ﷺ ظروف زواجه بكل واحدة من نسائه.
أضف إلى ذلك لو كان شهوانيًا كما يزعم المشركون وأعداء الله من المنافقين صلى الله عليه وآله وسلم، لو كان كذلك لظهر ذلك في شبابه وفي عنفوانه وقوته، ولما تزوج بأمنا خديجة ومكث معها وهي أكبر منه سنًا ولم يتزوج عليها؛ لظهر ذلك في جوره وظلمه وعدم عدله بين النساء لأن نساءه يختلفن في الجمال والحسن والسن، لكن لم يُعرف عنه عليه الصلاة والسلام إلا كمال العفة والأمانة في عرضه وصيانته لنفسه.
وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على كماله عليه الصلاة والسلام في شبابه وفي كبر سنه، وفي أموره وأحواله كلها، يدل على سمو أخلاقه ونزاهته واستقامته في جميع شؤونه، بأبي هو وأمي.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.
يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عيدية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أي مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟ الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقيًا بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز.
الشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كأن يشتري حليبًا أو عصيرًا وهو لا يحتاج إليها لكن ليحصل على الجائزة، ثم يريقها ولا يستفيد منها، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه؛ فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.
السلام عليكم ورحمة الله. النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «حبب إلي من دنياكم النساء»، وقد تكلمنا عن النساء والطيب، وقد تكلمنا عن الطيب في حلقة ودرس ماضٍ، «وجعلت قرة عيني في الصلاة».
هذا أمر عجيب، نحن اليوم نسمع ونقرأ أن من تكاليف الإسلام الصلاة، إذ الناس ينظرون إلى الصلاة على أنها تكليف، على أنها أمر واجب أمر يشق على النفس، والأصل أنها لا تستمتع به. النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتعامل مع الصلاة بهذا الشكل، كان يتلذذ بها، ولذا كان يقول لبلال رضي الله عنه وأرضاه: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها».
إذاً راحته عندما تقام الصلاة. حال معظم المسلمين اليوم يا بلال: «أقم الصلاة أرحنا منها»، يدخل أحدنا المسجد كالمصروع يريد الصلاة أن تقام فورًا كي يذهب ويشتغل بالدنيا، يريد أن يزيل هذا الهم عن عاتقه، فكيف بالله عليكم تكون صلاته؟ هل فيها خشوع؟ هل فيها خضوع؟ هل فيها تذلل لله عز وجل إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ هل يتخيل ويستحضر حديث النبي عليه الصلاة والسلام وقول الله عز وجل: «هذه بيني وبين عبدي»؟ إذاً هنالك خلل.
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر -أي إذا ركبه هم إذا انشغل باله بأمر من أمور الدنيا- ماذا نفعل نحن؟ نحن يصيبنا السكر من الهموم، نفكر ونقدر ونسأل ونفعل، وربما نحرم النوم بسبب هذا الهم الذي ركبنا. النبي عليه الصلاة والسلام يوكل الأمر لصاحب الأمر، يشتغل بالصلاة، خلص، هو الرازق هو الخالق هو المدبر عز وجل، لماذا أحمل هم الدنيا؟ هو سبحانه وتعالى يرعانا برعايته.
قال ابن القيم رحمه الله: «وأما الصلاة فشأنها في تفريج الهموم، وفي تفريج القلوب وتقويتها وشرحها وابتهاجها، ولذتها فيها أكبر شأن». ولذا قال بعض أهل العلم إن الصلاة هي من أعظم ما يذهب الله عز وجل به الاكتئاب والضيق والتوتر.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]، الضيق للصدر بسبب أعراض الكفار موجود، ما الحل؟ قال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98]، هذا الأمر يشرح القلب، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، حتى يأتيك الموت، اعبد الله عز وجل إلى أن تموت.
الصلاة مكانتها في الإسلام عظيمة لا يشاطرها غيرها من العبادات، هي الركن الثاني في الإسلام. من عظم مكانة الصلاة أن الله افترضها في السماء السابعة ولم يفرضها على الأرض كسائر العبادات، ومن عظم مكانتها أن الله فرضها مباشرة وبلا واسطة حيث أمر بها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة. من فضلها أنها خمس صلوات ولكن بأجر خمسين.
العبادة الوحيدة التي من تركها كفر، ومن تهاون بها فهو منافق، ومن فعلها فترة وتركها فترة فهو على خطر عظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، فمن تركها فقد كفر. وقال عز من قائل: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، فدل ذلك على أنه إن لم يقيموا الصلاة فليسوا لنا في الدين إخوة.
وعندما يسأل أهل النار يوم القيامة عن سبب دخولهم نار جهنم، أول جواب، أول سبب لما يسألوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]؟ قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43]، هذا أول سبب لدخول نار جهنم. كل من لا يصلي البتة، تارك للصلاة تمامًا، فهذا من أهل الجحيم وليس من أهل الإسلام.
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله»، إذاً لا بد أن يصلي صلاتنا ويستقبل قبلتنا. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن آخر أهل النار خروجًا منها -نسأل الله لنا ولكم العافية- وأن يجيرنا ويجيركم من النار.
من هو هذا آخر أهل النار خروجًا منها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله».
هذا أمر من الله إلى الملائكة، تذهب الملائكة إلى النار فيعرفونهم، كيف يعرفونهم؟ بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود. إذاً هذا دليل على أن آخر أهل النار خروجًا منها كانوا من أهل الصلاة وليسوا من تاركي الصلاة، لأن تارك الصلاة لا يُعرف بأثر السجود.
النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يحرق بيوت أقوام، بيوت رجال لا يشهدون معه الجماعة، وما كان ليفعل ذلك في أمر هو سنة، كم من الناس اليوم يفرطون في صلاة الجماعة.
كم من الناس من فيهم صلاح لكن لا يصلون في المسجد والمسجد بجوارهم وبجانبهم. النبي عليه الصلاة والسلام لا يهدد بتحريق بيوت رجال فيها ذرية وفيها نساء على ترك صلاة الضحى، أو على من لا يصوم الاثنين والخميس، إنما يهدد بهذا الوعيد لترك واجب من الواجبات.
ومما يدلك على وجوب صلاة الجماعة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعلها ولا يفرط فيها حتى في حال الحرب، بل أمر الله عز وجل بأدائها جماعة في حال الحرب فيما يعرف باسم صلاة الخوف. إذاً أمر الصلاة أمر عظيم، ولذلك جعلت قرة عينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة، ولا يظن الظان أن المقصود هو صلاة الليل أو صلاة النافلة، وقد سمعنا في البداية: «أرحنا بها يا بلال، أقم الصلاة».
إذاً راحته في الفريضة، ﴿وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ﴾ كما جاء في الحديث القدسي. إذاً ربنا يحب الفرائض، وقرة العين تكون أول ما تكون في الفرائض.
لذا إن نحن أحببنا النبي عليه الصلاة والسلام حقيقة حب حقيقي، لا حب دروشة، لا حب أغانٍ وأناشيد "يا حبيبي يا رسول الله"، هل هذا هو الحب؟ أبداً، الحب الحقيقي هو باتباعه وبحب ما أحبه عليه الصلاة والسلام، ألا وهو الصلاة. أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من المقيمين لهذه الشعيرة العظيمة، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم