يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة العطرة، يفوح لأهل كل زمان؛ بشرى لنا زدنا كاتبين، بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأمور التي يحبها النبي ﷺ كثيرًا، وقد لا يتسع لها الوقت لذكرها جميعًا، ولذا ارتأت الإدارة المعدة للمناهج أن تختار أمورًا معينة نتدارسها، لعل الله عز وجل أن يطرح فيها الخير والبركة، وأن ننتفع منها.
فمن الأمور التي كان يحبها النبي ﷺ لبس القميص؛ أم سلمة رضي الله عنها تقول: «كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ القميص». ما هو القميص؟ القميص هو كل ثوب له فتحة للعنق، وله أسماء كثيرة؛ فقد يكون هذا الثوب الذي أرتديه اسمه قميصًا، وقد يكون القميص الذي يرتدى مع البنطال يعد قميصًا، والفنيلة أو ما يسمونه البلوزة هذه أيضًا تعتبر قميصًا لأن لها رقبة.
وهذا اللباس هو من محظورات الإحرام، فلا يصلح ولا يجوز للمحرم أن يرتدي القمص، بنص الحديث؛ النبي ﷺ عندما سئل عما يرتديه المحرم قال: «لا يرتدي القميص». فإذا حبه ﷺ لهذا الثوب إنما هو في غير الإحرام. والعلماء تحدثوا في هذا الموضوع وقالوا: حبه ﷺ لهذا الثوب أكثر من حبه للرداء والإزار الذي يرتديه المحرم مثلاً؛ على نصفه العلوي هذا اسمه رداء، فما يجعله على كتفيه من أنواع مختلفة من الثياب اسمه رداء، وما يرتديه على نصفه السفلي اسمه إزار.
النبي ﷺ كان يحب عليه الصلاة والسلام القميص لأنه لا يحتاج إلى ربط وعقد أمور معينة تجعله يثبت، وربما يتعاهدها الإنسان؛ القميص يرتديه الإنسان وخلاص، يثبت على جسده لأن له أزرارًا لكنه لا يفتقر إلى عقد وربط وحل كل مدة. لذلك كان يحب عليه الصلاة والسلام لبس القمص.
ومن الثياب ما له ألوان متعددة، واشتهر عند كثير من الناس أن النبي ﷺ كان يفضل الأخضر على غيره من الألوان، وهذا غير صحيح. ولذلك قد تجد شعار بعض الطوائف الضالة أو الفرق المنحرفة لونًا معينًا، فقد تجد من لا يرتدي إلا العمائم السود، ومنهم من لا يلبس إلا العمائم الخضر، ظنًا أن هذا هو الأفضل وأن تلك هي السنة.
كما جاء عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «البسوا البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم». إذاً هذا فعل صريح وقول واضح أن الأبيض أطهر وأطيب؛ لبس الأبيض من الثياب هذا أمر محبذ في السنة المطهرة، وتكفين الموتى فيها أيضًا، فهي ثياب الأحياء والأموات. ولا يعني ذلك البتة أنه لا يصلح أن يلبس غيره أبدًا، بل يصلح ويجوز أن يلبس الإنسان غيرها من الألوان ما لم يكن لونًا محرمًا. ولا شك أن لبس الأحمر الخالص محرم ومنهي عنه، وقد نهى عنه عليه الصلاة والسلام، أما الأحمر الذي فيه ألوان أخرى، يعني بعض الأحيان يرتدي الإنسان ما يعرف باسم الشماغ الأحمر، وهو ما يوضع على الرأس في بعض البلاد، هذا فيه أحمر وأبيض، لا شك لا حرج في ذلك، أما أن يرتدي الإنسان قميصًا أحمر خالصًا فهذا منهي عنه.
من الأشياء التي كان النبي ﷺ يحبها من الدنيا الطيب؛ هذا الطيب اتفقت الناس جميعهم على أنها من الأمور المحببة إلى النفس، لا تجد نفسًا سوية أو حتى غير سوية لا تحب الطيب، بأن هذه من الأمور التي جعلت في فطرة الناس. أنس رضي الله عنه وأرضاه يقول: قال النبي ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».
