يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة والياء عطرة الشداد، يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زادنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإنسان تعتريه مشاعر مختلفة، وهذه المشاعر هي من أدل الدلائل على إنسانيته وعلى فطرته وطبيعته البشرية، ومن هذه المشاعر مشاعر الفرح والسرور وما يتبع ذلك من شكر واعتراف وامتنان. والإنسان مأمور في مواضع بالفرح، ومنهي في مواضع عن الفرح؛ فالمسلم منهي عن الفرح بالأمور التي تبعده عن الله عز وجل، كما قال العلماء من قوم قارون: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76].
ولكن المسلم مطالب أيضاً بالفرح وإظهار السرور والامتنان للعزيز المنان عز وجل، كما قال عز من قائل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. فالفرح هنا سببه القرآن، سببه الإسلام، سببه أن بعث الله لنا نبيه محمداً ﷺ؛ هذه الأمور هي التي تدعو المسلم بأن يفرح وأن يصيبه السرور.
ولذلك كان النبي ﷺ شأنه شأن البشر، كان يفرح، وفرحه بالشرع أعظم الفرح. ومن أمثلة فرحه ﷺ أنه كان منضبطاً، كان معتدلاً، وكان فيما يرضي الله عز وجل لا فيما يسخطه. فمن أمثلة فرحه ﷺ أنه كان يفرح عند سماع الكلام الجميل، كما جاء في السيرة أنه خطب الناس طالباً منهم المشورة فأشار عليه المهاجرون ولم يكن يريد ذلك، إنما أراد سماع ما يقوله الأنصار؛ لأن البيعة بينه وبين الأنصار أن يحموه ويدافعوا عنه ما دام في المدينة، لا إذا أراد الخروج عنها.
ويوم بدر، عندما سمع النبي ﷺ قافلة قريش، ندب المسلمين من كان جاهزاً منهم إلى الخروج. وعندما خرجوا فوجئوا لأن قريش أرسلت رجالها وعتادها في جيش حجمه ثلاثة أضعاف حجم المسلمين بالمقاييس الاعتيادية، وهذه عملية انتحارية؛ أن تقاتل جيشاً مدججاً بالسلاح وبالأسلحة الثقيلة وأنت ليس معك إلا الأسلحة الخفيفة وهو ثلاثة أضعاف حجمك. لذا أراد عليه الصلاة والسلام أن يطمئن لجانب الأنصار وأن يسمع منهم ما يثلج الصدر.
فقال المقداد يوم بدر للنبي عليه الصلاة والسلام: «لا نقول كما قال موسى أو كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك». فأشرق وجهه عليه الصلاة والسلام وسرّه ذلك، والنبي ﷺ كان إذا فرح استنار وجهه كأنه مذهب.
ولا شك أن حياته مع أمنا عائشة، وهي أحب الناس إلى قلبه، كانت تتخللها أيام ولحظات من الفرح والسرور؛ فهي امرأة مؤمنة حصيفة محببة إلى النبي ﷺ وكان يحبها أعظم الحب، فكان يفرح إن جاءه شيء منها يستحق الفرح، وكل حياته معها عليه الصلاة والسلام أفراح متواصلة.
فمن ذلك أن نفراً من المنافقين وقعوا في عرض أمنا عائشة فيما يعرف باسم حادثة الإفك، ووافقهم واستزل الشيطان بعض صحابته عليه الصلاة والسلام: بنت جحش، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة رضي الله عنهم أجمعين، وقد عفا الله تعالى عنهم بعد أن أقيم عليهم الحد. الشاهد أن في سياق قصة الإفك، وقد كان ﷺ محتاراً لمدة شهر ولم ينزل عليه قرآن بشأنها والناس يتحدثون والرسول ﷺ ليست لديه بينة، فكان لا يدري ﷺ ماذا يفعل، وكان يأتي ويذكر أمنا عائشة بالتوبة إلى الله عز وجل.
تقول: «وأنزل الله على رسول الله ﷺ من ساعته فسكتنا، فرفع عنه، فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك». وهذا الشاهد فرحه عليه الصلاة والسلام بنصر الله وفرجه؛ ضحك عليه الصلاة والسلام فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله فقد برأكِ»، أي بما أنزل من القرآن في سورة النور، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. إذاً فرحه ﷺ كان لنزول براءة عائشة ولانجلاء الغم والهم عن قلبه إذ تبين له الحق في شأنها رضي الله عنها وأرضاها، ولعن الله عز وجل كل من يقع في عرضها بعد أن برأها الله تعالى من فوق سبع سماوات. هنالك أيضاً أمثال أخرى وقصص كثيرة لفرحه ﷺ.
