يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة عطرة الشذا، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال». في الدرس الماضي تكلمنا فيه عن شيء من أحزانه صلى الله عليه وآله وسلم، وقلنا إن الحزن يكون مما فات، واليوم نتكلم عن همومه عليه الصلاة والسلام، والهم هو خشية ما يستقبل من الأمور، وبينهما عموم وخصوص.
ولا شك أن الهم يكدر النفس، ولذلك كان أكبر هم يحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو هم إدخال الناس في دين الإسلام ودعوتهم إلى الله عز وجل، لدرجة أن الله تعالى قال له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف: 6]. وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. باخع تأتي بمعنى مهلك أو قاتل نفسك.
الله عز وجل ينهى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يحمل هذا الهم فوق طاقته، مما قد يؤدي إلى تلفه أو هلكته لقوة وشدة رغبته في أن يسلم الناس، هذا ليس لك يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأبي هو وأمي هذا الأمر بيد الله عز وجل، أمر الهداية والتوفيق والإلهام لله سبحانه وحده. لذا الله عز وجل ينهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن الإضرار بنفسه وعن هلكة نفسه لشدة حبه في أن يسلموا.
وأما ما جاء في صحيح البخاري من أن النبي عليه الصلاة والسلام عند انقطاع وفترة الوحي كان يصعد إلى قمم الجبال كي يتردى منها ويقتل نفسه ويلقي بنفسه من شاهق، فهذا أمر يذكره بعض أهل السيرة، ويذكره بعض من لا علم له بعلم الحديث الشريف، ويقولون روى البخاري، وهذا غير صحيح. الحديث يعرف عند المحدثين باسم البلاغات، وهو من بلاغات الزهري، والزهري ليس من الصحابة، فقال: بلغني قد بلغك ممن من تابعي أو من تابعي تابعي أو من صحابي لا ندري، لذلك بلاغات الزهري هي من باب الأحاديث المنقطعة التي لا تصح، فالحديث المنقطع إسناده غير متصل ولا يقبل.
فضلاً عن أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يلقي بنفسه وينتحر لأي سبب من الأسباب، وهذا أمر محرم في شرع الله عز وجل ومنافٍ للعقل وكماله الذي كان يتمتع بأفضله صلى الله عليه وآله وسلم. قال السعدي رحمه الله: «لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصًا على هداية الخلق ساعيًا في ذلك أعظم السعي، كان يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين شفقة منه عليهم ورحمة بهم. أرشده الله تعالى ألا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا القرآن».
هذا هو الهم الذي كان يحمله عليه الصلاة والسلام، كان يحمل هم البشرية جمعاء، وكان يحمل هم أمته خاصة؛ فالأمة أمة دعوة وهي البشرية جمعاء، فمنها مؤمنهم وكافرهم، وهذه أمة الدعوة، وهنالك أمة الاستجابة وهم من استجاب لدعوته وآمن به صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يحمل هم أمته ويحمل مصيرها في الآخرة.
لذلك جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا ذات ليلة قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وتلا قول عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى.
انظر إلى هذا الهم الذي يجعل رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ويتضرع إلى ربه، فقال عز وجل لجبريل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك»، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره عليه الصلاة والسلام، وأخبره رسولنا بما قال وهو أعلم، وقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك». أخرجه الإمام مسلم.
هذه رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بأمته، تلك الرحمة التي ظهرت جليًا في تضرعه إلى الله في سؤاله أن يرحم هذه الأمة، التي من أعظم نعم الله عز وجل علينا أن بعث لنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم نبيًا ورسولًا، وإلا لو وكلنا الله تعالى إلى أعمالنا، لو وكلنا الله تعالى إلى أنفسنا لضللنا ولخِبنا ولا أفلحنا أبدًا.
رسولنا عليه الصلاة والسلام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الأصل أنه يرتاح مثل هذا الذي عمل طيلة أربعين سنة ثم جاءه التقاعد الطبيعي أن يجلس ويرتاح ويستمتع بهذا الراتب الذي يأتيه آخر كل شهر بلا تعب منه ولا مشقة لأنه قد ضمن الفوز. النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أعظم من ذلك، لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يحمل هم هذه الأمة دعوتها، ويحمل هم هذه الأمة مصيرها، ماذا سيحصل وسيصير بها يوم القيامة؟ يرفع يديه يتضرع إلى ربه يبكي.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا مواقف وأحداث نعيشها كل يوم فنحتار كيف نتصرف؟ وماذا نفعل؟ مع الأهل والأقارب، مع الأولاد والأحفاد، مع الجيران، مع الأصحاب، مع الفقراء، وكذلك الأيتام وغيرهم من أصناف الناس. وتطل علينا السيرة الشريفة لتدلنا على القويم والتعامل الحكيم وفق منهج النبوة وعلى خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كتاب «كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم» للشيخ محمد صالح المنجد، قراءة عملية للجوانب الاجتماعية من السيرة الشريفة من مجموعة زاد للنشر.
من الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمل همها الصلاة، إلى درجة أنه حمل هذا الهم حتى وهو في مرض موته، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أغمي عليه ثم فاق أول ما يسأل عنه: «أصلى الناس؟»، فصلى الناس وهو في مرض موته وهو في مشقة وتعب. يا رسول الله، أتريد أن تحمل هم الآخرين إن هم لم يحملوا هم أنفسهم إذا هم لم يريدوا أن يصلوا؟ أنت مع ذلك تحمل همهم؟ نعم، لأنه الرحمة المهداة صلى الله عليه وآله وسلم، يحمل همهم.
لأنهم لا يعرفون مصالح أنفسهم، فالصلاة هي عماد هذا الدين وركنها الركين؛ لذا جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «كان آخر كلام النبي عليه الصلاة والسلام مما أوصانا به: الصلاة، الصلاة».
اتقوا الله فيمن ملكت أيمانكم، إذاً حتى في مرض موته يوصي أصحابه بالصلاة. والعجيب أنك تجد بين الذين يدعون الإسلام ويظهرونه من يطالب بعدم التحجير على الناس، فإذا سمع من يأمر الناس بالصلاة قال: هذا إكراه في الدين. ومن رأى من يأمر الحث على إغلاق المحلات قبل وقت الصلاة كي يصلي المسلمون مع المسلمين في بيوت الله قال: هذا فيه خسارة على الاقتصاد، وإضاعة للمليارات من الأموال. سبحان ربي! هل الرزق والبركة إلا من الله عز وجل؟
بعض الأحيان تتعجب من أولئك الذين ينتسبون إلى الإسلام ثم يجاهرون بكلام قد يفضحهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [الفتح: 6].
النبي عليه الصلاة والسلام يحمل هم النساء والضعفاء، ويوصي بحق الأرملة وحق اليتيم، يوصي الرجال بالإحسان إلى النساء عامة وإلى أزواجهن خاصة. يوصي الناس بالإحسان إلى زوجاتهم؛ لماذا؟ لأنه كما وصف المرأة بأنها أسيرة، عوان عانية، أي أسيرة عند الرجل، فيوصي الرسول عليه الصلاة والسلام، يحمل هم المرأة، يحمل هم حقوقها أن تضيع، لا كما يفعل البعض من حملة هم إخراجها من الدين والزج بها بين الرجال وتجريدها من حجابها وعفتها وحيائها؛ ليس هذا هو شرع الله عز وجل، وليس هو ما كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من همومه الدعوة إلى الله عز وجل، وأهم ما يُدعى به إلى الله تعالى التوحيد؛ فالتوحيد هو صلب هذا الدين وأساسه. بدون توحيد لا يوجد إسلام؛ إن صلى العبد وصام وزكى وحج وفعل جميع الطاعات ولكنه أشرك مع الله تعالى، هل يقبل منه؟ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].
إذاً المسألة عظيمة، مسائل التوحيد، ولذلك العالم بأسره يحارب التوحيد ويحارب من يدعو إليه، ويتهمونهم بشتى أنواع التهم المعلبة، وعلى رأسها شرف الانتساب إلى مذهب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فكل من يدعو إلى التوحيد يصمونه بأنه وهابي. ولا يوجد شيء اسمه وهابية، ولا يُعرف مذهب باسم الوهابية، إنما هي عقيدة سلفية صافية ناصعة البياض يحاربون كل من يدعو إليها.
ولذلك أمنا عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، قال لما نزل الموت برسول الله عليه الصلاة والسلام طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشف فوجهه، أزالها عن وجهه وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر مما صنعوا. وفي رواية في الصحيحين عن أمنا عائشة تقول: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
يعني الرسول عليه الصلاة والسلام دُفن في بيته، لم يُدفن في المسجد؛ ولتحذيره وللعنة اليهود والنصارى لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد تقول لذلك: ما أبرزنا ورفعنا قبره لكي لا يتخذ مسجداً، لكي لا يأتي الجهلة والضلال فيسجدون عند قبره ويتبركون به كما نرى، نسأل الله السلامة والعافية.
إذا كان عليه الصلاة والسلام يحمل هم أن تشرك أمته وأن يغلوا فيه كما غلوا في عيسى ابن مريم فقالوا ابن الله، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 43]، فهل وقع هذا الغلو في نبينا عليه الصلاة والسلام كما حذر؟ هل حصل ما كان يخشاه عليه الصلاة والسلام ويحمل همه؟
نحن نرى اليوم أعداء العقيدة الصحيحة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة، من يغلوا في النبي عليه الصلاة والسلام حتى أنزله أقوام فوق منزلته وأعطوه من خصائص الربوبية ما لا يجوز إلا لله عز وجل؛ قصيدة البردة التي يتغنى بها كثير من تلك الطوائف الضالة، ويجعلونها دستوراً لهم في حياتهم، وربما آمنوا بها أكثر من إيمانهم بالقرآن والسنة المطهرة.
يقول القائل: يا أكرم الخلق، يعني يا نبي الله، من هو أكرم الخلق؟ الرسول عليه الصلاة والسلام. يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم، أعوذ بالله! نحن لا نلجأ إلا إلى الله عز وجل، ﴿لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [القصص: 88]. وهذا يقول ليس لنا أحد نلجأ إليه إلا أنت يا رسول الله! يقول: إن لم تكن آخذاً يوم الميعاد بيدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم، إذا أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام وعفوه عنا وإلا فإن الإنسان يكون من الخاسرين يوم القيامة. ويختم ذلك بقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها، يعني من كرمك يا رسول الله هذه الدنيا والآخرة الضارة هي الآخرة! هل هذا كلام يقوله مسلم؟ هل من كرم الرسول ومن جوده أننا في هذه الدنيا وأن الآخرة أيضاً من جوده؟ قال: ومن علومك علم اللوح والقلم، فماذا أبقى لله عز وجل؟
هذا الذي يدعي للنبي عليه الصلاة والسلام ما ليس له، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه السوء، لكن هؤلاء غلوا في النبي عليه الصلاة والسلام وتوجد طوائف ضالة منهم من تزعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب، من الرسول عليه الصلاة والسلام في نظرهم ناظر حاضر، يرى كل ما في الكون ويتصرف فيه، هو الذي يصرف الأمور بزعمهم الآن.
ولذلك في مواولدهم يقف الناس كلهم منشدين: "مرحبا يا نور عيني، مرحبا يا جد الحسين"، ويأتوا بالمراشش يرشون العطر ويقولون: "روح الرسول عليه الصلاة والسلام أتت تبارك المجلس"، أي ضلال هذا؟ وأين هي عقول الناس؟ كيف لعب بهم الشيطان حتى أوصلهم تلك المواصيل؟ نسأل الله عز وجل الثبات والحياة والممات على سنته صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يجعلنا من المتبعين لا من المبتدعين.
فاصل قصير وبعد نواصل بإذن الله، فانتظرونا.
يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عيدية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أية مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟ الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. والشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كأن يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها، لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقها ولا يستفيد منها، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه؛ فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم...»
يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس؛ فذكر منها: وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من الأمور التي كان يحمل همها نبينا ﷺ المال، خلافًا لما نحمله نحن؛ نحن نحمل هم جمع المال، بينما النبي ﷺ يحمل هم بقاء المال.
فعن عقبة رضي الله عنه قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال لهم مبررًا: «ذكرت شيئًا من تراب عندنا فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته».
الله أكبر، الرسول ﷺ في صلاته انتهى من الصلاة عوضًا عن التسبيح والتحميد والتكبير كما هو متعارف وذكر الله، قام مسرعًا إلى بيوت أزواجه يتخطى الرقاب، والناس جالسين فتعجب الناس وفزعوا، قالوا: لابد أنه في شيء خطير، أحد مات، أو عدوه هجم. فلما رجع ﷺ بعد قليل رأى علامات التعجب على وجوه الناس، برر لهم فعله فقال: «عندي شيء من تراب الذهب»، يعني شيء لا يذكر موجود في بيتي فكرهت أن يحبسني كيف أؤخره، وخرج فوزعه في وجوه الخير ورجع.
هذا همه عليه الصلاة والسلام؛ يحمل هم المال الذي عنده أنه ما صرفه، وهو الذي جاء عنه أنه لو كان عنده مثل جبل أحد ذهبًا ما أحب أن يجلس عنده أو يمكث ثلاثًا -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- إلا وقد صرفه. نحن نحمل هم القرش: من أين نجمعه؟ حلال أم حرام؟ وفي أين وكيف ننميه؟ نحمل هم الأرض، نحمل هم البناء، نحمل هم التجارة، نحمل هم الكسب، نحمل هم الدنيا: كيف نجمع وكيف يكون الإنسان جَموعًا مَنوعًا، يجمع المال من حله وحرامه ويمنع إنفاقه فيما يجب، وهذه مصيبة.