إذاً من الأمور الفطرية الدنيوية الطبيعية حب النساء للرجال وطبعًا حب الطيب. أما النساء فلان هذه فطرة عند الرجال، ولذلك من كمال الرجولة أن يحب الرجل النساء، ومن كمال الإيمان أن يجعل هذا الحب في موضعه، فيغض البصر عما حرم الله ولا ينظر إلى ما لم يحل الله عز وجل له، وأن يجعل حبه فيما أباح الله له وذلك عن طريق النكاح والزواج الشرعي. وأما الطيب، فلا شك أن النبي ﷺ كان أطيب الناس ريحًا، كانت له سكة، أي وعاء أو قارورة من عطر يتطيب منها، وعلى الرغم من أن النبي ﷺ خلقة كانت رائحته طيبة وإن لم يمس الطيب، ومع هذا كان يستعمل الطيب ويضعه ويحبه مبالغة في طيب رائحته؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ كان يجالس المئات من المسلمين من أصحابه ومن الوفود ومن غيرهم، وكان يجالس الملائكة، كان يأتيه جبريل عليه السلام وكان يعطيه وينزل عليه الوحي ويناجيه، ولذلك كان ﷺ طيب الرائحة خلقة ويضيف إلى ذلك الطيب لكي يزداد طيبًا.
أبي هو وأمي، فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا. من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، فتصحح عبادتها وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها. وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان، فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت عبادة أو معاملة وجب عليها تعلم أحكامها؛ إن أرادت الحج فتتعلم أحكامه، وإذا توفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.
وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ قال عروة بن الزبير: «ما رأيت أحدًا أعلم بشرع ولا فريضة ولا أعلم فقهًا من عائشة». ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية؛ قال القاسم بن محمد للزهري: «عليك بعمرة بنت عبد الرحمن فإنها كانت في حجر عائشة»، قال: «فأتيتها فوجدتها بحرًا لا ينزف». ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة لأبيها المسمى تحفة الطالب، والذي شرحه الكاساني في بدائع الصنائع، ففرح به علاء الدين وزوج ابنته فاطمة.
فقال الفقهاء: شرح تحفة وزوجه ابنته. وبعد زواجها من الكساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها الصغير المرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد هو توقيع زوجها الثاني.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذا النبي عليه الصلاة والسلام كان طيب الرائحة، ومع ذلك كان يحب الطيب ويحث عليه ويشجع الناس على أن يمسوا من طيب نسائهم، وهذه مسألة هل الطيب فيه تشبه بالنساء على خلاف؟ والذي يظهر أنه ما لم يعرف في الناس أن هذا طيب خاص بالنساء، رائحة خاصة بالنساء، فلا حرج في استخدامه؛ لأنه قد يكون المقصود في «أن يمس من طيب امرأته» الذي يضعه هو أن أراد أن يتزين لامرأته.
وقد يكون أن الطيب في ذلك الزمان يستخدم من الجنسين، الذي يسمونه يونس يعني خاص بالاثنين، ممكن يستخدموا كذا وكذا مثل المسك مثلا. المسك الآن قل إن تجد من يضعه من الرجال، لكن هذا لا يعني أنه أصبح الآن تشبه بالنساء، وقد كان عليه الصلاة والسلام يضع المسك ويحبه، ونحن نحبه لحب النبي صلى الله عليه وسلم له. فكان عليه الصلاة والسلام يضع الطيب إضافة إلى الطيب الذي هو فيه خلقة من الله عز وجل، وكان يكره الروائح الكريهة ويتجنبها ويبتعد عنها.
لذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يأكل الثوم والبصل على الرغم مما فيهما من فائدة صحية، وعلل ذلك صلى الله عليه وسلم. عندما سئل، والصحابة كانوا يتوقفون إذا فعل الرسول أمراً عليه الصلاة والسلام فعلوه، وإذا امتنع عن أمر امتنعوا عنه حتى يعلموا السبب.
صلى ذات يوم في نعله، فصلى الصحابة كلهم منتعلين، وهذه من السنن التي تركها المسلمون؛ قال: «صلوا في نعالكم فإن اليهود لا يصلون في نعالهم». ففي وسط الصلاة خلع الرسول عليه الصلاة والسلام نعليه، وما كان من المصلين خلفه إلا أن خلعوا نعالهم. قضت الصلاة وسألهم عليه الصلاة والسلام: «ما الذي حملكم على ما صنعتم؟» قالوا: خلعت نعليك فخلعنا. انتهى الموضوع؛ أن تفعل نحن نتبع، أنت أسوتنا وقدوتنا. وأخبرهم أنه ما فعل ذلك إلا لأن فيها نجاسة أخبره عنها جبريل، فمن أراد أن يصلي في نعليه فلينظر بادئ ذي بدء كي يتيقن أنه لا يوجد نجاسة على نعليه ثم يصلي.
أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام طعام فكف يده ولم يأكل منه، فقيل له: لمَ؟ فقال: «إن فيها ثوماً وبصلاً، فإني أناجي من لا تناجون». بمعنى أن جبريل يأتي فيلقي علي القرآن ويتحدث معي، وأنا أريد أن يخرج من فمي الرائحة الطيبة. ولذلك حثنا عليه الصلاة والسلام على الاستياك؛ المسواك، هذا لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء.
لماذا؟ طيب الرائحة حسن المنظر هذه علامة فارقة للمسلم. أما أن يأتي المسلم وهو في صورة مزرية، علامات الفقر عليه، رائحته ربما أماتت الطير في السماء لأنه لم يغتسل ولم يتطيب، هذا ما يصلح أبداً. بعض الأحيان تصلي بجوار بعض الإخوة، إن كبر سقط عن يمينه وعن شماله المصلون من هذه الرائحة النتنة! يا أخي تنظف!
النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا وحثنا على أننا إذا قمنا لصلاة الليل، والناس نائمون، ما في أحد إلا أن يستاك الإنسان ويجتهد في السواك؛ لماذا؟ لأنه إذا قام يقف بين يدي الله عز وجل واستفتح الصلاة وقرأ القرآن، نزل ملك فوضع فاه على فيه، وخرج ما يخرج من القرآن من فمك يدخل في جوفه. إذا أنت ذهبت تصلي الليل واستحضرت هذه الصورة وذاك المثل، والله صلاتك غير، لها شكل وطعم ورائحة مختلفة، كل الاختلاف. لكن أحدنا إن قام يوتر، الله أعلم بحاله وبرائحة فمه وبشكله، ما هكذا كان الناس يقومون للصلاة.
مما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه الفأل الحسن. جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة»، وأحب الفأل الصالح الكلمة الحسنة. إذاً لا عدوى ولا طيرة، الطيرة هذه سنتحدث عنها إن شاء الله في درس آخر على عجالة، لكن العدوى كيف؟
يقول أهل العلم: هذا النفي نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله عز وجل. فما كان منها سبباً معلوماً فهو سبب صحيح، وما كان منها سبباً موهوماً فهو سبب باطل ويكون نفياً لتأثيره بنفسه إن كان صحيحاً، ولكونه سبباً إن كان باطلاً. كيف نشرح النبي عندما يقول عليه الصلاة والسلام لا عدوى والعدوى موجودة؟ قال العلماء: العدوى موجودة ويدل لوجودها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يوردن ممرض على مصح»، أي الذي عنده إبل مريضة لا يأتي بها فيدخلها على الإبل الصحيحة لكي لا تنتقل لها العدوى. وقال عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، والجذام مرض معدٍ ينتشر بسرعة ويتلف صاحبه، حتى قيل إن هذا الجذام هو الطاعون، فالأمر بالفرار من المجذوم لكي لا تقع العدوى منك إليه.
وهذا الحديث «فر من المجذوم» فيه إثبات لتأثير العدوى، لكن هذا التأثير ليس حتمياً؛ لأنك ترى في بعض الأحيان مثلاً في عائلة يأكلون طعاماً بعضهم يتسمم وبعضهم لا يحصل له شيء، ترى الزكام مثلاً أو الإنفلونزا أو مرضاً معدياً يدخل على عائلة يصيب بعضهم والبعض الآخر لا يتأثرون؛ إذاً هذا التأثير ليس أمراً حتمياً بحيث تكون علة فاعلة بنفسها. أمره عليه الصلاة والسلام بالفرار من المجذوم وأن لا يورد ممرض على مصح من باب تجنب الأسباب، قال عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
ولا يمكن أن يقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام ينفي تأثير العدوى، لكن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال لا عدوى فإنه يريد من المسلم أن يربط قلبه بربه عز وجل. جاء في الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام لا عدوى، فاعترض رجل فقال: يا رسول الله، الإبل تكون صحيحة مثل الظباء في عافية وقوة ونشاط فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب! كيف تقول إنه ما في عدوى والجمل يصيبها الجرب من الجمل الأجرب الذي دخل عليها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن أعداء الأول؟».
طيب كلامك هذا نفترض أنه صحيح، أول جمل أصابه الجرب من أين أتى بهذا المرض؟ إذا المرض ليس من تأثيري وفعلي ذلك الجمل، إنما هذا الجمل سبب في انتقال العدوى، وإن المرض إذا نزل فإنه من عند الله تعالى، وكذا انتقال الأمراض يكون بأمر الله عز وجل. لذا يجب على المسلم أن يعتمد على الله وأن يتوكل عليه. «لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الحسن»، ما هو الفأل الحسن؟ هذا ما سوف نتحدث عنه بعد الفاصل إن شاء الله، فابقوا معنا.
وصية الله لعباده؛ قرن حقهما بحقه وشكرهما بشكره، وأمر ببرهما ونهى عن عقوقهما، إنهما الوالدان. قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
والبر بالوالدين يعود نفعه على الولد البار بثمرات وفوائد، منها تحصين مرضات الله تعالى، وإطالة العمر وزيادة الرزق، واكتساب بر الأبناء في المستقبل، فالجزاء من جنس العمل، وتكفير الذنوب والخطايا. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إني أصبت ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟» قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها».
وللبر بالوالدين صور وأشكال؛ منه ما يكون في حياتهما، كإحسان القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمران به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، وإظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديهما ورأسيهما، والسعي في إرضائهما وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنه ما يكون بعد وفاتهما، كالدعاء لهما والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام أصدقائهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التفاؤل في الأصل هو إحسان الظن بالله عز وجل وتوقع الخير، وتسليم الأمر لمن بيده الخلق والأمر عز وجل؛ هذا هو أصل التفاؤل. كان عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن، وأصل التفاؤل كلمة حسنة يسمعها الإنسان؛ يسمعها المريض فيتأمل بالشفاء، ويسمعها من فقد ضالة فيتأمل وجود هذه الضالة، فلو سمع رجلاً يقول: «يا واجد»، ينادي آخرًا، يتأمل الإنسان بأنه سيجد تلك الضالة التي أضاعها.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: «يا راشد»، «يا نجيح». الراشد من الرشد وهو أن يجد الطريق المستقيم، و«يا نجيح» من النجاح إذا قضيت حاجته بنجاح بإذن الله عز وجل.
وفي صلح الحديبية جاء المفاوضون من قبل قريش، وكان آخرهم سهيل بن عمرو، وهو خطيب قريش المفوه رضي الله عنه وأرضاه، وهو من الذين ثبت الله تعالى بهم أهل مكة عندما ارتدوا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام؛ قام فيهم خطيبًا قال: «آخر الناس دخولاً في الإسلام، وأولهم خروجاً منه»، وثبتهم الله تعالى بكلام سهيل بن عمرو هذا عندما أتى ليفاوض النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كتب معه صلح الحديبية. تفاءل عليه الصلاة والسلام باسمه؛ لقد سهل لكم من أمركم.
الأصل عند الناس الآن التشاؤم وسوء الظن بالله عز وجل؛ لبعد الناس عن القرآن والسنة، واعتقادهم أن الأسباب هي مسببة بذاتها. فالفقير إن لم يكن عنده مال وركبته الديون وضاقت عليه الأرض بما رحبت، يسوء ظنه بربه عز وجل مهما سمع من الغنى والثروة والمال، وإن الله قاضي الحاجات، يشك في رحمة ربه عز وجل، وهذا سوء الظن بالله.
من كان قلبه مليئاً بالإيمان وبإحسان الظن بالله عز وجل، فإن سمع أي كلمة طيبة تفاءل، لعلمه بأن الله هو مسبب الأسباب. فلما رأى عليه الصلاة والسلام وهو في إحرامه مع أصحابه يريدون البيت للاعتمار ولا يريدون أي مشاكل، رأى سهيل بن عمرو، قال: «سهل لكم من أمركم»، تفاءل باسمه أن اسمه سهيل.
كان عليه الصلاة والسلام يغير الأسماء القبيحة إلى أسماء يسر؛ من باب التفاؤل، فغير اسم العاصي، ورجل اسمه عاصي غير اسمه، وغير اسم شيطان وغراب. الآن نسمع كثيرًا من الناس يسمون أبناءهم بأسماء قبيحة: هذا ذيب، وهذا جراد، وهذا غراب، وهذه أسماء قبيحة كان عليه أن يغيرها. غير اسم شهاب لما فيه من الإحراق والنار فسماه هشاماً، وغير حرباً سلماً، وغير عاصياً إلى جميلة.
وهذا أمر تفعله العرب؛ يدعون المريض في العرب عندما يمرض أحدهم أو يلدغ، كما في حديث أبي سعيد الخدري عندما استطعموا قوماً فأبوا أن يضيفوهم، ثم بعد قليل جاءوا فقالوا: «إن سيدنا سليم»، يقلبون المعنى من باب التفاؤل. وكما تقول العرب للصحراء إنها مفازة؛ الأصل أنه من دخل الصحراء مات، لكنهم يتفاءلون ويقولون هي مفازة، يعني يفوز إن شاء الله وينجو منها.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام بعد خطبة الاستسقاء يقلب رداءه؛ لماذا يخلع الرداء ويقلبه ويلبسه مقلوباً؟ قال أهل العلم: من باب التفاؤل بتحويل الحال من قحط إلى إخصاب ومطر. حتى في أحلك الظروف والمواقف التي يصاب فيها الناس باليأس والاكتئاب والإحباط، كان عليه الصلاة والسلام يتفاءل؛ في الغار والخوف يختلج في قلب صاحبه، يقول لأبي بكر مطمئناً: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». تفاؤل عجيب! أنت الآن مطارد يريدون أن يقتلوك، ولكنه يحسن الظن بربه ويحسن التوكل والاعتماد عليه عز وجل.
بل يأتيه ملك الطائف بعد زيارته وإيذائهم له؛ يأتيه ملك الجبال بعد أن زار الطائف وأذوه، أي رموه بالحصى، يستأذنه فيقول: «يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». يعني أطبقها فوق رؤوسهم، الجبال أنسفها وأدمرها وأجعلها فوقهم. انظر إلى التفاؤل! لو أن أحدًا منا عرض عليها هذا العرض لقال: نعم افعل ذلك، وخذ معهم شوية من هنا ومن هناك. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً». هذا هو التفاؤل الذي يظهر عند اليأس من كل شيء إلا من الله عز وجل.
وكلما زاد إيمان العبد كلما زاد تفاؤله؛ قارن هذا بحالنا بشكوانا بتذمرنا بكثرة يأسنا وإحباطنا واكتئابنا، لأنه لا يوجد في القلب إيمان، بل يوجد شك. لذا عندما قال رجل لآخر: هل تعلم من هو مستجاب الدعوة؟ يعرف له واحدًا من الصالحين، أي يدعو الله فيستجيب الله تعالى له. وقال ذلك الرجل: لا أعرف أحدًا مستجاب الدعوة، ولكني أعرف من يجيب الدعوة؛ ليش تذهب إلى رجل تقول له ادعُ لي؟ بينما الله عز وجل يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. الله عز وجل هو الذي يطلب منك الدعاء.
كان عليه الصلاة والسلام يحب التيامن في كل شيء؛ يأكل بيمينه، ويشرب بيمينه، ويأخذ بيمينه، ويعطي بيمينه، ويخبر أن الشيطان يأكل ويشرب ويأخذ ويعطي بشماله. وكان يجعل اليمين للأشياء الطيبة؛ في دخول المسجد مثلاً برجله اليمنى، في لبسه للنعال، في التطهر بمعنى الوضوء والاغتسال، وفي الترجل أي إذا مشط شعره، وينام على شقه الأيمن. كان يحب التيمن كما تقول أمنا عائشة: «في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل»، وكان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله، كل أموره الطيبة يقدم لها اليمين.
ما كان سوى ذلك فيستخدم له الشمال. إذا الاستخدام اليمين للتكريم والتشريف، فأسأل الله أن يجعلني وإياكم من أصحاب اليمين. أما الشمال فتستخدم لما كان بضد ذلك، كدخول الخلاء؛ ما تدخلها برجلك اليمين بل تدخلها بقدمك الشمال.
تخرج من المسجد كذلك، فيستحب التيامن فيه. وهذا يعني كلام أهل العلم، وإن لم يوجد هنالك حديث صريح في ذلك، لكن هذا من باب أو من عموم حبه التيامن في كل شيء، صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يأتيك ميسوراً بأي مكان.
الشيخ عاصم الحكيم