دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة عطرة الشذا، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد بني آدم، هو خير البشر عليه الصلاة والسلام، ولذلك هو يحب ويبغض، لأنه من البشر. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحب أموراً كثيرة؛ كان يحب من الصحابة من ذكرنا، وكان أيضاً يحب من الأمكنة والأيام والأشهر.

نعرج عليه أو نذكر شيئاً منه؛ صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب من البلاد مكة، وما أدراك ما مكة؟ فهي خير بقاع الأرض بلا خلاف ولا شك عند المسلمين، باستثناء ما ورد عن الإمام مالك بن أنس أن المدينة هي خير البلاد، ولكن الجمهور على أن مكة هي خير بقاع الأرض.

قال صلى الله عليه وآله وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». وأيضاً روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».

هذا الشعور، هذا الحب لتلك البقاع المقدسة كان يحتفظ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينسى فضل تلك البلاد، لا لأنه ترعرع فيها ونشأ، لا؛ لأنها حوت أحبابه وأقربائه، لكن المنطقة، المكان، البقعة مقدسة لما حباها الله عز وجل من تشريف وتكريم.

محبته عليه الصلاة والسلام لمكة، لبكة، لأم القرى، للبلد الحرام، للبلد الأمين، فيها أول بيت وُضع للناس، قال عز من قائل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]. ولذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن أول مسجد وُضع في الأرض فقال: «المسجد الحرام»، فقيل له: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، وبين عليه الصلاة والسلام أن بينهما أربعين سنة.

إذاً لا شك أن للبيت الحرام، لمكة، مكانة خاصة عند الله عز وجل وعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكم نغفل عن هذا الفضل! نغفل عن أجر الصلاة في المسجد الحرام والتقرب إلى الله عز وجل عن طريق ذلك. النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة.

سبحان الله! يعني الصلاة في الحرم المكي أفضل من مائة صلاة في الحرم النبوي، والصلاة في الحرم النبوي أفضل من ألف صلاة فيما سوى ذلك. تصلي في مكة أربعة أيام، في الحرم خمسة فروض عشرين صلاة، كأنك صليت عاماً ونيف في المدينة. ومع ذلك يرغب الناس عن الذهاب إلى مكة، يذهبون إلى بلاد العالم، يسافرون، يتمتعون، يتنزهون، إن قيل لهم تعالوا نقضي أسبوعاً في مكة، قالوا: الجو حر، مكة ما فيها شيء، ماذا نفعل؟ سبحان الله! الإيمان يرتقي بالناس، وقلة هذا الإيمان تحرمهم من الأجر والفضل.

الله عز وجل جعل مكة أحب البقاع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أحب البقاع إلى الله عز وجل، جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم، ولا يُعتدى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا يُنفر صيدها، ولا يجوز لمسلم أن يلتقط لقطة في الحرم إلا ليعرفها، فإن لم يجد صاحبها لم يحل له أن يتملكها أبداً، ما يجوز أن يتملكها ولا أن يأخذها إلا ليعرفها.

أخبر الله تعالى أنها أم القرى، وأنها قبلة الناس أجمعين، ما من ميت مسلم مقبور في قبره إلا وهو متجه إليها، ما من قبلة يتوجه الناس إليها إلا هي. الأمن مضمون لمن دخلها، ومن دخله كان آمناً. يحرم استقبالها واستبراءها عند قضاء الحوائج. اختارها ربنا عز وجل لمناسك الحج، وجعل القصد إليها عبادة ترفع بها الدرجات وتمحى بها السيئات، كيف بعد ذلك كله لا يحبها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؟

وكذلك معروف عنه عليه الصلاة والسلام حبه للمدينة، «على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام»، وهي طيبة، وهي طابة. هذه المدينة التي قالت عنها أمنا عائشة: «قدمنا المدينة وهي وباء، يعني ذات وباء»، فاشتكى أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة رضي الله عنهم أجمعين. فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ورأى شكوى أصحابه دعا ربه عز وجل.

المدينة كانت ذا جو عجيب؛ من جاءها من غير أهلها لا بد أن يصاب بالحمى، لا بد أن يمرض. فكان الصحابة عندما هاجروا إليها، وقد تركوا أموالهم وأولادهم وديارهم، حالتهم النفسية ليست في حالة أي أحد، لأنهم تركوا كل شيء في سبيل الله عز وجل. فلما ذهبوا إلى تلك الديار التي هاجروا إليها وأصيبوا بذلك الوباء، قذف الشيطان في قلوب بعضهم أن هذه الهجرة شيء ما هو بالأمر الذي تنشرح له الصدور، يعني بعض الأحيان نحن نقول الشغلة مقفلة من جميع النواحي أبداً، لكن هذا الشيطان يقذف في قلوب المؤمنين، إذا مسهم طائف من الشيطان. تذكروا ماذا فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى ما أصاب أصحابه؟ هذا ما سنتداوله إن شاء الله بعد الفاصل، فأبقوا معنا.