قال إن حال الرسول ﷺ بحال أكثر المسلمين الذين يتحايلون على إخراج الزكاة في مصارفها، مليارات وملايين، لو أدى الناس حق الله فيها لما بقي فينا فقير، لكنه التحايل واللعب والغفلة، والجاهل بأن الرزاق كريم، لطيف، كريم، لا ينسانا من فضله ومنه، ومع ذلك لا يريدون البركة ويظنون أنهم جمعوا ذلك بقدرتهم وعلمهم.
كذلك استمع إلى هذا الحديث الذي يظهر لك هم النبي ﷺ وما كان يلحقه من وراء تلك الهموم، أمنا عائشة تقول للرسول ﷺ: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟»، فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالين، ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت»، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي.
وهذا الشاهد، الرسول يذهب إلى الطائف ﷺ يستنجد بأهلها وكبرائها كي يكون له عونًا على نشر الدين، لأن مكثه في قريش ثلاث عشرة سنة ما أنتج ما أراد من دعم الإسلام والدعوة إليه، فخرج يعرض نفسه على القبائل، وممن خرج إليهم كانت الطائف، فما قبلوا دعوته وكذبوه وسلطوا عليه سفهائهم، فضربوه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، فخرج مهمومًا على وجهه يقول: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب»، يعني نزل هذه الساعات الطوال وهو لا يدري بما حوله من أمور، ولم يسترجع قواه وعيه إلا في قرن الثعالب.
أي هم هذا الذي كان يحمله عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله عز وجل؟ والحديث تعرفونه حديث نزول ملك الجبال وقوله: «إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين»، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من الله وحده لا يشرك به شيئًا».
قصص عجيبة لو أردنا أن نتوسع فيها لما اتسع المقام؛ ثلاثة عشر سنة يدعو إلى الله ويصده الناس، يعرض نفسه على القبائل ويصده الناس، تخرج خلفه قريش يريدون قتله. من قرأ هذه الفترة قال: من أكبر وأعظم المستحيلات أن تقوم للإسلام قائمة، فضلاً عن أن تكون له للإسلام دولة، فضلاً عن أن نسيطر على معظم العالم في سنوات معدودات.
أمر معجز، أمر لا يمكن تصديقه؛ بعد أن كان عليه الصلاة والسلام مهددًا بالقتل، يصبح على أعظم وأقوى دولة تهابها الروم وفارس، ثم بعد ذلك تأتي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ويحصل من التوسع ما الله به عليم، وليس كتوسع التتار السريع الذي فشل وهبط وسقط سريعًا، بل إلى يومنا هذا خمس عشرة قرنًا، خمسة عشر قرنًا والإسلام قوي بفضل الله عز وجل ومنه وكرمه وسيظل إلى قيام الساعة، أمر معجز.
النبي ﷺ كان يحمل هم ما سيأتي على أمته من الفتن، زينب بنت جحش رضي الله عنها أم المؤمنين تقول: دخل علي النبي ﷺ سلم فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب». الرسول يحمل هم ما يعلم من الفتن القادمة، فقالت: «وقد قال لها يعني فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر هذا»، وحلق عليه الصلاة والسلام بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقالت أمنا زينب: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟»، قال: «نعم، إذا كثر الخبث»، إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاءت أمتهم.
لذلك كان يحمل هذا الهم النبي ﷺ ويحذر منه الأمة، إذا كثر الصالحون ولم يوجد المصلحون فإن الأمة يؤذن بهلاكها. الرسول ﷺ عاش حياته في مكة طيلة الأربعين سنة وهو صالح حتى عُرف الصادق الأمين، لما نُبئ وأُرسل أصبح مصلحًا عاداه قومه كلهم؛ لأن الناس لا يحبون المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يحبون الصالحين الذين صلاحهم على أنفسهم، ليكن صلاحك في المسجد على نفسك لكن لا تأتِنا.
النبي ﷺ يعرف في وجهه الكراهة إذا رأى الغيم، تسأله أمنا عائشة عن ذلك، تقول: الناس يستبشرون، فيبين لها أنه يحمل الهم أن يكون في ذلك عذاب من الله عز وجل والناس لا تشعر، قال: «يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذب قوم بالريح»، قد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا؛ رواه البخاري في صحيحه. قارن هذا بأحوالنا مع الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات وأعاصير وبراكين، كيف نمر عليها مرور الكرام ونحن في غفلة واطمئنان!
أخيرًا، همومه ﷺ كان في مرضاة الله، فكيف هي همومنا؟ يقول عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».
نسأل الله أن يجعلني وإياكم من ذلك. يقول عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له». نسأل الله لنا ولكم العافية.
هذا والله أعلم، نسبة العلم إليه أسلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكاديمية ينبوعها صافٍ، والسيرة العلياء عطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا، زدنا كأدبية بالعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم