يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة، والياء عطرة الشداد، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
العبادات متنوعة تختلف، وهذا من فضل الله عز وجل بالبشر. تخيل معي لو أن الله تعالى حصر العبادات فقط في قيام الليل لعجز كثير من الناس عن عبادة الله تعالى، ولو أن الله تعالى حصر العبادات في الصدقة والبذل في سبيل الله لتخلف أكثر الناس عن هذه العبادة، ولو أن الله تعالى لم يقبل من الناس إلا أن يصوموا صيام النوافل من عاشوراء وعرفة والاثنين والخميس والأيام البيض ونحو ذلك، لتسبب ذلك في حرج عظيم.
لكن الله عز وجل بفضله ومنه وإحسانه عرف أن الناس يختلفون، لذا فتح لهم أبوابًا من العبادات بحسب مشاربهم وما ترتاح إليه نفوسهم. من يفتح الله تعالى عليه في قيام الليل ولكنه شحيح في النفقة والصدقة، يدفع حق الله عز وجل من زكاة لكنه لا يزيد، وهذا كثير في حال التجار. ومن يبذل بذلًا عجيبًا ونفعه متعد، فينفع الناس ويبني الكليات والمدارس ويفتح المستشفيات ويطعم الطعام، كل ذلك بماله؛ ولذا جاء في الحديث: «ذهب أهل الدثور بالأجور»، أصحاب المال ذهبوا بالأجر العظيم.
لكن هذا الذي يتصدق قد لا يستطيع إلا أن يصلي الصلوات المفروضة. وتجد من الناس من يفتح الله تعالى عليهم في الصوم، فيصوم صوم داود، يفطر يومًا ويصوم آخر. ومن الناس من يفتح لهم في قضاء حوائج الناس، منهم من يفتح له باب في التعليم وطلب العلم والتصنيف ونحو ذلك.
هذا من فضل الله تعالى، إلا أنه من أعظم العبادات التي نغفل عنها عبادة التأمل والتدبر والتفكر في مخلوقات الله عز وجل، وهي آيات الله الكونية، وفي آيات الله الشرعية، والتدبر والتأمل في حكم الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا التفكر هو إعمال القلب والعقل فيما فيه صلاح الدين والدنيا. وقد ورد التفكر وورد مدحه والأمر به في القرآن في مواضع كثيرة جدًا، وليس هذا المقام ليبسطها، ولكنك لو أمسكت بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن وتتبعت الآيات التي فيها «يتفكرون»، لوجدت أنها كثيرة، وإن الأمور التي أمرنا الله عز وجل بالتفكر فيها نحن للأسف فيها من الغافلين.
قال عز من قائل: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]. ما تأملنا مكانة القرآن في قلوبنا ولا أثره على الجبل لو نزل عليه كذلك. قال سبحانه: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 261]، وقال: ﴿فَقَصَصْنَا الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. والآيات كثيرة ومناسبات هذا الأمر بالتفكر عظيمة، وليس هذا المقام ليبسطها.
لكن إن ذهبت تتأمل في حال النبي عليه الصلاة والسلام لرأيت عجبا، خاصة في أمور التفكر، وأنه عليه الصلاة والسلام كان طويل الصمت، غزير وكثير التفكر. النبي عليه الصلاة والسلام كلامه معدود، لكن تفكره وتدبره وتأمله كان ذا شأن، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقوم من جوف الليل ينظر في السماء يتفكر ويتأمل.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات عند النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، فقام عليه الصلاة والسلام من آخر الليل فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] حتى بلغ قوله عز وجل: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]، ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ ثم قام فصلى ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك وتوضأ ثم قام فصلى. رواه البخاري ومسلم. إذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا حري بنا أن نتبعه.
قال الإمام النووي رحمه الله فيه: إنه يستحب قراءة آيات عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء. شوف، النظر إلى السماء أثناء الصلاة محرم منهي عنه، وقد شدد في ذلك عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة، أنه ربما خطف بصر العبد وهو ينظر إلى السماء أثناء صلاته؛ لأن هذا مخالف للخشوع، أن تنظر إلى موضع سجودك في خضوع وخشوع. أما عند الاستيقاظ من النوم، فإنه وقت تأمل وتفكر، لا وقت صلاة الآن، أنت لست في صلاة، فتنظر إلى السماء وتقرأ هذه الآيات وتجيل البصر في السماوات، ويعود البصر إليك خاسئًا وهو حسير من كمال وجمال هذه السماء.
يقول النووي رحمه الله: «يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر». وإذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكرير قراءة هذه الآيات كما ذكر في الحديث.
عبادة التفكر هذه عبادة عظيمة؛ لأنها تورث القلب خشية الله حقيقة. قد لا أتفكر ولا أتأمل ولا أتدبر، لكني منضبط في عبادتي، مجتنب للحرام، قائم بأمر الله كما أمر عز وجل، هذا خير، ولكن يخشى على من كانت حاله كذلك أن تأتيه شبهة أو تسيطر عليه شهوة تزحزحه عن الصراط المستقيم. أما ذاك الذي يتدبر ويتأمل ويتفكر، فإن الإيمان كان مغروسًا في قلبه، وهو على الجادة بيقينه واعتقاده وإيمانه، ولا شك أن حالة هذا أفضل من حالة ذاك، والله أعلم.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه، أو على شراء أخيه؛ لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه.
مثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسع ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تأمل وتفكر النبي عليه الصلاة والسلام عجيب حقيقة، كان صلى الله عليه وآله وسلم يتفكر. الآية الواحدة نحن نقرأ القرآن نختمه على أقل تقدير مرة كل شهر، كما جاء في أمر عليه الصلاة والسلام لسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
لكن هذا الأمر وتلك القراءة وتلك الختمة، أو أكثر من ختمة في الشهر بدون تفكر، ينقصها أجر عظيم ويحول دونها فائدة مهمة. النبي عليه الصلاة والسلام ربما قام الليل بالآية الواحدة؛ تخيل! هو الذي قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين».
هو نفسه عليه الصلاة والسلام الذي قام في ركعة واحدة بسور البقرة والنساء وآل عمران، لكنه أيضًا هو نفسه عليه الصلاة والسلام الذي قام الليل بآية واحدة. عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يعني الليل كله يقرأ آية واحدة، يقول: يركع بها ويسجد بها.
وهذه العبارة فيها خلاف؛ كيف يركع بها ويسجد بها ونحن منهيون عن قراءة القرآن في السجود والركوع؟ ومن أهل العلم من قال: هذا كان قبل النهي وقبل النسخ، ومنهم من قال: لا، معنى الآية أنه يركع ويسجد ولا يقرأ في القيام إلا بهذه الآية، ثم يقوم ويقرأها ويركع ويسجد، ثم يقوم ويركع ويسجد. ما هذه الآية؟ قول الله عز وجل: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118].
هذه مقولة عيسى ابن مريم عليه السلام، والآية فيها تعظيم لله عز وجل بأنه لا يغفر الذنوب إلا هو، ولا يعذب بالذنب إلا هو، فهذا دعاء لله عز وجل واستجداء لرحمته نفعًا لعباده. النبي عليه الصلاة والسلام هو الشافع، هو الذي يسأل ربه عز وجل أن يرحم أمته؛ أسأل الله أن يرحمني وإياكم، وأن يجعلنا من له الحظ الأعظم في دعوته عليه الصلاة والسلام، لذلك كان يردد هذه الآية لعلمه بمعناها ولتفكره ومعرفته بمقتضاها صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول ابن القيم: «وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح، لا يهزون القرآن هزا، لا يتلونه وهم لا يريدون إلا الوصول إلى آخر السورة». كما جاء عن السلف: «لا يكن هم أحدكم آخر السورة». يقرأون القرآن ويتلذذون به. قال النووي رحمه الله: «وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة يرددونها إلى الصباح». هذا هو التفكر والتدبر والتأمل.
بل ربما بلغ التفكر في آيات الله بنبينا عليه الصلاة والسلام أنه ربما بكى عند التفكر في معاني بعض الآيات. سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرأ علي»، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم». فقرأت سورة النساء حتى إذا أتيت إلى قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «حسبك الآن». فنظرت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فإذا عيناه تذرفان.
يسمع القرآن فيفقه ويعلم معانيه حقيقة ويتفاعل ويتأثر من هذه المعاني العظيمة، بل إن تفكره صلى الله عليه وآله وسلم ربما أثر في جسده حقيقة. التفكر يعني أنك تتفاعل، وهذا التفاعل بمفهومنا اليومي الحالي المعاصر قد يرفع الضغط، قد يصيب الإنسان بالسكر، قد يأتيه بالهموم والغموم في أمور الدنيا، فكيف لو تفكر في ملكوت الله عز وجل وفي عظمته؟ هذا يورثه اطمئنان القلب.
ولكن ربما أثر على جسده؛ جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبت، يعني ظهر الشيب عليك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعما يتساءلون، وإذا الشمس كورت». سبحان الله! نحن نقرأ هذه السور والله ما أثرت فينا ولا فعلت بنا الأفاعيل، لماذا؟ لأن القلوب قد قست، فهي كالحجارة أو أشد قسوة.
مسألة التدبر والتأمل والتفكر في كتاب الله عز وجل هذه غابت عن مفرداتنا ولم تعد توجد في قواميسنا للأسف الشديد. قال الطيبي رحمه الله: «وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة». صور عظيمة، معان جليلة، ذكر أهوال يوم القيامة يشيب لها الولدان، لكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
النبي عليه الصلاة والسلام تفكره في الأمور شيء عجيب، أنت إذا ذهبت تبحث في كلامه عليه الصلاة والسلام رأيت حكمة عجيبة في كلمتين اثنتين يصنف فيهما العلماء المصنفات؛ «إنما الأعمال بالنيات»، هذه من المقاصد أو من القواعد الفقهية الكبرى. «لا ضرر ولا ضرار»، انظر ما قال فيه أهل العلم. «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، كلمات معدودة؛ هذه من أين جاءت؟ أتت من التفكر والتدبر والتأمل.
فكل ما يخرج من فمه عليه الصلاة والسلام هو الحكمة. ولذلك ليس كل ما يقوله عليه الصلاة والسلام هو وحي، إنما النبي عليه الصلاة والسلام مشرع مأذون له من الله عز وجل بأن يجتهد وأن يشرع لأمته، فإذا كان هذا التشريع وحيًا فهو لا ينطق عن الهوى ابتداءً، وإن كان التشريع اجتهادًا منه عليه الصلاة والسلام فأقره الله تعالى عليه فهو وحي انتهاءً.
لذا إذا تكلم واجتهد عليه الصلاة والسلام بما جانب الصواب، فإن الله عز وجل يصوبه ويصححه؛ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، كما عاتبه في أسرى بدر، اجتهد وأخطأ فصوبه الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [عبس: 1-2]. يصحح الله عز وجل هذا الخطأ وهو شيء يسير لا يذكر ولا في الأصل، فإن ما يتحدث به عليه الصلاة والسلام إنما هو من إلهام الله وتوفيقه له، ومن تدبره وتفكره وتأمله، فلا يخرج منه إلا الحكمة والنور والهدى، وهذه من نتائج التفكر.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله. من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.
فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصًا على دراستها، ومن قال قواعدها فله احتساب الثواب في ذلك؛ إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. ويجب اجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع؛ عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. ومن وسائل ذلك: مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر، إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله.
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي ﷺ كان يأمرنا بالتفكر والتدبر والتأمل، بل كان يتوعد من يترك ذلك؛ لأن العبادات إذا أصبحت عادات، وأصبح الإنسان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن من باب العادة لا العبادة، فهذا خلل عظيم، ولا يستطيع الإنسان أن يضمن الثبات، خاصة في أزمنة الفتن. أما ذاك الذي يتفكر ويتأمل في ما قدره الله تعالى، ويرى حكمة الله عز وجل حوله، ويرى تخاطف الناس من أمامه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فيحمد الله تعالى أنه ما زال على الصراط المستقيم، هذا بإذن الله عز وجل يثبت.
إذا كان عليه الصلاة والسلام يتوعد أولئك الذين لا يتفكرون، جاء عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء من رسول الله ﷺ. فسكتت، تستحضر تلك المشاهد الكثيرة، حياة ملئت بالأحداث العظيمة والذكريات الجميلة، فما كان أعجب شيء رأته؟ سكتت، ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال للنبي ﷺ: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي»، فقلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك.
فقام فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل خُرجته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض. فجاء بلال يؤذنه بالصلاة -أي صلاة الفجر- فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لم تبك؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أنزل علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]».
قال عليه الصلاة والسلام: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها». إذاً هذا وعيد من النبي ﷺ لمن يترك التفكر في هذه الآيات العظيمة. لابد للمسلم أن يجتهد اتباع هديه ﷺ خاصة في مسائل التفكر. هذا التفكر بدأ مع النبي ﷺ قبل البعثة، قبل أن يوحى إليه. كيف كان حاله؟ أم عائشة رضي الله عنها تقول: أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء إلى آخر الحديث.
إذن قولها: يتحنث الليالي ذوات العدد، هذا التحنث هو عبادة الله عز وجل، هو أصلاً لم يوحى إليه، وما كانت الصلاة مشروعة، ولم يعرف ما يعبد الله عز وجل، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾. ما هو هذا التحنث؟ هذا التحنث هو التأمل والتفكر في مخلوقات الله عز وجل. النبي ﷺ كان منذ صغره جاداً، وكان يتأمل ما كان عليه قومه من العبادات الباطلة والأوهام الزائفة التي حمى الله تعالى قلبه من زيفها، ولم تلقَ قبولاً عنده في عقله بحكم ما عصمه الله تعالى وهداه به.
هذه الحال هي التي دفعت النبي ﷺ لاعتزال قومه وما يعبدون من دون الله، إلا أنه كان سريعاً في مساعدة الضعيف، ونصرة المظلوم، وإكرام الضيف، وصلة الرحم؛ فكان يأخذ طعامه وشرابه ويذهب إلى غار حراء. يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في الصحيح: «جاورت بحراء شهراً». ماذا يوجد في غار حراء؟ غار حراء في جبل النور على بعد ميلين من مكة، لا ترى فيه إلا الجبال الشامخة والسماء الصافية، وتستطيع أن ترى الكعبة منه، فهذا أمر يبعث على التأمل والتفكر والتدبر.
وكان يمضي في هذا الغار ﷺ بلا أي وسيلة من وسائل الراحة، يمضي الليالي ذوات العدد، يقضي وقته متأملاً متفكراً متدبراً، وليس في قلبه الطمأنينة على ما عليه قومه، هو ليس مرتاحاً لهذا المنهج الذي يسلكونه لأنه لا يرضي الله عز وجل، وهو لا يستطيع أن يضع إصبعه على مكان الخلل. وكان أكثر ما يقضي في هذا الغار كان في شهر رمضان، ما جاءنا في السنة المطهرة صفة معينة أو هيئة كان ﷺ يتخذها في تعبده، بل كل ما هنالك هو البعد؛ كل البعد عن الشرك ومظاهر الكفر، والخلوة بالله عز وجل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض. ولذلك نزل على النبي ﷺ سيدنا جبريل بالوحي في ليلة القدر في شهر رمضان في ذلك الغار.
الغريب أن النبي ﷺ بعد نزول الوحي لم يرجع إلى غار حراء أبداً، ولا ذهب أحد من أصحابه ولا من التابعين ولا من أتباعهم إلى ذلك الغار كما يفعل البعض هذه الأيام من زيارتهم وتعنيهم مشقة الصعود، وهذا ليس من السنة أبداً وليس بأمر مشروع. هذه الخلوة كانت تريح النبي ﷺ من الواقع البغيض الذي كان يعيشه المشركون في قريش وفي العالم من حوله. ولذلك بعد البعثة وبعد الهجرة لم يكن النبي ﷺ يخصص أياماً في عامه للخلوة بربه عز وجل إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ نعم هو اعتكف في أول الشهر وفي وسطه، واستقر اعتكافه على آخر الشهر، وقضاه في سنة من السنوات في شهر شوال، لكن ما كان يخلو هذا النوع من الخلوة المشروع في ديننا إلا في العشر الأواخر من رمضان.
ليفتح باباً مهماً للدعاة والعلماء لكي يحافظوا على نقاء النفوس دون أن يخلوا بمهامهم، عن طريق تأملهم وتفكرهم في هذه الفترة المباركة. ولذا يجب على المسلم أن يحرص على أن يخصص وقتاً من يومه وليلته للتأمل والتدبر ومراجعة النفس والخلوة مع الله عز وجل، كي يستطيع أن يعيد لقلبه الطاقة اللازمة للدعوة إلى ربه والثبات على الصراط المستقيم وعلى الطريق القويم.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته الحسنى أن يجعلني وإياكم ممن يثبتون على سنة النبي ﷺ ويدعون الناس إليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع.. متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سلماً والسيرة العلياء.. عاطرة الشذى فواحاً لأهل كل زمان
الشيخ عاصم الحكيم