لعلنا نأخذ فاصلاً قصيراً وبعدها نواصل بإذن الله فانتظرونا. العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، وضياء يمحو ظلمات الجهل. الحرص على طلب العلم والازدياد منه طريق الأنبياء ودرب الأصفياء، وقد رغب الله تعالى نبيه ﷺ في الازدياد من طلبه فقال فهو مما يحبه الله تعالى ويرضاه ويفتح لك به طريقاً إلى الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».
فدراسة العلم تفيدك معرفة وأدباً ومهارة ووعياً تخدم به دينك، وتؤهلك إلى مناصب ومواقع يعلو بها شأنك، وتنفع بها أمتك بإذن الله وتكون بذلك من خير الناس؛ ففي الحديث: «خير الناس أنفعهم للناس». ولتحرص دوماً على أسباب التفوق، ومنها حفظ الوقت وحسن اغتنامه، فالوقت هو الحياة؛ استذكار دروسك واسترجاعها بصفة مستمرة دون تسويف أو ملل، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى فبيده مقادير كل الأمور.
من ثمرات العلم النافع أنه يورث الخشية الله تعالى، فالعلماء حقاً هم من يخشون الله تعالى حق خشيته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جاء في السيرة المطهرة أن أمهات المؤمنين مرت عليهن فترة طالبن فيها النبي ﷺ بالنفقة، وبالغن وأكثرن في المطالبة، والنبي ﷺ ما كان ليمنعهم شيئاً هو يملكه. هذه المطالبة زادت عليه ﷺ حتى إنه في مرة اعتزل نساءه شهراً كاملاً، اعتزلهن ومكث في المسجد لأنه ليس بيده الأمر وليس لديه من المال ما يزيد لهن فيه في النفقة، وهن بشر طالبن بما ظننا أنه من حقهن، فأنزل الله عز وجل الأمر بتخييرهن، فأول ما بدأ بدأ بأمنا عائشة رضي الله عنها وهي أحب الناس إليه.
وقال: «يا عائشة إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي في شيء دون أبويك»، لا تستعجلي، أولًا تأكدي، استخيري، استشيري والديك. فقالت: «وما هو؟»، فقرأ عليها هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
فهذه آية واضحة؛ تريدن الدنيا متعناكم، تريدن الله ورسوله والدار الآخرة إذاً لكم من الأجر الشيء العظيم. فقالت: «يا رسول الله، أستشير أبويا؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة». فيقول: ففرح النبي ﷺ بذلك، وهذا أيضًا علامة على أن النبي ﷺ بشر لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، لكنه سيد المتوكلين على الله رب العالمين. فعندما عرف بجوابها ارتاحت نفسه واطمأن لذلك وسكن، ففرح وأظهر هذا الفرح إعلانًا لحبه لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
وهذا فيه درس لنا معاشر الأزواج أن لا نكتم المشاعر، وأن نشارك أحبتنا بمشاعرنا تجاههم؛ كثير من المشاكل تكمن في جفاف المشاعر وعدم إظهارها، على الرغم من أن الرجل قد يحب زوجته حبًا عظيمًا، ولكنه لا يعبر عن ذلك، ويخفق في إرسال ما يثبت ذلك من هدية، أو زيارة، أو حتى من رسالة بالجوال لا تكلف شيئًا.
كذلك كان ﷺ يفرح إذا أسلم من له مكانة. فرح النبي ﷺ بإسلام من له مكانة، ليس لأنه سيزيد الإسلام والمسلمين قوة أو جاهًا أو مالًا، بل لأنه سيكون سببًا في دخول أتباعه إلى الإسلام. ومن ذلك فرحه بإسلام عدي بن حاتم الطائي، حاتم الطائي سيد من سادات العرب في الجاهلية، وهو ممن يضرب بكرمه الأمثال، وعدي هذا ابنه وهو سيد قومه من بني طي. لذلك عندما جاء إلى النبي ﷺ مسلمًا يقول: «جئته عليه الصلاة والسلام فقلت إني جئت مسلمًا»، فرح النبي ﷺ بإسلامه.
ليس ذلك فحسب، بل ابن عدوه وهو من أعظم أعداء الإسلام، وهو فرعون هذه الأمة أبو جهل، عندما أسلم ولده عكرمة؛ يقول: «لما رآه النبي ﷺ وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه». حتى بايعه عكرمة، والرسول قام لفرحه بقدوم هذا السيد من سادات قريش مسلمًا بعد أن حاول الفرار من جزيرة العرب، ثم عاد إلى رشده ورجع تائبًا. وكان ﷺ إذا فرح سر واستنار وجهه كأنه قطعة قمر.
