دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة العطرة، يفوح لأهل كل زمان؛ بشرى لنا زادنا كاذبين.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تقدم معنا في الدرس الماضي نماذج من تعزيره ﷺ وعقوبته على ما لا حد فيه تأديبًا. وربما النبي ﷺ ما كان يعزر، إنما كان يعاتب، إنما كان يلوم. هذا الأمر من المعاتبة واللوم إنما كان للتأديب وكان للتعليم؛ لأن النبي ﷺ هو أكرم الخلق، وهو أرحم الخلق بالخلق، وهو أحسن الناس أخلاقًا، كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن». ولو أردت أن تنظر إلى خلقه وإلى مدة حياته مقارنة بالحوادث التي ورد لنا فيها أنه عاتب ﷺ فيها لوجدتها لا تذكر، ولكن لا بد من حصولها؛ لأن النبي ﷺ أسوة لنا، فلا بد أن نتعلم من هديه في شفقته ورحمته، في تعزيره وعقوبته، في عفوه وصفحه، في معاتبته ولومه. هذا كله نتعلم منه كل بحسب الحالة والمكانة التي تقتضي هذا الأمر.

أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لي لشيء لما فعلت كذا، وهلا فعلت كذا»، رواه البخاري ومسلم. عشر سنين تخدم النبي ﷺ ولم يقل صحبته؛ لأن الإنسان ربما يعامل صاحبه بطريقة مختلفة عما يعامل خادمه، إنما قال خدمته، والخادم مكانته دون المخدوم، فلربما يعاتب، لربما ينهر، لربما يلوم. أبداً عشر سنين النبي ﷺ ما فعل ذلك مع سيدنا أنس. عمر طويل، العشر سنوات فيها تقلبات الأمزجة والنفوس: الغضب، الفرح، الحزن، السعادة، لكن ليست عند النبي ﷺ الذي يعامل الناس بإنصاف وعدل؛ لم ينهره ولم يزجره عليه الصلاة والسلام.

وفي الحديث: «ترك العتاب على ما فات». فلم يكن يخرج من فم النبي ﷺ كلمة نابية ولا بذيئة ولا فاحشة، حاشاه ﷺ؛ فقد كان أطهر الناس وأحسنهم وأكملهم أخلاقًا. بعض الناس ما ينفك عن المعاتبة، ما تجلس مع أحد -وهذا الذي ربما يسمونه بثقيل الظل- ما تجلس معه إلا يلومك: لماذا لم تتصل بي البارحة؟ لماذا لم تعزمني على...؟ ولدك لماذا لم يفعل كذا؟ لماذا لم يخبرني أنه جاءتك زيادة في الراتب أو علاوة؟ لماذا لم تستشرني عن سيارتك؟ تشعر دائماً أنك تحت الضغط وتحت المراقبة، هذه الحياة معه لا تستقيم. وفي الغالب أنك تجده من أكثر الناس وحدة، تجده وحيدًا لا يوجد له حميم أو صديق مقرب.

وكما قال الشاعر: ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ

هذا الذي لا يتغافل عن عيوب أصحابه يمت وليس له من يعاتبه، يمت وليس له من صاحب. ويقول: ومن يتتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحبا

إذن هذه مشكلة؛ إذا أنت تبحث عن عيوب الناس وعما تعاتبهم وتلومهم عليه، إذاً لن يبقى لك بعد ذلك من صاحب. وكان النبي ﷺ ربما عاقب -تقدم معنا هذا في التعزير- وربما عاتب، وربما رؤية الكراهة في وجهه، وربما أعرض، وربما احمر وجهه؛ كل ذلك كراهة منه ﷺ لخلاف ما شرع الله ورسوله، ونفورًا عنه، وإعراضًا وذمًا له، واستقباحًا وتربية لأصحابه وللأمة من بعدهم.

ومن كريم أخلاقه عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن يكثر العتاب. قال عز من قائل: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، وفي سياق آخر: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ هَلْ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ هَٰذَا ۖ قَالُوا سَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُؤْمِنَ بِمَنْ مَعَكَ ۖ قَالَ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ ۚ ذَٰلِكَ حَدَثْنَا بِهِ ۖ وَمَا عَلِمْنَا بِهِ ۖ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْمَثَلَ﴾ [يوسف: 80]. لما النبي ﷺ واجه زوجته بالسر الذي أفشته، ما واجهها بكل ما أوحى إليه ربنا عز وجل وأخبره عن الواقعة، إنما عرف بعضه وأعرض عن البعض الآخر. فإعراضه إنما هو من غفلته ﷺ المقصودة التي هي عنوان حسن الخلق.

جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق»، وجاء في رواية أنه قال: «هو حسن الخلق كله». وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «ما استقصى كريم قط». ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿عَرَفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [يوسف: 80]؟ «ما استقصى كريم قط». الكريم ما يأتي ينبش، يستخلص، ويستخرج الخبايا والخفايا، إنما يعامل الناس على الظاهر ويتغافل عما لا يعرف عنه ما يبحث ويتقصى ويفعل.

وفي حديث أم زرع، قالت بعض النسوة في وصف زوجها: «إن دخل فهد وإن خرج أسيت ولا يسأل عما عهد». «فإذا لا يسأل عما عهد» أي شديد الكرم، كثير التغاضي، لا يتفقد ما ذهب من ماله. وإذا جاء بشيء لبيته لا يسأل عنه بعد ذلك، ولا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعايب، بل يسامح ويغضي الطرف. انظروا إلى أحوال كثير من الأزواج؛ يتقصى: وين الشيء الفلاني؟ أين هذا الذي أتيت به؟ أنا اشتريت قبل أسبوع وكذا وكذا، لماذا لا أجده؟ أين ذهبت به؟ يتحرى ويتقصى ويسأل حتى يشعر جميع من في البيت بالضيق والاتهام وعدم الثقة، وهذا خطأ، ليس هذا من حسن الخلق الذي أرشدنا إليه النبي ﷺ. إذاً العتاب هذا موجود، لكنه عتاب بقدر بحيث تستقيم الحياة، لا بحيث يستقصي ويضيق الأنفاس على من حوله.

فاصل قصير، وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل.

من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلونون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه. فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصًا على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك؛ إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة، واجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع. عن نافع قال: «كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن»، ومطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما.

الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر؛ فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي ﷺ ورد لنا في سيرته وفي كتب السنن أنه عاتب نساءه؛ عاتب بعض نسائه في إفشائها السر كما جاء في مطلع سورة التحريم، وعاتب نساءه عندما طالبنه بالنفقة. وجاء معنا من قبل كيف أن النبي ﷺ خير نساءه بين أن يمتعهن وأن يسرحهن سراحا جميلا، وبين أن يظلن ويبقين معه، فاخترن رضوان الله عليهن أن يظلن ويبقين مع النبي ﷺ.

سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه يخبر في الحديث الصحيح أن عتاب النبي ﷺ لزوجاته اشتهر وعرف، فهو إمام هذه الأمة وهذا أمر لا يستتر في الأصل لأن نساءه كثيرات ﷺ ورضي الله عنهن، وأهلهن في المجتمع منتشرون. يقول أنس رضي الله عنه: قال عمر وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، وذكر ثلاثة أمور، منها اتخاذ إمام إبراهيم مصلى، ومنها أمر نساءه بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب. ثم يقول: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعضا نسائه، وهذا هو الشاهد من الحديث أن الرسول ﷺ عاتب نساءه. يقول: فدخلت عليهن قلت: إن انتهيتن أو ليُبدلن الله رسوله ﷺ خيرا منكن، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّن كُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾ [التحريم: 5] إلى آخر الآية.

فإذا فالرسول ﷺ عاتب نساءه، والعتاب إن كان في مكانه ولحاجة ولم يكن ديدن المرء فهذا أمر مطلوب. ما يستطيع أحد أن يعيش بدون شيء من المعاتبة، شيء من اللوم كي لا يتكرر هذا الخطأ أو ليتعدل المسار إلى النحو المرضي عنه. وعتابه ﷺ ليس لحظ النفس؛ كان إذا عاتب أو لام لم يكن ذلك لحظ النفس بل كان للتأديب وكان للتعليم، فقد بعثه الله بشيرا ونذيرا، بعثه الله عز وجل معلما للناس، معلم الناس الخير؛ أسوة لابد أن يعلم جاهلهم وأن يربيهم على ما يرضي الله عز وجل.

أمنا عائشة تقول، والحديث في الصحيح: إن اليهود كانوا إذا أتوا النبي ﷺ كانوا يقولون: السام عليكم، والسام هو الموت، وعوضا عن أن يظهر اللام "السلام عليكم" يأكلونها يدغمونها لكن بنية الدعاء عليه ﷺ. ولربما هذا يوافق بعض اللهجات في بعض الدول العربية عندما يكون "السلام عليكم" هذا خطأ وإن كانت لهجة ولا يقصد بها الدعاء على الشخص بالموت، لكن يجب علينا أن نفترق وأن نخالف نهج اليهود فنظهر اللام ونقول: السلام عليكم.

أمنا عائشة تقول: كانوا يأتون فيقولون: السام عليكم، والرسول ما يرد عليهم إلا بقوله: «وعليكم». وهذا المشروع على الصحيح، وإن كان فيه خلاف أنه حتى لو أن النصراني أو اليهودي أو الكافر أظهر السلام فقال: السلام عليكم، إنك ترد عليه بقولك: وعليكم، وإن كان هنالك قول بأنك ترد عليهم من باب أن هذا من رد التحية بأحسن منها أو بمثلها، لكن الظاهر أن غالب فعله ﷺ أنه لم يكن يرد إلا بقول: «وعليكم».

أمنا عائشة ذات يوم فقالت: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال ﷺ معاتبا ومعلما: «مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف أو الفحش»، فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «ألم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيكم». رواه البخاري ومسلم.

أمر عجيب تصرف النبي ﷺ مع اليهود الذين أساءوا الأدب والذين نيتهم سيئة وخبيثة وهم كفرة؛ تصرفه معهم غاية في الرقي. كان بإمكانه أن يدعو عليهم دعاء قويا، لكن حلمه ﷺ وعلمه ورحمته منعته من ذلك، فكان يكتفي بقول: «وعليكم»، بعلمه أن ما يقولونه مردود عليهم وأنه لن يصيبه من دعائهم شيء. وقلة أدبهم وسوء تصرفهم هذا أمر الرسول ﷺ لم يكن يبالي به.

قارن هذا بما يحصل معنا نحن؛ يأتي إنسان يحصل بيني وبينه خلاف، أو أكون في السيارة ويخطئ علي، إذ به يقول: أنت حمار! يثور الإنسان ويغضب، ربما صدم السيارة وربما نزل فتشاجر ففقأ عينا أو كسر سنا أو أسال دما، لماذا؟ يقول: يا شيخ هذا سبني وقال لي يا حمار! أقول له: يا أخي الحبيب، لما قال لك يا حمار هل نمت لك أذنان وذيل؟ ما يقول هو محاسب عند الله عز وجل، أنت ما تعرف نفسك حمار أم لا؟

عمر بن عبد العزيز يدخل رحمه الله المدينة قبل صلاة الفجر ولم يكن فيها قناديل، ما فيها ضوء، ومعه حارسه، فداس على رجل نائم في الأرض، فالرجل يستيقظ فزعا متألما يقول: ما بك ما بك؟ أما ترى؟ أحمار أنت؟ وهو ولي، يعني هو أمير المدينة وأصبح الخليفة، قال: أحمار أنت؟ قال: لا. ومشى، فأراد الحارس -طبعا كغالبية الذين يريدون أن يبطشوا بالناس لكي يبهروا أسيادهم- أراد أن يبطش، فكفه عمر قال له: ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أو يا ولي أمرنا، ألم تسمع ما قال؟ قال: سمعت، سألني سؤالا فأجبته: أحمار أنت؟ قال: لا. وانتهى الموضوع.

صلى الله وسلم على محمد. لماذا يفعل من الحبة قبة؟ أكبر من حجمها، ويأتي الشيطان ويستغل الأمر ويجعل منه مرتعا خصبا لإثارة العداوات. النبي ﷺ هو الأنموذج في الحلم والعلم؛ اليهود يدعون: الموت عليكم، الدمار عليكم، والنبي ﷺ لا يزيدهم إلا بقوله: «وعليكم». قال: «يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم». في هذا النوع من العتاب لأمنا عائشة هو تأديب، هو تعليم، هو إرجاع إلى المسار أنه: يا عائشة انتبهي، وإن كانت نيتك صحيحة لابد أن تتغلبي على هوى النفس، لأن الإسلام ليس بدين فحش وتفحش؛ ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش البذيء. إذا هذا التعليم وهذا التأديب يأتي عن طريق اللوم والمعاتبة الطيبة، وهذا كثيرا ما كان يفعله النبي ﷺ مع الناس عامة ومع زوجاته من باب التعليم. يدخل على أم المؤمنين فإذا بها صائمة.

تعلمها يوم جمعة، بالأمس قالت لا. أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت لا. قال: «فافطري». تعليم وتأديب، كل حياته عليه الصلاة والسلام بهذه الشاكلة، ولذلك جعلها الله مباركة أينما كان.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا. به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات؛ إنه الدعاء، مخ العبادة وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى، والإخلاص له في الدعاء، وإطابة المأكل والملبس، واستقبال القبلة ورفع اليدين، وحضور القلب مع اليقين في الإجابة، والثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والإكثار من المسألة والإلحاح فيها، وإخفاء الدعاء وعدم الجهر به، والجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة.

ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة، والأحوال المناسبة. فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر، الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر، وعند سماع الأذان وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة: المساجد عموماً، والمسجد الحرام خصوصاً. ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿رَبِّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كان يعاتب أصحابه، وكما تقدم، معاتبته ولومه إنما كان للتأديب والتعليم؛ فأسامة بن زيد على سبيل المثال لا الحصر، حبه حبه وابن حبه، سيد ابن حارثة، أبوه كان ابن النبي عليه الصلاة والسلام بالتبني إلى أن أنزل الله عز وجل المنع من التبني، فكان يعرف باسم زيد بن محمد. أسامة هذا كان يحبه الرسول عليه الصلاة والسلام، أرسله في غزوة من الغزوات وهو صبي، يعني خمسة عشر أو ستة عشر سنة، يخبر النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان القتال وكيف فتح الله.

والرسول مستبشر فرح، إلى أن قال له: وكان في المشركين رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا لحقها، تبعته فبارزته حتى إنه حصر عند شجرة أو عند صخرة، فلما أيقن بالموت -ونحن نتبارز المعركة قائمة وهو يريد أن يقتلني وأنا أريد أن أقتله- فلما أحس أنه مقدور عليه قال: «لا إله إلا الله». يقول أسامة: وكان معه أنصاري يقاتل معه، فكف الأنصاري لما سمع الشهادة ووقف عن القتال، أما أنا فطعنته برمحي حتى قتلته.

فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، اعتدل الرسول في جلسته عليه الصلاة والسلام وقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟». فقلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً، يعني يا رسول الله ما قالها رغبة في الإسلام، نحن في قتال، قالها لكي يكف عن نفسه الموت ويمنعني من قتله. فأعاد النبي عليه الصلاة والسلام معاتبته ولومه لأسامة: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ أين أنت من لا إله إلا الله يوم القيامة؟». وما زال يكررها عليه، يقول أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

شوف هذا اللون، هذا النوع من العتاب له أبلغ الأثر على الإنسان. نعم أسامة فعل ما فعل مجتهداً، لكن اجتهاده هذا خطأ؛ لأن من قال شهادة التوحيد فقد عصم ماله ودمه إلا بحقها. فعندما عاتبه النبي عليه الصلاة والسلام بتكرار هذه العبارة عليه انتفع بها، لأنه بعد ذلك لم يقاتل مسلماً قط، حتى في وقت الفتنة عندما هاجت بين الصحابة، امتنع أسامة بن زيد عن المشاركة في أي الفريقين؛ لأنه استشعر عتاب النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك يأتي أقوام إلى أسامة يطلبون منه الشفاعة، لأن امرأة مخزومية كانت تجحد المتاع، كانت تسرق، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع يدها، فأتى أسامة يشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن عاتبه ولامه فقال: «أتشفّع في حد من حدود الله؟». وذكر الحديث الذي قال فيه: «إنما أهلك من كان قبلكم أنه كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويَمَن الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

إذاً عتابٌ ولو تعليم وتأديب وإرجاع إلى المسير: «أتشفّع في حد من حدود الله؟». هذا ما فيه لعب مطلقاً؛ الشفاعة طيبة والعفو محمود، ولكن بشرط أن لا تبلغ القضية الأمير أو الحاكم الشرعي أو القاضي، فإذا بلغت انتهى الموضوع. وربما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة على استعجالهم في تقديم الجاني إلى العدالة قبل التفكير في العفو عنه.

مسألة المخزومية مسألة مقضي منها ومفروغ منها، حكم عليها، لابد أن يتم تنفيذ الحكم ولا يجوز أن يشفع أحد في ذلك، لكن قبل أن تصل القضية إلى القاضي أو إلى الأمير يجوز الشفاعة. فصفوان بن أمية يقول: كنت نائماً في المسجد على خميصة لي ثمنها ثلاثون درهماً، متخذ هذه الخميصة كوسادة، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذوا الرجل وأتوه برسول الله عليه الصلاة والسلام فأمر به ليقطع. قال صفوان: قلت للنبي عليه الصلاة والسلام: أنقطعه من أجل ثلاثين درهماً؟ أنا أبيعه وأنشئه ثمنها. رحمه الله، قال علشان ثلاثين درهماً أنا أبيعه للرداء ويدفع ثمنه مقسطاً مؤجلاً لي. فقال عليه الصلاة والسلام معاتباً: «فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به؟».

إذاً الرسول عليه الصلاة والسلام يعاتب صفوان؛ لأن هذا الأمر كان قبل أن يؤتى به إليه ويحكم عليه، أما وقد وقع الحكم فلا شفاعة في حد من حدود الله. وتقدم معنا معاتبته عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص عندما لبس الثوبين المعصفرين، قال: «أأمك أمرتك بهذا؟». هذا عتاب قوي، الرجل إذا قيل له: «أأمك أمرتك بهذا؟» يعني أنت كأنك طفل، ما هذا؟ تصنع ما تأمرك به أمك من أمور النساء ما يصلح، فهذا عتاب ولوم من النبي عليه الصلاة والسلام تأديباً لصاحبه.

الرسول عليه الصلاة والسلام ربما استخدم ما انتشر على ألسنة العرب من دعاء غير مقصود لذاته، وهذا كنوع من العتاب، كقوله: «ثكلتك أمك» مثلاً. وكلمة «ثكلتك أمك» هذه عتاب ولوم، والأم الثكلى هي التي مات ولدها، الآن أصبحت ثكلى تبكي على ولدها الميت، فلما تدعو لواحد تقول له: «ثكلتك أمك»، يعني إن شاء الله تموت أنت وأمك تبكيك، وهذا من الدعاء لكنه غير مقصود. بعض الأحيان الناس يستخدمونها كطرفة، عندما يذهب أحد إلى الحج فيقول: «أسأل الله عز وجل أن يبعثك يوم القيامة ملبياً»، وهذا يقول: جزاك الله خيراً.

هو لا يدري أنه لا يبعث يوم القيامة أحد ملبيا إلا من مات وهو في إحرامه؛ فكأنه يدعو عليك أنك تموت في الحج. الرسول ﷺ ربما فعل ذلك كما قال لمعاذ بن جبل: «ثكلتك أمك يا معاذ»، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟

طبعاً هو ما يقصد أنه إن شاء الله تموت وأمك تبكي، لكن هذا مما انتشر في سنة العرب آنذاك؛ لقول الرسول ﷺ: «عقرت حلقي»، يعني إن شاء الله تذبح رقبتها ويحلق شعرها، لا يقصد ذلك ولا يعني، بل هو كلام العرب عند المعاتبة وعند اللوم، كقوله: «تربت يداه»، «شربت يمينك»، يعني إن شاء الله تمسك التراب ولا يكون عندك شيء، ليس مقصوداً لذاته المعنى.

وكذا جاء عن زياد بن لبيد عندما قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك عند أوانی ذهاب العلم»، فاستنكر زياد وقال: وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن؟ قال: «ثكلتك أمك يا زياد».

ومن ذلك أيضاً أن النبي ﷺ كان يعاتب ابن عمه من أصحابه عليًّا عندما زار فاطمة وعليًّا في بيتهما ووجدهما نائمين على الفراش، فقال: «ألا تصليان؟»، فقال عليّ: «يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا». كلامه صحيح، لكن رده على دعوة النبي ﷺ لهما بأن يصلي في غير مكانه، فخرج عليه الصلاة والسلام ولم يرد عليهما بشيء، يقول: «ثم سمعته وهو مولٍ يضرب فخذه وهو يقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً». هذا عتابه ﷺ لرد عليّ النصيحة بأن يقوم الليل، الذي رد به رداً صحيحاً؛ الأنفس بيد الله عز وجل، لكن الآن أنت صاحٍ وأنا أيقظتك فقم فصلِّ ولا ترد بهذا الرد.

وهنالك أمثلة كثيرة، ولكنها كلها تدلك على نهجه ﷺ في دعوة أمته، في دعوة أصحابه، في معاتبته إياهم ولومهم من باب تأديبهم وتعليمهم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الحلقات ومن هذه الدروس من مادة السيرة النبوية من الشمائل المحمدية ﷺ في المستوى الرابع.

أسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا وإياكم ممن يحشرون يوم القيامة تحت لوائه ﷺ، وممن يردون على حوضه فيشربون، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغباً في كل علم نافع ... متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد نهجاً والسيرة العلياء ... عاطرة الشذى يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زادنا كاذبين ... بالعلم كالآزهار في البستان