صيانة للمرأة عن الأذى، وأمان لغيرها من الفتنة، وحفاظ على المجتمع من السقوط في مهاوي الرذائل والشهوات؛ الحجاب فرضه الله على المرأة المسلمة وأمرها بالالتزام به أمام كل رجل أجنبي عنها، ولو كان من قارب غير المحارم. وحجاب المرأة وما ستر جميع البدن، وكان موافقاً للشروط الآتية: أن يكون كثيف النسيج لا يكشف ما تحته، أن يكون فضفاضاً لا يصف ما دونه، ألا يكون زينة في نفسه، ألا يكون مبخراً أو مطيباً، ألا يشبه ثياب الرجال، ألا يشبه زي الكافرات، ألا يكون ثوب شهرة تمتاز به عن قريناتها.

ما دون ذلك كان داخلاً في التبرج الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33]. فالمرأة المسلمة تلتزم أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم كي تفوز برضا الله تعالى وجنته، وتنجو من الوعيد الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد مما سيرة كذا وكذا».

السلام عليكم ورحمة الله. عندما رأى عليه الصلاة والسلام ما أصاب أصحابه من وباء وحمى...

دعا ربه عز وجل فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد»، وصححها أي اجعل من يدخلها في صحة وعافية، وبارك لنا في ساعها ومدها، وحوّل حماها إلى الجحفة. وهذا الحديث رواه الإمام البخاري في الصحيح.

إذن هذه الحمى التي تصيب من يدخلها، اللهم حولها إلى الجحفة، والجحفة آنذاك كان يقطنها المشركون، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ميقاتًا للإحرام لمن قدم من الشام ومن قدم من شمال أفريقيا من مصر وتونس والمغرب ونحو ذلك. وهذه من علامات النبوة صلى الله عليه وسلم أنه جعل هذه المواقيت لمن يأتي من بلاد لم تكن أسلمت بعد، مثل مصر والشام، هذه المناطق ما فُتحت في عهده.

ومع ذلك وقتها عليه الصلاة والسلام جعل الجحفة لمن قدم منها وهو متيقن أنهم سيسلمون، كما حصل ورأينا بفضل الله ومنه وإحسانه عز وجل استجابة للدعوة ونقل الحمى إلى الجحفة، فهلك أهلها وأصبحت قرية الآن مهجورة. لذلك الناس عندما يتكلمون عن الإحرام أو المواقيت يذكرون رابغ، وهي قبل الجحفة بقليل لأنها مدينة مأهولة مسكونة معروفة، بخلاف الجحفة التي هلك أهلها بسبب هذه الحمى، والله أعلم.

النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للمدينة بأن يحببها الله عز وجل للمسلمين، وأن يجعلها أحب إليهم كحبهم لمكة أو أشد، فاستجاب الله تعالى دعاءه. كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو لها بالبركة، وكل من يسكن في المدينة يعلم هذه البركة ويلمسها ويراها؛ نصف مصروفاته في المدينة، بينما إذا خرج إلى غيرها وجد أن النفقة تزداد عليه بسبب هذه البركة.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر وعاد إلى المدينة ورآها، كان يسرع بدابته ويحركها حبًا وشغفًا بالمدينة. أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أضعف راحلته»، أي أسرع في السير، وإن كان على دابة حركها من حبها. سبحان الله، هذا الإسراع الجسدي حبا في تلك الديار وتلك البقاع.

ابن حجر يقول: وفي الحديث دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه. طبعًا هذا الوطن يحبه الإنسان حبًا فطريًا لأنه ولد فيه أو نشأ فيه، لكن إن كان هذا الوطن معادًا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام وللدين، فإن هذا الحب ينزع من القلب، ويكون ولاء الإنسان وبراؤه متجهًا إلى بلاد الإسلام، إلى البلاد التي فيها الإسلام معززًا مكرّمًا.

كذلك من حبه عليه الصلاة والسلام أنه جعل للمدينة حرمًا، فجاء عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرمًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف».

طبعًا هذا التحريم في هذه الأمور، فهي ليست كمكة من ناحية تحريم دخول المشركين كما حرم الله ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، إنما المشركون النجس فلا يقربوا المسجد الحرام. هذا التحريم خاص بهذه الأمور التي ذكرها عليه الصلاة والسلام، من أن لا يراق فيها دم، وأن لا يحمل فيها سلاح لقتال، وأن لا تقطع شجرها ولا يختلى خلاها إلا لعلف أو نحوه؛ لأن ثُمامة بن أثال عندما كان مشركًا وأسرته أسرته جند الله، ربط في سارية المسجد النبوي ثلاثة أيام، والقصة معروفة، ودل ذلك على جواز دخول غير المسلمين إلى المدينة بخلاف مكة.

وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الإيمان ليأرز -أي ينضم بعضه إلى بعض- إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»، هذا كله لتبيين فضل المدينة التي يحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» إذا كان مسلمًا. إذن هذا فيه فضل الموت في المدينة.

لا كما يظن البعض إذا ماتوا في بلدة أخرى ثم أُتي بالجثمان ليدفن في البقيع أو في غيرها أن هذا له فضل، هذا ليس له أي فضل، وهو من الأمور المكروهة إن لم يكن محرمًا؛ لما فيه من مشقة على أهل الميت ولما فيه من تأخير لدفنه. كثير من أهل المدينة إذا مات في جدة أو في الرياض ذهبوا بجثمانه ليدفن في المدينة، هذا ما له أي فضل ولا له أي أساس. الفضل أن تسكن وأن تعيش في المدينة وأن تموت فيها.

ولذا سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا -وهذا يحصل الآن كثيرًا- يقول: لماذا لا تذهب فتسكن في المدينة الفلانية أو البلاد الفلانية فيها أجر، وفيها مال ورزق ووظائف، واترك هذه المدينة ما أحد يأتيها ما فيها عمل؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون».

هذه هي طيبة، هذه هي طابة التي كان يحبها عليه الصلاة والسلام، وفيها جبل أحد، وما أدراك ما جبل أحد؟ النبي صلى الله عليه وسلم وهو قافل من غزوة تبوك عندما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة»، اسمها طابة من الطيب، غابت وهي طيبة وهي المدينة، ولا يجوز أن يسميها كما يفعل بعض المؤرخين وبعض من يكتب في الشؤون الإسلامية بأنها يثرب؛ يثرب هذا اسمها في الجاهلية ولا يصلح أن يستخدم في هذه الأيام، هي المدينة أو هي طيبة أو طابة.

فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه»، طيب نحن نحبه فهمنا، لكن كيف هذا الجبل يحبنا؟ أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: صعد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، هذه هزة أرضية، فضربه برجله فقال: «اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان»، رواه البخاري في صحيحه.

إذن هذا الجبل يحبنا ونحبه، طيب كيف هذا؟ النووي رحمه الله قال: الصحيح المختار أن معناه على الحقيقة أن أحدًا يحبنا جعل الله فيه تمييزًا يحب به، كيف هذا جماد؟ قال النووي والعلماء: حتى الجمادات لها حب ومشاعر اختصها الله تعالى بها. كيف هذا؟ إن شاء الله سوف نتدارسه بعد الفاصل، فابقوا معنا.

فاتاني قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب نارًا، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة.

ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي؛ التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات. فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعينه عند الفتور والكسل. فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا الجبل الذي حدثت عنده تلك المعركة العظيمة له مشاعر، لكن قد لا نتفطن إليها، قد لا نشعر نحن بها، ولذا قال ربنا عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهُبُّ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحج: 46]. هذه الحجارة التي هي حجر جماد منها من يهبط من خشية الله، إذا هي أيضًا تخشى الله عز وجل.

جاء في الصحيح أن النبي ﷺ عندما ترك الجذع الذي كان إذا خطب الناس في المسجد يتكئ عليه، بعد أن صنع له المنبر صنعته له امرأة، كان عندها نجار، جعل الجذع يحن ويسمع له صوت من البكاء، وهو جذع الرسول ﷺ. وأخبر أنه كان يعرف حجراً بمكة يسلم عليه كل ما مر به، وأن الحصى تسبح. بل إن الله عز وجل أنطق ذراع الشاة المسمومة التي دعت الرسول ﷺ؛ إذ دعت الرسول ﷺ إليها امرأة يهودية، أنطقها الله عز وجل وكلمت النبي ﷺ. وكما قال سبحانه عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. إذا هذه الطاولة تسبح بحمد الله عز وجل، هذا الكوب، هذا الثوب، كل ما في الكون يسبح الله تعالى، لكننا في غفلة.

نحن نرى أنفسنا أننا الصفوة من خلق الله عز وجل، وننظر إلى من دوننا من البشر كأنهم حشرات وكأنهم مخلوقات لا تستحق الحياة، هذا هو الكبر الذي يحجب صاحبه من دخول الجنة، فكيف بتعاملنا مع الجمادات؟ لو أننا عبدنا الله عز وجل بهذه النظرة، وأن كل ما في الكون يسبح الله وما أنا إلا ممن في هذا الكون، لتغيرت أحوالنا.

إذا كان جبل أحد -وهو ذاك الجماد- يحب النبي ﷺ حباً على الحقيقة لا مجازاً، مع أن النبي ﷺ لم يُبعث لجبل أحد وليس له عليه منة ظاهرة، إذا كان الجبل يحب النبي ﷺ وهو لم يُرسل إليه، فكيف بمن أرسل إليهم ﷺ ومنته ﷺ علينا ظاهرة؟ كيف يجب أن يكون حبنا له ﷺ؟ لا شك أنه الغاية في المحبة. ولا شك أننا نحب جبل أحد لحبه ﷺ.

لهذا الجبل، الرسول ﷺ كان يحب من بقاع الأرض المساجد وأخبر عن فضلها؛ في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورجل قلبه معلق في المساجد». والأحاديث في فضل المساجد عظيمة وكثيرة، ويكفينا منها أن: «أحب البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق». وهذا يظهر حقيقة الإيمان إن وجدت في الشاب أو في الفتاة؛ حباً للذهاب إلى بيوت الله والبقاء فيها وذكر الله والاعتكاف، فاعلم أن ذلك علامة الإيمان.

أما إن وجدت أن الأوقات تقضى في تلك المولات والأسواق التجارية في الساعات الطويلة، بما في ذلك من اختلاط وعدم غض للبصر واستماع للأغاني المحرمة والموسيقى التي أصبحت في كل مكان، وتلك المناظر المخلة بالآداب، مع ذلك يجد الإنسان نفسه وقلبه فيها، فاعلم أن ذلك علامة على غير ذلك، نسأل الله لنا ولكم العافية من الأزمنة.

كان ﷺ يحب مثلاً العشر الأول من شهر ذي الحجة؛ قال ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشر-، قالوا: يا رسول الله، والجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء». وكان أيضًا ﷺ يحب العشر الأواخر من شهر رمضان، فكان يعتكف في لياليها، وكان يشد مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله حباً في تلك الليالي التي تشتمل على أفضل الليالي، التي هي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.

أما من الأيام، فكان ﷺ يحب يومي الاثنين والخميس؛ فأما يوم الاثنين فكان يصومه ﷺ ويحث الناس على صيامه، وعندما سئل عن سبب صوم يوم الاثنين قال: «ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه». إذاً من حبه ليوم الاثنين أنه كان يصومه. وقد يأتي إنسان ويقول: طيب، أنا ولدت يوم الأحد، هل يصلح أن أصومه؟ نقول له: قطعاً لا يصلح. قال الرسول صام يوم الاثنين، قال: هذاك رسول، هذا اليوم الذي ولد فيه وبعث فيه، أما أنت فمثلك مثل مئات الملايين من الناس، ما الذي قدمته للبشرية؟

أضف إلى ذلك أن الرسول ﷺ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أنت تريد أن تصوم صوم الاثنين والخميس، أما أن تصوم يوم مولدك فهذه بدعة؛ لأن الرسول ﷺ بين لنا فضل يوم الاثنين، ولم يبين لنا فضل يوم الثاني عشر من ربيع الأول كما يفعل بعض المبتدعة باحتفالهم بمولده ﷺ. إن كنت تحبه حقيقة فاحتفل بميلاده بصوم يوم مولده يوم الاثنين، فهي عبادة، وغير ذلك بدعة.

وكان يحب من الأيام الخميس؛ يصوم الاثنين والخميس، وذاك يوم تعرض فيه الأعمال على الله، وكان يحب أن يعرض عمله وهو صائم. وكان ﷺ يحب أن يخرج يوم الخميس، يعني أن يبدأ سفره يوم الخميس لأمور معينة؛ لأنه يوم مبارك ترفع فيه الأعمال، لأنه أتم الأسبوع كما قال بعض أهل العلم، لأنه كان يتفاءل، والرسول ﷺ كان يحب التفاؤل كما سيأتي معنا إن شاء الله.

أما من الشهور، فكان ﷺ يحب الأشهر الحرم، وكان يحب شهر رمضان لما فيه من عبادة وصيام وتقرب إلى الله عز وجل، وكان يحب شهر شعبان ويخبر الناس عندما يسألونه عن سبب صيامه.

لشعبان أكثر مما سواه. طبعاً أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، لكن ما رُئي الرسول عليه الصلاة والسلام يصوم شهراً أكثر من رمضان سوى شعبان. وعندما سُئل، فقال: ذلك شهر بين شهر الله المحرم رجب وبين رمضان يغفل عنه كثير من الناس، وكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يصوم من هذا الشهر، وربما كان يصله برمضان.

تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصومه شعبان، بل كان يصله برمضان. وهذا يدلك على فضل هذا الشهر الذي يغفل عنه كثير من الناس.

هذا والله أعلم ونسب العلم إليه أسلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يأتيك ميسوراً بأي مكان.