إذًا هذه المشاعر التي يجب أن تختلج في صدور المسلم إذا سمع بإسلام من له مكانة، لا كما قد يعتري البعض إذا سمع بإسلام ممثل أو مغنٍ -أكرمكم الله وأعزكم- فإنه ربما غضب لذلك وقال: "الإسلام ليس في حاجة لإسلامي". هذا صحيح، الإسلام ليس في حاجة إلى إسلامي وإسلامك، لكن الفرح بعودة التائب إلى ربه، ورجوع الفاسق إلى الإسلام، واعتناق الكافر لهذا الدين أمر يثلج الصدر، ومن السنة أن يفرح له المسلم.
النبي ﷺ كان يفرح أيضًا عند ظهور الحق وانجلاء الشبهة وزوال الشك. فمن ذلك أن المنافقين ومن قبلهم المشركين كانوا يطعنون في نسب أسامة بن زيد بن حارثة، حب النبي ﷺ وابن حبه؛ لماذا؟ أسامة بن زيد كان أسود كالليل المظلم، بينما أبوه زيد بن حارثة كان أبيض من الثلج، وأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ حبشية. كانوا يطعنون في نسبه ويقولون: «كيف؟ أبوه أبيض وهو يأتي أسود هكذا؟»، ويطعنون فيه طعنًا في النبي ﷺ، وهذه عادة المنافقين؛ ما يستطيعوا أن يطعنوا في الرسول ﷺ صراحة، فيطعنون في أم المؤمنين عائشة، أو يطعنون في أسامة رضي الله عنه وأرضاه ليؤذوا النبي ﷺ.
تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، فقال: «يا عائشة، أتريْن مجززًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة بن زيد وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض». هذا مجزز هو من القافة، شغلته يقتفي الآثار، فهدؤلاء عندهم فراسة وعندهم معرفة بالأحوال والأمور التي تخفى على الكثيرين. عندما دخل على النبي ﷺ رأى أربعة أقدام، رأى قدمي أسامة وقدمي أبيه زيد، ولم يرَ وجوههما، فنظر إلى الأقدام فرأى الشبه واضحًا وقال: «هذا العربي القح، قال: هذه الأقدام بعضها من بعض»، يعني هذا وذاك هم أقارب، أحدهما أب للآخر.
فسر ﷺ لذلك، لا لأنه كان يشك في نسب أسامة حاشا وكلا، بل لأن شهادة هذا الرجل العربي مجزز هي شهادة إثبات للمشركين وللمنافقين أنه لا مجال للطعن في نسب أسامة، مثلما الآن الحامض النووي أو (DNA) يعتبر عندهم هو المقياس لمعرفة الأنساب، فكذلك كانت شهادة هذا الرجل، ولذلك سر وفرح بذلك نبينا ﷺ.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهًا وتحريرًا خطيرًا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا؛ فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي ﷺ بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزامًا علينا البحث عن أبرع الطرق وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع الإنساني.
كذلك النبي ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح كان يفرح إن جاء ما يؤكد الناس ما جاء به عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإنسان قد يساوره شيء من عدم اليقين: ﴿قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. يعني زيادة في الاطمئنان، وإلا فالإيمان واليقين ثابت لا شك فيه ولا مراء. فمن ذلك ما أخبر النبي ﷺ أصحابه عن أمر الدجال، وكيف أنه في جزيرة، وكيف أنه مغلول بالسلاسل والأغلال، وكيف أن ظهوره فيه من الفتن وكذا.
يقول عليه الصلاة والسلام: «إن تميماً الداري حدثني بحديث ففرحت فأحببت أن أحدثكم». هذا الحديث عن تميم رضي الله عنه وأرضاه، وكان من أواخر الصحابة إسلاماً، تأخر إسلامه إلى السنة التاسعة تقريباً عندما جاء فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما رآه في رحلته البحرية العجيبة، وما رآه من أمر الجساسة ومن أمر الدجال والنبوءات التي قالها، ووافق ما أخبر به تميم ما قد أخبر عنه سابقاً النبي عليه الصلاة والسلام، ففرح بذلك وأعاد على أصحابه ما أخبره به تميم مما كان قد أخبرهم هو عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرح لأمر غير معتاد أظهر فرحه، لا بالولائم الباذخة ولا بالرقص والأهازيج كما يفعل الجاهليون، ولم يظهر فرحه بالبطر أو بأمور خارجة عن شرع الله عز وجل، بل كان يظهر فرحه بالسجود شكراً لله سبحانه وتعالى. فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جاءه أمر أو أمر سرور أو بشرى خر ساجداً شاكراً لله عز وجل.
وسجود الشكر هذا ليس كما يظن البعض أنه على أي أمر يسجد الإنسان، فربما سجد في اليوم عشرات المرات شكراً لله. لا يشرع هذا السجود كما يفعل بعض العوام بعد صلاة الفجر، إذا انتهى من أذكار الصباح سجد سجدة طويلة، ماذا تفعل يا أخي؟ قال: أنا أشكر الله عز وجل على نعمه العديدة الكثيرة التي لا تحصى. هذه السجدة بدعة منكرة ولا يجوز للمسلم أن يفعلها، لأن لو فيها خيراً لفعلها النبي عليه الصلاة والسلام.
قد يحتج محتج فيقول: طيب، الرسول كان يسجد للشكر صلى الله عليه وآله وسلم، كان يسجد إذا أتاه أمر. يعني ليس ذلك أنه كل مرة يسر أن يفرح لشيء فإنه يسجد للشكر. سجود الشكر كما يقول العلماء يشرع كلما حصلت للمسلمين منفعة عامة، أو اندفعت عنهم نقمة عامة، أو حصلت للمسلم نفسه نعمة خاصة سواء تسبب في حصولها هو أو لم يتسبب، أو كل من دفعت عنه نقمة.
فإذا أتاك راتبك في نهاية الشهر، لا يشرع أن تسجد له سجود الشكر، ولكن لو أن الشركة لم تعطك راتبك ستة أشهر وضاقت بك الأرض بما رحبت وأغلقت الأبواب في وجهك، ثم جاء فرج الله ودفعت إليك رواتبك فجأة وأنت لم تحتسب فسجدت لله شكراً، هذا أمر مقبول. أو علمت بعملية جراحية لأحد من تحب وهي خطيرة ومهددة بالفشل وبموته لا قدر الله، ثم جاءك الخبر بنجاحها، فأنت تسجد للشكر فلا حرج في ذلك.
ومن فرحه ﷺ فرحة كعب بن مالك، أحد الثلاثة الذين خُلفوا رضي الله عنه وأرضاه، شاعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما حصل له ما حصل من التخلف عن غزوة تبوك وأمر النبي عليه الصلاة والسلام للمسلمين بهجرانهم وعدم الحديث معهم، ثم نزلت توبة الله تعالى. وقال له قائل: يا كعب بن مالك أبشر بتوبة الله. أول ما سمع هذا المبشر من مكان بعيد سجد لله شكراً، هذه توبة ما كانت منتظرة لأنه أذنب ولأنه تأخر وتخلف، فجاءت توبة الله تعالى فسجد لله شكراً ونزع ثوبيه وأعطى الذي وصل إليه صوته أولاً كهدية. جاء الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يبشره قائلاً: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك».
كذلك كان عليه الصلاة والسلام يفرح إذا بادر أصحابه بامتثال أمره، كما كان يسوءه ويغضب إذا تأخروا عن ذلك. في صلح الحديبية، عندما أمر الصحابة أن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا من إحرامهم، غضب عليه الصلاة والسلام لأنه ما امتثل لأمره أحد، وحق له، فأخذ بمشورة أم سلمة وحلق رأسه أمامهم ونحر هديه وتبادروا إلى الامتثال.
وكذلك عندما دخل قوم من مضر فقراء مجتابي النمار، مقطعة ثيابهم، ومن هذه القبيلة العريقة، غضب عليه الصلاة والسلام وحث الناس على الصدقة، فجاء رجل صرة كادت أن تحمل يديه عن حملها ووضعها أمامه، وتبادر الناس بصدقاتهم يأتون به حتى اجتمعت عند النبي عليه الصلاة والسلام كومة عظيمة، تهلل وجهه كأنه مذهبة. لماذا؟ لأن المسلمين قد بادروا بالعطاء، بادروا بالبذل وإعانة الملهوف، والآن سدت حاجة المحاويج، فدخل السرور قلبه عليه الصلاة والسلام وظهر على وجهه، بأبي هو وأمي.
كذلك كان يفرح إذا لمس من أصحابه فهماً للعلم ووصولهم إلى درجة عالية، مثلما فرح عندما عرف أبي بن كعب رضي الله عنه أي آية أعظم في كتاب الله عندما سأله الرسول عليه الصلاة والسلام فاجابه، فقال: «ليهنك العلم أبا المنذر»، وقد فرح وسر لذلك عليه الصلاة والسلام.
لذا يجب على المسلم أن يقارن فرحه بفرحه صلى الله عليه وآله وسلم. هل فرحنا في هذه الحياة الدنيا الزائلة الفانية هو على هديه صلى الله عليه وآله وسلم عند ظهور المسلمين وانتصارهم، عند اندحار المشركين وهزيمتهم؟ هل فرحنا لظهور الشرع وإقامة دولة الإسلام في قلوبنا ورؤية المنكرات تزول؟ أم أن فرحنا مثل فرح قارون الذي قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]؟
أسأل الله عز وجل أن يجعل أيامنا وليالينا أفراحاً بنصر الإسلام والمسلمين. ونسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير، وأن يجعل عواقب أمورنا إلى خير، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم